مسند الفاروق ت إمامصفحات 289-328

كتاب الجنايات

صفحات 289-328

إسناد جيد.

حديث في فضل النفقة في الغزو

(623) قال الإمام أحمد 1: ثنا يونس -يعني: ابن محمد-، ثنا ليث، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عثمان بن عبد الله -يعني: ابن سُرَاقة-، عن عمرَ بن الخطاب قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن أَظَلَّ رأسَ غازٍ، أَظَلَّهُ اللهُ يومَ القيامةِ، ومَن جَهَّزَ غَازِيًا حتى يَستَقِلَّ كان له مثلُ أَجرِهِ حتى يموتَ أو يَرجِعَ، ومَن بَنَى مسجدًا يُذكَرُ فيه اسمُ اللهِ، بَنَى اللهُ له بَيتًا في الجنَّةِ».
ثم رواه أحمد 2، عن أبي سَلَمة الخزاعي، عن اللَّيث.
وعن الحسن بن موسى 3، عن ابن لَهِيعة.
كلاهما عن الوليد، به.
ورواه ابن ماجه 4، عن أبي بكر بن أبي شيبة 5، عن يونس بن محمد

-وهو: المؤدِّب-، عن اللَّيث، به.
وأخرجه 1 من وجه آخر، عن ابن الهاد، ببعضه.
وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» 2، عن أبي يعلى 3، عن أحمد بن إبراهيم / (ق 220) الدَّورقي، عن أبي عبد الرحمن المُقرئ 4، عن اللَّيث، به.
واختاره الضياء في كتابه 5.

وقد قال الإمام علي ابن المديني: هذا حديث مرسل؛ لأنَّ عثمان بن عبد الله بن سُرَاقة لم يُدرك عمرَ بن الخطاب 1. قلت: وقد رواه موسى بن يعقوب الزَّمْعي 2، عن عبد الرحمن بن

إسحاق المدني، عن الزهري، عن عثمان بن سُرَاقة، عن بُسر بن سعيد، عن زيد بن خالد، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، به.
قال الزهري: ثم أخبرنيه بُسر بن سعيد، فالله أعلم 1. = ولفظه: «مَن جهَّز غازيًا فله مثل أجره، ومَن خَلَف غازيًا في أهله فله مثل أجره».
وموسى بن يعقوب هذا: قال عنه ابن المديني: ضعيف الحديث، منكر الحديث.
وقال أبو داود: صالح، قد روى عنه ابن مهدي، وله مشايخ مجهولون.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال الدارقطني: لا يحتج به.
وقال الأثرم: سألت أحمد عنه فلم يُعجبه.
انظر: «تهذيب التهذيب» (10/ 278 - 379). ولخص حاله الحافظ في «التقريب»، فقال: صدوق، سيئ الحفظ.
وعبد الرحمن بن إسحاق المدني قال عنه البخاري: ليس ممن يُعتمد على حفظه إذا خالف مَن ليس بدونه، وإن كان ممن يحتمل في بعض.
قال: وقال إسماعيل بن إبراهيم: سألتُ أهلَ المدينة عنه فلم يُحمَد، مع أنه لا يُعرف له بالمدينة تلميذ إلا موسى الزَّمْعي، روى عنه أشياء في عدَّة منها اضطراب.
انظر: «تهذيب الكمال» (16/ 524). قلت: وقد تفرَّد هنا عن الزهري، وتفرُّد مثله لا يُحتمل.
وقد أخرجه البخاري (6/ 49 رقم 2843) في الجهاد، باب فضل من جهَّز غازيًا أو خَلَفه بخير، ومسلم (3/ 1506 رقم 1895) (136) في الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله ... ، من طريق حسين المعلِّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، عن بُسر بن سعيد، عن زيد بن خالد، به.
وأخرجه مسلم (1895) (135) من طريق عمرو بن الحارث، عن بُكَير بن الأشج، عن بُسر بن سعيد، به.

حديث في فضل الشهادة

(624) قال أبو داود الطيالسي في «مسنده» 1: ثنا حماد بن سَلَمة، عن هشام بن عمرو، عن رجل، عن عمرَ -رضي الله عنه- قال: كنتُ عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وعنده قِبضٌ 2 من الناسِ، فأتاه رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الناسِ خيرٌ منزلةً عند اللهِ يومَ القيامةِ بعد أنبيائِهِ وأصفيائِهِ؟ فقال: «المجاهِدُ في سبيلِ اللهِ بنفسِهِ ومالِهِ حتى تأتِيَهُ دعوةُ اللهِ وهو على متنِ فَرَسِهِ، وآخِذٌ بعَنَانِهِ».
قال: ثم مَن؟ قال: «وامرُؤٌ بناحيةٍ، أَحسَنَ عبادةَ ربِّهِ، وترك الناسَ من شرِّهِ».
قال: يا رسولَ الله، فأيُّ الناسِ شرٌّ منزلةً عند اللهِ يومَ القيامةِ؟ قال: «المشركُ».
قال: ثم مَن؟ قال: «وإمامٌ جائرٌ، يَجورُ عن الحقِّ، وقد مُكِّنَ له».
وحَصَر 3 رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبوابَ الغيبِ، فقال: «سلُوني، ولا تسأَلُوني عن شيءٍ إلاَّ نَبَّأتُكُم بِهِ».
فقال عمرُ: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دِينًا، / (ق 221) وبكَ نبيًّا، وحسبُنا ما أتانا.
قال: فسُرِّي عنه.
إسناده جيد؛ لكن فيه رجل مبهم لم يُسمَّ، ولم يخرِّجه أحدٌ من أصحاب الكتب السِّتة 4.

أثر في جواز قتل ذي الرَّحم الكافر في الحرب

(625) قال الإمام عبد الملك بن هشام النَّحوي 1: حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال لسعيدِ بن العاص ومَرَّ به: إنِّي أراك وكأنَّ في نفسِكَ شيئًا، أُراكَ تظنُّ أنِّي قتلتُ أباك، إنِّي لو قَتَلتُهُ لم أَعتذرْ إليك من قَتْلِهِ، ولكنِّي قَتَلتُ خالي العاصَ بن هشام بن المغيرة، فأمَّا أبوك، فإنِّي مَرَرتُ به، وهو يَبحثُ بحثَ الثَّورِ بِرَوقِهِ 2، فَحِدْتُ عنه، فصَمَدَ له 3 ابن عمِّه عليٌّ، فَقتَلَهُ.
وهذا منقطع، وهو كالمشهور.
فأمَّا ما يَذكره بعضُ من لا يَعلم من أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- قَتَلَ أباه يومَ بدرٍ، فغلطٌ، ولم يكن أَبوه حيًّا يومئذٍ، بل لم يحضر بدرًا مع المشركين أحدٌ من بني عدي بإجماع أصحاب المغازي.
وسعيد هذا هو: ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أُميَّة، وكان [عبدًا سخيًّا رئيسًا] 4، وكان أشبهَ خَلْق اللهِ لهجةً برسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا جَعَله عثمانُ فيمن كَتَب المصحفَ الإمامَ رضي الله عنهم 5.

حديث آخر في تقسيم الشُّهداء

(626) قال أحمد 1: ثنا يحيى بن إسحاق، أنا ابن لَهِيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخَوْلاني قال: سَمِعتُ فَضَالة بن عُبيد يقول: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «الشهداءُ أربعةٌ: رجلٌ مؤمنٌ جيِّدٌ الإيمانِ، لَقِيَ العدوَّ، فصَدَقَ اللهَ، فقُتِلَ، فذلك الذي ينظرُ الناسُ إليه هكذا -ورفع رأسَهُ حتى سقطَت قَلَنسُوَةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أو قَلَنسُوَةُ عمرَ-، والثاني: مؤمنٌ لَقِيَ العدوَّ، فكأنَّما يُضرَبُ ظَهْرُهُ بشَوكِ الطَّلحِ، جاءه سَهمٌ غَربٌ فقَتَلَهُ، فذلكَ في الدرجةِ الثانيةِ.
والثالثُ: رجلٌ مؤمنٌ خَلَطَ عملاً صالحاً وآخرَ سيِّئًا، لَقِيَ العدوَّ، فصَدَقَ اللهَ حتى قُتِلَ.
قال: فذلكَ في الدرجةِ الثالثةِ.
والرابعُ: رجلٌ مؤمنٌ أَسرَفَ على نفسِهِ إسرافًا كثيرًا، لَقِيَ العدوَّ، فصَدَقَ اللهَ حتى قُتِلَ، فذلكَ في الدرجةِ الرابعةِ».
وهكذا رواه علي ابن المديني، عن أبي داود الطيالسي 2، عن ابن المبارك 3، عن ابن لَهِيعة 4، به.
وقال: هذا حديث مصري، وهو صالح.
وأخرجه الترمذي 5، عن قتيبة، عن ابن لَهِيعة، به.

وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا / (ق 222) من حديث عطاء بن دينار، وسَمِعتُ محمدًا -يعني: البخاري- يقول: قد روى سعيد بن أبي أيوب هذا الحديثَ عن عطاء بن دينار، عن أشياخ من خَولان، لم يَذكر فيه (عن أبي يزيد)، وقال: عطاء بن دينار: ليس به بأس 1. وقد روى الإمام أحمد 2 هذا الحديثَ -أيضًا-، عن أبي سعيد، عن ابن لَهِيعة، به، وقال: «الشهداءُ ثلاثةٌ ...»، ولم يَذكر الرابع.
حديث آخر (627) قال الإمام أحمد 3: ثنا هاشم بن القاسم، ثنا عكرمة -يعني: ابن عمَّار-، حدثني سمَاك الحنفي أبو زُمَيل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمرُ بن الخطاب قال: لمَّا كان يومُ خيبرَ أَقبَلَ نَفَرٌ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلانٌ شهيدٌ! فلانٌ شهيدٌ! حتى مرُّوا على رجلٍ، فقالوا: فلانٌ شهيدٌ! فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كلاَّ، إنِّي رأيتُهُ 4 في بُردَةِ غَلَّها، أو عَبَاءةٍ».
ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اذهَب، فنادِ في الناسِ: إنَّه لا يَدخلُ الجنَّةَ إلا المؤمنونَ».
قال: فخَرَجتُ، فنَادَيتُ: إنَّه لا يَدخلُ الجنَّةَ إلا المؤمنونَ.
وهكذا رواه مسلم 5، عن زُهَير بن حرب، عن أبي النَّضر هاشم بن القاسم، به.

وأخرجه الترمذي 1، عن الحسن بن علي، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عكرمة بن عمَّار، به.
وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
ورواه علي ابن المديني، عن أبي الوليد الطيالسي، عن عكرمة بن عمَّار، به.
وقال: لا نحفظه إلا من هذا / (ق 223) الوجه، وهو حديث جيِّد الإسناد حسن.

حديث في أنَّ العرب لا يُسترقُّون

(628) قال الحافظ أبو يعلى 1: ثنا إسحاق بن إسماعيل، وخالي أبوجعفر قالا: ثنا يحيى بن أبي بُكَير، ثنا عبد الله بن عمر القرشي، ثنا سعيد بن عمرو بن سعيد -سَمِعَ أباه-، فزَعَم أنَّه سَمِعَ أباهُ يومَ المَرْج 2 يقول: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: لولا أني سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ اللهَ سيمنعُ الدِّينَ بنصارى من ربيعةَ على شاطئ الفراتِ؛ ما تَرَكتُ عربيًّا إلا قَتَلتُهُ، أو يُسلِمُ».
ورواه النسائي في «سننه» 3، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن يحيى بن أبي بُكَير، به.
واختاره الضياء في كتابه 4. وقد تفرَّد به عبد الله بن عمر السَّعدي هذا، وهو في كتاب «الثقات» 5 لابن حبان.

حديث آخر في فكاك الأسير

(629) قال أبو يعلى -أيضًا- 1: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة 2، ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه قال: لَقِيتُ عمرَ -وهو بالموسم- فنادَيتُهُ من وراء الفُسْطاط 3: ألا إنِّي فلانُ بنُ فلانٍ الجَرْمي، وإنَّ ابنَ أختٍ لنا، له أخٌ عانٍ 4 في بني فلان، وقد عَرَضنا عليه فريضةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم 5. قال: فرفع عمرُ جانبَ الفسطاطِ، وقال: أتعرفُ صاحبَكَ؟ قلت: نعم، هو ذاك.
قال: انطَلِقَا به حتى يُنفِّذَ لكما فريضةَ 6 رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وكنَّا نَتَحدَّثُ أنَّ الفريضةَ أربعٌ من الإبلِ.
هذا إسناد جيد.
وقال علي ابن المديني: إسناد صحيح 7، وليس فيه كلامٌ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم نفسه، وإنما حكى القضيةَ القومُ الذين أتوا عمرَ.

حديث آخر في تحريم الغُلُول في المغانم، والعقوبة عليه

(630) قال الإمام أحمد 1: ثنا أبو سعيد، ثنا عبد العزيز بن محمد، ثنا صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم بن عبد الله: أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرضِ الرُّومِ، فوُجد في متاعِ رجلٍ غُلُولٌ، قال: فسأل سالِمَ بن عبد الله، فقال: حدَّثني عبد الله، عن عمرَ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن وَجَدتُم في متاعِهِ غُلُولاً؛ فأَحرِقُوهُ».
قال: وأَحسبُهُ قال: «واضرِبُوهُ».
قال: فأَخرَجَ متاعَه في السُّوق، فوَجَد فيه مصحفًا، فسأل سالماً، فقال: بِعْهُ، وتَصدَّق بثمنِهِ.
وقد رواه علي ابن المديني، عن أُميَّة بن بسطام، عن الدَّرَاوَردِي، به.
ثم قال: هذا حديث منكر، يُنكِره أصحاب الحديث، وكان وهيب قد لقي أبا واقِد هذا، وكان يضعِّفه، ويُروى عنه عجائبَ.
وأخرجه أبو داود 2، والترمذي 3 من حديث الدَّرَاوَردِي.
زاد أبو داود: وأبي إسحاق الفَزَاري.
كلاهما عن صالح بن محمد أبي واقِد الليثي الصَّغير، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ، به.
وفي بعض نسخ الترمذي 4: عن عبد الله بن عمر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
فالله أعلم.

ثم قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدًا عن هذا، فقال: إنما رواه صالح بن محمد، وهو منكر الحديث 1. / (ق 224) وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني 2: أبو واقِد هذا: ضعيف، والمحفوظ: أنَّ سالماً أمر بهذا، ولم يَرفعه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا ذَكَره عن أبيه، ولا عن عمرَ 3.

حديث في قتل الجاسوس

(631) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 1: ثنا أبو خيثمة زُهَير بن حرب، ثنا عمر بن يونس الحنفي، ثنا عكرمة بن عمَّار، ثنا أبو زُمَيل، قال: قال ابن عباس: قال عمرُ رضي الله عنه: كَتَب حاطبُ بن أبي بلتعة إلى مكةَ، وأَطلَعَ اللهُ عليه نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم، فبَعَث عليًّا والزُّبيرَ في أَثَرِ الكتابِ، فأدرَكا المرأةَ على بعيرٍ، فاستَخرَجَاهُ من قُرُونها 2، فأتيا به رسولَ الله، فقُرِئَ عليه، فأَرسَلَ إلى حاطبٍ، فقال: «يا حاطبُ، أنتَ كتبتَ هذا الكتابَ؟» قال: نعم.
قال: «فما حَمَلَكَ على ذلك؟» قال: يا رسولَ الله، أَمَا واللهِ إنِّي لناصِحٌ للهِ ولرسولِهِ، ولكنْ كنتُ غريبًا في أهلِ مكةَ، وكان أهلي بين ظَهْرانِيهم، وخشيتُ عليهم، فكَتَبتُ كتابًا لا يَضرُّ اللهَ ورسولَهُ شيئًا، وعسى أنْ يكونَ فيه منفعةٌ لأهلي.
قال عمرُ: فاختَرَطتُ سيفي، ثم قلت: يا رسولَ الله، أَمكنِّي من حاطب، فإنَّه قد كَفَرَ، فأَضرِبُ عُنُقَه! فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يا ابنَ الخطابِ، ما يُدريكَ، لعل اللهَ اطَّلَعَ على هذه العصابةِ من أهلِ بدرٍ، فقال: اعمَلُوا ما شئتُم، فإنِّي قد غَفَرتُ لكم».
وقد رواه الهيثم بن كُلَيب في «مسنده» 3، عن العباس بن محمد الدُّوري، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن عكرمة بن عمَّار، به.

وهذا إسناد جيد، اختاره الضياء في كتابه 1. وقال الحميدي: قال البَرقاني: روى مسلم هذا الحديث.
قال الحميدي: ولم يَذكره أبو مسعود، ولا خَلَف.
قال الضياء 2: ولا رأيناه في «صحيح مسلم».
قلت: وهو في «الصحيحين» 3 من حديث علي بن أبي طالب.

أحاديث قسم أموال الفيء والغنائم

(632) قال الإمام أحمد رحمه الله 1: ثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: لولا آخرُ المسلمينَ، ما فُتِحَتْ قريةٌ إلا قَسَمتُها، كما قَسَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خيبرَ.
وهكذا رواه علي ابن المديني، عن عبد الرحمن بن مهدي، به.
وقال: هذا حديث صحيح من هذا الوجه.
ورواه البخاري -أيضًا- 2 من حديثه.
وأخرجه أحمد -أيضًا- 3، عن أبي عامر العَقَدي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، به.
وكذا رواه البخاري 4، عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبيه: أنه سَمِعَ عمرَ يقول: والذي نفسي بيده، لولا أنْ أَترُكَ الناسَ بَبَّانًا 5 ليس لهم شيءٌ، ما فُتِحَتْ عليَّ قريةٌ إلا قَسَمتُها، كما قَسَم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خيبرَ، ولكنِّي أَترُكُها جِرَايةً لهم 6.

حديث آخر (633) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 1: ثنا زُهَير، ثنا أبو إسحاق الطَّالْقاني، أخبرني بقيَّة بن الوليد، حدثني الوزير بن عبد الله الخَوْلاني، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي، عن الزهري، عن / (ق 225) سعيد بن المسيّب، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن مَنَحَهُ المشركونَ أرضًا، فلا أرضَ له».
وَزِير بن عبد الله هذا: شاميٌّ، قال فيه أبو حاتم الرازي 2: مجهول.
وقال أبو زرعة: ضعيف، وحديثه لا أصل له.
أثر آخر (634) روى الحافظ أبو بكر البيهقي 3 من حديث وكيع وغيره، عن شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: كَتَب عمرُ رضي الله عنه: أنَّ الغنيمةَ لمن شَهِدَ الوقعةَ.
إسناده صحيح.

أثر آخر (635) قال علي بن حرب الطَّائي 1: ثنا سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن أبي الأرقم 2 قال: أغارتِ الخيلُ بالشَّامِ، فأَدرَكَتِ العِرَاب 3 يومها، وأَدرَكَتِ الكوادِن 4 ضُحَى الغدِ، وعلى الناس ابنُ أبي حميصة الوادعي، فقال: لا نجعلُ مَن أدركَ كمن لا يُدرِكْ، فكَتَب

في ذلك إلى عمرَ، فكَتَب عمرُ: هَبِلَتِ الوادعِيَّ أُمُّهُ 1! لقد أدركتُ 2 به، امضُوهَا على ما قال.
حديث آخر (636) قال الإمام أحمد 3: ثنا سفيان، عن عمرو ومعمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، عن عمرَ قال: كانت أموالُ بني النَّضير ممَّا أَفاء 4 اللهُ على رسولِهِ ممَّا لم يُوجِفِ المسلمونَ عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، فكانت لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم خالصةً، فكان يُنفِقُ على أهلِهِ منها نَفَقَةَ سَنَتِهِ -وقال مرَّةً: قُوتَ سَنَتِهِ- وما بَقِيَ جَعَلَهُ في الكُرَاعِ 5 والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ الله عزَّ وجلَّ.
ورواه الجماعة إلا ابن ماجه 6 من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، به.

ورواه مسلم 1، والنسائي 2 من حديث سفيان، عن معمر، عن الزهري، به.
وجمعهما النسائي 3 في رواية له -أيضًا-، كما رواه أحمد رحمه الله.
وأتبعه أبوداود 4 بما رواه عن مُسدَّد، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، أنا أيوب، عن الزهري قال: قال عمرُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ 5. قال الزهري: قال عمرُ: هذه لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم خاصةً قُرى عُرَينة 6، وكذا وكذا، ممَّا أفاء اللهُ على رسولِهِ من أهلِ القرى، فللهِ، وللرسولِ، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابنِ السبيل، وللفقراءِ الذين أُخرجوا / (ق 226) من ديارِهِم وأموالِهِم، والذين تبوَّؤا الدارَ والإيمانَ من قبلِهِم، والذين جاءوا من بعدِهم، فاستَوعَبَتْ هذه الناسَ، فلم يبق أحدٌ من المسلمين إلا له فيها حقٌّ.
-قال أيوب: أو قال: حظٌّ- إلا بعضَ مَن تملكون من أرقَّائِكُم.
ثم قال أبو داود 7: ثنا هشام بن عمَّار، ثنا حاتم بن إسماعيل.
وحدثنا

سليمان بن داود المَهْري، ثنا ابن وهب، أخبرني عبد العزيز بن محمد.
وحدثنا نصر بن علي، أنا صفوان، -وهذا لفظ حديثه- كلُّهم عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن مالك بن أَوس بن الحَدَثان قال: كان فيما احتجَّ به عمرُ أنَّه قال: كانت لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثلاثُ صفايَا 1: بنو النَّضير، وخيبرُ، وفَدَك.
فأمَّا بنو النَّضير فكانت حُبُسًا لنوائبِهِ، وأمَّا فَدَكُ فكانت حُبُسًا لأبناءِ السبيلِ، وأمَّا خيبرُ فجزَّأها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثلاثةَ أجزاءَ، (جزئين) 2 للمسلمين، وجزءًا نفقةً لأهلِهِ، فما فَضَلَ عن نفقةِ أهلِهِ، جَعَلَهُ بين فقراءِ المهاجرينَ.
أثر آخر (637) قال أحمد 3: ثنا محمد بن مُيسَّر أبو سعد الصَّاغاني، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن مالك بن أَوس بن الحَدَثان قال: كان عمرُ -رضي الله عنه- يَحلِفُ على أيمانٍ ثلاثٍ، يقول: والله ما أحدٌ أَحقَّ بهذا المالِ من أحدٍ، وما أنا بأَحقَّ به من أحدٍ / (ق 227)، والله ما من المسلمينَ أحدٌ، إلا وله في هذا المالِ نصيبٌ إلا عبدًا مملوكًا، ولكنَّا على منازِلِنا من كتابِ الله، وقَسْمِنا من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فالرَّجلُ وبلاؤه في الإسلامِ، والرَّجلُ وقَدَمُهُ 4 في الإسلامِ، والرَّجلُ وغَنَاؤه 5 في

الإسلام، والرَّجلُ وحاجتُهُ، ووالله لئن بَقِيتُ لهم، لَيَأتينَّ الرَّاعيَ بجبلِ صنعاءَ حَظُّه من هذا المالِ وهو يَرعى مكانَهُ.
رواه أبو داود 1 بنحوه، عن عبد الله بن محمد النُّفَيلي، عن محمد بن سَلَمة، عن محمد بن إسحاق، به.
(638) وقال البخاري 2: ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل، عن قيس قال: كان عطاءُ البدريين خمسةَ آلافٍ، وقال عمرُ: لأُفَضِّلنَّهم على مَن بعدَهم.
أثر آخر (639) قال حنبل بن إسحاق 3: ثنا عبيد الله بن محمد التَّيمي -هو: ابن عائشة-، ثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ بن الخطاب كَتَب المهاجرينَ على خمسةِ آلافٍ، والأنصارَ على أربعةِ آلافٍ، ومَن لم يشهد بدرًا من أبناءِ المهاجرينَ على أربعةِ آلافٍ، فكان منهم عمر بن أبي سَلَمة، وأسامة بن زيد، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن عمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنَّ ابنَ عمرَ ليس من هؤلاء، إنَّه وإنَّه، فقال ابن عمر: إنْ كان لي حقٌّ فأَعطِنِيه، وإلا فلا تُعطِني.
فقال عمرُ لابن عوف: اكتُبْهُ على

خمسةِ آلافٍ، واكتُبنِي على / (ق 228) أربعةِ آلافٍ.
فقال عبد الله: لا أريدُ هذا.
فقال عمرُ: واللهِ لا أجتمعُ أنا وأنت على خمسةِ آلافٍ.
علي بن زيد بن جُدعان فيه كلام 1. أثر آخر (640) قال سيف بن عمر التَّميمي 2: عن محمد، وطلحة، والمهلَّب، بإسنادهم، وسعيد بن المرزبان، عن محمد بن حذيفة بن اليَمَان، وزهرة، ومحمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن قال: قال عمرُ: إنِّي مجنِّدُ المسلمينَ على الأُعطيةِ، ومُدوِّنُهُم، ومُتَحرٍّ الحقَّ.
فقال عبد الرحمن، وعثمان، وعلي -رضي الله عنهم-: ابدَأْ بنفسِكَ.
فقال: لا، بل أَبدَأُ بعمِّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم الأقربُ، فالأقربُ منهم برسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ففَرَضَ للعبَّاس، فبَدَأَ به، ثم فَرَضَ لأهلِ بدرٍ خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ، ثم فَرَضَ لمن بعدَ بدرٍ إلى الحديبيةِ أربعةَ آلافٍ أربعةَ آلافٍ، ثم فَرَضَ لمن بعد الحديبيةِ إلى أن أَقلَعَ أبو بكر -رضي الله عنه- عن أهلِ الرِّدَّة ثلاثةَ آلافٍ ثلاثةَ آلافٍ، ودخل في ذلك مَن شَهِدَ الفتحَ، ثم فَرَضَ لأهلِ القادسيةِ وأهلِ الشَّامِ أصحابِ اليرموكِ ألفينَ ألفينَ، وفَرَضَ لأهلِ البلاءِ النازع منهم ألفين وخمسَمائةٍ.
-فقيل له: لو ألحقتَ أهلَ القادسيةِ بأهلِ الأيامِ؟ فقال: لم أكن لأُلحقهم بدرجةِ من لم يُدركوا، لاهَا اللهِ إذًا! وقيل له: لو سَوَّيتَهم على بُعدِ دارِهِم، بمَن قَرُبت دارُهُ؟ فقال: هم كانوا أحقَّ بالزيادةِ؛ لأنهم

كانوا / (ق 229) رِدءَ الهتوفِ، وشجى العدوِّ، وايمُ اللهِ، ما سَوَّيتُهُم حتى اسْتَطَبتُهُم- وللروادفِ الذين رَدِفُوا بعد افتتاحِ القادسيةِ واليرموكِ ألفًا ألفًا، ثم الرَّوادفُ الثنَّا خمسُمائةٍ خمسُمائةٍ، ثم الرَّوادفُ الثُّلَّثُ بعدَهم ثلاثُمائةٍ ثلاثُمائةٍ، سوَّى كلَّ طبقةٍ في العطاءِ، ليس بينهم فيما بينهم تفاضلٌ، قويُّهُم وضعيفُهُم، عربيُّهُم وأعجميُّهُم في طبقاتِهم سواء.
حتى إذا حَوَى أهلُ الأمصارِ ما حَوَوا من سباياهم، ورَدِفتِ الرُّبَّعُ من الرَّوادفِ، فَرَضَ لهم على خمسينَ ومائتينَ، وفَرَضَ لمَن رَدِفَ من الرَّوادفِ الخُمَّسِ على مائتين، وكان آخرَ من فَرَضَ له عمرُ أهلُ هَجَرَ على مائتين، ومات عمرُ على ذاك، وأَدخَلَ عمرُ في أهل بدر أربعةً من غيرِهِم: الحسنَ، والحسينَ، وأبا ذرٍّ، وسلمانَ.
(641) وقال سيف أيضًا 1: عن زهرة، ومحمد، عن أبي سَلَمة ومحمد وطلحة والمهلَّب بإسنادهم، وعمرو، عن الشَّعبي، والمستنير، عن إبراهيم: وجعل نساءَ أهلِ بدرٍ على خمسِمائةٍ خمسِمائةٍ، ونساءَ مَن بعدَ بدرٍ إلى الحديبيةِ على أربعِمائةٍ أربعِمائةٍ، ونساءَ مَن بعدَ ذلك إلى الأيامِ ثلاثَمائةٍ ثلاثَمائةٍ، ثم نساءَ أهلِ القادسيةِ على مائةٍ مائةٍ، ثم سوَّى بين النساءِ بعد ذلك، وجعل الصِّبيانَ من أهل بدرٍ وغيرِهِم سواءً، على مائةٍ مائةٍ، وفَرَضَ لأزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عشرةَ آلافٍ عشرةَ آلافٍ، إلا مَن جَرَى / (ق 230) عليه المِلكُ، وفضَّل عائشةَ -رضي الله عنها- بألفين، فأَبَتْ، فقال: بفضلِ منزلتِكِ عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أَخَذتِ، فشأنُكِ.
هذا إسناد غريب، ولكن في سياقه فوائد كثيرة، ويشهد له بالصحة ما تقدَّمه، وما يأتي بعده، والله أعلم.

حديث آخر (642) قال وكيع 1: عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد: أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- فَرَضَ لأهل بدرٍ ستةَ آلافٍ، وفَرَضَ لأمَّهاتِ المؤمنينَ في عشرةِ آلافٍ، وفَضَّلَ عائشةَ بألفين لحُبِّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إيَّاها، إلا صفيةَ وجويريةَ، فَرَضَ لهما ستةَ آلافٍ، ستةَ آلافٍ، وفَرَضَ لنساءٍ من نساءِ المهاجرينَ في ألفٍ، منهنَّ أُمُّ عَبْدٍ.
هذا إسناد جيد.
وقال الزهري: فَرَضَ عمرُ للعبَّاسِ عشرةَ آلافٍ.
وقال سيف بن عمر: عن زُهرة، عن أبي سَلَمة: أنَّ عمرَ فَرَضَ للعباسِ خمسةً وعشرينَ ألفًا.
حديث 2 آخر (643) قال عبد الله بن المبارك 3: ثنا سعيد بن يزيد قال: سَمِعتُ الحارث بن يزيد الحضرمي، يحدِّث عن عُلَي بن رباح، عن ناشِرَة بن سُميٍّ

اليَزَني قال: سَمِعتُ عمرَ -رضي الله عنه- يقول يوم الجابية، وهو يَخطبُ: إنَّ اللهَ جعلني خازنًا لهذا المال وقاسِمُهُ.
ثم قال: بل اللهُ قَسَمَهُ، وأنا بادئٌ بأهلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم أشرفِهِم، فقَسَمَ لأزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم عشرةَ آلافٍ، إلا جويريةَ، وصفيةَ، وماريةَ 1، فقالت عائشة: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَعدِلُ بيننا، فعَدَلَ عمرُ بينهنَّ، ثم فَرَضَ لأصحابِ بدرٍ المهاجرينَ خمسةَ آلافٍ، ولمن شَهِدَها من غيرِ المهاجرينَ أربعةَ آلافٍ، ولمن شَهِدَ أُحُدًا ثلاثةَ آلافٍ، وقال: مَن أَبطَأَ في الهجرةِ أَبطَأَ به العطاءُ، فلا يَلومنَّ رجلٌ إلا مُناخَ راحلتِهِ، وإنِّي أَعتذرُ إليكم من خالد بن الوليد، إنِّي أَمَرتُهُ أن يحبسَ هذا المالَ على ضعفةِ المهاجرينَ، فأعطاه ذا الشَّرَفِ، وذا اللِّسانِ، فنَزَعتُهُ، وأَمَّرتُ أبا عُبيدةَ.
وهذا إسناد جيد.
وهذا هو السَّبب الذي / (ق 231) اقتَضى عزلَ عمرَ خالدًا عن إمرة الشَّام، لأنَّ خالداً كان يتساهلُ في إعطاءِ المالِ في الغزو، ومستندُهُ في ذلك تسويغُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم له ما فَعَلَهُ في قضيةِ المَدَدي يومَ مؤتةَ من مَنْعِهِ إيَّاه بعضَ ذلك السَّلب 2، والله تعالى أعلم بالصواب.
أثر آخر (644) قال الفَسَوي 3: ثنا عَبْدان، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا عبيد الله بن مَوهَب، حدثني عبيد الله بن عبد الله قال: سَمِعتُ

أبا هريرة 1 يقول: قَدِمْتُ على عمرَ بن الخطاب بثمانِمائةِ ألفِ درهمٍ من عند أبي موسى الأشعري، فقال: بماذا قَدِمتَ؟ فقلت: بثمانِمائةِ ألفٍ.
فقال: إنما قَدِمتَ بثمانينَ ألفِ درهمٍ.
قلت: إنمَّا قَدِمْتُ بثمانِمائةِ ألفٍ.
قال: لم أقل لك إنَّك ... 2، إنما قَدِمتَ بثمانينَ ألفِ درهمٍ، فكم ثمانُمائةِ ألفٍ؟! فعَدَدتُ مائةَ ألفٍ، ومائةَ ألفٍ، حتى عَدَدتُ ثمانيةً.
فقال: أطيِّبٌ ويلك؟! قلت: نعم.
فبات عمرُ ليلتَهُ أَرِقًا، حتى إذا نودي بالصبح قالت له امرأتُهُ: يا أميرَ المؤمنين، مانِمْتَ الليلةَ؟ فقال: كيف ينامُ عمرُ وقد جاء الناسَ مالم يكن يأتيهم مثلُهُ منذُ كان الإسلامُ، فما يُؤمِّنُ عمرُ لو هَلَكَ وذلك المالُ عنده لم يَضَعْهُ في حقِّه، فلمَّا صلَّى الصبحَ اجتَمَعَ إليه نَفَرٌ من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم في المال، وقد رأيتُ رأيًا، فأَشيرُوا عليَّ، رأيتُ أنْ أَكيلَ / (ق 232) للناسِ بالمكيالِ.
فقالوا: لا تَفعَلْ، إنَّ الناسَ يدخلون في الإسلامِ، ويَكثرُ المالُ، ولكنْ أَعطِهِم على كتابِ اللهِ، فكلَّما كثُرَ الإسلامُ وكثُرَ المالُ أَعطيتَهُم.
قال: فأَشيرُوا عليَّ بمن أَبدَأُ؟ قالوا: بِكَ يا أميرَ المؤمنين، إنَّك وَلِيُّ ذلك.
قال: لا، ولكنْ

أَبدَأُ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم الأقربُ، فالأقربُ.
فوَضَعَ الديوانَ على ذلك.
قال عبيد الله: بَدَأ بهاشم، ثم بني عبد المطلب.
إسناده جيد صحيح 1. طريق أخرى (645) قال وكيع: ثنا سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه 2 قال: لما وَضَعَ عمرُ بن الخطاب الديوانَ استَشَارَ الناسَ، فقال: بمَن أَبدَأُ؟ فقالوا: ابدَأْ بنفسِكَ يا أميرَ المؤمنين.
قال: لا، ولكنْ أَبدَأُ بالأقربِ، فالأقربِ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم 3. وهذا منقطع.
أثر آخر (646) قال محمد بن سعد كاتب الواقدي 4: ثنا يزيد بن هارون، أنا يحيى بن المتوكِّل، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمرَ قال:

قَدِمَتْ رِفقَةٌ من التُّجار، فنزلوا المُصلَّى، فقال عمرُ لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نَحرُسَهم الليلةَ؟ فبَاتَا يَحرسانهم، ويُصلِّيانِ ما كَتَبَ اللهُ لهما.
فسَمِعَ عمرُ بكاءَ صبيٍّ، فتَوَجَّه نحوه، فقال لأُمِّه: اتَّقِّ اللهَ، وأَحْسِنِي إلى صَبيِّكِ.
ثم عاد إلى بكائِهِ 1، فسَمِعَ بكاءَهُ، فعاد إلى أُمِّهِ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، كلُّ ذلك يقول: اتَّقِّ اللهَ، وأَحسِنِي إلى صَبيِّكِ.
ثم قال لها: إنِّي لأراكِ أُمَّ سَوْءٍ، مالي أرى ابنَكِ لا يَقِرُّ؟! قالت: يا عبد الله، قد أَبرَمْتَنِي 2 منذُ الليلةَ، إنِّي أُرِيغُهُ 3 عن الفِطام فيأبَى.
قال: ولِمَ؟ قالت: لأنَّ عمرَ لا يَفرضُ إلا للفُطُم.
قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهرًا.
قال: وَيْحكِ لا تُعجِليهِ! فصلَّى الفجرَ 4، فلمَّا سلَّم قال: / (ق 233) بُؤسًا لعمر، كم قَتَلَ من أولادِ المسلمينَ! ثم أمر مناديًا فنَادَى: لا تُعجِلُوا صبيانَكم عن الفطامِ، فإنَّا نَفرِضُ لكلِّ مولودٍ.
وكَتَبَ بذلك إلى الآفاقِ.
أثر آخر (647) قال أبو بكر بن أبي شيبة 5: ثنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- كان يَفرِضُ للصَّبيِّ إذا استَهَلَ.
وهذا إسناد صحيح.

أثر آخر عن عمر مشتمل على فوائد من أهمِّها ما نحن فيه من قسمة مال الفَيء

(648) قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزَّار -رحمه الله- في «مسنده» 1: ثنا زُهَير بن محمد بن قُمَير، ثنا حسين بن محمد، ثنا أبو مَعشر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه.
وعن عمرَ بن عبد الله مولى غُفْرة قالا: قَدِمَ على أبي بكرٍ -رضي الله عنه- مالٌ من البحرين، فقال: مَن كان له على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عِدَةٌ فليأتْ، فليأخذ.
قال: فجاء جابرُ بن عبد الله، فقال: قد وَعَدَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إذا جاءني من البحرين مالٌ أَعطيتُكَ هكذا، وهكذا، وهكذا».
ثلاثَ مرَّاتٍ ملءَ كَفَّيْهِ.
قال: خُذ بيديك.
فأَخَذَ بيديه، فوَجَدَ خمسَمائةٍ.
قال: عُدْ إليها.
ثم أعطاه مثلَها، ثم قَسَمَ بين الناس ما بَقِيَ، فأصاب عشرةَ الدراهمِ -يعني: لكلِّ واحد-، فلمَّا كان العامُ المقبلُ، جاءه مالٌ أكثرَ من ذاك، فقَسَمَ بينهم، فأصاب كلُّ إنسانٍ عشرةَ دراهمٍ 2، وفَضَلَ من المالِ فَضْلٌ، فقال للناسِ: أَيُّها الناسُ، قد فَضَلَ من هذا المالِ فَضلٌ، ولكم خَدَمٌ يُعالِجُونَ لكم ويَعملونَ لكم، إنْ شئتُم / (ق 234) رَضَخنا لهم، فرَضَخ 3 لهم خمسةَ الدراهمِ خمسةَ الدراهمِ، فقالوا: يا خليفةَ رسولِ الله، لو فَضَّلتَ المهاجرينَ؟ فقال: أجرُ أولئكَ على اللهِ، إنما هذه معايشُ، الأسوةُ فيها خيرٌ من الأَثرَةِ.

فلمَّا مات أبو بكرٍ -رضي الله عنه- استُخلِفَ عمرُ، ففتح اللهُ عليه الفتوح، فجاءه أكثرَ من ذلك المالِ، فقال: قد كان لأبي بكر في هذا المال رأيٌ، وَلِي رأيٌ آخرُ، لا أَجعلُ مَن قاتَلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كمَن قاتَلَ معه، فَفَضَّلَ المهاجرينَ والأنصارَ، ففَرَضَ لمن شَهِدَ بدرًا منهم خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ، ومَن كان إسلامُهُ قبلَ إسلامِ أهلِ بدرٍ فَرَضَ له أربعةَ آلافٍ أربعةَ آلافٍ، وفَرَضَ لأزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفًا لكلِّ امرأة منهنَّ، إلا صفيةَ وجويريةَ، فَرَضَ لكلِّ واحدة ستةَ آلافٍ ستةَ آلافٍ، فأَبَيْنَ أنْ يأخُذنَهَا، فقال: إنما فَرَضتُ لهنَّ بالهجرةِ.
قلن: ما فَرَضتَ لهنَّ بالهجرةِ، إنما فَرَضتَ لهنَّ لمكانِهِنَّ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولنا مثلُ مكانِهنَّ، فأَبَصَرَ ذلكَ، فجَعَلَهُنَّ سواءً مثلَهنَّ.
وفَرَضَ للعبَّاسِ بن عبد المطَّلب اثنَي عشرَ ألفًا لقرابتِهِ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وفَرَضَ لأسامةَ بن زيد أربعةَ آلافٍ، وفَرَضَ للحسنِ والحسينِ خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ، فألحَقَهُما بأبيهما لقرابتِهِما / (ق 235) من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وفَرَضَ لعبد الله بنِ عمرَ ثلاثةَ آلافٍ، فقال: يا أَبَةِ، فَرَضتَ لأسامةَ أربعةَ آلافٍ، وفَرَضتَ لي ثلاثةَ آلافٍ، فما كان لأبيه من الفضل مالم يكن لك؟! ‍وما كان له من الفضلِ ما لم يكن لي؟ ‍‍‍! فقال: إنَّ أباه كان أحبَّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وهو كان أحبَّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم منك.
وفَرَضَ لأبناء المهاجرين والأنصار ممَّن شَهِدَ بدرًا ألفين ألفين، فمرَّ به عمرُ بن أبي سَلَمة، فقال: زِيدُوهُ ألفًا، أو قال: زِدْهُ ألفًا ياغلامُ، فقال محمد بن عبد الله بن جحش: لأيِّ شيءٍّ تَزيدُهُ علينا، ما كان لأبيه من الفضل مالم يكن لآبائنا؟! فقال: فَرَضتُ له بأبي سَلَمة ألفين، وزِدتُهُ بأُمِّ سَلَمة ألفًا، فإنْ كان لك أُمٌّ مثلَ أُمِّهِ زِدتُكَ ألفًا.
وفَرَضَ لأهلِ مكةَ ثمانِمائةٍ

ثمانِمائةٍ، وفَرَضَ لعثمانَ بن عبد الله بن عثمان، وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله -يعني: عثمان بن عبد الله- ثمانِمائةٍ، وفَرَضَ لابنِ النَّضر بن أنس ألفي درهمٍ، فقال طلحة بن عبيد الله: جاءك ابنُ عثمان قبلَهُ، ففَرَضتَ له ثمانِمائةٍ، وجاءك غلامٌ من الأنصارِ ففَرَضتَ له ألفين؟ فقال: إنِّي لَقِيتُ أبا هذا يومَ أُحُدٍ، فسألني عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما أُراه إلا قد قُتِلَ.
فسَلَّ / (ق 236) سيفَهُ، وكَسَرَ زَندَهُ 1، وقال: إنْ كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قد قُتِلَ، فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ، فقاتَلَ حتى قُتِلَ، وهذا يَرعى الغنمَ! فتُريدون أنْ أجعلُهُما سواءً! فعَمِلَ عمرُ -رضي الله عنه- عُمُره بهذا، حتى إذا كان من آخرِ السَّنَةِ التي حجَّ فيها، قال ناسٌ من الناسِ: لو قد مات أميرُ المؤمنين، أَقَمنا فلانًا -يعنون طلحة بن عبيد الله- وقالوا: كانت بيعةُ أبي بكرٍ فَلتَةً، فأراد أن يتكلَّمَ في أوسطِ أيامِ التشريقِ بمنىً، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إنَّ هذا المجلسَ يَغلِبُ عليه غَوغَاءُ الناسِ، وهم لا يَحتملون كلامَكَ، فأَمهِلْ أو أَخِّرْ، حتى تأتِيَ أرضَ الهجرةِ وحيثُ أصحابُكَ ودارُ الإيمانِ والمهاجرينَ والأنصارِ، فتَتَكلَّمُ بكلامِكَ، أو فتَتَكلَّمُ فيُحتمل كلامُكَ.
قال: فأَسرَعَ السَّيرَ حتى قَدِمَ المدينةَ، فخَرَج يومَ الجمعةِ، فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، ثم قال: قد بَلَغني مقالةُ قائِلِكم: لو قد مات عمرُ، أو لو قد مات أميرُ المؤمنين، أَقَمنا فلانًا فبَايعناه، وكانت إمارةُ أبي بكرٍ -رضي الله عنه- فَلتَةً، أَجَلْ واللهِ، لقد كانت فَلتَةً، ومِن أين لنا مثلُ أبي بكرٍ نَمُدُّ أَعناقَنَا إليه، كمَا نمُدُّ أعناقَنَا إلى أبي بكرٍ، وإنَّ أبا بكرٍ رأى رأيًا، ورأيتُ أنا رأيًا، فرأى أبو بكرٍ أن يَقسِمَ بالسَّويَّةِ، ورأيتُ

أنا أنْ أُفضِّلَ، فإنْ أَعِشْ إلى هذه السَّنَةِ، فسأَرجِعُ إلى / (ق 237) رأي أبي بكرٍ، فرأيُهُ خيرٌ من رأيي، إنَّي قد رأيتُ رؤيا، وما أرى ذلك إلا عند اقترابِ أجلي، رأيتُ كأنَّ دِيكًا نَقَرَني ثلاثَ نَقَراتٍ، فاستَعبَرتُ أسماءَ، فقالت: يَقتُلُكَ عبدٌ أعجمي، فإنْ أَهلِكَ؛ فإنَّ أَمرَكم إلى هؤلاءِ السِّتَّةِ، الذين تُوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ: عثمانُ بن عفَّان، وعليٌّ بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزُّبيرُ بن العوام، وطلحةُ بن عبيد الله، وسعدُ بن مالك، وإنْ عِشتُ فسأَعهَدُ عَهدًا لا تَهلَكوا، ألا، ثم إنَّ الرَّجم 1 قد رَجَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ورَجَمنا بعدَهُ، ولولا أن تقولوا: كَتَبَ عمرُ ما ليس في كتاب الله لَكَتَبتُهُ، قد قَرَأنا في كتابِ اللهِ: «الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيَا فارجُمُوهُمَا البتَّةَ نَكَالاً من اللهِ، واللهُ عزيزٌ حكيمٌ»، نَظَرتُ إلى العمَّةِ وابنةِ الأخِ، فما جَعَلتُهُما وَارِثَين، ولا يَرِثَا، وإنْ أَعِشْ؛ فسأَفتَحُ لكم منه طريقًا تَعرفونَهُ، وإنْ أَهلِكَ؛ فاللهُ خليفتي، وتختارون رأيَكُم، إنِّي قد دَوَّنتُ الدِّيوانَ، ومَصَّرتُ الأمصارَ، وإنما أتخوَّف عليكم أحدَ رجلينِ: رجلٌ تأوَّلَ القرآنَ على غير تأويلِهِ، فيُقاتِلُ عليه، ورجلٌ يرى أنَّه أَحقُّ بالمُلكِ من صاحبِهِ، فيُقاتِلُ عليه.
تَكلَّم بهذا الكلامِ يومَ الجمعةِ، ومات -رضي الله عنه- يومَ الأربعاءِ.
وهذا الحديث / (ق 238) حسن؛ لأنَّ له شواهدَ من أحاديثَ متعددة تَقَدَّمت، وستأتي، إن شاء الله تعالى.

أثر آخر (649) قال البخاري في كتاب المغازي 1: حدثني إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: خَرَجتُ مع عمرَ بن الخطاب إلى السُّوق، فلَحِقَتْ عمرَ امرأةٌ شابَّةٌ، فقالت: يا أميرَ المؤمنين، هَلَك زوجي، وترك صِبيةً صغارًا، والله ما يُنضِجونَ كُراعًا 2، ولا لهم زرعٌ، ولا ضَرعٌ، وخَشِيتُ أنْ تأكلَهم الضَّبُع، وأنا ابنةُ خُفَاف بن إيماء بن رَحضة الغفاري، وقد شَهِدَ أبي الحديبيةَ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
فوقف معها عمرُ، ولم يمضِ، ثم قال: مرحبًا بنَسَبٍ قريبٍ، ثم انصرَفَ إلى بعيرٍ ظَهيرٍ، كان مربوطًا في الدَّار، فحمل عليه غِرارتين ملأهما طعامًا، وحَمَلَ بينهما نفقةً وثيابًا، ثم ناولها بخطامِهِ، ثم قال: اقْتَادِيهِ، فلن يَفنى حتى يأتيكِ اللهُ بخيرٍ.
فقال رجل: يا أميرَ المؤمنين، أَكثَرتَ لها.
فقال عمرُ رضي الله عنه: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، والله إنَّي لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصَرَا حِصنًا زمانًا، فافتَتَحَاهُ، ثم أصبحنا نَستَفِيء سُهمانَهُما فيه.
انفرد به البخاري.
وقولها: وخَشِيتُ أنْ تأكلَهم الضَّبُعُ: أي يَهلَكوا في هذه السَّنَةِ المَحلِ، فإنَّ السَّنةَ المُمحِلَةَ تسمَّى الضَّبُعُ لغةً.

حديث آخر (650) قال البخاري أيضًا 1: ثنا يحيى بن بُكَير، / (ق 239) ثنا اللَّيث، عن يونس، عن ابن شهاب قال: وقال ثعلبة بن أبي مالك: إنَّ عمرَ بن الخطاب قَسَمَ مُرُوطًا بين نساءٍ من نساءِ أهلِ المدينةِ، فبَقِيَ منها مِرطٌ جيِّدٌ، فقال له بعضُ من عندَه: يا أميرَ المؤمنين، أعطِ هذا ابنةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم التي عندك -يريدون: أُمَّ كلثوم بنتَ عليٍّ بن أبي طالب-.
فقال عمرُ رضي الله عنه: أُمُّ سَلِيطٍ أحقُّ به.
-وأُمُّ سَلِيط من نساءِ الأنصارِ ممَّن بايع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم-.
قال عمرُ: فإنها كانت تَزفِرُ -أي: تحمل 2 - لنا القِرَبَ يومَ أُحُدٍ.
ورواه البخاري -أيضًا- 3، عن عَبْدان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، به.
أثر 4 آخر (651) قال الحافظ أبو يعلى 5: ثنا زُهَير، ثنا زيد بن الحُبَاب، ثنا عمر 6 بن سعيد بن أبي حسين، ثنا عبد الله بن أبي مُلَيْكَة، عن ذكوان مولى

عائشة، عن عائشةَ: أنَّ دُرْجًا أتى عمرَ بن الخطاب، فنظر إليه أصحابُهُ، فلم يعرفوا قيمتَهُ، فقال: أتأذنون أن أَبعثَ به إلى عائشةَ؛ لِحُبِّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إِيَّاها؟ قالوا: نعم.
فأتي به عائشة -رضي الله عنها-، فَفَتَحته، فقيل: هذا أَرسَلَ به إليكِ عمرُ بن الخطاب.
فقالت: ماذا فَتَحَ عليَّ ابنُ الخطاب بعدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟! اللهمَّ لا تُبقِنِي لعطية قابل.
إسناده جيد، وقد اختاره الضياء في كتابه 1. والدُّرْج ههنا هو: الصُّندوق.
/ (ق 240) أثر آخر (652) قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني 2: ثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بِشر بن موسى، ثنا خلاَّد بن يحيى، ثنا هارون بن أبي إبراهيم، عن عبد الله بن عُبيد بن عُمَير 3 قال: بينما الناسُ يأخذون أُعطياتهم بين يدي عمرَ -رضي الله عنه-، إذ رفع رأسَه، فنظر إلى رجلٍ في وجهه ضَربة، قال: فسأله، فأَخبَرَه أنَّه أصابته في غَزَاةٍ كان فيها، فقال: عُدُّوا له ألفًا، فأُعطي الرَّجلُ ألفَ درهمٍ 4، ثم قال: عُدُّوا له ألفًا، فأُعطي ألفًا أخرى، ثم قال له ذلك أربع مرات، كلُّ ذلك يُعطيه ألفَ درهمٍ، فاستحيا

الرَّجلُ من كثرة ما يُعطيه، فخَرَج.
قال: فسأل عنه، فقيل له: إنَّا رأينا أنَّه استحيا من كثرة ما أُعطي، فخَرَج.
فقال: أما واللهِ لو أنَّه مكث ما زلتُ أُعطيه ما بقي منها درهم، رجلٌ ضُرِبَ ضربةً في سبيل الله حَفَرت في وجهه.
هذا أثر حسن، وفيه انقطاع.
أثر آخر (653) قال الحافظ أبو بكر الخطيب 1: أخبرني أحمد بن علي بن محمد المحتسِب، ثنا عمر بن القاسم المُقرئ، ثنا محمد بن مَخلد العطَّار، ثنا محمد بن أبان العَلاَّف، ثنا عامر بن سيَّار، ثنا سليمان بن أرقم، عن الحسن: أنَّ عمرَ بن الخطاب وعثمانَ بن عفَّان -رضي الله عنهما- كانا يرزقان المؤذِّنين، والأئمَّة، والمُعلِّمين، والقُضاة.
أثر آخر (654) قال الحافظ أبو بكر الباغَندي: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حسين بن علي، عن إسرائيل، عن / (ق 241) الحسن قال: قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: السَّنَةُ ثلاثُمائةٍ وستون يومًا، وإنَّ حقًّا على عمرَ أن يَكسَحَ 2 بيتَ المال في كلِّ سَنَةٍ يومًا، عُذرًا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ أنِّي لم أدع فيه شيئًا 3.

أثر آخر (655) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا 1: حدثني المثنىَّ بن معاذ، ثنا بِشر بن المُفضَّل، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة 2 قال: كان مُعيقيب على بيت مال عمر، فكَسَحَ 3 بيتَ المالِ يومًا، فوجد فيه درهمًا، فدفعه إلى ابنٍ لعمرَ، قال مُعيقيب: ثم انصرفت إلى بيتي، فإذا رسولُ عمرَ قد جاءني يدعوني، فإذا الدرهمُ في يده.
فقال: ويحك يا مُعيقيب! أَوَجَدتَ عليَّ في نفسك شيئًا، أو مالي ولك؟! قلت: وما ذاك؟ قال: أردتَ أن تخُاصِمَني أُمَّةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم في هذا الدرهمِ يومَ القيامةِ.
فيه انقطاع بيِّن.
أثر آخر (656) قال حنبل بن إسحاق 4: ثنا خالد بن خِدَاش 5، ثنا حماد بن زيد، عن معمر، عن الزهري: أنَّ عمرَ كَسَا أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثيابًا 6، فلم يكن فيها ما يصلح للحسن والحسين، فبعث إلى اليمن، فأتى لهما بكِسوة، وقال: الآن طابت نفسي.
منقطع.

أثر آخر (657) قال سيف بن عمر التَّميمي 1، عن عبد الملك بن عُمَير قال: أصاب المسلمون يوم المدائن بُهار كِسرى 2، ثَقُلَ عليهم أن يذهبوا به، وكانوا يعدُّونه للشتاء إذا ذهبت الرَّياحين، / (ق 242) وكانوا إذا أرادوا الشُّرب شربوا عليه، فكأنَّهم في رياض بِسَاط واحد ستين في ستين، أرضه بذَهَب، ووَشْيه بفصوص، وثمره بجوهر، ووَرقه بحرير وماء ذهب، فلمَّا قَسَمَ سعد فَيئهم فضل عنهم، ولم يَتَّفِق قَسمُهُ، فجمع سعد المسلمين، فقال: إنَّ اللهَ قد ملأ أيديكم، وقد عَسُرَ قَسمُ هذا البِساط، ولا يقوى على شرائه أحد، وأرى أن تطيبوا به أَنفُسًا لأمير المؤمنين، يَضَعُهُ حيث شاء.
ففعلوا.
فلمَّا قَدِمَ على عمرَ بالمدينة رأى رؤيا، فجمع الناسَ، فحَمِدَ اللهَ، وأَثنى عليه، واستشارهم في البِساط، وأَخبَرَهم خبرَه، فمن بين مُشير بقبضه، وآخر مُفوِّض إليه، وآخر مُرقِّق.
فقام عليٌّ -رضي الله عنه- حين رأى عمرَ يأبى حتى انتهى إليه، فقال: لم تجعل علمَكَ جَهلاً! ويقينَكَ شكًّا! إنَّه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيتَ فأمضيتَ، أو لَبِستَ فأبليتَ، أو أكلتَ فأفنيتَ.
فقال: صدقتني.
فقطَّعه، فقَسَمه بين الناس، فأصاب عليًّا -رضي الله عنه- قطعةً منه، فباعها بعشرين ألفًا، وما هي بأجودَ تلك القطع.
هذا أثر مشهور، وإسناده ههنا فيه انقطاع.

أثر آخر (658) قال الشيخ الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي 1: أنا محمد بن أبي منصور 2، أنا أبو الحسين بن يوسف، أنا محمد بن علي بن صخر القاضي، ثنا أبو الحُبَاب 3 أحمد بن الحسن بن أيوب، ثنا أبو رَوق / (ق 234) الهَزَّاني، ثنا القاسم بن محمد بن عبَّاد المهلَّبي، ثنا موسى بن المثنىَّ بن سَلَمة بن المحبَّق الهُذَلي، عن أبيه، عن جدِّه قال: شهدتُ فتحَ الأُبُلَّة 4، وأميرنا قطبة بن قتادة السَّدوسي، فاقتُسِمَت المغانمُ، فدُفِعت إليَّ قِدرٌ من نحاس، فلمَّا صارت في يَدَيَّ تبيَّن لي أنها ذهبٌ، وعَرَفَ ذلك المسلمون، فشكوني 5 إلى أميرنا، فكَتَب إلى عمرَ بن الخطاب يخبره بذلك، فكَتَب إليه عمرُ: أَصبِرْ يمينَه 6 أنه لم يعلم أنها ذهب إلا بعد ما صارت إليه، فإنْ حَلَف فادفعها إليه، وإنْ أَبَى فاقسمها بين المسلمين.
فحَلَف، فدَفَعها إليه، فكان فيها أربعون ألفَ مثقالٍ.
قال جدِّي: فمنها أموالنا التي نتوارثها اليوم.
هذا أثر غريب، وحُكمه أغرب منه.

جارٍ التحميل