(253) قال سعيد بن منصور 1: ثنا أبو عَوَانة، عن هلال بن أبي حميد، عن عبد الله بن عُكَيم الجُهَني قال: كان عمرُ بن الخطاب إذا دخل شهرُ رمضانَ صلَّى لنا صلاةَ المغربِ، ثم تشهَّد لخطبة خفيفة، ثم قال: أمَّا بعدُ، فإنَّ هذا الشهرَ شهرٌ كَتَب اللهُ عليكم صيامَهُ، ولم يَكتب عليكم قيامَهُ، من استطاع منكم أن يقومَ؛ فإنها من نوافل الخير التي قال اللهُ تعالى، ومن لم يستطع منكم أن يقومَ؛ فليَنَمْ على فراشه، وليتقِّ منكم إنسانٌ أن يقولَ: أصومُ إن صام فلانٌ، وأقومُ إن قام فلانٌ، مَن صام منكم أو قام فليَجعل ذلك للهِ تعالى، وأقلِّوا اللَّغوَ 2 في بيوتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، واعلموا أنَّ أحدَكم في صلاةٍ ما انتظر الصلاةَ، ألا لا يتقدَّمنَّ الشهرَ منكم أحدٌ -ثلاث مرات-، ألا لا تصوموا حتى تَرَوه، وألا وإن أُغمِيَ عليكم، فلن يُغَمَّ عليكم العددُ، فعدُّوا ثلاثين ثم أَفطِرُوا، ألا ولا تُفطِرُوا
حتى تَرَوا الليلَ يَغسقُ على الظِّرابِ 1. هذا إسناد جيد حسن.
أثر فيه استحباب أمر الصبيان بالصيام
(254) قال البخاري 1: قال عمرُ لِنَشْوان 2 في رمضان: ويلك! وصبيانُنا صيام! وضَرَبه.
وهذا الأثر قد رواه الثوري في «جامعه» 3، عن عبد الله بن سنان 4، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّه أُتِيَ بشيخٍ شرب الخمرَ في رمضانَ، فقال: للمنخرين! للمنخرين! وولدانُنا صيامٌ! ثم ضَرَبه ثمانينَ، وسيَّره إلى الشام.
ورواه أبو عبيد 5، عن أبي إسماعيل المؤدِّب، عن الأجلح، عن ابن أبي الهذيل، عن عمر، به.
قوله: للمنخرين: معناه: الدعاءُ عليه، كقوله: بُعْدًا، وسُحْقًا، أي: أَبعَدَهُ اللهُ، وأَسحَقَهُ، وكذلك: كبَّهُ اللهُ للمنخرين.
حديث في رؤية الهلال
(255) قال الإمام أحمد رحمه الله 1: ثنا يزيد بن هارون، أنا وَرقاء، عن عبد الأعلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كنتُ مع البراءِ بن عازب، وعمرُ بن الخطاب بالبقيع يَنظرُ إلى الهلالِ، / (ق 103) فأَقبَلَ راكبٌ، فتلقَّاه عمرُ، فقال: من أين جئتَ؟ فقال: من الغَرب، فقال: أَهلَلْتَ؟ قال: نعم.
فقال عمرُ: الله أكبر، إنما يَكفي المسلمينَ الرَّجلُ، ثم قام عمرُ فتوضَّأ، ومسح على خُفَّيه، ثم صلَّى المغربَ، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صَنَع.
وقال أبو النَّضر، عن وَرقاء: وعليه جُبَّةٌ ضيِّقةُ الكُمَّين، فأَخرَجَ يدَه من تحتها ومَسَحَ.
ثم رواه أحمد 2 عن يزيد، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى -وهو: ابن عامر الثعلبي-، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كنتُ عند عمرَ ... ، فذَكَره.
وهذا إسناد جيد قوي.
وعبد الأعلى هذا: ثقة في نفسه، ولكن في حفظه شيء، وقد ضعَّفه أحمد، وأبو زرعة، وغيرهما.
وأنكر يحيى بن معين هذا الحديث، وقال: لم يَسْمع ابن أبي ليلى من عمرَ شيئًا ولم يَرَه.
وكذا قال أبو زرعة، والنسائي 1.
وأما الحاكم أبو عبد الله النَّيسابوري فأخرج هذا الحديثَ في «مستدركه» 2، وقال: إسناده على شرط مسلم.
قلت: فيما قاله نظر من جهة اتِّصاله، ومن جهة: أنَّ عبد الأعلى هذا لم يخرِّج له مسلم شيئًا، وإنما روى له أهل السُّنن الأربعة فقط.
وقد رواه الحافظ أبو الحسن الدارقطني 3 من حديث إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن ابن أبي ليلى قال: كنتُ عند عمرَ فأتاه راكبٌ، فزَعَم أنَّه رأى الهلالَ، فأمر الناسَ أن يُفطِرُوا.
ومن حديث سفيان الثوري، عن عبد الأعلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ عمرَ أجاز شهادةَ رجلٍ واحدٍ في رؤية الهلالِ في فطرٍ أو أضحى.
ثم قال: هكذا رواه عبد الأعلى، وهو ضعيف، وابن أبي ليلى لم يُدرك عمرَ، وقد خالَفَه أبو وائل، رواه عن عمرَ أنَّه قال: لا تُفطِرُوا حتى يشهدَ شاهدان، ثم أَفرَدَهُ -كما سيأتي-، وقال: هو أصح 4.
أثر في حكمه إذا رؤي نهارًا
(256) قال أبو بكر الشافعي 1: ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي 2، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: كنا بخانِقين 3، فأَهلَلْنا هلالَ شوال 4 -يعني: نهارًا-، فمنَّا من صام، ومنَّا من أَفطَرَ، فأتانا كتابُ عمرَ: إنَّ الأهلَّةَ بعضُها أكبرُ من / (ق 104) بعض، فإذا رأيتم الهلالَ نهارًا فلا تُفطِرُوا، إلا أن يَشهدَ رجلان أنهما أهلاَّه أمس.
طريق أخرى
(257) وقال أبو بكر الشافعي 1: ثنا عبد الله، ثنا أبي، ثنا هشيم، ثنا مغيرة، عن إبراهيم قال: كَتَب عمرُ إلى عُتبة بن فَرْقَد: إذا رأيتم الهلالَ من أوَّل النهار فأَفطِرُوا، فإنَّه من اللَّيلةِ الماضيةِ، وإذا رأيتموه من آخر النهار؛ فأتمُّوا صومَكم، فإنَّه للَّيلةِ المقبلةِ.
طريق أخرى
(258) وقال -أيضًا- 2: ثنا عبد الله، ثنا أبي 3،
ثنا ابن مهدي، ثنا سفيان، عن مغيرة، عن شِبَاك، عن إبراهيم 4 قال: بَلَغ عمرَ أنَّ قومًا رأَوا
الهلالَ بعد زوالِ الشمسِ فأَفطَرُوا، فكَتَب إليهم يَلومُهمُ، وقال: إذا رأيتم الهلالَ قبلَ زوالِ الشمسِ فأَفطِرُوا، وإذا رأيتموه بعدَ زوالِ الشمسِ فلا تُفطِرُوا.
هذه آثار جيدة، وإن كان إبراهيم لم يُدرك عمرَ.
أثر آخر
(259) قال ابن جريج: أُخبِرتُ عن معاذ بن عبد الرحمن التَّيمي: أن رجلاً قال لعمرَ: إني رأيتُ هلالَ رمضانَ، فقال: أرآه معك أحدٌ؟ قال: لا، قال: فكيف صَنَعتَ؟ قال: صُمتُ بصيام الناس.
فقال عمرُ: يا لَكَ فقيهًا 1.
وهذا فيه انقطاع.
(260) وقد روى سعيد في «سننه» 2 من حديث معمر، عن أبي قِلاَبة: أنَّ رجلين رأيا الهلالَ في سفرٍ، فقَدِمَا المدينةَ ضُحى الغدِ، فأَخَبَرا عمرَ، فقال لأحدهما: أصائمٌ أنتَ؟ قال: نعم، كَرِهتُ أن يكونَ الناسَ صيامٌ، وأنا مُفطِرٌ، كَرِهتُ الخلافَ عليهم.
وقال للآخر: فأنتَ؟ قال: أَصبحتُ مُفطِرًا؛ لأني رأيتُ الهلالَ.
فقال له عمر: لولا هذا لأَوجعنا رأسَك، ورَدَدنا شهادَتَك، ثم أمر الناسَ فأَفطَرُوا.
وهذا -أيضًا- منقطع.
والغرض من هذا: أنَّه -رضي الله عنه- كان يرى أنَّ مَن انفرد برؤية الهلال؛ فإنَّه لا يصوم ولا يُفطر حتى يراه الناس.
وهو مذهب عطاء 1، والحسن البصري 2.
وقال الأئمَّة الأربعة 3: يصوم وحده.
واختلفوا في الفطر، فقال الشافعي وأحمد: يُفطر.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يُفطر إلا مع الناس 4.
حديث آخر
(261) قال الإمام أحمد 5: ثنا وكيع، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن أبيه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أَقبَلَ الليلُ من ههنا، وذهب النهارُ من ههنا، فقد أَفطَرَ الصائمُ».
يعني: المشرقَ والمغربَ.
وأخرجه الجماعة 1 سوى ابن ماجه من طرق أخر، عن هشام بن عروة، به.
فمن ذلك: أبو داود، عن أحمد، به.
والنسائي، عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن هشام، به.
ورواه علي ابن المديني، عن سفيان، وأبي معاوية، ووكيع، قالوا: ثنا هشام بن عروة، به.
/ (ق 105) ثم قال: لا نحفظه إلا من طريق هشام، وهو إسناد متَّصل، وهو من صحيح ما يُروى عن عمر.
قلت: وهكذا رواه أبو معاوية (مـ ت) 2، وأبو أسامة، وعبد الله بن نُمَير (مـ) 3، وعبد الله بن داود (د ت) 4، وعَبدة بن سليمان (ت) 5. كلُّهم عن هشام بن عروة، به.
وقال الترمذي: صحيح.
وقال في موضع آخر 1: ولا نَعلمه يُروى عن عمرَ بن الخطاب إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وإسناده صحيح.
أثر في ذلك عن عمر
(262) قال جعفر بن محمد الفِريابي 2: ثنا عباس العَنْبري، ثنا عبد الرزاق 3
عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيّب، عن أبيه قال: كنتُ جالسًا عند عمرَ، إذ جاءه راكبٌ من أهلِ الشامِ، فطَفِقَ عمرُ يَستخبِرُه عن حالهم، فقال: هل يُعجِّلُ أهلُ الشَّامِ الإفطارَ؟ قال: نعم.
قال: لن يزالوا بخيرٍ ما فَعَلوا ذلك، ولم ينتظروا النجومَ انتظارَ أهلِ العراقِ.
(263) وقال سفيان بن عيينة 4: عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن سعيد: أنَّ عمر قال: عجِّلوا الفطرَ، ولا تنطَّعوا تَنَطُّعَ أهلِ العراق.
حديث في استحباب تأخير السَّحور
(264) قال أبو القاسم الطَّبراني 1: ثنا أحمد بن القاسم بن مُسَاور الجوهري، ثنا محمد بن إبراهيم الجوهري، أخو أبي معمر، قال: أنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس قال: أرسَلَ إليَّ عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى السَّحور 2، وقال / (ق 106): إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سمَّاه الغداءَ المبارَك.
ثم قال الطَّبراني: لا يُروى عن عمر إلا من هذ الوجه، ولا نعلم رواه عن ابن عيينة إلا محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر عيسى بن السَّري الحَجواني كوفي.
حديث فيمن أصبح جُنُبًا
(265) قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني 1: ثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، ثنا أبو بِشر إسماعيل بن عبد الله العَبدي، ثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَير المصري، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الملك بن يزيد النَّوفلي، عن يزيد بن خُصَيفة، عن السائب بن يزيد، عن عمرَ بن الخطاب قال: صلَّى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصبحَ، وإنَّه لَيَنفضُ رأسَه، يتطايرُ منه الماءُ من غُسلِ الجنابةِ في رمضانَ.
قال الحافظ الضياء في «المختارة»: لا أعلم أنِّي كَتَبتُ هذا الحديثَ إلا بهذا الإسناد، وعبد الملك بن يزيد لم يَذكره البخاري ولا ابن أبي حاتم في كتابيهما، أخاف أن يكون هو يزيد بن عبد الملك النَّوفلي.
قلت: هُوَ هُوَ، وقد تكلَّموا فيه 2، وله نسخة يَرويها عن يزيد بن خُصَيفة، عن السائب بن يزيد، عن عمرَ، قد أفرد منها الحافظ أبو بكر البزَّار في «مسنده» قطعة، سيأتي منها في كتاب الجامع أحاديث، والله أعلم.
وقد ورد معنى هذا الحديث في الصِّحاح من طرق أخر عن أُمِّ سَلَمة، وعائشة -رضي الله عنهما-، وغيرهما 1.
أثر فيمن أكل قبل الغروب، هل عليه قضاء أم لا؟
(266) قال عبد الرزاق 1: ثنا معمر، عن الأعمش، عن زيد بن وهب قال: أَفطَرَ النَّاسُ في زمنِ عمرَ بن الخطاب، فرأيتُ عِسَاسًا 2 أُخرِجَت من بيتِ حفصةَ، فشَرِبُوا، ثم طلعتِ الشمسُ من سَحَابٍ، فكأنَّ ذلك شقَّ على النَّاسِ، فقالوا: نَقضي هذا اليومَ، فقال عمرُ رضي الله عنه: لِمَ؟ واللهِ ما تَجَانفنَا لإثمٍ.
هذا إسناد صحيح.
وكذا رواه أبو عبيد 3.
لكن رواه بعضهم عن الأعمش 4، عن المسيّب، عن زيد بن وهب، فأدخل بينهما رجلاً.
ورواه زيد بن أسلم 1، عن أخيه خالد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، نحوه.
ولم يَذكر قضاءً.
قلت: وروي عن عمر القضاء من طريق علي بن حنظلة، عنه 2، فالله أعلم.
وعلى هذا جمهور الأئمة 3.
والقول الأول اختاره ابن حزم 1،
وعزاه إلى أكثر السَّلَف، فالله أعلم.
ورجَّح رواية زيد بن وهب على رواية علي بن حنظلة بأن زيدًا صحابيٌّ، وليس كما زَعَم، فإن زيد بن وهب لم يَعدَّه أحدٌ من الصحابة، وإنما هو تابعي كبير، أدرك زمانَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يَرَه، والله أعلم.
وقال أبو عبيد 2: الجَنَف: الميل، أي: لم نَمِل إلى إثم.
أثر آخر
(267) قال أبو عبيد 3: حدثني ابن مهدي، عن سفيان، عن
منصور، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن عطاء، عن عمر: أنَّه قال في المضمضة للصائم قال: لا يَمُجُّه، ولكن فلْيَشرَبه، فإنَّ أوَّلَه خيرُهُ.
قال أبو عبيد: وهذا في المضمضة عند الإفطار، وإنما أمر بشُربه لما فيه من بركة الخُلُوف.
قال: وقد روي عن عثمان بن أبي العاص أنَّه رخَّص للصائم إذا خشي العطشَ أن يتمضمض 1.
حديث في القُبلة للصائم
(268) قال الإمام أحمد 1: ثنا حجَّاج، / (ق 107) ثنا ليث، ثنا بُكَير، عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري، عن جابر بن عبد الله، عن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: هَشِشْتُ 2 يومًا، فقَبَّلتُ وأنا صائمٌ، فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: صَنَعتُ اليومَ أمرًا عظيمًا، قَبَّلتُ وأنا صائمٌ.
فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَرأيتَ لو تَمضمَضتَ وأنت صائمٌ؟»، قلت: لا بأسَ بذلك.
فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «فَفِيمَ؟».
ورواه علي ابن المديني، عن أبي الوليد الطيالسي، عن الليث بن سعد، به.
ثم قال: لا أحفظه إلا من هذا الوجه، وهو حديث مصري، يرجع إلى أهل المدينة، وهو إسناد حسن.
وأخرجه أبو داود في الصيام من «سننه» 3، عن أحمد بن يونس، وعيسى بن حماد.
والنسائي 4 فيه، عن قتيبة.
ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن بُكَير -وهو: ابن عبد الله الأشجِّ المدني-، عن عبد الملك بن سعيد بن سُوَيد الأنصاري المديني، عن جابر، عن عمرَ، به.
وهذا إسناد حسن، كما قال علي ابن المديني 1.
ولهذا أخرجه ابن حبان في «صحيحه» 2 عن ابن خليفة 3 الفضل بن الحُبَاب الجُمَحي، عن أبي الوليد الطيالسي، عن اللَّيث، به.
واختاره الضياء في كتابه 4.
ولكن قال النسائي: هذا حديث منكر، وبُكَير مأمون، وعبد الملك بن سعيد روى عنه غير واحد، ولا يدرى ممَّن هذا 5!
وممَّا يؤيِّد ما قاله النسائي: الحديث الآخر الذي رواه أبو محمد
يحيى بن محمد بن صاعد -رحمه الله-، / (ق 108) فإنَّه قال:
(269) ثنا أحمد بن مَنيع، ثنا أبو أحمد الزُّبيري، ثنا زيد بن حِبَّان، أنا الزهري، عن سعيد بن المسيّب قال: كان عمرُ بن الخطاب ينهى الصائمَ أن يُقبِّلَ، ويقول: إنَّه ليس لأحدٍ منكم من الحفظِ والعفَّةِ، ما كان لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم 1.
ولكن زيد بن حِبَّان هذا هو: الرَّقِّي، وقد تَرَكه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما، واتَّهموه بأنه كان يَشرَبُ المُسكرَ حتى يَسكرَ، ووثَّقه ابن معين في رواية عنه.
وقال ابن عدي: لا أرى برواياته بأسًا، يَحمِلُ بعضُها بعضًا 2.
حديث آخر في معناه
(270) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 3: ثنا بِشر بن خالد العسكري، ثنا
أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ قال: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النوم، فرأيتُهُ لا يَنظرُ إليَّ، فقلتُ: يا رسولَ الله، ما شأني؟ فقال: «أَوَ لَستَ المُقبِّلُ وأنت صائمٌ؟!».
فقلت: والذي نفسُ عمرَ بيده، لا أُقبِّلُ وأنا صائمٌ أبدًا.
ثم قال البزَّار: لا أعرفه يُروى إلا بهذا الإسناد 1،
وقد روي عن عمرَ خلافه.
يعني: الحديث المتقدِّم في إباحة ذلك.
وقال أبو محمد ابن حزم الظاهري في كتابه 2 ما معناه: أنَّ هذا لا يعوَّل عليه؛ لأنَّه قد ثبتت الرخصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فلا ينسخه حُكمُ المَنَام.
وهذا الذي قاله قاله جمهور العلماء 3 في حُكم المَنَام / (ق 109) إذا
خالف حُكمًا ظاهرًا، وإنما ذهب إلى خلاف هذا شذوذ من الناس، والله أعلم.
أثر آخر
(271) قال الدارقطني 1: ثنا إسحاق بن محمد بن الفضل الزيَّات، ثنا محمد بن عبد الله المُخرِّمي، ثنا يحيى بن سعيد، عن سيف بن سليمان، سَمِعتُ قيس بن سعد، حدثني داود بن أبي عاصم، سَمِعَ سعيدَ بنَ المسيّب: أنَّ عمرَ بن الخطاب خرج على أصحابه، فقال: ما تَرَون في شيء صَنَعتُهُ اليومَ؟ أَصبحتُ صائمًا، فمَرَّت بي جاريةٌ، فأَعجبتني، فأَصبتُ منها.
فعَظَّم القومُ عليه ما صَنَع، وعليُّ -رضي الله عنه- ساكتٌ، فقال: ما تقولُ؟ قال: أَتيتَ حلالاً، ويومٌ مكانَ يومٍ.
قال: أنت خيرُهُم فُتيا.
حديث في حكم الصيام في السَّفر والإفطار
(272) قال الإمام أحمد 1: ثنا أبو سعيد، ثنا ابن لَهِيعة، ثنا بُكَير، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ قال: غَزَونا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في رمضانَ والفتحَ في رمضانَ، فأَفطَرْنا فيهما.
هكذا رواه أحمد ههنا، وقد صرَّح ابن لَهِيعة بالسماع، فجاد الإسناد؛ لأنَّه إنما يُخشى من تدليسه، وسوء حفظه، فزال أحدهما.
(273) ورواه أحمد -أيضًا- 2، عن حسن بن موسى الأشيب.
والترمذي 3، عن قتيبة.
كلاهما عن ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حَبيبة 4، عن ابن المسيّب: أنَّه سُئل 5 عن الصوم في السَّفر، فحدَّث أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: غَزَونا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في رمضانَ غَزوتين: يومَ بدرِ، والفتحَ، فأَفطَرْنا فيهما.
وهذان طريقان إلى سعيد بن المسيّب، وروايته عن عمر مرسلة، فيما نصَّ عليه يحيى بن معين، وأبو حاتم، وغيرهما، لأنَّه وُلِدَ لسنتين خلتا من
خلافة عمر، فكان صغيرًا، ولهذا استبعد يحيى بن معين أن يكون حفظ عنه شيئًا 1.
قلت: قد روِّينا أنَّه حفظ عنه أشياء، كما سيأتي في مواضعها من كتاب الحج وغيره، ولهذا قال أحمد بن حنبل: مَن يُنكر أن يكون سَمِعَ منه.
وقد استَوعبنا الكلامَ في ذلك وحرَّرناه في ترجمة سعيد بن المسيّب من كتاب «التكميل» 2، ولله الحمد والمنَّة.
أثر في ذلك عن عمر
(274) قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: أنا المبارك بن علي، أنا محمد بن علي بن مَيمون، ثنا محمد بن علي العلوي، أنا علي بن عبد الرحمن البكَّائي، أنا ابن مُلَيل محمد بن عبد العزيز الكِلابي، ثنا أبي، ثنا أبو أسامة، حدثني صدقة بن أبي عمران، ثنا إياد بن لقيط، ثنا البراء بن
عازب 1 قال: كنتُ مع سلمانَ بن ربيعة في بَعثٍ، وأنَّه بعثني إلى عمرَ في حاجةٍ له في أشهرِ الحُرُمِ، فقال عمرُ: أَيصومُ سلمانُ؟ فقلت: نعم.
فقال: لا يَصُمْ، فإنَّ التقوِّي على الجهادِ أفضلُ من الصومِ 2.
أثر فيمن تعمَّد إفطار يوم من رمضان، بماذا يقضيه؟
(275) قال وكيع بن الجراح في «مسنده» 1: عن جعفر بن بُرْقان، عن ثابت بن الحجَّاج الكِلابي، عن عوف بن مالك قال: قال عمرُ بن الخطاب: صومُ يومٍ من غيرِ رمضانَ، وإطعامُ ستينَ مسكينًا يَعدِلُ صيامَ يومٍ من رمضانَ.
وجَمَع بين إصبعيه.
وهذا إسناد جيد.
وفي هذه المسألة أقوال كثيرة قد بَسَطناها في كتاب الصِّيام، وما يتعلَّق برمضانَ من أحكام.
أثر في كراهية السَّفر في أواخر الشهر إذا لم يكن ثَمَّ ضرورة
(276) قال محمد بن إسحاق 1 عن الزهري، عن سالم، عن عمرَ: أنَّه سافر في عقب شهر رمضان، وقال: إنَّ الشهر قد تَسَعسَع فلو صُمْنا بقيَّتَهُ.
قال أبو عبيد 2: معناه: أدبَر وفَنِيَ.
قال: وبعضهم يقول: تَشَعشَعَ -بمعجمتين-، وأظنه ذهب إلى الطُّول، كما يقال: ناقة شَعشَعَانة، وعُنُق شَعشَعَان.
قال: ومنهم من يقول: تَشَعسَعَ -بشين معجمة، ثم مهملة-، وأظنه ذهب إلى الشاسع، يقول: إنَّ الشهرَ قد ذهب وبَعُدَ، ولو كان من هذا لكان تَشَسَّعَ، والأوَّل هو المعروف، ولا معنى له عندي سواه.
/ (ق 110)
أثر في قضاء رمضان في عشر ذي الحجَّة
(277) قال أبو عبيد 1: حدثني ابن مهدي، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن أبيه، عن عمرَ: أنَّه كان يَستحب قضاءَ رمضانَ في عشر ذي الحجَّة.
أو قال: ما من أيام أقضي فيهن رمضانَ أحبُّ إليَّ منها.
قال أبو عبيد: معناه: أنَّه لا يتحرَّى التأخير إلى العَشر، ولكنه كان يَستحب صيام العَشر، فإذا دخل على مَن عليه قضاء صام قضاء، لئلاَّ يكون قد تطوَّع وعليه قضاء فيجتمع له الأمران.
قال: وإنما كره عليٌّ القضاءَ في العَشر 2؛
لما كان يراه من القضاء على الولاء، وقد يدخل العيد وقد بقي عليه شيء فيفرِّق.
حديث في كراهة الصوم يومي العيدين
(278) قال الإمام أحمد 1: ثنا سفيان، عن الزهري، أنَّه سَمِعَ أبا عبيد 2 قال: شَهِدتُ العيدَ مع عمرَ بن الخطاب، فبدأ بالصلاةِ قبلَ الخطبةِ، وقال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام هذين اليومين، أمَّا يوم الفطرِ فَفِطرُكُم من صيامِكم، وأما يوم الأضحى فكُلُوا من لحم نُسُكِكُم.
ثم رواه أحمد 3، عن عبد الرزاق 4، عن معمر.
ومن حديث محمد بن إسحاق.
كلاهما عن الزهري، به.
وأخرجه الجماعة في كتبهم من طرق عن الزهري، فمنها:
ما رواه أبو داود 5، عن قتيبة، وزُهَير بن حرب.
والنسائي 6، عن إسحاق بن إبراهيم.
وابن ماجه 1، عن سهل بن أبي سهل.
أربعة 2 عن سفيان بن عيينة، عن الزهري.
ومنها: ما رواه الشيخان 3 من حديث مالك، عن الزهري، به.
وقال الترمذي 4: حسن صحيح.
حديث آخر في كراهة صوم الدَّهر
(279) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 1: ثنا شيبان، ثنا أبو هلال، ثنا غَيْلان بن جرير، حدثني عبد الله بن مَعبَد الزِّمَّاني، عن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: كنَّا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذ أتى على رجلٍ، فقالوا: ما أَفطَرَ مُذ كذا وكذا، فقال: «لا صام، ولا أَفطَرَ، أو ما صام، ولا أَفطَرَ» 2 -شك غَيْلان-.
فلمَّا رأى عمرُ غَضَبَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: يا رسولَ الله، صومُ يومين، وإفطارُ يومٍ؟ قال: «ويُطِيقُ ذلك أحدٌ؟».
قال: قلتُ: يا رسولَ الله / (ق 111) صومُ يومٍ، وإفطارُ يومٍ؟ قال: «ذاك صومُ أخي داود».
قال: يا رسولَ الله، صومُ يومٍ، وإفطارُ يومين؟ قال: «ومَن يُطِيقُ ذلك؟».
قال: يا رسولَ الله، صومُ يومِ الإثنينِ؟ قال: «ذاك يومٌ وُلِدتُ فيه، ويومٌ أُنِزلَ عليَّ النبوةُ».
قال: يا رسولَ الله، صومُ يومِ عرفةَ ويومِ عاشوراءَ؟ قال: «أحدُهما يُكفِّر».
وقال: «الآخرُ ما قَبلَهَا، أو ما بعدَها» 3. شكَّ أبو هلال.
هكذا رواه الحافظ أبو يعلى.
وقد رواه النسائي في الصوم 4، عن هارون بن عبد الله، عن الحسن
بن موسى، عن أبي هلال، عن غَيْلان بن جرير، عن عبد الله بن مَعبَد الزِّمَّاني، عن أبي قتادة، عن عمرَ بن الخطاب، به.
وهذا أقرب وأشبه بالصواب 1.
وقد رواه مسلم في «الصحيح» 2، وأهل السُّنن الأربعة 3 من حديث حماد بن زيد، وشعبة بن الحجَّاج.
كلاهما عن غَيْلان بن جرير، عن عبد الله بن مَعبَد الزِّمَّاني، عن أبي قتادة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، من غير ذِكر عمرَ، كما سيأتي 4 في مسند أبي قتادة، إن شاء الله تعالى.
أثر عن عمر في تأديبه مَن صام الدَّهر
(280) قال أبو محمد ابن صاعد رحمه الله: ثنا الحسين بن الحسن المروزي، ثنا المعتمر، سَمِعتُ إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي عمرو الشَّيباني قال: أُخبِرَ عمرُ برجلٍ يَصومُ الدَّهرَ، فجعل يَضربُهُ بِمِخفَقَتِهِ، ويقولُ: كُلْ يا دَهرُ، خُذْ يا دَهرُ.
1.
إسناد صحيح.
أثر آخر فيه أن عمر صام الدَّهر
(281) قال محمد بن عمر / (ق 112) الواقدي 1: عن عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان عمرُ -رضي الله عنه- يَصومُ الدَّهرَ.
الواقدي وشيخه: ضعيفان.
لكن قد روي من طريق أخرى:
(282) قال جعفر بن محمد الفِريابي 2: ثنا هشام بن عمَّار، عن حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عُقبة، عن نافع: قال عبد الله: كان عمرُ يَسرُدُ الصومَ، إلا يومَ الأضحى، ويومَ الفطر، أو في السَّفَرِ.
وهذا إسناد صحيح.
طريق أخرى
(283) قال جعفر 3: ثنا إسحاق بن راهويه، ثنا وكيع، ثنا الثوري، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ، قال: ما مات عمرُ حتى سَرَدَ الصومَ.
صحيح أيضًا.
طريق أخرى
(284) قال جعفر 4: ثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، ثنا عَبدة، عن عبيد الله، به.
وقال: قبل موته بسنتين.
وهذا صحيح أيضًا.
وكأنَّه -والله أعلم- سَرَدَ الصومَ بُرهةً من الدَّهر، فوَافَقَه أَجَلُهُ وهو كذلك، لا أنَّه أراد صيامَ الدَّهرِ دائمًا، جمعًا بينه وبين ما تقدَّم، والله أعلم.
أثر في كراهة صيام رجب كلّه
(285) قال سعيد بن منصور في «سننه» 1: ثنا سفيان، عن مِسْعَر، عن وَبرة بن عبد الرحمن، عن خَرَشة بن الحُرِّ قال: رأيتُ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- يَضرِبُ أيدِيَ الرِّجالَ إذا رَفَعوها عن الطعامِ في رجبٍ حتى يَضَعوها فيه، ويقول: إنما هو شهرٌ كان أهلُ الجاهليةِ يُعظِّمونَهُ.
هذا إسناد جيد.
وكذا روِّيناه من حديث سعدان بن يحيى، وشعبة، وأبي نعيم.
كلُّهم عن مِسْعَر، به.
حديث في استحباب صيام أيام الليالي البيض
(286) قال الإمام أحمد 1: ثنا أبو النضر، ثنا المسعودي، عن حكيم بن جُبَير، عن موسى بن طلحة، عن ابن الحَوتكيَّة، قال: أُتِيَ عمرُ بن الخطاب بطعامٍ، فدعا إليه رجلاً، فقال: إني صائمٌ.
فقال: وأيَّ الصيامِ تصومُ؟ لولا كراهيةُ أن أَزيدَ أو أَنقُصَ لحدَّثتُكم بحديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين جاءه الأعرابيُّ بالأرنبِ، ولكن أَرسِلُوا إلى عمَّار.
فلما جاء عمَّار قال: / (ق 113) أشاهدٌ أنت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يوم جاءه الأعرابيُّ بالأرنبِ؟ قال: نعم.
قال: إني رأيتُ بها دمًا، فقال: «كُلُوها».
قال: إني صائمٌ، قال: «وأيَّ الصِّيامِ تَصومُ؟».
قال: أوَّلَ الشهرِ وآخرَه.
قال: «إنْ كنتَ صائمًا فصُمْ الثلاثَ عشرةَ، والأربعَ عشرةَ، والخمسَ عشرةَ».
هذا إسناد حسن جيد، وليس في الكتب السِّتة، والمسعودي وشيخه فيهما كلام، وابن الحَوتكيَّة اسمه: يزيد.
وقد رواه يوسف بن يعقوب القاضي، عن محمد بن بكر، عن سفيان بن عيينة 2، عن محمد بن عبد الرحمن وحكيم بن جُبَير، كلاهما عن موسى بن طلحة، عن ابن الحَوتكِيَّة قال: قال عمرُ: مَن حاضرنا يوم
القاحَة 1؟ قال أبو ذر: أنا، أتى رجلٌ بأرنب، فقال رجل: أنا رأيتها تَدمَى 2، فكأنَّه اتَّقاها، فأمر أن يأكلوا منها، وكان الرجلُ صائمًا، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فذَكَر شيئًا، لا أدري ما هو؟ قال: «فأين أنت عن الغُرِّ البيض: ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ».
وقد رواه حماد بن سَلَمة 3،
عن حجَّاج بن أرطاة، عن عثمان بن عبد الله بن مَوهَب، عن موسى بن طلحة، عن يزيد بن الحَوتكِيَّة، به.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم 4: لا أعلم أحدًا سمَّى ابنَ الحَوتكِيَّة غيرَ حجَّاج بن أرطاة.
حكاه الضياء في كتابه «المختارة» 5 في مسند عمر منها 6.
قلت: وهذا الحديث مناسَب أن يُذكر في مسند أبي ذرّ، أو عمَّار بن ياسر، وفي مسند عمرَ رضي الله عنه، فقدَّمناه سَلَفًا وتعجيلاً.
= وقال الحافظ في «التقريب»: مقبول.
يعني حيث يُتابَع، وإلا فليِّن.
وقد وقع اختلاف على موسى بن طلحة في روايته لهذا الحديث:
فقيل: عنه، عن ابن الحَوتَكِيَّة، عن عمرَ، كما سبق!
وقيل: عنه، عن عمرَ!
وقيل: عنه، عن أبي ذرٍّ!
وقيل: عنه، عن أبي هريرة!
وقيل: عنه، عن أبيه طلحة بن عبيد الله!
وقيل: عنه، مرسلاً!
وقيل: عن الحكم بن عُتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبيّ بن كعب! ...
أما الوجه الأول: فقد تقدَّم بيانه، وأنه ضعيف.
وأما الوجه الثاني: فعلَّقه الدارقطني في «العلل» (2/ 227) من طريق سفيان بن حسين، وسعيد بن محمد، عن الحكم بن عُتيبة، عن موسى بن طلحة، عن عمرَ، ليس فيه: ابن الحَوتَكِيَّة!
وهذا الوجه لا يعتدُّ به؛ لأنَّ موسى بن طلحة لم يلق عمر.
انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 209 رقم 779).
وأما الوجه الثالث: فأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (5/ 407) والترمذي (3/ 134 رقم 761) في الصوم، باب ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر، والنسائي (4/ 540 رقم 2421، 2422، 2423) في الصيام، باب ذكر الاختلاف على موسى بن طلحة في الخبر ... ، وأحمد (5/ 152، 162، 177) وابن خزيمة (3/ 302 رقم 2128) وابن حبان (8/ 414 - 415، 415 رقم 3655، 3656 - الإحسان) وابن عبد الباقي في «مشيخته» (2/ 386 رقم 5) من طريق يحيى بن سام، عن موسى بن طلحة، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه.
ليس فيه: ابن الحَوتَكِيَّة!
قال الترمذي: حديث أبي ذرٍّ حديث حسن.
وحسَّنه -أيضًا- الشيخ الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (7/ 210). =