مسند الفاروق ت إمامصفحات 525-556

كتاب الحج

صفحات 525-556

قال: «مَن زارني متعمدًا، كان في جِوَاري يومَ القيامةِ، ومَن مات في أحدِ الحَرَمينِ، بعَثَه اللهُ في الآمنينَ يومَ القيامةِ».
وهكذا رواه الحافظ ابن عدي 1، عن محمد بن موسى، عن أحمد بن الحسن الترمذي ... ، فذَكَره.
أورده في ترجمة هارون بن قَزَعة، وحكى عن البخاري أنَّه قال: لا يُتابَع عليه.

وكذا قال ابن حبان، والأزدي 1. ثم رواه الدارقطني 2، والقاسم ابن عساكر 3 من طرق صحيحة 4،

عن محمد بن الوليد البُسري: ثنا وكيع، ثنا خالد بن أبي خالد وابن عَون، عن الشَّعبي، والأسود بن ميمون، عن هارون بن قَزَعة 1، عن رجل من آل حاطب، مرفوعًا: «مَن زراني بعد موتي، فكأنَّما زارني في حياتي».
وهذه الطريق والتي قبلها أمثلُ من رواية أبي داود الطيالسي، والله أعلم.
وقد روي هذا الحديث من طرق أخر عن جماعة من الصحابة، قد أَفرَدتُ في ذلك جزءًا على حِدَة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
/ (ق 140) أثر عن عمر (364) قال ابن ماجه -في كتاب الجنائز- 2: ثنا عمر بن شَبَّة، ثنا عبيد بن الطُّفيل المقرئ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مُلَيْكَة

-وهو: المُلَيكي-، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشةَ -رضي الله عنه- قالت: لمَّا مات رسولُ الله صلى الله عليه وسلم اختَلَفوا في اللَّحدِ 1 والشَّقِّ، فتَكَلَّموا في ذلك، حتى ارتَفَعَتْ أصواتُهُم، فقال عمرُ رضي الله عنه: لا تَضجُّوا 2 عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حيًّا، ولا ميتًّا.
حديث آخر (365) قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني 3: ثنا عبد الله بن جعفر، أنا إسماعيل بن عبد الله، ثنا محمد بن سليمان القرشي، ثنا مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عمرَ، حدثني عمرُ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «وَضَعتُ مِنبَري على تُرعةٍ من تُرَعِ الجنَّةِ».

ذَكَره الحافظ الضياء في «المختارة» 1، وحكى عن ابن أبي حاتم أنَّه قال 2: محمد بن سليمان بن معاذ القرشي، عن مالك بن أنس وعثمان بن طلحة القرشي، سَمِعَ منه أبي في أيام الأنصاري، وروى عنه عبَّاد بن الوليد الغُبَري، ولم يَذكر فيه جرحًا 3.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234567891011 = وليس في رواية أحد منهم: «ما بين قبري ومنبري».
وممن رواه عن مالك على هذا الوصف:

طريق أخرى (366) قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: أخبرني أحمد بن محمد بن الجَعْد، ثنا عبد الملك بن عبد ربِّه، ثنا عطاء بن زيد، حدثني سعيد، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين قبري ومنبري واسطوانةِ التوبةِ روضةٌ من رياضِ الجنَّةِ» (2).1 = 2 - عبد الله بن عمر العُمَري: وروايته عند عبد الرزاق (5243) وأحمد (/401).

قال عطاء: ورأيت ابن عمر يحفي شاربه.
(367) / (ق 141) وبهذا الإسناد عن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن حُدِّث حديثًا فعُمِلَ به، أُعطِيَ ذلك، وإن كان باطلاً».
فيه نكارة شديدة جدًّا، والحديث الأوَّل له شاهد في «الصحيحين» 1، والله أعلم.
حديث آخر (368) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 2: ثنا محمد بن المثنىَّ، ثنا

إبراهيم بن أبي الوزير، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن إسحاق بن المستورد، عن عبد الرحمن بن عمرو بن حارثة الأنصاري: أن عمر -رضي الله عنه- كان يأتي مسجدَ قُباءَ يوم الإثنين ويوم الخميس، فجاء يومًا، فلم يَجد فيه أحدًا من الناس، فقال: والذي نفسي بيده، لقد رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكرٍ، وأناسًا من أصحابه، ونحن نَنقُلُ حجارتَهُ على بطوننا، وأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لهو أسَّسَهُ بيدِهِ، وجبريلُ يؤُمُّ له الكعبةَ.
إسناده غريب.
وسيأتي في كتاب النكاح في باب الوليمة حديث مرفوع في فضل المدينة 1. أثر آخر (369) قال البخاري في آخر كتاب الحج من «صحيحه» 2: ثنا يحيى بن بُكَير، ثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ -رضي الله عنه- أنَّه قال: اللهمَّ ارزقني شهادةً في سبيلك، واجعل موتي في بلدِ رسولِكَ.
= وقيل: عن عبد العزيز بن محمد، عن المستورد، عن عبد الرحمن بن جارية، عن أبي غزية.
ليس فيه عمر! وقيل: عن عبد العزيز بن محمد، عن المستورد، عن عبد الرحمن بن جارية، عن فلان بن غزية، عن عمر! وقيل: عن عبد العزيز بن محمد، عن إسحاق بن المستورد، عن محمد بن عبد الرحمن بن جارية، عن أبي غزية! أخرج هذه الطرق البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 401 - 402).

وقال ابن زُرَيع: عن رَوْح بن القاسم، عن زيد بن أسلم، عن أُمِّه، عن حفصة بنت عمرَ قالت: سَمِعتُ عمرَ ... ، نحوه.
وقال هشام: عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن حفصة قالت: سَمِعتُ / (ق 142) عمرَ رضي الله عنه.
انتهى ما ذَكَره البخاري.
(370) وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني 1: ثنا سليمان بن أحمد 2، ثنا إبراهيم بن هاشم، ثنا أُميَّة بن بسطام، ثنا يزيد بن زُرَيع، عن رَوْح بن القاسم، عن زيد بن أسلم، عن أُمِّه 3، عن حفصةَ قالت: سَمِعتُ عمرَ يقول: اللهمَّ قَتْلاً في سبيلِكَ، ووفاةً في بلدِ نبيِّكَ صلى الله عليه وسلم.
قلتُ: وأنَّى يكونُ هذا؟! قال: يأتي اللهُ به إذا شاءَ.
قال الحافظ الدارقطني 4: رواه رَوْح بن القاسم، وحفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أُمِّه، عن حفصة.
ورواه هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن حفصة.
والصحيح: قول من قال: عن أُمِّه.
قلت: وسنذكر باقي الكلام على هذا المعنى في وفاة عمر من «سيرته»، إن شاء الله تعالى.
والغرضُ ههنا إنما هو سؤالُهُ -رضي الله عنه- الوفاةَ ببلدِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وقد استجاب اللهُ دعاءَه وتَقبَّلَ منه وجَعَلَهُ من أقربِ الخلائقِ إليه.

حديث في فضل بيت المقدس

(371) قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: أنا الحسن بن سفيان، ثنا الحسن بن سهل الجعفري 1، ثنا أبو أسامة، عن عيسى بن سِنَان، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن محمد، عن أبيه قال: صلَّيتُ مع عمرَ في كنيسةٍ، يقال لها: كنيسةُ مريمَ، في وادي جهنَّمَ، فلمَّا انصرَفَ قال: لقد كنتُ غنيًّا أنْ أصلِّيَ على بابٍ من أبوابِ جهنَّمَ، ثم تَنخَّع، وعليه قميصان سُنبُلانيَان، فأخَرَج أحدَهما فبَزَق فيه، ودَلَك بعضَهُ / (ق 143) ببعض.
قلنا: لو تَفَلتَ في الكنيسة، وهو مكان يُشرَكُ فيه، ثم صَنعتَ مارأينا؟ -يعني: من اتقائِهِ أن تَنَخَّعَ فيه- قال: فإنَّه وإنْ كان يُشرَكُ، فإنَّه يُذكَر فيه اسمُ اللهِ كثيرًا.
قال: ثم دَخَلنا المسجدَ، فقال عمرُ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «صَلَّيت ليلةَ أُسرِيَ بي في مُقدَّمِ المسجدِ، ثم دخلتُ إلى الصخرةِ، فإذا أنا بمَلَكٍ قائمٌ، معه آنيةٌ ثلاث، فقال: يا محمدُ -وأشار إليه بالآنية- قال: فتَنَاولتُ العسلَ، فشَرِبتُ منه قليلاً، ثم تَنَاولتُ الآخرَ، فشَرِبتُ منه حتى رَوِيتُ، فإذا هو لبنٌ، فقال: اشرَب من الآخر.
فإذا هو خمرٌ، قلت: قد رَوِيتُ.
قال: أمَا إنَّك لو شَرِبتَ من هذا لم تجتمع أُمَّتُك على الفطرةِ أبدًا.
ثم انطَلَق بي إلى السماءِ، وفُرِضَتْ عليَّ الصلاةُ، ثم رَجَعتُ إلى خديجةَ، وما تَحَوَّلَتْ عن جانبها الآخرِ».
هذا حديث غريب جدًّا.
وفي «الصحيح»: أن خديجة ماتت قبل أن تُفرَضَ الصلاة.

وهو المشهور عند العلماء: أن الإسراء كان بعد موت خديجة رضي الله عنها وأرضاها 1. وقد قدَّمنا في ذِكر المساجد 2 وَضْعَ عمرَ المسجد قِبلِي بيت المقدس بعد ما أشار كعبُ أن يكونَ من وراءِ الصخرةِ، فأَبَى عليه ذلك وعنَّفَهُ، ومع ذلك لم يمتهن الصخرةَ، بل أزاح الزِّبالةَ التي كانت عليها بردائه، وكَنَس معه المسلمون، وذلك أنَّ النصارى لما كانوا / (ق 144) قد استحوذوا على بيت المقدس جعلوا الصخرةَ مزبلةً؛ لأنها كانت قِبْلةَ اليهود، ومرادُهم بذلك الاقتصاص منهم لما وَضَعوا القمامةَ على الموضعِ الذي زَعَمتِ النصارى واليهودُ أنَّه قبرُ المسيحِ صلى الله عليه وسلم، ولُعِنَ اليهودُ والنصارى في بُهْتانِهِم على اللهِ، وعلى رسولِهِ.

أثر في كون الأضحية غير واجبة

(372) قال الإمام الشافعي 1: وبَلَغنا عن أبي بكر وعمرَ -رضي الله عنهما- أنهما كانا لا يُضحِّيان كراهيةَ أن يُقتدَى بهما فيَظنُّ مَن رآهما أنها سُنَّة 2. وهذا قد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي 3: فقال: (373) أنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن أحمد بن بَالُويه، ثنا محمد بن غالب، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن سعيد بن مسروق، عن الشَّعبي، عن أبي سَرِيحة قال: أدركتُ أبا بكرٍ وعمرَ وكانا لي جَارَيْن، وكانا لا يُضحِّيان.
وهذا إسناد صحيح.
وقد رواه -أيضًا- 4 من حديث مُطرِّف وإسماعيل، عن الشَّعبي.
قال بعضهم: كراهية أن يُقتدَى بهما.

حديث يُذكر في باب العقيقة، فيه الدلالة

على تغيير الاسم لمصلحة راجحة

(374) قال الإمام أحمد 1: ثنا عفَّان، ثنا أبو عَوَانة، ثنا هلال بن أبي حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نَظَر عمرُ إلى أبي عبد الحميد -أو: ابن عبد الحميد، شكَّ أبو عَوَانة- وكان اسمه: محمدًا، ورجلٌ يقول: يا محمدُ، فَعَلَ اللهُ بك، وفَعَلَ، وفَعَلَ، وجعل يَسبُّهُ، فقال أميرُ المؤمنين عند ذلك: يا ابنَ زيد، اُدْنُ منيِّ، ألا أَرى محمدًا صلى الله عليه وسلم يُسَبُّ بك! لا واللهِ لا يُدعى 2 محمدًا، ما دُمتُ حيًّا، فسمَّاه:

عبد الرحمن، ثم أَرسَلَ إلى ابن 1 طلحة، ليُغيِّر أسماءَهم 2، وهم يومئذٍ سبعةٌ، وسيِّدُهم أكبرُهم محمد 3. فقال محمد بن طلحة: أنشدُكَ اللهَ يا أميرَ المؤمنين، فواللهِ إنْ سمَّاني محمدًا -يعني- إلا محمدٌ صلى الله عليه وسلم.
فقال عمرُ: قوموا، لا سبيل لي إلى شيء سمَّاه محمدٌ صلى الله عليه وسلم.

حديث آخر فيه الدلالة على استحباب تغيير الاسم القبيح

(375) قال الإمام أحمد 1: ثنا أبو النَّضر، ثنا أبو عَقيل، ثنا مُجالِد بن سعيد، أنا عامر، عن مسروق بن الأَجدع قال: لَقِيتُ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقال لي: مَن أنت؟ قلت: مسروقُ بنُ الأَجْدَع.
فقال عمرُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «الأَجْدعُ شيطانٌ»، ولكنَّك مسروقُ بن عبد الرحمن.
قال عامر: فرأيتُهُ في الدِّيوان: مسروقُ بن عبد الرحمن، فقلت: ما هذا؟! فقال: هكذا سمَّاني عمرُ بن الخطاب.
ورواه أبو داود 2، وابن ماجه 3 جميعًا في الأدب، عن أبي بكر بن أبي شيبة 4، عن أبي النَّضر -وهو: هاشم بن القاسم-، عن أبي عَقيل -واسمه: عبد الله بن عَقيل الثَّقَفي الكوفي-، عن مُجالِد بن سعيد.
وقد تكلَّموا فيه، ولكنه أخرج له مسلم في المتابعات.
وقد رواه علي ابن المديني، عن أبي النَّضر، به، وقال: هذا حديث صالح الإسناد وليس بالصَّافي، وهو حديث كوفي، لا نحفظه إلا من هذا / (ق 145) الوجه، وأبو عَقيل: ضعَّفه أبو أسامة.
انتهى كلامه رحمه الله 5.

حديث آخر (376) قال أبو يعلى 1: ثنا موسى، ثنا أبو أحمد الزُّبيري، ثنا سفيان، عن أبي الزُّبير، عن جابر، عن عمرَ قال: إنْ عِشتُ -إنْ شاءَ اللهُ-؛ لأُخْرِجَنَّ اليهودَ من جزيرةِ العربِ.
قال: وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَئِن عِشتُ -إنْ شاءَ اللهُ- لأَنهينَّ أن يُسمَّى رَبَاحًا، ونَجِيحًا 2، وأَفلَحَ، ويَسَارًا».
ورواه الترمذي 3، وابن ماجه 4 بدون قصَّة إخراج اليهود والنصارى من حديث أبي أحمد الزُّبيري.
ثم قال الترمذي: غريب، وهكذا رواه أبو أحمد، وهو ثقة حافظ، والمشهور عند الناس في هذا الحديث: عن جابر.
ليس فيه عمر 5.

حديث آخر (377) قال أبو داود 1: ثنا هارون بن زيد بن أبي الزَّرقاء، ثنا أبي، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنَّ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- ضَرَبَ ابنًا له تكنَّى أبا عيسى، وأنَّ المغيرةَ بن شعبة تكنَّى بأبي عيسى، فقال له عمر: أَمَا يَكفيكَ أنْ تكتني بأبي عبد الله؟ فقال: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كنَّاني.
فقال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، وإنَّا في جَلْجَبَتِنَا 2، فلم يَزَل يكنى بأبي عبد الله حتى هَلَكَ.
وهكذا رواه حبيب بن الشَّهيد، عن زيد بن أسلم 3، به.
وهو إسناد حسن.
لكن قال الدارقطني 4: رواه حماد بن سَلَمة وغيره، عن زيد بن أسلم مرسلاً، وهو أشبه.
قلت: هكذا أورده أصحاب الأطراف 5 في مسند عمر، وهو مناسَب أن يُذكر في مسند المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

حديث آخر (378) قال أسد بن موسى في «فضائل الشيخين»: حدثنا قيس بن الربيع، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين قال: جاءت امرأةٌ إلى عمرَ، فقالت: إنَّ اسمي عاصية، فسمِّني باسمٍ غيره، فقال: اسمُكِ جميلة.
فغَضِبتْ، وقالت: سمَّيتني اسمَ الولائدِ! قال: فأَتَتْ رسولَ الله، فذَكَرتْ ذلك له، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ اسمي عاصية، فحوِّل اسمي.
قال: «أنتِ جميلةٌ»، فضَحِكتْ، وقالت: أتيتُ ابنَ الخطاب، فقال مثلَ ذلك! فقال: «أَمَا عَلِمتِ أنَّ اللهَ تعالى عند يدِ عُمرَ ولسانِهِ؟!» 1. وقد تقدَّم في كتاب الطهارة مثلُه من وجه آخر 2، والله أعلم.

أثر في كيفية الذَّبح

(379) قال الثوري 1: عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن فُرافصَة الحنفي، عن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- أنَّه قال: الذَّكاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ، ولا تُعجِلُوا الأَنفُسَ أنْ تَزهَقَ.
أثر آخر (380) قال أبو عبيد 2: ثنا مروان بن معاوية الفَزَاري، عن هشام

الدَّستَوائي، وحجَّاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثير، عن المعرور الكلبي، عن عمرَ: أنَّه نهى عن الفَرْسِ في الذَّبيحةِ.
قال: وحدَّثناه عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، عن المعرور الكلبي، عن عثمان بن عفان، بذلك.
قال أبو عبيد: ولا أرى المحفوظَ إلا هذا.
قال أبو عُبيدة: والفَرْسُ هو: النَّخعُ، وذلك أن ينتهي بالذَّبح إلى النُّخاع، وهو عظم في الرَّقَبة.
قال أبو عبيد: أما النَّخعُ؛ فهو كما قال، وأما الفَرْسُ؛ فهو كَسر رقَبَة الذَّبيحة قبل أن تَبرُدَ، وممَّا يبيِّن ذلك أن في الحديث: «ولا تُعجلوا الأنفس حتى تَزهَقَ».

أثر في النهي عن الحذف، والأمر [بالذَّبح] (1) بالمحدَّد

(381) قال أبو عبيد 2: ثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن عاصم، عن زرٍّ قال: قَدِمْتُ المدينةَ في يوم عيدٍ، فإذا رجلٌ مُتلبِّب 3، أعسَر أيسَر 4، يمشي مع الناس كأنَّه راكب، وهو يقول: هاجِرُوا، ولا تَهَجَّرُوا، واتَّقوا الأرنبَ أن يَحذِفَهَا أحدُكُم بالعَصا، ولكنْ ليُذَكِّ لكم الأَسَلُ: الرِّماحُ والنَّبلُ.
قال أبو عبيد: قوله: ولا تَهَجَّرُوا: أي: لا تَشبَّهوا بالمهاجرين في الصُّورةِ الظاهرةِ من غير إخلاصٍ، كما يقال: تَحَلَّمَ وتَكَرَّمَ وتَشَجَّعَ، وليس كذلك.
قال: والأَسَل: إنما يطلق غالبًا على الرِّماح، ولكن قد احتمل ههنا فيها، وفي النَّبل أيضًا.1

حديث في الأطعمة

(382) قال الإمام أحمد 1: ثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد، عن قتادة، عن سليمان اليَشكري، عن جابر بن عبد الله: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يُحرِّم الضَّبَّ وإنما قَذِرَه.
هذا إسناد جيد قوي صحيح 2. تفرَّد بإخراجه ابن ماجه 3 من هذا الوجه، عن يحيى بن خَلَف، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، به.
ولكن رواه مسلم بن الحجَّاج 4 من طريق أخرى: (383) فقال: حدَّثني / (ق 146) سَلَمة بن شَبيب، ثنا الحسن بن أَعْين، ثنا مَعقِل، عن أبي الزُّبير قال: سألتُ جابرًا عن الضَّبِّ؟ فقال: قال عمرُ بن الخطاب 5: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يُحرِّمْهُ، إنَّ اللهَ يَنفعُ به غيرَ واحد، وإنما هو

طعامُ 1 عامَّة الرِّعاءِ منه، ولوكان عندي لَطَعِمتُهُ.
انفرد به مسلم من هذا الوجه.
وقد رواه -أيضًا- من طريق أخرى في الذَّبائح 2، عن أبي موسى، عن ابن أبي عَدي، عن داود بن أبي هند، عن أبي نَضرة، عن أبي سعيد، عن عمرَ، بنحوه.

أثر آخر في إجادة العجن

(384) قال أبو عبيد 1: يُروى عن هشام بن عروة، عن أبي ليث مولى الأنصار، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ: أنَّه قال: أَملِكُوا العجينَ، فإنَّه أحدُ الرَّيْعَيْن.
قال أبو عبيد: يعني: أجيدوا عَجنَهُ وأَنعِمُوهُ، والرَّيع: الزيادة، والرَّيع الأوَّل عند الطَّحن، والآخر عند العجن.
يقال: أَملَكتُ العجينَ إِملاكًا، ومَلَكتُهُ أَملِكُهُ مَلكًا.
حديث عمر: إنِّي كنتُ نَذَرتُ في الجاهلية أنْ أعتكفَ يومًا في المسجدِ الحرامِ، فقال: أَوْفِ بنذرِكَ.

تقدَّم في باب الاعتكاف 1. وقد استدلوا به على صحة انعقاد النَّذر من الكافر حيث أَمَره بوفاء ما نَذَره في جاهليته.

حديث في نذر اللَّجَاج والغضب

1 (385) قال مُسدَّد بن مُسَرهَد -رحمه الله- في «مسنده» 2: ثنا يزيد، عن حبيب المعلِّم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ أخوين من الأنصار كان بينهما ميراثٌ، فسأل أحدُهما صاحبَه القسمةَ، فقال: لَئِنْ عُدتَ تسألُني القسمةَ لم أكلِّمْكَ أبدًا، وكلُّ مالِي في رِتَاج الكعبةِ 3! فقال عمرُ رضي الله عنه: إنَّ الكعبةَ لَغَنيةٌ عن مالِكَ، كفِّرْ عن يمينِكَ وكلِّم أخاك، إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يمينَ عليكَ، ولا نَذَر في معصيةِ الرحمنِ، ولا فيما لا تَملِكُ».
ورواه أبو داود في الأيمان 4، عن / (ق 147) محمد بن منهال، عن يزيد بن زُرَيع، عن حبيب المعلِّم، به.
وزاد: «ولا في قطيعةِ الرحمِ».
ورواه المُزَني 5، عن الحميدي، عن ابن أبي روَّاد، عن المثنَّى بن الصبَّاح، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال فيمن جَعَلَ مالَه في سبيل الله: يمينٌ، يُكفِّرُها ما يُكفِّرُ اليمينَ.

وقال علي ابن المديني: هذا منقطع؛ لأن سعيد لم يَسْمع من عمر إلا حديثًا عند رؤية البيت.
قال: وقد روي عنه غير حديث: سَمِعتُ.
ولم يصحَّ عندي، ومات عمر وسعيد ابن ثمان سنين.
آثر آخر في معناه (386) قال أسد بن موسى في كتاب «فضائل أبي بكر وعمر»: حدثنا زيد بن أبي الزَّرقاء، عن قيس بن الرَّبيع، عن وائل، عن البَهِي، عن عمرَ: أنَّ عبيد الله بن عمرَ سَبَّ المِقدادَ بن الأسود وعمَّارًا، فقال عمرُ رضي الله عنه: عليَّ نذرٌ إنْ لم أقطعْ لسانَهُ، حتى تكونَ سُنَّةً، حتى لا يجترئَ أحدٌ أن يَسُبَّ أصحابَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
فكُلِّم فيه، فتَرَكه 1. هذا إسناد لا بأس به 2. والقول بإجزاء الكفَّارة في نذر اللَّجاج والغضب يُروى عن عمرَ -كما ترى-، وابنه عبد الله، وحفصة، وعائشة أُمَّي المؤمنين، وابن عباس 3،

وزينب ربيبة النبيِّ صلى الله عليه وسلم 1. وحكاه القاضي الماوردي وأبو يعلى الحنبلي عن جماعة آخرين من الصحابة، ثم ادَّعيا أنَّه إجماع من الصحابة قاطع.
وهو قول طاوس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وأبي الشعثاء، وأبي وائل، وغيرهم 2. وهو المشهور من مذهب الإمام الشافعي 3. ورواية عن أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن.
وبه قال أحمد بن حنبل 4، وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، ومحمد بن نصر، وابن المنذر 5، وجمهور العلماء 6.

حتى إنَّ الليث بن سعد -رحمه الله- طرد الكفَّارة في نذر التبرُّر 1. وهو غريب.
وذهب الإمام مالك بن أنس، وشيخه ربيعة، وأبو حنيفة في المشهور عنه إلى أنَّه لا كفَّارة في نذر اللَّجاج والغضب، بل يجب الوفاء بما نذر 2، والله أعلم.
وقد روي عن أبي حنيفة أنَّه رجع عن ذلك، فالله أعلم.
وفي المسألة قول ثالث: وهو أنَّه لا يلزمه شيء، لا الوفاء بما نذر، ولا كفَّارة يمين.
وهو قول الشَّعبي، والحكم، والحارث العُكلي، وابن أبي ليلى، ورواية عن محمد بن الحسن، نقلها ابن عبد البر، وغيره.
وإليه ذهب داود وأصحابه، وأبو جعفر ابن جرير الطَّبري، وابن حزم, وغيرهم 3. وأما ما جاء في توجيه هذه الأقوال ووجوه الترجيح فلسنا بصدده، وبالله المستعان.

حديث آخر في النَّذر

(387) قال الهيثم بن كُلَيب الشاشي في «مسنده» 1: ثنا ابن المنادي، ثنا علي بن بحر القطان، ثنا محمد بن سَلَمة، أخبرني أبو عبدالرحيم خالد بن أبي يزيد، عن جهم بن أبي الجارود 2، عن سالم، عن أبيه: أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- أَهدَى نَجيبةً 3 له، فأُعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى عمرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي أَهدَيتُ نَجيبةً لي، أُعطِيتُ بها ثلاثمائة دينار، فأَبيعُها وأَشتري بثمنها بُدْنًا فأَنْحَرُها؟ قال: «لا، انْحَرْهَا إيَّاها».

هكذا رواه الهيثم في مسند عمر.
وذَكَره أصحاب الأطراف 1 في مسند ابن عمر من رواية أبي داود 2، عن النُّفيلي، عن محمد بن سَلَمة، به.
وهو في «مسند أحمد» 3، كما سيأتي 4 إن شاء الله تعالى.
وقد اختاره الحافظ الضياء في كتابه «المختارة» 5 من طريق الهيثم بن كُلَيب، والله أعلم.
فيه دلالة على أن من نَذَر هَديًا معينًا أنَّه لا يجوز له إبداله بوجه من الوجوه حتى ولا بما هو أجودُ منه وأكثرُ ثمنًا.
وقد رواه بعضهم فقال: بُختيَّة 6، والصحيح: نَجيبة، واحدة النجايب، والله أعلم 7.

/ (ق 148)

جارٍ التحميل