مسند الفاروق ت إمامصفحات 467-507

كتاب التفسير

صفحات 467-507

ذِكر أنَّ عُمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أوَّلُ من جَمَع القرآن، بمعنى أنَّه كان ذلك في زمن الصِّدِّيق، ولكن كان هو المشير بذلك أو المستشار، ثم كان يَستحثُّ في ذلك، والله أعلم

(782) قال أبو بكر ابن أبي داود -رحمه الله- في كتاب «المصاحف» 1: ثنا عبد الله بن محمد بن خلاَّد، ثنا يزيد، ثنا مبارك، عن الحسن: أنَّ عمرَ بن الخطاب سأل عن آيةٍ من كتابِ اللهِ، فقيل: كانت مع فلان، فقُتِلَ يومَ اليمامةِ.
فقال: إنَّا لله، فأَمَر بالقرآن فجُمِعَ، فكان أوَّلَ مَن جَمَعه في المصحف.
هذا الأثر منقطع بين الحسن وعمر، فإنَّه لم يُدركه 2.

أثر آخر (783) وقال أبو بكر 1: ثنا أبو الطَّاهر، ثنا ابن وهب، أنا عمرو 2 بن طلحة اللَّيثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أنَّ عمرَ لمَّا جَمَع القرآنَ كان لا يَقبلُ من أحدٍ شيئًا حتى يَشهدَ شاهدان.
أثر آخر (784) وقال أبو بكر 3: ثنا إسماعيل بن أسد، ثنا هَوذة، ثنا / (ق 301) عوف، عن عبد الله بن فَضَالة قال: لمَّا أراد عمرُ أن يَكتبَ الإمامَ أَقعَدَ له نفرًا من أصحابه، وقال: إذا اختلفتُم في اللُّغة فاكتُبُوها بلُغة مُضَر، فإنَّ القرآنَ نزل بلُغةِ رجلٍ من مُضَر صلى الله عليه وسلم.

أثر آخر (785) وقال أبو بكر 1: ثنا عبد الله بن محمد بن خلاَّد، ثنا يزيد، ثنا

شيبان، عن عبد الملك بن عُمَير، عن جابر بن سَمُرة قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: لا يملينَّ في مصاحفنا هذه إلا غلمانُ قريش، أو غلمانُ ثقيف.
هذا إسناد صحيح.
والجمع بين هذه الآثار وما ثبت في «الصحيح» 1 من أنَّ الصِّدِّيق هو الذي ابتدأ بجمع القرآن -لمَّا استَحَرَّ القتل في قرَّاء القرآن يوم اليمامة، وكانت في خلافته-، هو ما ذَكَرته أوَّلاً، والله أعلم.
وقد عَزَم عمرُ -رضي الله عنه- في وقتٍ على جمع الأحاديث وكتابتها، ثم عَدَل عن ذلك رعايةً لحفظ القرآن، وألا يشتبه بغيره.
(786) كما قال حنبل بن إسحاق 2: ثنا قَبيصة بن عُقبة، ثنا سفيان، عن معمر 3، عن الزهري، عن عروة قال: أراد عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- أنْ يَكتبَ السُّننَ، فاستخار اللهَ شهرًا، ثم أصبح وقد عُزِمَ له، فقال: ذَكَرتُ قومًا كَتَبوا كتابًا فأقبَلوا عليه، وتَرَكوا كتابَ اللهِ عزَّ وجلَّ.
إسناد صحيح.

من فاتحة الكتاب

(787) قال أبو عبيد في كتاب «فضائل القرآن» 1: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمرَ بن الخطاب أنَّه كان يقرأ: «غير المغضوب عليهم وغير الضَّالين».
إسناده صحيح.

ومن البقرة

حديث في تفسير آية النَّسخ

(788) قال سفيان الثوري 1: عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: قال عمرُ: عليٌّ أقضانا، / (ق 302) وأُبَيّ أَقرأنَا، وإنَّا لندعُ كثيرًا من لحن أُبَيّ، إنَّ أُبَيًّا يقول: سَمِعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، (ولم) 2 أدعه لشيء، والله يقول: «ما ننسخ من آية أو نَنْسَأْها 3 نأت بخير منها أو مثلها» 4. إسناد صحيح.

حديث آخر في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾

1 (789) قال الإمام أحمد 2: ثنا هشيم، ثنا حميد، عن أنس قال: قال عمرُ رضي الله عنه: وافقتُ ربِّي في ثلاث، قلت: يا رسولَ الله! لو اتَّخَذْنا من مقام إبراهيم مصلَّى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ 3، وقلت: يا رسولَ الله، إنَّ نساءَك يَدخل عليهنَّ البرُّ والفاجرُ، فلو أَمرتَهنَّ أن يَحتجبنَ؟ فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغَيْرة، فقلت لهنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ 4، فنزلت كذلك.
ثم رواه أحمد 5، عن يحيى وابن أبي عَدي.
كلاهما عن حميد، عن أنس، عن عمرَ أنَّه قال: وافقتُ ربِّي في ثلاث، ووافقني ربِّي في ثلاث ... ، وذَكَره.
وأخرجه البخاري 6، عن عمرو بن عَون.
والترمذي 7، عن أحمد بن مَنيع.
والنسائي 8، عن يعقوب بن إبراهيم الدَّورقي.

وابن ماجه 1، عن محمد بن الصبَّاح.
كلُّهم عن هشيم، به.
ورواه البخاري -أيضًا- 2، عن مُسدَّد، عن يحيى -وهو القطَّان-.
ورواه الترمذي -أيضًا- 3، عن عَبد بن حميد، عن حجَّاج بن منهال، عن حماد بن سَلَمة.
والنسائي 4، عن هَنَّاد، عن يحيى بن أبي زائدة.
كلاهما 5 عن حميد -وهو: ابن تَيرويه الطَّويل-، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه / (ق 303) الإمام علي ابن المديني، عن يزيد بن زُرَيع، عن حميد، به.
وقال: هذا من صحيح الحديث، وهو بصري.
طريق أخرى (790) ورواه مسلم 6 من حديث نافع، عن ابن عمرَ قال 7: وافقتُ ربِّي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم.

حديث في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾

1 (791) قال يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق 2، حدَّثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ عمرَ بن الخطاب ذَكَر له ماحَمَله على مقالته التي قال حين توفِّي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كنتُ أتأوَّلُ هذه الأية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ 3، فواللهِ إنْ كنتُ لأظنُّ أنَّه سيبقى في أمَّته حتى يَشهد عليها بآخر أعمالها، وإنَّه للذي حَمَلني على أنْ قلتُ ما قلتُ.
وفي إسناده ضعف لحال حسين بن عبد الله هذا 4، ولكن له شاهد من وجه أخر.
أثر آخر (792) قال أبو عبيد 5: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن زيد بن صُوحان، عن عمرَ أنَّه قال: ما يمنعكم إذا رأيتم الرَّجلَ يخرِّق أعراضَ الناس ألا تُعرِّبوا عليه! قالوا: نخاف لسانَه.
قال: ذلك أدنى ألا تكونوا شهداءَ.

قال أبو زيد والأَصمعي: قوله: ألا تُعرِّبوا عليه، أي: تُفسدوا عليه كلامَه، وتُقبِّحوه له.

أثر يُذكر عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

1 (793) قال أبو بكر بن أبي شيبة في «تفسيره» 2: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمرَ: أنَّه انقطع شِسْع نعلِه، فاستَرجَعَ، وقال: كُلُّ مَا ساءك مصيبةٌ.

حديث يُذكر عند قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾

1 (794) قال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مَردويه في «تفسيره»: ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا سمُّويه، ثنا عمرو بن عَون، ثنا هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قام عمر، فقال: يا رسول الله، إنِّي أردتُ أَهلي البارحةَ على ما يريد الرَّجلُ أهلَه، فقالت: إنَّها قد نامت، فظننتُها تَعتلُّ، فواقعتها، فنزل في عمر: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية 2. وهذا إسناد جيد، وابن أبي ليلى مختَلَف في سماعه من عمرَ 3، ولكن قد روي من وجه آخر عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: أنَّ عمرَ فَعَل مثلَ هذا 4.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال: ثم إن رجلاً من الأنصار، يقال له: صِرْمة، ظلَّ يعمل صائمًا حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلَّى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائمًا.
قال: فرآه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقد جُهد جَهدًا شديدًا، قال: مالي أَراك قد جُهدت جَهدًا شديدًا.
قال: يا رسولَ الله، إنى عملتُ أمسِ فجئتُ حين جئتُ، فألقيتُ نفسي فنمتُ، وأصبحتُ حين أصبحتُ صائمًا.
قال: وكان عمرُ قد أصاب من النساء من جارية أو من حُرَّة بعد ما نام، وأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾.
ورواه عن المسعودي جماعة، وهم: يزيد بن هارون وهاشم بن القاسم ويونس بن بُكَير.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
ووافقه الذهبي (!) قلت: له علَّتان: العلة الأولى: اختلاط المسعودي، وجميع مَن رواه عنه هنا فإنما رواه عنه بعد اختلاطه.
قال الحافظ في «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 429): والمسعودي صدوق، لكنه اختَلَط، وقد خالَفَه شعبة، فرواه عن عمرو بن مُرَّة، عن ابن أبي ليلى قال: حدَّثنا أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ... العلة الثانية: عدم صحَّة سماع ابن أبي ليلى من معاذ -رضي الله عنه-، وممَّن نصَّ على ذلك الدارقطني في «العلل» (6/ 61) والبيهقي في «سننه» (4/ 200).

وأما رواية شعبة التي أشار إليها الحافظ، فقد أخرجها أبو داود (1/ 392 - 394 رقم 506) بلفظ: كان الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح.
قال: فجاء عمر بن الخطاب فأراد امرأته، فقالت: إني قد نمت، فظن أنها تعتلُّ فأتاها، فجاء رجل من الأنصار فأراد الطعام، فقالوا: حتى نسخن لك شيئًا، فنام، فلما أصبحوا أنزلت عليه هذه الآية: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾.
وقد توبع شعبة، تابَعَه ابن نُمَير، وروايته عند ابن أبي حاتم في «تفسيره» (1/ 309 رقم 1646) والبيهقي (4/ 200)، وذكرها البخاري في «صحيحه» (4/ 187 - فتح) في الصوم، باب: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾ معلَّقًا بصيغة الجزم، فقال: وقال ابن نُمَير: حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مُرَّة، حدثنا ابن أبي ليلى، =

وقال موسى بن عُقبة: عن كُرَيب، عن ابن عباس، عن قصة عمرَ نحو ما تقدَّم، لكن فيه: أنَّ عمرَ كان قد نام، ثم واقع أهلَه، ثم أخبر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: «ما كنتَ خليقًا أن تَفعَلَ»، ونزل الكتاب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ الآية 1. وقد كان هذا شرعًا في أوَّل الإسلام، أن الرَّجل يحلُّ له الطعامُ والشرابُ والوقاعُ حتى يصلِّي العشاءَ أو ينامُ قبل ذلك، فمتى وَجَد أحدَهما حَرُمَ عليه ذلك، فنَسَخه اللهُ إلى أخفَّ منه، ولله الحمدُ والمنَّة.
= حدَّثنا أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم: نزل رمضانُ فشقَّ عليهم، فكان من أطعم كلَّ يوم مسكينًا ترك الصومَ ممن يُطيقه، ورُخِّص لهم في ذلك، فنسختها: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾.
قال الحافظ في «الفتح» (4/ 188): واختُلف في إسناده اختلافًا كثيرًا، وطريق ابن نُمَير هذه أرجحها.
وقال في «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 430): وهذا أصح من رواية المسعودي.
وأخرج البخاري في «صحيحه» (4/ 129 رقم 1915 - فتح) في الصوم، باب قول الله جلَّ ذِكره: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ...﴾ من حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: كان أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم إذا كان الرَّجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يُفطِرَ لم يأكل ليلتَه ولا يومَه حتى يمسي، وإنَّ قيس بن صِرمة الأنصاري كان صائمًا، فلمَّا حضر الإفطارُ أتى امرأتَه فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلِقُ أطلبُ لك، وكان يومَه يعملُ، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلمَّا رأته قالت: خيبةً لك، فلمَّا انتصف النهار غُشي عليه، فذُكر ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾.

حديث آخر في آية تحريم الخمر

(795) قال أحمد 1: ثنا خَلَف بن الوليد، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمرَ بن الخطاب أنَّه قال: لمَّا نزل تحريمُ الخمرِ قال: اللهمَّ بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا.
فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ 2 فدُعِيَ عمر، فقُرئت عليه.
فقال: اللهمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا.
فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ 3، فكان منادي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاةَ نادى: ألا يَقربَنَّ الصلاةَ سكرانٌ.
فدُعِيَ عمر، فقُرئت عليه، فقال: اللهمَّ بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا.
فنزلت الآية التي في المائدة، فدُعِيَ عمر، فقُرئت عليه، فلمَّا بلغ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ 4 قال عمرُ: انتَهَينا، انتَهَينا.
وهكذا رواه علي ابن المديني، عن عبيد الله بن موسى، وإسحاق بن منصور.
كلاهما عن إسرائيل، به.
وعن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، به، وقال: هذا حديث كوفي، صالح الإسناد.
ورواه أبو داود 5، والترمذي 6، والنسائي 7 / (ق 304) من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعي، عن أبي ميسرة

-واسمه: عمرو بن شُرَحبيل الهَمْداني-، عن عمرَ، به.
وليس له عنه سواه.
قال أبو زرعة 1: وروايته عنه مرسلة.
وهكذا صحَّح ذلك الترمذيُّ رحمه الله.
وقد رواه حمزة الزيَّات، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب قال: قال عمرُ ... ، فذَكَره 2. فإن كان محفوظًا؛ فيُشبه أن يكون عند أبي إسحاق من وجهين 3.

أثر في فضل آية الكرسي

(796) قال الحافظ أبو بكر البيهقي 1: أنا علي بن أحمد بن عَبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا عباس بن الفضل، ثنا أحمد بن يونس، ثنا سعيد بن سالم، ثنا محمد بن أَبَان، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن زِرّ، عن ابن مسعود: أنَّ رجلاً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لَقِيَ شيطانًا، فصَرَعه، أحسبه قال له الشيطان: دعني أُعلِّمك شيئًا، لا تقولُهُ في بيتٍ فيه شيطانٌ إلا خَرَج.
-أَظنُّه فعلَّمه آية الكرسي- قال زِرُّ: فقيل لابن مسعود: مَن هو؟ قال: مَن تَرَونه إلا عمرَ بن الخطاب.
قال البيهقي: ورويناه في كتاب «الفضائل» من حديث المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود 2. وفي موضع آخر عن الشَّعبي: أنَّ رجلاً من الجنِّ لقيه، فقال له: هل لك أن تُصارعني ... ، فذَكَره، وذَكَر صفتَه.

طريق أخرى (797) قال أبو عبيد 1: ثنا أبو معاوية، عن أبي عاصم الثَّقَفي، عن الشَّعبي، عن عبد الله بن مسعود، قال: خَرَج رجلٌ من الإنس، فلقيه رجلٌ من الجنِّ، فقال: هل لك أن تصارعني؟ فإنْ صَرَعْتَني علَّمتُك آيةً، إذا قرأتَها حين تَدخلُ بيتَك لم يدخله شيطانٌ، فصارَعَه، فصَرَعه.
فقال: إنيِّ أراك ضئيلاً شَخِيتًا، كأنَّ ذراعيك ذراعا كلبٍ، أفهكذا أنتم أيُّها الجنُّ كلُّكم، أَم أنت من بينهم؟ فقال: إنِّي منهم لَضَليع، فعَاوِدني.
فصارَعَه، فصَرَعه الإنسيُّ، فقال: أتقرأ آية الكرسي؟ فإنَّه لا يقرؤها أحدٌ إذا دخل بيتَه إلاَّ خَرَج الشيطانُ وله خَبَجٌ كخَبَج الحمار.
قال أبو عبيد: قوله: ضئيلاً شَخِيتًا: هو النَّحيف الجسم.
والضَّليع: هو الضَّخم الخَلْق.
قال: والخَبَج -بالخاء المعجمة، ويقال المهملة-: هو الضُّراط.
قلت: وقد ورد نحوٌ من هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وقد اعتنى بجمع ذلك الإمام أبو بكر ابن أبي الدُّنيا -رحمه الله- في كتابه «مكايد الشيطان».

حديث آخر غريب (798) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 1: ثنا زُهَير، ثنا ابن أبي بُكَير، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن / (ق 305) عمرَ -رضي الله عنه- قال: أتت امرأةٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ادعُ اللهَ أن يدخلني الجنَّة.
قال: فعظَّم الربَّ تبارك وتعالى، وقال: «إنَّ كُرسِيَّهُ وَسِعَ السماواتِ والأرضِ، وإنَّ له أَطِيطًا كأَطِيطِ الرَّحلِ الجديدِ من ثِقَلِهِ».
تفرَّد به عبد الله بن خليفة، وليس بالمشهور.
ورواه الحافظ أبو بكر البزَّار في «مسنده» 2، عن الفضل بن سهل، عن يحيى بن أبي بُكَير، به.
ثم قال: وعبد الله بن خليفة لم يُسنِد غير هذا الحديث، ولم يرو عنه سوى أبي إسحاق، ولم يُسنِده إلا إسرائيل، وقد رواه الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمرَ موقوفًا، وقد روي عن جُبَير بن مُطعِم بنحو من ذلك 3. -يعني: لفظه-.
انتهى كلامه.

وهكذا رواه أبو بكر ابن أبي عاصم في كتاب «السُّنَّة» 1، عن إسماعيل بن سالم الصَّائغ، عن يحيى بن أبي بُكَير، به.

ورواه أبو القاسم الطَّبراني 1، عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن عبد الله بن أبي زياد القطواني، عن يحيى بن أبي بُكَير، به، وعنده زيادة غريبة.
وأورده الحافظ الضياء المقدسي في كتابه «المختارة» 2 من طرق: منها: من حديث سَلْم بن قتيبة، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 3 ... ، فذَكَره.
ورواه عَبد بن حميد في «تفسيره»، عن عبيد الله بن موسى، ومؤمَّل بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، مرسلاً 4.

حديث آخر (799) قال أبو القاسم البغوي: ثنا أبو رَوْح / (ق 306) البَلَدي، ثنا أبو الأحوص سلاَّم بن سُليم، عن أبي إسحاق، عن حسَّان العبسي قال: قال عمرُ رضي الله عنه: إنَّ الجِبتَ: السِّحرُ، والطاغوتَ: الشيطانُ.
وإنَّ الشجاعةَ والجُبنَ غرائزٌ تكون في الرِّجال، يُقاتِلُ الشجاعُ عمَّن لا يَعرِفُ، ويَفِرُّ الجَبَانُ عن أُمِّه، وإنَّ كَرَم الرَّجل دِينُهُ، وحَسَبَه خُلُقُه، وإن كان فارسيًّا أو نبطيًا 1.

أثر يُذكر عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾

1 (800) قال أبو عبيد 2: حدِّثت عن ابن المبارك 3، عن يونس، عن الزهري، عن عمرَ أنَّه قال: شَوَى أخوك حتى إذا أنضج رَمَّد.
قال أبو عبيد: هذا مَثَل يُضرَبُ للرَّجل يصطنع المعروف، ثم يُفسِدُهُ عليه بالامتنان، أو يقطعه ولا يُتمَّه.
أثر آخر (801) قال البخاري 4 في تفسير قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ

لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} 1 الآية: ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا هشام -هو: ابن يوسف-، عن ابن جريج، سَمِعتُ عبيد الله 2 بن أبي مُلَيْكَة، يحدِّث عن ابن عباس.
وسَمِعتُ أخاه أبا بكر بن أبي مُلَيْكَة يحدِّث عن عُبيد بن عُمَير قال: قال عمرُ بن الخطاب يومًا لأصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم: فيمن تَرَون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾؟ قالوا: الله أعلم.
فغضب عمرُ، فقال: قولوا: نعلمُ أو لا نعلمُ.
فقال ابن عباس: في نَفْسي منها شيءٌ يا أميرَ المؤمنين.
فقال عمرُ: يا ابنَ أخي، قُل، ولا تَحقِرْ نفسَكَ.
قال ابن عباس: ضُرِبَت مثلاً لِعَمَل.
قال عمرُ: أيُّ عمل؟ قال ابن عباس: لعمل.
قال عمرُ: لرجلٍ غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث اللهُ له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعمالَه.
ورواه البخاري -أيضًا- 3، عن الحسن / (ق 307) بن محمد الزَّعفراني، عن حجَّاج بن محمد الأَعور، عن ابن جريج، به.
وهو من أفراد البخاري.
حديث آخر (802) قال أبو بكر ابن مَردويه 4: ثنا أحمد بن محمد بن عاصم، ثنا

عمر 1 بن عبد الرحيم، ثنا محمد بن الصبَّاح الدُّولابي، ثنا موسى بن عُمَير القرشي، عن الشعبي 2 قال: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ 3 إلى آخر الآية، جاء عمرُ بنصف ماله يحملُه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، يحملُه على رءوس الناس، وجاء أبو بكرٍ بماله أجمع، يكاد أن يخفيه من نفسه.
فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما تَرَكتَ لأَهلك؟»، فقال: عِدَةُ الله، وعِدَةُ رسوله.
قال: يقول عمر لأبي بكر: بنفسي أنت، أو بأهلي أنت، ما استبقنا بابَ خيرٍ قطُّ، إلا سَبَقتنا إليه.
مرسل، وتقدَّم له شاهد في الزَّكاة 4. حديث آخر (803) قال الإمام أحمد 5: ثنا يحيى، عن ابن أبي عَروبة، ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيّب قال: قال عمرُ رضي الله عنه: آخرُ ما نزل من القرآن آيةُ الرِّبا، فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قُبِضَ ولم يُفسِّرْها، فدعوا الرِّبا والرِّيبة 6. ورواه ابن ماجه 7، عن نصر بن علي، عن خالد بن الحارث، عن سعيد بن أبي عَروبة، به.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه -أيضًا- إسحاق بن راهويه في «مسنده»، كما في "إتحاف الخيرة" (3/ 312 رقم 2806) و «المطالب العالية» (2/ 89 رقم 1389) عن محمد بن بكر البُرساني.
ومحمد بن نصر المروزي في «السُّنة» (ص 58 - 59 رقم 197) وسُحنون في «المدونة الكبرى» (8/ 441) من طريق وكيع.
والطبري في «تفسيره» (3/ 114) من طريق ابن أبي عدي وابن عُليَّة.
وابن قانع في «معجم الصحابة» (2/ 223) والبيهقي في «دلائل النبوة» (7/ 138) من طريق عبد الوهاب بن عطاء.
خمستهم (محمد بن بكر، ووكيع، وابن أبي عَدي، وابن عُليَّة، وعبد الوهاب) عن ابن أبي عَروبة، به.
وصحَّحه البوصيري في «مصباح الزجاجة» (3/ 35) و «الإتحاف»، وقال: وسعيد بن أبي عَروبة وإن اختَلَط بأَخَرة؛ فإنَّ خالد بن الحارث ومحمد بن بكر البُرساني رَوَيا عنه قبل الاختلاط.
وصحَّحه -أيضًا- أبو العباس ابن تيمية في «الفتاوى الكبرى» (3/ 140) والذهبي في «تاريخ الإسلام» (1/ 410 - السيرة النبوية).
قلت: الخلاف في سماع سعيد من عمر معروف، وقد طَعَن ابن حزم في هذه الرواية، فقال في «المحلى» (8/ 477): حاشا لله من أن يكونَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لم يبيِّن الربا الذي توعَّد فيه أشدَّ الوعيد، والذي أذن اللهُ تعالى فيه بالحرب، ولئن كان لم يبيِّنه لعمرَ فقد بيَّنه لغيره، وليس عليه أكثرَ من ذلك، ولا عليه أن يبيِّن كلَّ شيءٍ لكل أحدٍ، لكن إذا بيَّنه لمن يبلغه فقد بلَّغ ما لزمه تبليغه.
قلت: وله طريق أخرى: أخرجها ابن أبي شيبة (4/ 452 رقم 22003) في البيوع، باب أكل الربا وما جاء فيه، من طريق أشعث وداود بن أبي هند.
والطبري في «تفسيره» (3/ 114) من طريق بِشر بن المُفضَّل.
والدارمي (1/ 246 - 247 رقم 131) من طريق حماد بن سَلَمة.
أربعتهم (أشعث، وداود، وبِشر، وحماد) عن الشَّعبي، عن عمرَ ... ، فذكره بمعناه.

وهذا -أيضًا- منقطع بين الشَّعبي وعمر، وبه أعلَّه الحافظ في «الفتح» (8/ 205). وقد خولف هؤلاء في روايتهم، خالَفَهم عاصم الأَحول، فرواه عن الشَّعبي، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: آخرُ آيةٍ نزلت على النبيِّ صلى الله عليه وسلم آيةُ الرِّبا.
ومن هذا الوجه: أخرجه البخاري في «صحيحه» (8/ 205 رقم 4544). =

طريق أخرى (804) رواه أبو بكر الإسماعيلي من حديث هيَّاج بن بِسطام، عن داود بن أبي هند، عن أبي نَضرة، عن أبي سعيد، عن عمرَ، به 1. أثر عن عمر (805) قال أبو بلال الأشعري، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- لما خَتَم سورةَ البقرة نَحَر جزُورًا.
قال: وتعلَّمها في ثنتي عشرة سَنَة 2. أبو بلال هذا: ضعَّفه الدارقطني.
= كما أن لفظ رواية عمرَ مخالفٌ للفظ رواية ابن عباس.
تنبيه: لقد حسَّن هذا الأثر محققو «مسند الإمام أحمد» (1/ 361 رقم 246 - ط مؤسسة الرسالة) فبعد أن أعلُّوا رواية سعيد بن المسيّب عن عمرَ بالانقطاع، قوَّوها برواية الشَّعبي عن عمرَ! ولم يتنبَّهوا للخلاف الواقع في رواية الشَّعبي، وزادوا الأمر غرابة بقولهم: «وفي الباب عن ابن عباس عند البخاري»!! والواقع أنه حديث واحد اختَلَف الرواة في إسناده ومتنه.

ومن سورة آل عمران

/ (ق 160) وتقدَّم في باب المسابقة 1 حديث يُذكر عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ 2. (806) قال الإمام أحمد 3: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سمَاك قال: سَمِعتُ عِياضًا الأشعري قال: شهدتُ اليرموكَ، وعلينا خمسةُ أمراء: أبو عُبيدة بن الجرَّاح، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حَسَنَة، وخالد بن الوليد، وعياض -وليس عياض هذا بالذي حدَّث سمَاكًا-.
قال: وقال عمرُ: إذا كان قتالٌ فعليكم أبو عُبيدة.
قال: فكَتَبنا إليه: إنَّه قد جَاشَ إلينا الموتُ 4، واستَمْدَدْناه، فكَتَب إلينا: إنَّه قد جاءني كتابُكم تَستَمِدُّونِي، وإنِّي أَدلُّكم على مَن هو أعزُّ نصرًا، وأحضَر جُندًا: الله عزَّ وجلَّ، فاستَنْصِروه، فإنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم قد نُصِرَ يومَ بدرٍ في أقلَّ من عِدَّتِكُم، فإذا أتاكم كتابي هذا؛ فقاتلوهم، ولا تراجعوني.
قال: فقاتلناهم، فهزمناهم أربع فراسخ.
قال: وأصبنا أموالاً، فتشاوروا، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة.
قال: وقال أبو عُبيدة: مَن يُراهنّي؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب.

قال: فَسَبَقَه، فرأيت عَقِيصَتَي 1 أبي عُبيدة تَنقُزانِ 2، وهو خلفَه على فَرَس عُري 3. هذا حديث جيد بإسناد صحيح، ولم يخرِّجوه.
وقد رواه ابن حبان في «صحيحه» 4، عن عمرَ بن محمد الهلالي، عن محمد بن يَسَار، عن غُندَر، عن شعبة، بنحوه.
واختاره الضياء في كتابه 5. (807) قال أبو عبيد القاسم بن سلاَّم رحمه الله 6: ثنا حجَّاج، عن هارون بن موسى، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن عمرَ: أنَّه صلَّى العشاءَ الآخرة، فاستفتح آل عمران، فقرأ: ألم.
الله لا إله إلا هو الحيُّ القيَّام.
قال هارون: وهي في مصحف عبد الله مكتوبة: «الحيُّ القيِّم».
إسناد صحيح إلى عمرَ.

أثر آخر (808) قال الزهري: وبَلَغنا عن عبد الله بن عمرَ أنه قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرُ المسلمين في القتال يومئذٍ -يعني: يوم أحد- بأمور، فعَصَوه، فابتُلُوا بذلك، فلمَّا أصابوا ما أَصابهم من النَّبل والجراح أمرهم بعد ذلك بأمرٍ، فقال: ... 1 سمعنا وأطعنا.
قال: فرأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت أنيابُهُ من قولهم حين أصابهم الجَهد لما ابتلوا.
فصاح الشيطانُ يقول: قُتِلَ محمدٌ ... 2 ما أصابهم من نبل الجراح ... 3 مابهم.
رواه الحافظ أبو بكر ابن مَردويه في «تفسيره».

ومن تفسير سورة النساء

(809) قال الحافظ أبو يعلى 1: ثنا أبو خيثمة، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن المُجالِد بن سعيد، عن الشَّعبي، عن مسروق قال: رَكِبَ عمرُ بن الخطاب منبرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أيها الناسُ، ما إكثارُكم في صُدُق النساء، وقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه، وإنَّما الصُّدُقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الإكثارُ في ذلك تقوًى عند الله، أو مَكرمةً لم تَسبِقوهم إليها، فلا أَعرِفَنَّ وما زاد 2 رجل في صداق امرأة / (ق 308) على أربعمائة درهم.
قال: ثم نزل، فاعتَرَضَته امرأةٌ من قريش، فقالت له: يا أميرَ المؤمنين، نَهَيتَ الناسَ أنْ يزيدوا النساءَ في صَدُقاتهن على أربعمائة درهم؟ قال: نعم.
فقالت: أما سمعتَ ما أنزل اللهُ في القرآن؟ قال: وأيُّ ذلك؟ فقالت: أَمَا سمعتَ اللهَ يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ 3. قال: فقال: اللهم غُفرَا، كلُّ الناس أفقهُ من عمرَ.
قال: ثم رجع، فركب المنبرَ، فقال: أيُّها الناسُ، إنِّي كنتُ نهيتكم أنْ تزيدوا النساءَ في صُدُقهنَّ على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يُعطِيَ من مالِهِ ما أحبَّ.

قال أبو يعلى: وأظنُّه قال: فمن طابت نفسُهُ، فليفعل.
هذا حديث جيِّد الإسناد، حسنه 1، ولم يخرِّجوه.23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قلت: وهو أصحُّ من مرسل ابن إسحاق، لأنَّ رجاله كلَّهم ثقات، وهو بظاهره يُبطل قصة المرأة، لأنه يدل على أنَّ تراجع عمرَ -رضي الله عنه- عمَّا هَمَّ به من النهي إنما كان بقراءته الآية قبيل خروجه إلى الناس، بينما القصة تقول: إنَّ تراجعَه إنما كان بعد خروجه وتذكير المرأة إيَّاه بالآية! وعلى كلِّ حال؛ فهذان مرسَلان لا يصحَّان لإرسالهما، وللتعارض الذي بينهما، ومخالفتهما لسائر طرق الحديث عن عمرَ التي أَطَبقت على أنَّ عمرَ نهى عن التَّغالي في المهور، ولم تذكر أنه رجع عن ذلك.
وليس في نهي عمرَ عن ذلك ما ينافي السُّنَّة حتى يتراجعَ عنه، بل فيها ما يشهد، فقد صحَّ عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنِّي تزوجتُ امرأةً من الأنصار، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «هل نَظَرتَ إليها، فإن في عيون الأنصار شيئًا؟»، قال: قد نَظَرتُ إليها، قال: «على كم تزوجتَها؟»، قال: أربع أواق.
فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «على أربع أواق؟! كأنَّما تنحتون الفضَّة من عُرض هذا الجبل».
رواه مسلم.
وإذا تبيَّن أنَّ نهي عمرَ -رضي الله عنه- عن التَّغالي في المهور موافق للسُّنَّة، وحينئذ يمكن أن نقول: إنَّ في القصَّة نكارة أخرى تدلُّ على بطلانها، وذلك أنَّ نهيه ليس فيه ما يخالف الآية حتى يتسنى للمرأة أن تعترض عليه، ويسلِّم هو لها ذلك؛ لأن له -رضي الله عنه- أن يجيبها على اعتراضها -لو صحَّ- بمثل قوله: لا منافاة بين نهيي وبين الآية من وجهين: الأوَّل: أنَّ نهيي موافق للسُّنَّة، وليس من باب التحريم، بل التنزيه.
الآخر: أنَّ الآية وَرَدت في المرأة التي يريد الزَّوج أن يطلِّقها، وكان قدَّم لها مهرًا، فلا يجوز له أن يأخذ منه شيئًا دون رضاها مهما كان كثيرًا، فقد قال تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾، فالآية وَرَدت في وجوب المحافظة على صداق المرأة وعدم الاعتداء عليه، والحديث وما في معناه ونهي عمرَ جاء لتلطيف المهر وعدم التَّغالي فيه، وذلك لا ينافي بوجه من الوجوه عدم الاعتداء على المهر بحكم أنه صار حقًّا لها بمحض اختيار الرَّجل، فإذا خالف هو، ووافق على المهر الغالي، فهو المسؤول عن ذلك دون غيره.
وبعدُ، فهذا وجه انشرح له صدري لبيان نكارة القصَّة من حيثُ متنها، فإنْ وافق ذلك الحقَّ؛ فالفضل لله، والحمد له على توفيقه، وإنْ كان خطأً؛ ففيما قدَّمنا من الأدلة على بيان ضعفها من جهة إسنادها كفاية، والله سبحانه وتعالى الهادي.
انتهى كلامه رحمه الله.
وانظر: «علل الدارقطني» (2/ 238).

وقد تقدِّم في كتاب النكاح 1 من حديث أبي العَجْفاء السُّلمي، عن عمرَ، نحوه.
طريق أخرى (810) قال الزُّبير بن بكَّار 2: حدَّثني عمِّي مصعب بن عبد الله، عن جدِّي قال: قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: لا تزيدوا في مُهُور النساء، وإن كانت بنت ذي القُصَّة -يعني يزيد بن الحصين الحارثي- فمن زاد أَلقيتُ الزيادةَ في بيت المال.
فقالت امرأةٌ من صُفَّة النساء، طويلةٌ، في أنفها فَطَس: ما ذاك لك؟ قال: ولم؟ قالت: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ 3 الآية.
/ (ق 309) فقال عمرُ رضي الله عنه: امرأةٌ أصابت، ورجلٌ أخطأ.

فيه انقطاع.
تقدَّم في كتاب الطهارة 1 قول عمر رضي الله عنه: قُبلةُ الرَّجل امرأتُه وجسُّها بيده من اللِّماس.

أثر يُذكر عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾

1 (811) قال أبو بكر ابن مَردويه: ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، ثنا معاذ بن المثنَّى، ثنا مُسدَّد 2، ثنا عبد الله بن داود، عن موسى بن عُبيدة، عن طلحة بن عبيد الله بن كَريز قال: قال عمرُ بن الخطاب: إنَّ أَخوفَ ما أخافُ عليكم إعجابُ المرء برأيه، فمن قال: إنَّه عالِمٌ، فهو جاهلٌ، ومن قال: إنَّه في الجنَّة، فهو في النَّار.
طريق أخرى (812) قال حنبل بن إسحاق 3: ثنا أحمد بن حنبل، ثنا معتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمرُ بن الخطاب: من قال: أنا

مؤمن؛ فهو كافر، ومن قال: هو عالِمٌ، فهو جاهلٌ، ومَن قال: هو في الجنَّة، فهو في النَّار.
هذان طريقان متعاضدان.
وفي قوله: «ومن قال: أنا مؤمن، فهو كافر» مستَدَلٌّ لمن ذهب من العلماء إلى وجوب الاستثناء في ذلك، وقد بَسَطنا القول في ذلك في أوَّل شرح البخاري، ولله الحمدُ والمنَّة.
حديث آخر (813) قال ابن أبي حاتم في «تفسيره» 1: ذَكَر هشام بن عمَّار: ثنا سعدان اللَّخمي -واسمه: سعيد بن يحيى-، ثنا نافع مولى قريش 2

السُّلمي البصري، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: قُرِئَ عند عمر: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ 1، فقال: أعدها.
فأعادها.
فقال معاذ: عندي تفسيرها، قال: تبدَّل في ساعة مائة مرَّة.
قال عمرُ: هكذا سَمِعتُ / (ق 310) رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
حديث آخر (814) قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دُحيم في «تفسيره»: ثنا شعيب بن شعيب، ثنا أبو المغيرة، ثنا عُتبة بن ضَمرة، حدثني أبي: أنَّ رجلين اختَصَما إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقَضَى للمحقِّ على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصِّدِّيق، فذهبا إليه، فقال الذي قُضِيَ له: قد اختَصَمنا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقَضَى لي عليه، فقال أبو بكر: فأنتما على ما قَضَى به النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
فأَبَى صاحبُهُ أن يرضى، قال: نأتي عمرَ بن الخطاب.
فأتياه، فقال المَقضِيُّ له: قد اختَصَمنا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقَضَى لي عليه، فأَبَى أن يرضى، ثم أتينا أبا بكر الصِّدِّيق، فقال: أنتما على ما قَضَى به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأَبَى أن يرضى، فسأَله عمرُ، فقال كذلك، فدخل عمرُ منزلَه، وخَرَج والسَّيفُ بيده قد سَلَّه، فضَرَب به رأسَ الذي أَبَى أن يرضى، فقَتَله، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ﴾ إلى آخر الآية 2.

طريق أخرى (815) قال ابن دُحيم: ثنا الجوزجاني، ثنا أبو الأسود، عن ابن لَهِيعة 1، قال: اختَصَم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فقَضَى لأحدهما، فقال الذي قُضِيَ عليه: رُدَّنا إلى عمر.
فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، انطلقوا 2 إلى عمرَ»، فانطَلَقا، فلمَّا أَتَيا عمرَ، قال الذي قُضِيَ له: يا ابنَ الخطاب، إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى لي، وإنَّ هذا قال: رُدَّنا إلى عمرَ، فردَّنا إليك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عمرُ: أكذلك؟ للذي قُضِيَ عليه، قال عمرُ: مكانَك حتى أخرج فأقضي بينكما، فخَرَج مشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال: رُدَّنا إلى عمرَ، فقتله، وأدبر الآخرُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قَتَل عمرُ صاحبي، ولولا ما أعجزه لقتلني! فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما كنتُ أَظنُّ عمر يجترئُ على قتلِ مؤمن!»، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ﴾ 3 فبَرَّأَ اللهُ عمرَ من قتلِهِ 4. فهذان الطريقان متعاضدان 5.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = منها: ما أخرجه إسحاق بن راهويه في «تفسيره»، كما في «فتح الباري» (5/ 37) عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فدعا اليهوديُّ المنافقَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافقُ اليهوديَّ إلى حكَّامهم؛ لأنه علم أنهم يأخذونها، فأنزل الله هذه الآيات، إلى قوله: ﴿ويسلموا تسليما﴾.
قال الحافظ: وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، نحوه.
وروى الطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس أنَّ حاكم اليهود يومئذٍ كان أبا بَرْزة الأسلمي قبل أن يُسلم ويَصحب.
وروى بإسناد آخر صحيح إلى مجاهد أنه كعب بن الأشرف.
ومنها: ما أخرجه الكلبي في «تفسيره»، كما في «الفتح» (5/ 37) عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نَزَلت هذه الآية في رجل من المنافقين، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد.
وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف ... ، فذكر القصة، وفيه: أنَّ عمرَ قتل المنافقَ، وأنَّ ذلك سبب نزول هذه الآيات، وتسمية عمر الفاروق.
قال الحافظ: وهذا الإسناد وإن كان ضعيفًا؛ لكن تقوى بطريق مجاهد، ولا يضره الاختلاف لإمكان التعدد، وأفاد الواحدي بإسناد صحيح عن سعيد، عن قتادة: أن اسم الأنصاري المذكور قيس، ورجَّح الطبري في «تفسيره» وعزاه إلى أهل التأويل في «تهذيبه» أنَّ سبب نزولها هذه القصة ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد.
قال: ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك، ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخَصْمه وَقَعت في أثناء ذلك، فيتناولها عموم الآية، والله أعلم.
اهـ. وقال في «العجاب في بيان الأسباب» (2/ 909) بعد أن ساق هذه الطرق وغيرها: وفيه تقوية لقول من قال: إن الآيات كلها أُنزلت في حق المتخاصمين إلى الكاهن كما تقدم، وبهذا جزم الطبري، وقوَّاه بأن الزبير لم يجزم بأن الآية نزلت في قصته، بل أورده ظنًّا.
قلت [أي: ابن حجر]: لكن تقدم في حديث أم سَلَمة الجزم بذلك، ويحتمل أن تكون قصة الزبير وَقَعت في أثناء ذلك، فتناولها عموم الآية، والله أعلم.
وانظر: «الصارم المسلول» لابن تيمية (2/ 83، 85).

جارٍ التحميل