لكن قد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب «دلائل النبوة» 1 عن الحاكم وغيره، عن الأصمِّ، عن سعيد بن عثمان التَّنوخي، عن بِشر بن بكر، حدثني الأوزاعي، حدثني الزهري، حدثني سعيد بن المسيّب قال: وُلِدَ لأخي أُمِّ سَلَمة من أُمِّها غلامٌ فسَمَّوه الوليدَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تُسمُّونَ بأسماءِ فَرَاعنتِكُم، غيِّروا اسمَه -فسَمَّوه: عبد الله-، فإنَّه سيكونُ في هذه الأُمَّةِ رجلٌ، يقالُ له: الوليدُ، هو شرٌّ لأُمَّتي من فرعونَ لقومِهِ».
هكذا وقع في رواية البيهقي مرسلاً.
وكذا رواه يعقوب بن سفيان 2 عن محمد بن خالد بن العبَّاس السَّكسكي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، مرسلاً.
قال الوليد بن مسلم: فكان الناسُ يَرَون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد لفتنة الناس به حين / (ق 390) خَرَجوا عليه، فقَتَلوه، فانفَتَحتِ الفتنةُ على الأُمَّة والهَرْجُ.
قلت: أما الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فكان فاسقًا مجاهرًا بالمعاصي، وقد حَكَى عنه صاحب «العِقد» 3 وأصحابُ التاريخ شيئًا فرِيًّا من أنه أَذِنَ لحبابَةَ مولاتِه، فصَلَّتْ بالناس الفجرَ وهي جُنُب! والله أعلم بصحَّة ذلك، وكانت مدَّة ولايته للسَّلطنة سَنَة وقريبًا من شهرين، ثم خُلِعَ، وقُتِلَ، وعُلِّق رأسُه على حائط الجامع الشرقيِّ ممَّا يلي المصلِّين مدَّةً، ثم رُفِعَ، وغُسِلَت آثارُ دمِهِ.
وأمَّا عمُّه الوليد بن عبد الملك فامتدَّت ولايتُه نحوًا من عشر سنين، فعمَّر فيها المسجدَ الجامعَ بدمشق، وزَخْرَفَهُ، وزَيَّنهُ، وتأنَّق فيه جدًّا، ولم يكن بناءٌ على وجه الأرض شرقًا ولا غربًا في زمانه أبهى منه ولا أحسنَ، وصَرَف عليه من بيت مال المسلمين من الذَّهَب مالايُحدُّ كثرةً، مع أنه كان موصوفًا بالشهامة والصَّرامَة، وكان فيه جَبرية.
وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب «أحكام القبور» 1، عن عمرَ بن عبد العزيز رحمه الله: أنه لمَّا أَلحده في قبره شاهَدَ منه أمرًا منكرًا، فيه عظةٌ عظيمةٌ للناس: رَوى أنه حين وَضَعه في اللَّحد جُمِعَت رُكبَتَاه إلى عُنُقِهِ، ورَوى أنه حُوِّل وجهُهُ عن القِبلة.
والذي اشتَهَر من حاله أنه كان من مُلُوك الإسلام، وكانت له مملكةٌ متَّسعةٌ في المشارق والمغارب، ومن أحسن ما روي عنه أنه كان يباشرُ أحوالَ الرَّعيةِ / (ق 391) بنفسِهِ، ويَصرفُ إلى الزَّمنَي والمرضى والمجذَّمين ما يَكفيهم من بيت المال.
وأحسن من هذا ما روي عنه أنه قال: لولا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قصَّ علينا خبرَ قومِ لوطٍ ما ظننتُ أنَّ ذَكَرًا يَعلو ذَكَرًا!
حديث آخر
(963) قال أحمد 2:
ثنا حسن، ثنا ابن لَهِيعة، ثنا أبو الزُّبير، عن
جابر: أنَّ عمرَ بن الخطاب أخبَرَه أنه سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيخرُجُ أهلُ مكةَ ثم لا يعير 1 بها، أو يغير 2 بها إلا قليلٌ، ثم تمتلِئُ وتُبنَى، ثم يَخرجون منها ولا يعودون فيها أبدًا».
هذا إسناد جيد، لأنَّ ابن لَهِيعة قد صرَّح بالسماع فزال محذور تدليسه 3.
حديث آخر
(964) قال أحمد 4: ثنا يحيى بن إسحاق، أنا ابن لَهِيعة، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أخبرني قال 5: سَمِعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «لَيَسيرَنَّ الرَّاكبُ في جَنَباتِ المدينةِ، ثم لَيَقولَنَّ: لقد كان في هذا حاضِرٌ من المؤمنين كثيرٌ».
قال أحمد: ولم يَجز به حسن الأشيب جابرًا 1.
وهذا -أيضًا- جيد 2، والله أعلم.
وقد تقدَّم في كتاب الجهاد 3 من حديث عبد الله بن عمر السَّعدي، عن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه، عن أبيه، سَمِعَ عمرَ بن الخطاب يقول: لولا أنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ اللهَ سَيَمنعُ الدِّينَ بنصارى من ربيعةَ على شاطئِ الفُرَاتِ»؛ ما تَرَكتُ عربيًا إلا قَتَلتُهُ أو يُسلِمُ.
رواه النسائي 4، وهو غريب 5.
أحاديث المعجزات والمناقب والفضائل، وهي مرتَّبة على أسماء الأعيان، ثم القبائل، ثم البلدان
(965) قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي رحمه الله 1: ثنا أبو هشام، ثنا ابن فضيل، ثنا ابن أبي زياد، عن عاصم بن عبيد الله / (ق 392) بن عاصم، عن أبيه، عن جدِّه عمرَ قال: كنَّا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في غَزَاة، فقلنا: يا رسولَ الله، إنَّ العدوَّ قد حَضَر وهم شِباعٌ، والناسُ جياعٌ، فقالت الأنصار: ألا نَنحَرُ نواضِحنا فنُطعِمَه للناس؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَن كان عندَه فضلُ طعامٍ؛ فليَجِئ به»، فجعل الرَّجلُ يجيءُ بالمُدِّ والصَّاعِ، وأكثرَ وأَقلَّ، فكان جميعُ ما في الجيش بِضعًا وعشرين صاعًا، فجلس النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فدعا بالبركة، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا ولا تَنتَهِبُوا»، فجعل الرَّجل يأخذُ في جِرابِهِ، وفي غِرارتِهِ، وأخذوا في أوعيتهم، حتى إنَّ الرَّجلَ لَيَربِطُ كُمَّ قميصِهِ فيَملأَه، فَفَرغوا والطَّعامُ كما هو، ثم قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهَ، وأنِّي رسولُ الله، لا يأتي بهما عبدٌ مُحِقٌّ إلا وَقَاهُ اللهُ حَرَّ النَّارِ».
ثم رواه -أيضًا- 2، عن إسحاق بن إسماعيل الطَّالْقاني، عن جرير، عن يزيد بن أبي زياد ... ، فذَكَره، وسمَّى الغزوة تبوك.
وهذا إسناد حسن 1، ولم يخرِّجوه، وله شاهد في «الصحيح» 2 من حديث سَلَمة بن الأكوع في غزوة تبوك.
حديث آخر 3
(966) قال أبو يعلى 4: ثنا زُهَير، ثنا يونس بن محمد، ثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري، ثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنيِّ مُمْسِكٌ بحُجزِكم / (ق 393) هلُمَّ عن النَّارِ، هلُمَّ عن النَّارِ ....» الحديث.
وقد تقدَّم في تفسير سورة براءة 5.
حديث آخر
(967) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 1: ثنا عمر بن الخطاب -يعني السِّجستاني- ثنا أصبَغ بن الفَرَج، ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عُتبة بن أبي عُتبة، عن نافع بن جُبَير، عن ابن عباس قال: قيل لعمرَ: حدِّثنا عن شأن العُسرة، فقال عمرُ: خَرَجنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوكَ في قَيظٍ شديدٍ، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطشٌ شديدٌ حتى ظنَّنا أنَّ رِقابَنَا ستنقطعُ، حتى إن كان أحدُنا يذهبُ يلتمسُ الخلاءَ فلا يرجعُ حتى يظنَّ أنَّ رَقَبتَه تنقطعُ، وحتى إنَّ الرَّجلَ لَيَنحَرُ بعيرَه فيَعصِرُ فَرثَه فيَشرَبُهُ ويَضعُهُ على بطنِهِ، فقال أبو بكرٍ الصِّديق رضي الله عنه: يا رسولَ الله، إنَّ اللهَ قد عَوَّدك في الدُّعاء خيرًا، فَادْعُ لنا.
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أتحبُّ ذلك يا أبا بكر؟».
قال نعم.
قال: فرَفَع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يديه، فلم يَرجعْهُما حتى قالتِ السماءُ، فأَظلَّت 2، ثم سَكَبت، فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظرُ، فلم نَجدْها جاوزتِ العسكرَ.
ثم قال البزَّار: لا نَعلمه يُروى إلا بهذا الإسناد.
قلت: وقد رواه الإمام الحَبْر محمد بن إسحاق بن خزيمة في «صحيحه» 3 عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب.
والحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البُسْتي في «صحيحه» أيضًا 4، عن عبد الله بن محمد بن سَلْم، / (ق 394) عن حَرمَلَة، عن ابن وهب، به.
قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني 1: وكذا رواه أحمد بن صالح، عن ابن وهب.
ورواه يعقوب بن محمد الزهري، عن ابن وهب، فلم يَذكر في الإسناد عُتبة بن أبي عُتبة.
قال: والقول: قول مَن أثبتَه.
حديث آخر
(968) قال الحافظ أبو يعلى 2: ثنا إبراهيم بن الحجَّاج، ثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان بالحَجُون 3 وهو كَئيبٌ، فقال: «اللهمَّ أَرِني اليومَ آيةً لا أُبالِي مَن كذَّبَنِي بعدَها من قومِي».
فنادى شجرة من قِبَلِ عَقَبة أهلِ المدينةِ، فناداها، فجاءت تَشقُّ الأرضَ حتى انتَهَتْ إليه، فسَلَّمَتْ عليه، ثم أَمَرها فذَهَبتْ.
قال: فقال: «ما أُبَالِي مَن كذَّبَنِي بعدَها من قومِي».
وهكذا رواه الإمام علي ابن المديني عن حَرَمي بن عُمارة، عن حماد بن سَلَمة، به.
وقال: هذا إسناد بصري، ولا نعرفه إلا من حديث حماد.
وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب «دلائل النبوة» 4 من حديث عبيد الله بن محمد بن عائشة، عن حماد بن سَلَمة، به.
قال: وقد رويناه في «المبعث» عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، نحوه.
حديث آخر
(969) قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب «دلائل النبوة» 1: ثنا أبو عبد الله الحافظ 2 إملاء وقراءة، ثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل -إملاء-، ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، / (ق 395) ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفِهري -قال أبو الحسن: هذا من رهط أبي عُبيدة بن الجرَّاح- أنا إسماعيل بن مسلمة، أنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه، عن عمرَ بن الخطاب قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لمَّا اقتَرَفَ آدمُ الخطيئةَ، قال: ياربُّ، أسألُكَ بحقِّ محمدٍ إلا غَفَرتَ لِي، فقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ياآدمُ، كيف عرفتَ محمدًا ولم أخلُقهُ بعدُ؟ قال: ياربُّ، لأنَّك لمَّا خَلَقتَنِي بيدِكَ، ونَفَختَ فيَّ مِن رُوحِك، رَفَعتُ رأسي، فرأيتُ على قوائمِ العرشِ مكتوبًا: لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسول الله، فعَلِمتُ أنَّك لم تُضِفْ إلى اسمِكَ إلا أحبَّ الخلقِ إليكَ.
فقال اللهُ: صَدَقتَ ياآدمُ، إنَّه لأحبُّ الخلقِ إليَّ، وإذْ سَأَلتَنِي بحقِّه، فقد غَفَرتُ لك، ولولا محمدٌ ما خَلَقتُكَ».
ثم قال البيهقي: تفرَّد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه، وهو ضعيف 3،
والله أعلم.
ومن فضل الصِّديق
(970) قال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: ثنا محمد بن عَلُّويه الفقيه، ثنا أبو شعيب السُّوسي، ثنا يحيى بن سعيد العطَّار، ثنا فُرَات بن السَّائب، عن ميمون، عن ابن عمرَ: أنَّ أبا موسى إذ كان واليًا على البصرة، كان إذا خَطَب يومَ الجمعةِ حَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، وصلَّى على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم ثَنَّى بعمرَ يَدعو له، ولا يَتَرحَّمُ على أبي بكرٍ -رضي الله عنه-، فتَقَدَّم إليه ضَبَّة بن مِحصَن يقول: أين أنت / (ق 396) من ذِكر صاحبِهِ قبلَهُ تَذكره بفضِلهِ؟ ففعل ذلك جُمَعَ، ثم كَتَب إلى عمرَ بقول ضَبَّة بن مِحصَن، فكَتَب إليه عمرُ يأمُرُه بتسريحه إليه، فلمَّا أتاه الكتابُ، قال: اشخَص إلى
أمير المؤمنين.
فلمَّا قَدِمَ المدينةَ استأذن على عمرَ، فدخل عليه، فقال: أنت ضَبَّة بن مِحصَن؟ قال: نعم.
قال: فلا مَرحبًا ولا أهلاً.
قال: أمَّا المرحبُ فمن الله، وأمَّا الأهلُ فلا أهلَ ولا مالَ، فعَلاَم استَحلَلتَ إشخاصي من مصرَ يا عمرُ بلا ذنبٍ ولا جنايةٍ ولا سوءٍ أتيتُهُ؟! قال: وما تَبوء بذنبٍ تعتذرُ منه؟ قال: لا.
قال: فما شَجَر بينك وبين عامِلِكَ؟ قال: كان إذا خَطَب يومَ الجمعةِ صلَّى على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم ثنَّى بك يَدعو لك، ولا يَتَرحَّمُ على أبي بكرٍ، فكان ذلك ممَّا يغيظني منه.
قال: أنت كنتَ أوفَقَ منه وأفضلَ، فهل أنت غافرٌ ذنبي إليك؟ قال: نعم، يَغفِرُ اللهُ لك.
فاستبكى عمر، حتى انتَحَبَ، ثم قال: واللهِ ليومٌ أو ليلةٌ من أبي بكرٍ -رضي الله عنه- خيرٌ من عمرَ وآل عمرَ من لدن وُلِدوا، أمَّا ليلتُهُ فإنَّه لمَّا توجَّه مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى الغار جعل يمشي طَورًا أمامَهُ، وطَورًا خلفَهُ، ومرَّة عن يمينه، ومرَّة عن يَسَاره، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا من فِعلك يا أبا بكر؟».
قال: بأبي أنت وأُمِّي، أذكرُ الرَّصَدَ 1 فأَكونُ أمامَكَ، وأذكرُ الطَّلبَ فأَكونُ خَلفَكَ، وأَنفضُ الطريقَ يمينًا وشمالاً.
قال: «إنَّه ليس عليك بأسٌ»، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم حافيًا، ولم يكن مخصَّرَ القدمين، فحَفِيَ، / (ق 397) فحَمَله أبو بكر الصِّديق -رضي الله عنه- على كاهله حتى انتهى به إلى الغار، فلمَّا ذهب لِيَدخُلَهُ، قال: لا، والذي بَعَثك بالحقَّ لا تَدخلُهُ حتى استبرئَهُ، فدخل، فنظر، فلم ير شيئًا يَريبه، فدخلا، فلمَّا قَعَدا فيه هُنيَّةً أسفَرَ لهما الغارُ بعضَ الإسفارِ، فأبصر أبو بكرٍ إلى خَرقٍ في الغارِ فألقَمَهُ قَدَمَهُ، مخافةَ أن يكونَ فيه دابَّةٌ فتخرجُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتُؤذيه، فهذه ليلتُهُ رضي الله عنه.
وأمَّا يومُهُ، فإنَّه لمَّا قُبِضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ارتدَّ مَن ارتدَّ من العرب، وقالوا: نصلِّي، ولا نزكِّي، ولا نُجبَى، فأتيتُهُ لا آلوه نصحًا، فقلتُ: يا خليفةَ رسولِ اللهِ تألَّفِ الناسَ، وارفُق بهم، فإنَّهم بمنزلة الوحش.
فقال: رَجَوتُ نُصرَتَكَ وجئتني بخذلانك! جبَّارًا في الجاهلية! خوَّارًا في الإسلام! بماذا عَسَيتَ أن أتأَلَّفَهم؟! بِشِعرٍ مُفتَعل! أو بِسِحرٍ مفتَرَى! هيهات! هيهات! مضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي، والله لأُجَاهِدنَّهم ما استمسك السَّيفُ في يدي وإن مَنَعوني عَقَالاً.
قال: فوَجَدتُهُ في ذلك أمضى منِّي وأصرمَ، وأَدَّبَ الناسَ على أمورٍ هانت عليَّ كثير من مؤنتهم حين وَلِيتُهُم، هذا يومُهُ 1.
وهذا إسناد غريب من هذا الوجه، ويحيى بن سعيد العطَّار هذا حمصي، فيه ضعف، ولكن لهذا شواهد كثيرة من وجوه آخر.
/ (ق 398) حديث آخر
(971) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 2: ثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا ابن أبي أُوَيس، ثنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة، عن عمرَ -رضي الله عنه- أنه قال: كان أبو بكرٍ أحبَّنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال البزَّار: لا يُروى إلا من هذا الوجه.
ورواه الترمذي 1 عن إبراهيم بن سعيد الجوهري به.
وقال: صحيح غريب.
وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» 2 عن محمد بن إسحاق الثَّقَفي، عن إبراهيم بن سعيد، به.
ولفظهما: أبو بكر سيِّدنا وخيرُنا، وأحبُّنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 3.
طريق أخرى
(972) قال البخاري 4: ثنا أبو نعيم، عن عبد العزيز بن أبي سَلَمة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال عمرُ رضي الله عنه: أبو بكر سيِّدُنا، وأَعتَقَ سيِّدَنا.
يعني: بلالاً.
حديث آخر في فضل الصِّديق، وفيه شَرَف عظيم لعمر رضي الله عنهما
(973) قال الحافظ أبو بكر الخطيب 1: أنا القاضي أبو العلاء الواسطي، أنا أحمد بن محمد بن عَمرويه بن آدم ببغداد، ثنا محمد بن جعفر بن أحمد بن اللَّيث، ثنا علي بن عبد الله بن جعفر الهَمداني، ثنا عبد الله بن محمد بن جَيهان، ثنا عبد الله بن بكر السَّهمي، ثنا مبارك بن فَضَالة، ثنا ثابت البُناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّديق قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «حدَّثني عمرُ بن الخطاب أنَّه ما سابقَ أبا بكرٍ إلى خيرٍ قطٌّ إلا سَبَقَهُ به».
فإن كان هذا محفوظًا ففيه رواية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمرَ بن الخطاب، فيكونُ من أحسنِ ما يُذكر في باب رواية الأكابر عمَّن دونهم، كما في «الصحيح» 2 أنه عليه السَّلام أخبر بقصَّة الدجال عن خبر تميم الدَّاريِّ له بذلك.
وقد تقدَّم لهذا الحديث في كتاب الزكاة، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ 3 شواهد.
(974) وقال حماد بن سَلَمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ قال: ما سَابَقْتُ أبا بكرٍ قطُّ إلى خيرٍ؛ إلا سَبَقَني به.
أثر آخر (975) قال عبد الله بن المبارك: عن ابن سُوقة 1، عن محمد بن جُحادة، عن سَلَمة بن كُهَيل، عن هُزَيل بن شُرَحبيل قال: قال عمر: لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ أهلِ الأرضِ لرَجَحَ بهم 2. قلت: وقد روي عن ابن عمرَ مرفوعًا، ولا يصحُّ 3.
حديث في فضل عليٍّ رضي الله عنه
(976) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 1: ثنا عبيد الله -يعني القَوَاريري- ثنا عبد الله بن جعفر، أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: لقد أُعطيَ عليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- ثلاثَ خِصَالَ، لأنْ تكونَ لي واحدةٌ منها أحبُّ إليَّ من أن أُعطَى حُمْرَ النَّعَم 2. قيل: وما هنَّ يا أميرَ المؤمنين؟ قال: تزويجَهُ فاطمةَ بنتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وسُكنَاهُ المسجدَ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَحِلُّ له فيها 3 ما يَحِلُّ له، والرَّايةَ يومَ خيبرَ.
إسناد قوي، لولا عبد الله بن جعفر بن نَجيح والد علي ابن المديني، فإنه ضعَّفه غير واحد من الأئمَّة، / (ق 399) منهم ابنه عليّ رحمه الله 4.
حديث آخر في فضل طلحة بن عبيد الله التَّيمي رضي الله عنه.
(977) قال أبو داود الطيالسي -رحمه الله- في «مسنده» 1: حدثنا أبو بكر الهُذَلي، حدثنا أبو المَلِيح الهُذَلي، عن ابن عباس قال: ذَكَرتُ طلحةَ لعمرَ -رضي الله عنهما-، فقال: ذاك رجلٌ فيه بَأْوٌ منذُ أُصيبت يدُهُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
هذا حديث غريب، ولم يخرِّجوه، وأبو بكر الهُذَلي قد ضُعِّف 2.
قال الجوهري -رحمه الله- في «صحاحه» 3: البَأْوُ: الكِبْرُ والفخرُ، يقال: بَأَوتُ على القوم أَبْأَى بَأْوًا.
قال حاتم:
وما زَادَنا بَأْوًا على ذِي قَرَابةٍ ... غِنَانَا ولا أَزرَى بأحسابِنَا الفَقرُ
قلت: فكأنَّ طلحة -رضي الله عنه- كان يَفخَرُ على غيره بما نال من إصابة يده يوم أُحُد حين شَلَّت، لمَّا وَقَى بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 4، كما تقدَّم في
«مسند الصِّديق» -رضي الله عنه- أنه كان يقول عن يوم أُحُد: ذاك يوم كان كلُّه لطلحة 1.
وقد تقدَّم الحديث بتمامه.
حديث آخر
(978) قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: أنا الحسن بن سفيان، ثنا حميد بن الرَّبيع، ثنا يزيد بن هارون، ثنا أبو يعلى الجَزَري، ثنا ميمون بن مِهران، عن ابن عمرَ، عن عمرَ، قال له الناس في الشُّورى: ألا تشيرُ علينا؟ قال: لا أُبالي أن أفعلَ، رؤوس قريش، ومن سمَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سبعةٍ، فسمَّى السِّتةَ، وسعيدَ بن زيد.
هذا إسناد / (ق 400) جيد، وله شواهد، وأبو يعلى الجَزَري هذا لم أعرفه، والسِّتة الذين سمَّاهم في الشُّورى هم: عثمان، وعليّ، وطلحة، والزُّبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهم-، فهؤلاء رؤوس قريش في الجاهلية، وسادة المسلمين في الإسلام، وممَّن سمَّاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ونصَّ عليهم بأنهم من أهل الجنَّة، وفيهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل العَدَوي أنه من أهل الجنَّة، وإنما تَرَكه عمرُ ولم يَذكره مع أهل الشُّورى؛ لأنه من قبيلته، وخَتَنه على أخته فاطمة بنت الخطاب، فخشي -رضي الله عنه- إنْ ذَكَره معهم أن يُرجِّحوه لذلك، فتَرَكه، وأما أبو عُبيدة بن الجرَّاح فكان قد مات
قبل ذلك بنحوٍ من ستِّ سنين -رضي الله عنه وأرضاه-، وإلا فقد كان عند عمرُ أهلاً لذلك، وفوقَ ذلك، كما في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد 1، حيث قال:
(979) حدثنا محمد بن فُضيل، حدثنا إسماعيل بن سُمَيع، عن مسلم البَطِين، عن أبي البَختَري قال: قال عمرُ -رضي الله عنه- لأبي عُبيدة بن الجرَّاح: ابسُطْ يدَك حتى أُبايعَكَ، فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «أنت أمينُ هذه الأُمَّةِ»، فقال أبو عُبيدة: ما كنتُ لأتقدَّمَ بين يدي رجلٍ أَمَرَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يؤُمَّنا، فأَمَّنا حتى مات.
هذا إسناد جيد، وفيه انقطاع، لأنَّ أبا البَختَري لم يُدرك عمرَ، بل ولا عليًّا، فيما قاله شعبة بن الحجَّاج وأبو حاتم الرازي 2.
/ (ق 401) طريق أخرى
(980) قال البزَّار 3: ثنا عمر بن الخطاب السِّجِستاني، ثنا عبد الغفار بن داود، ثنا (عبد الجبار) 4 بن عمر الأَيْلي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لِكُلِّ أُمَّةٍ أمينٌ، وأمينُ هذه الأُمَّةِ أبو عُبيدة بن الجَرَّاح».
ثم قال البزَّار: لا نعرف أحدًا تابع (عبد الجبار) 1 هذا على هذا عن الزهري، وإن كان قد رواه عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ، به.
قلت: وكلاهما فيه ضعف، والله أعلم.
حديث آخر
(981) قال الإمام أحمد 2: ثنا أبو المغيرة وعصام بن خالد قالا: ثنا صفوان، عن شُريح بن عُبيد وراشد بن سعد وغيرهما قالوا: لمَّا بَلَغ عمرُ بن الخطاب سَرْغَ 3 حُدِّث أنَّ بالشَّام وباءً شديدًا، قال: بلغني أنَّ شدَّةَ الوباء بالشَّام، فقلتُ: إنْ أَدرَكَني أَجَلي وأبو عُبيدة بن الجرَّاح حَيٌّ استَخلفتُهُ، فإنْ سألني اللهُ عزَّ وجلَّ: لم استَخلفتَهُ على أمَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم؟ قلتُ: إنِّي سَمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ لكُلِّ نبيٍّ أمينًا، وأميني أبو عُبيدة بنُ الجرَّاح».
فأَنكَرَ
القومُ ذلك، وقالوا: ما بال علياء قريش؟! -يعنون بني فِهر-، ثم قال: وإنْ أَدرَكَني أَجَلي وقد تُوفي أبوعُبيدة؛ استَخلفتُ معاذَ بن جبل، فإنْ سألني ربِّي: لم استَخلفتَهُ؟ قلتُ: سَمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّه يُحشرُ يومَ القيامةِ بين يَدَي العلماءِ نَبذَةً».
هذا إسناد فيه انقطاع؛ / (ق 402) فإنَّ شُريح بن عبيد وراشد بن سعد المِقرائِيَين الحمصيَيْن من التابعين الثقات إلا أنهما لم يُدركا زمن عمر بن الخطاب، وكأنَّ هذا من المستفيض عندهم بالشَّام، إلا أنَّ ذِكر استخلاف معاذ بن جبل الأنصاري على الأمَّة فيه غرابةٌ 1، لأنَّ الأئمَّةَ من قريش فلا يجوز أن يكونَ من غيرهم عند جمهور علماء الأُمَّة، والله أعلم.
(982) وقد رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من طريق أخرى: فقال: حدثنا الحسن بن سفيان، عن أبي عمير بن النَّحاس، عن ضَمرة، عن السَّيباني، عن أبي العَجْفاء، عن عمرَ أنه قال: لو أدركتُ خالدَ بن الوليد ثم وَلَّيتُهُ، ثم قَدِمْتُ على ربِّي، فقال: مَن استَخلفتَ؟ قلت: قال عبدُك ونبيُّك: «خالد سيفٌ من سيوفِ اللهِ سَلَّهُ اللهُ على المشركين».
ثم ذَكَر أبا عُبيدة ومعاذًا كما تقدَّم، وقال: «بين يَدَي العلماءِ بِرِتوَةٍ» 2. قال ضَمرة: كأنها أكثر من خطوة.
وهذا إسناد حسن 1. وقد تقدَّم في كتاب الفرائض 2 حديث في فضل سالم مولى أبي حذيفة وأبي عُبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنهما وأرضاهما.
حديث في فضل ابن مسعود وعمَّار رضي الله عنهما
(983) قال أبو القاسم الطَّبراني 1: ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان (ح) وحدثنا عثمان بن عمر الضَّبِّي، ثنا عمرو بن مرزوق، ثنا شعبة (ح) وحدثنا أحمد بن عمرو القَطَواني، ثنا محمد بن الطُّفيل النَّخَعي، ثنا شريك.
/ (ق 403) كلُّهم عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب قال: كَتَب عمرُ -رضي الله عنه- إلى أهل الكوفة: إنِّي قد بَعَثتُ عمَّارَ بن ياسر أميرًا، وعبد الله بن مسعود مُعلِّمًا ووزيرًا، وهما من النُّجباء، من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من أهل بدر، فاقْتَدُوا بهما، واسمعُوا من قولهما، وقد آثرتُكم بعبد الله على نَفْسي أثرةً.
إسناده قوي صحيح، وقد اختاره الضياء في كتابه 2.
حديث في فضل مصعب بن عُمَير العَبدَري الذي قُتِلَ يوم أُحُد بين يَدَي النبيِّ صلى الله عليه وسلم حمايةً عنه رضي الله عنه وأرضاه
(984) روى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي -رحمه الله- من حديث عبد العزيز بن عمر الخراساني الزَّاهد، عن زيد بن أبي الزَّرقاء، عن جعفر بن بَرقان، عن ميمون بن مِهران، عن يزيد بن الأصمِّ، عن عمرَ قال: نَظَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى مصعبِ بن عُمَير مُقبلاً وعليه إهابُ كَبشٍ قد تَنَطَّق به، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «انظُرُوا إلى هذا الرَّجلِ الذي نُوِّرَ له قلبُه، لقد رأيتُهُ بين أبوين يَغذُوانِهِ بأطيبَ الطَّعامِ والشَّرَابِ، ولقد رأيتُ عليه حُلَّةً شِراؤُها، أو شُرِيت له بمائتي درهمٍ، فدعاه حبُّ اللهِ وحبُّ رسولِهِ إلى ما تَرَونَ» 1. فيه غرابة وانقطاع.
حديث (1) في فضل زيد بن حارثة مولى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وحِبِّه وولده أسامة الحِبِّ بن الحِبِّ رضي الله عنهما وأرضاههما
(985) / (ق 404) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 2: ثنا مصعب -يعني ابن عبد الله 3 - ثنا عبد العزيز بن محمد -هو الدَّرَاوَردِي- عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: فَرَضَ عمرُ لأسامةَ أكثرَ ممَّا فَرَضَ لي، فقلت: إنما هِجرتي وهجرة أسامةَ واحدةٌ! فقال: إنَّ أباه كان أحبَّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وإنَّه كان أحبَّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم منك، وإنما هاجَرَ بك أبوك.
هذا حديث صحيح، رواه البخاري في كتاب الهجرة 4 عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن عمر العُمَري، به، أطول من هذا.
قُتِلَ زيد بن حارثة أميرًا بمؤتةَ في سنة سبع من الهجرة رضي الله عنه.1
أثر في فضل رأي عبد الله بن عباس وأبيه رضي الله عنهما
(986) قال الإمام أبو عبيد في كتاب «الغريب» 1:
كان سفيان بن عيينة يحدِّث عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس: أنه شَاوَرَ عمرَ في شيء، فأَعجَبَهُ كلامُهُ، فقال عمرُ: نِشنِشَةٌ أَعرِفُها من أَخشَنَ.
هكذا كان يُحدِّث ابن عيينة.
قال الأصمعي: وإنما هي شِنشِنَة أعرفُها من أخزمٍ.
قال أبو عبيد: أخبرني ابن الكلبي أنَّ هذا الشِّعر لأبي أخزم الطَّائيِّ، وهو جَدُّ جَدِّ حاتم الطَّائي، وكان له ابن يقال له: أخزم، فمات أخزم وترك بنين، فوثبوا يومًا على جدِّهم أبي أخزم، فأَدمَوهُ، فقال: إنَّ بَنِيَّ زَمَّلُونِي بالدَّمِ ... شِنْشِنَةٌ أَعرِفُها مِن أَخزَم
يعني: أنهم أشبَهوا أباهم في طبيعته وخُلُقه.
حديث في فضل الحسن والحسين سِبطَي رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانتيه، وسيِّدَي شباب أهل الجنَّة رضي الله عنهما
(987) قال الحافظ أبو يعلى 1: ثنا محمد بن مرزوق البصري، حدثني حسين -يعني الأشقر- حدثني علي بن هاشم، عن ابن أبي رافع، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ قال: رأيتُ الحسنَ والحسينَ على عاتِقَي النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقلت: نِعْمَ الفَرَسُ تَحتَكما، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ونِعْمَ الفارسانِ هُمَا».
غريب من هذا الوجه، وحسين بن حسن الأَشقر هذا: شيعي، ضعيف 2.
حديث آخر
(988) قال أبو بكر الإسماعيلي: أخبرني عبد الله بن زيدان، ثنا قاسم / (ق 405) بن مؤمَّل المقري، ثنا جعفر بن محمد بن إسحاق الأزرق، ثنا إسحاق، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن شُريح قال: قال لي علي: أنشُدُك بالله أسمعتَ عمرَ -رضي الله عنه- يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الحسنُ والحسينُ سَيِّدَا شبابِ أهلِ الجنَّةِ»؟ قال شُريح: نعم.
وذَكَر قصَّة تحاكم عليّ مع ذلك اليهوديّ إلى شُريح في شأن الدِّرع التي فقدها عليٌّ رضي الله عنه.
وهو غريب الإسناد -أيضًا- 1، والله أعلم.
فأمَّا قول عمرَ -رضي الله عنه- في صُهيب بن سِنَان الرُّومي: نِعْمَ العبدُ صهيب، لو لم يخفِ اللهَ لم يَعصِهِ؛ فهو مشهور عنه، ولم أره إلى الآن بإسنادٍ عنه، والله الموفِّق.
وقد ذَكَره أبو عبيد في كتاب «الغريب» 1، ولم أره أَسنَدَه.
قال: وَوَجُهُه: أنَّ صهيبًا إنما يُطيعُ اللهَ حُبًّا له لا مخافةَ عقابِهِ، يقول: فلو لم يكن عقابٌ يَخافُهُ ما عَصَى اللهَ أيضًا.
أثر في فضل جَرير بن عبد الله البَجَلي رضي الله عنه وأرضاه
(989) قال الترمذي في «الشمائل» 1: ثنا عمر بن إسماعيل بن مُجالِد، عن أبيه، عن بَيَان، عن قيس بن أبي حازم، عن جَرير بن عبد الله البَجَلي قال: عُرِضْتُ بين يَدَي عمرَ، فألقى جريرٌ رداءَه ومشى في إزار، فقال له: خُذ رداءَك.
فقال عمرُ للقوم: ما رأيتُ رجلاً أحسنَ صورةً من جريرٍ إلا ما بَلَغنا من صورةِ يوسفَ الصَّديق عليه السلام.
إسناده جيد قوي 2.
وقد كان جَرير من أحسنِ الناسِ وجهًا، كما ثَبَت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ على وَجهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ» 3، فرَضِيَ اللهُ عن أصحابِ رسولِ الله أجمعين.
حديث في فضل زينب بنت جحش أُمِّ المؤمنين
(990) قال أبو بكر البزَّار 1: ثنا علي بن نصر ومحمد بن معمر -واللفظ له- قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي، عن عبد الرحمن بن أَبْزَى: أنَّ عمرَ كَبَّر على زينب بنت جحش أربعًا، ثم أَرسَلَ إلى أزواجِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: مَن يُدخِلُ هذه قبرَها؟ فقلن: مَن كان يَدخُلُ عليها في حياتها.
ثم قال عمرُ: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أسرَعُكُنَّ بِي لُحُوقًا، أَطولُكُنَّ يدًا»، فكنَّ يتطاولن بأيديهنَّ، وإنما كان ذاك أنها كانت صَنَاعًا تعينُ بما تَصنعُ في سبيل الله.
ثم قال: قد روي من وجوه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم 2، ولم يَروه أجلَّ من عمرَ، ورواه غير واحد عن إسماعيل، عن الشَّعبي مرسلاً، وتفرَّد برفعه وهب بن
جرير، عن شعبة، عن إسماعيل 1.
أثر في فضل غُضَيف بن الحارث الكندي
(991) قال أسد بن موسى: ثنا حماد بن سَلَمة، عن بُرد أبي العلاء، عن عُبادة بن نُسَي: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال لغُضيف بن الحارث: نِعْمَ الفتى غُضَيفُ.
فعَلِمَهُ أبو ذرٍّ، فقال: يا غُضيفُ، استغفِرْ لي.
فقال: أنت صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت أحقُّ أن تستغفِرَ لي.
قال أبو ذرٍّ: فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ اللهَ ضَرَبَ الحقَّ على لسان عمرَ يقولُ به»، وإنِّي سَمِعتُ عمرَ يقول: نِعْمَ الفتى غُضَيف.
فاستغفِرْ لي.
فاستغفَرَ له 1.
غُضَيف بن الحارث هذا: صحابي 1، فيما حكاه ابن أبي حاتم 2، ويكنى بأبي أسماء السَّكُوني ... 3.
/ (ق 406)
أثر (1) في فضل عمرو بن الأسود العَنَسي الشَّامي أحد
التابعين العابدين الناسكين الزَّاهدين رحمه الله
(992) قال الإمام أحمد في «المسند» 2: ثنا أبو اليَمَان، ثنا أبو بكر، عن حكيم بن عمير وضَمرة بن حبيب، قالا: قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: مَن سَرَّه أن يَنظُرَ إلى هَدْي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ فليَنظُرْ إلى هَدْي عمرو بن الأسود.
فيه انقطاع بين حكيم بن عمير وضَمرة بن حبيب العنسيَيْن الشَّاميَيْن الحمصيَيْن وبين عمرَ بن الخطاب، فإنهما لم يُدركاه، لكن هذا ممَّا يؤخذ عنهم 3، فإنهما من قبيلة عمرو بن الأسود وبَلدِهِ، وهما من الثقات، فهذا عندهما من المشهورات، وكأنَّ عمرَ -رضي الله عنه- رآه بالشَّام لمَّا قَدِمَها في فتح بيت المقدس، والله أعلم.1
حديث في فضل أُويس بن عامر القَرَني أحد التابعين رحمه الله
(993) قال الإمام أحمد في «المسند» 1: حدثنا عفَّان، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة، عن أُسَير بن جابر، قال: لمَّا أَقبل أهلُ اليمن جعل عمرُ -رضي الله عنه- يَستَقري الرِّفاقَ، فيقول: هل فيكم أحدٌ من قَرَن؟ حتى أتى على قَرَن، فقال: من أنتم؟ قالوا: قَرَن.
فوقع زمامُ عمر، أو زمام أُوَيس، فناوَلَه -أو ناول أحدُهما الآخر- فعَرَفَه.
فقال عمرُ: ما اسمُك؟ قال: أنا أُوَيس.
قال: هل لك والدةٌ؟ قال: نعم.
قال: فهل كان بك من البياض / (ق 407) شيءٌ؟ قال: نعم، فدَعَوتُ الله فأَذْهَبَهُ عنِّي إلا موضعَ الدرهمِ من سُرَّتِي لأذكُرَ به لِرَبِّي 2. قال له عمر: استَغفِرْ لي.
قال: أنت أحقُّ أن تستغفِرَ لي، أنت صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عمرُ: إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ خيرَ التابعين رجلٌ يقالُ له: أُوَيسٌ، وله والدةٌ، وكان به بَيَاضٌ، فدعا اللهَ فأَذْهَبَهُ عنه إلا موضعَ الدرهمِ في سُرَّتِهِ».
فاستغفَرَ له، ثم دخل في غمارِ الناسِ، فلم يَدْرِ أين وَقَع.
قال: فقَدِمَ الكوفةَ.
قال: فكنَّا نجتمعُ في حَلْقة فنَذكُرُ اللهَ عزَّ وجلَّ فيَجلسُ معنا، فكان إذا ذَكَر هو وَقَع حديثُهُ في قلوبنا مَوقِعًا لا يَقعُ حديثُ غيرِهِ ... ، فذَكَر الحديث.
هكذا رواه الإمام أحمد مختصرًا.
وقد رواه الإمام الحافظ مسلم بن الحجَّاج القشيري -رحمه الله- في «صحيحه» 1 مطوَّلاً جدًّا، فقال:
(994) حدثنا محمد بن المثنَّى، ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن زُرَارة بن أَوْفَى، عن أُسَير بن جابر قال: كان عمرُ بن الخطاب إذا أتى عليه أمدادُ أهلِ اليمنِ سألهم: أيُّكم 2 أُوَيس بن عامر؟ حتى أتى على أُوَيسٍ، فقال: أنت أُوَيسُ بن عامر؟ قال: نعم.
قال: من مُراد ثم من قَرَن؟ قال: نعم 3. قال: ألك والدةٌ؟ قال: نعم.
قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي عليكم أُوَيسُ بن عامر مع أمدادِ أهلِ اليمنِ، من مُراد، ثم من قَرَن، كان به بَرَصٌ فبَرِأَ منه إلا موضعَ درهمٍ، له والدةٌ هو بها بَرٌّ، لو أَقسَمَ على اللهِ لأَبرَّه، فإن استطعتَ أن يَستغفِرَ لك فافعل».
فاستغفِرْ لي.
فاستغفَرَ له.
فقال له عمر: أين تريدُ؟ قال: الكوفةَ.
قال: ألا أَكتبُ لك إلى عاملها؟ قال: أكونُ في غَبرَاءَ الناسِ أحبُّ إليَّ.
قال: فلمَّا كان من العام المقبل حجَّ رجلٌ من أشرافهم، فوافَقَ عمرَ، فسأله عن أُوَيس، فقال: تَرَكتُهُ رَثَّ الهيئةِ 4، قليلَ المتاعِ.
قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي عليكم أُوَيسُ بن عامرٍ مع أمدادِ أهلِ اليمنِ، من مُراد، ثم من قَرَن، كان به بَرَصٌ، فبَرِأَ منه إلا موضعَ درهمٍ، له والدةٌ / (ق 408) هو بها بَرٌّ، لو أَقسَمَ على اللهِ لأَبرَّهُ، فإن استطعتَ أن يَستغفِرَ لك فافعل».
فأتى أُوَيسًا، فقال: استغفِرْ لي.
قال: أنت أحدثُ عهدًا بسَفَرٍ صالحٍ،
فاستغفِرْ لي.
قال: استغفِرْ لي.
قال: لَقِيتَ عمر؟ قال: نعم.
قال: فاستغفَرَ له.
قال: ففَطِنَ له الناسُ، فانطَلَق على وجهِهِ.
قال أُسَير: وكَسَوتُهُ بُردَةً، وكان كلُّ من رآه قال: من أين لأُويسٍ هذه البُردةُ؟
(995) ثم قال مسلم 1: ثنا محمد بن المثنَّى، ثنا عفَّان، ثنا حماد بن سَلَمة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة، عن أُسَير بن جابر، عن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ خيرَ التابعين رجلٌ يقال له: أُوَيسٌ، وله والدةٌ، وكان به بَيَاضٌ، فمُرُوهُ فليستغفِرْ لكم».
/ (ق 409) هكذا أورد حديث أُويس الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه «جامع المسند» 2 من كتاب مسلم من هذين الوجهين، ولم يَسقه من «مسند الإمام أحمد»، ولا عَزَاه إليه.
وقد قال شيخنا الحافظ أبو الحجَّاج المزِّي في كتابه «الأطراف» 3: حديث أُويس القَرَني بطوله، رواه مسلم في الفضائل عن زُهَير بن حرب، عن أبي النَّضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، عن أبي نَضرة 4. وعن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن المثنَّى وبُندَار.
ثلاثتهم عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن زُرَارة بن أَوْفَى.
كلاهما عن أُسَير بن جابر، عن عمرَ، به.
وعن زُهَير بن حرب، عن عفَّان 1 عن حماد بن سَلَمة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة، به مختصرًا.
انتهى كلامه، وفيه مخالفة لابن الجوزي، والله أعلم.
وقال الإمام علي ابن المديني -وقد رواه من طرق-: هذا حديث بصري، لم نَجِدْ لأهل الكوفة فيه حديثًا مثل ما رواه أهل البصرة.
قلت: تفرَّد بهذا الحديث عن أمير المؤمنين عمرَ بن الخطاب أُسَيرُ، ويقال: -يُسَير- بن جابر، ويقال: ابن عمرو -أبو الخيار المحاربي- ويقال: العَبدي، ويقال: الكِندي، ويقال: الدَّرمَكي، ويقال: القِتباني- البصري، روى عن عمرَ وسهل بن حُنَيف وخُرَيم بن فَاتِك وأبي مسعود البدري، وروى عنه جماعة، منهم: ابنه قيس، وأبو إسحاق الشَّيباني، ومحمد بن / (ق 410) سيرين، وأبو عمران الجَوْني.
قال علي ابن المديني: أُسَير بن جابر هذا من أصحاب ابن مسعود، روى عنه أهل البصرة، سَمِعتُ سفيانَ بن عيينة يقول: قَدِمَ أُسَير بن جابر البصرةَ، فجعل يحدِّثهم، فقالوا: هذا هكذا! فكيف النَّهر الذي شرب منه؟! -يعنون: عبد الله بن مسعود-، أي: أنه منه أخذ العلمَ.
قال علي: وأهل البصرة يقولون: أُسَير بن جابر، وأهل الكوفة يقولون: أُسَير بن عمرو، ومنهم من يقول: يُسَير.
وقال العوَّام بن حَوشب: وُلِدَ في مُهاجَرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومات سنة خمس وثمانين، وقد روى له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.