مسند الفاروق ت إمامصفحات 359-398

كتاب الزكاة

صفحات 359-398

(222) قال الإمام أحمد 1: ثنا عصام بن خالد وأبو اليَمَان قالا: أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: ثنا عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود: أنَّ أبا هريرة قال: لما تُوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكرٍ -رضي الله عنه- 2، وكَفَر مَن كَفَر من العرب، قال عمرُ: يا أبا بكرٍ، كيف تُقاتِلُ النَّاسَ، وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فمَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ 3، عَصَم مني مالَهُ ونفسَهُ إلا بحقِّه وحسابُهُ على اللهِ»؟ قال أبو بكر: والله لأُقَاتِلَنَّ - قال أبو اليَمَان: لأقتُلَنَّ - مَن فرَّق بين الصلاة / (ق 88) والزكاة، فإنَّ الزكاةَ حقُّ المال، وواللهِ لو مَنَعوني عَنَاقًا 4 كانوا يؤدُّونها إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ لقاتلتُهُم على مَنعِها.
قال عمرُ: فواللهِ ما هو إلا أنْ رأيتُ أنَّ اللهَ قد شرح صدرَ أبي بكرٍ للقتالِ، فعَرَفتُ أنَّه الحقُّ.

هذا حديث جليل كبير المحلّ، اتفق الجماعة على إخراجه في كتبهم سوى ابن ماجه.
فرواه البخاري في الزكاة 1، عن أبي اليَمَان الحكم بن نافع، عن شعيب، عن الزهري، به.
ورواه -أيضًا- في الاعتصام 2. ومسلم في الإيمان 3. وأبو داود في الزكاة 4. والترمذي في الإيمان 5. والنسائي فيه 6، وفي المحاربة 7. كلهم عن قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن عُقيل، عن الزهري، به.
ورواه البخاري -أيضًا- في استتابة المرتدين 8، عن يحيى بن يحيى 9، عن الليث، به.

قال البخاري 1: وقال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري ... ، فذَكَره.
ورواه النسائي -أيضًا- 2 من طرق أخر، عن شعيب، وسفيان بن عيينة، وآخر.
كلهم عن الزهري، به.
ثم رواه الإمام أحمد 3، عن عبد الرزاق 4، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، مرسلاً.
قال الترمذي 5: وروي هذا الحديث عن عمران القطَّان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، عن أبي بكر 6. وهو خطأ، وقد خولف عمران في روايته عن معمر.

قلت: وقد روي -أيضًا-، عن أبي هريرة، مرفوعًا، كما سيأتي 1. وفي بعض ألفاظهم: والله لو منعوني عِقَالاً 2.

وقد نبَّهنا على معنى العِقَال 1، وما المراد منه ههنا في «مسند الصِّديق»، في أول كتاب الزكاة منه، ولله الحمد.
أثر آخر (223) قال الإمام مالك 2: عن ثَور بن زيد، عن ابن لعبد الله بن سفيان الثَّقَفي، عن جدِّه سفيان بن عبد الله: أنَّ عمرَ بن الخطاب بَعَثَهُ مُصدِّقًا، وكان يَعُدُّ على النَّاسِ بالسَّخل 3، قالوا: تَعتَدُّ علينا بالسَّخلِ، ولا تأخُذُ منه شيئًا؟! فلما قَدِمَ على عمرَ بن الخطاب ذَكَر له ذلك، فقال له عمر: نعم، تَعتَدُّ عليهم بالسَّخلةِ يَحمِلُها الراعي، ولا تأخُذُها، ولا تأخُذُ الأَكُولة 4، ولا الرُّبَّى 5، ولا الماخِضَ 6، ولا فَحْلَ الغنمِ، وتأخُذُ

الجَذَعةَ 1، والثَّنيَّةَ 2، وذلك عَدْلٌ بين غَذِيّ 3 المالِ 4 وخِيَارهِ.
وقد رواه الإمام الشافعي 5، عن سفيان بن عيينة 6، عن يونس 7 بن عاصم بن سفيان بن عبد الله الثَّقَفي، عن أبيه، عن جدِّه، به.
حديث آخر (224) قال الإمام أحمد 8: ثنا أبو اليَمَان، / (ق 89) ثنا أبو بكر بن عبد الله، عن راشد بن سعد، عن عمرَ بن الخطاب وحذيفة بن اليَمَان رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يأخُذْ من الخيل والرَّقيق صدقةً.
هكذا رواه الإمام أحمد، وهو منقطع، فإنَّ راشد بن سعد المِقْرائي الحمصي وإن كان ثقةً نبيلاً، إلا أنَّه من صغار التابعين، ولم يُدرك أيام

عمرَ، بل ولا حذيفة، بل قد نصَّ أحمد بن حنبل 1 على أنَّه لم يَسْمع من ثوبان.
وقال أبو زرعة 2: روايته عن سعد بن أبي وقاص مرسلة، وهما قد ماتا بعد الخمسين من الهجرة.
لكن قد روي معناه من طريق أخرى: (225) فقال أحمد أيضًا 3: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة قال: جاء ناسٌ من أهل الشام إلى عمرَ، فقالوا: إنا قد أَصَبْنا أموالاً وخَيْلاً ورَقيقًا نحبُّ أن يكونَ لنا فيها زكاةٌ وطُهورٌ.
قال: ما فَعَلَهُ صاحباي قبلي فأَفعَلَهُ.
فاستَشَارَ أصحابَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وفيهم عليّ -رضي الله عنه-، فقال عليّ: هو حَسَنٌ، إن لم يكن جزيةً راتبةً يُؤخَذون بها من بعدِك.
فهذا الإسناد جيد قوي، ولله الحمد والمنَّة.
وقد رواه الدارقطني 4 من طرق، عن أبي إسحاق، عن حارثة -وهو: ابن مُضَرِّب-، وعاصم بن ضَمرة، كلاهما عن عمرَ، به.
وزاد: فوَضَع على كلِّ فرسٍ دينارًا.
(226) وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: ثنا المنيعي، ثنا يحيى بن الربيع المكي، ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن الزهري، عن السائب بن يزيد: أنَّ عمرَ أخذ عن كلِّ فرسٍ شاتين 5.

حديث آخر (227) قال أبو الحسن الدارقطني رحمه الله 1: قرئ على عليِّ / (ق 90) بن إسحاق المادرائي بالبصرة، وأنا أسمع: حدَّثكم الحارث بن محمد، ثنا عبد العزيز بن أبان، عن محمد بن عبيد الله، عن الحكم، عن موسى بن طلحة، عن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: إنما سَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الزكاةَ في هذه الأربعة: الحنطةِ، والشعيرِ، والزَّبيبِ، والتمرِ.

أثر آخر (228) قال الدارقطني 1: ثنا أبو بكر -يعني: النَّيسابوري-، ثنا عبد الرحمن بن بِشر، ثنا عبد الرزاق 2، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ -رضي الله عنه- قال: فيما سَقَتِ السماءُ والأنهارُ والعيونُ العُشْرُ، وما سُقِيَ بالرِّشاء 3 نصفُ العُشْرِ.
هذا إسناد صحيح، وقد جاء في أحاديث مرفوعة مثلُه 4، ولله الحمد.

حديث في زكاة العسل

(229) قال عبد الله بن وهب: ثنا أسامة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ بَطنًا 1 من سَهْمٍ كانوا يؤدُّونَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من نَحْلٍ عندهم العُشْرَ ... ، فذَكَر حديثًا، إلى أنْ قال: وكَتَب إليه -يعني: عمرَ رضي الله عنه- إلى سفيان بن عبد الله الثَّقَفي: إنما النَّحْلُ ذُبَابُ غَيْثٍ، يَسُوقُهُ اللهُ رِزقًا إلى مَن شاءَ، فإنْ أدُّوا إليك ما كانوا يؤدُّونَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ فاحْمِ لهم وادِيَهم، وإلا فَخَلِّ بين الناسِ وبينَهُ.
إسناده حسن جيد 2.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال الدارقطني في «العلل» (2/ 110): هو حديث رواه عبد الرحمن بن الحارث، وعبد الله بن لَهِيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه مسنَدًا عن عمرَ.
ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرو بن شعيب، مرسلاً عن عمرَ.
قال الحافظ في «التلخيص الحبير» (2/ 168): فهذه علَّته، وعبد الرحمن وابن لَهِيعة ليسا من أهل الإتقان، لكن تابَعَهما عمرو بن الحارث أحد الثقات، وتابَعَهما أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب.
وقال في «الفتح» (3/ 348): وإسناده صحيح إلى عمرو، وترجمة عمرو قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض ... ، ثم ذكر أنه محمول على أنه في مقابلة الحِمَى؛ كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب.
وقال ابن خزيمة: هذا الخبر إن ثَبَت، ففيه ما دلَّ على أنَّ بني شبابة إنما كانوا يؤدُّون من العسل العُشْر لعلَّة، لا لأنَّ العُشْر واجب عليهم في العسل، بل متطوِّعين بالدفع لحِمَاهم الواديين.
وقال ابن زَنْجويه (3/ 1095): أحسن ما سمعنا في العسل والزيتون أنه ليس فيهما صدقة، وذلك لأنَّ السُّنَّة قد مضت بأنه لا صدقة إلا في الأصناف الأربعة: الحنطة والشعير والنخل والكَرم، وأنَّ معاذًا وأبا موسى حين بُعثا إلى اليمن لم يأخذا إلا منهما، وأنَّ معاذًا سُئل عن العسل باليمن، وهي من أكثر الأرضين عَسَلاً، فقال: لم أُومَر فيه بشيء.
وأنه ليس له ولا للزيتون ذِكر في شيء من الصدقات، وأما حديث عمرو بن شعيب: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخذ في زمانه من قِرَب العسل من كل عشر قِربات قِربة من أوسطها، وحديث بني شَبَابة: أنهم كانوا يؤدُّون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحل ألف عليهم العُشْر، فليسا بثابتين، ولو كانا ثابتين لم يكن فيهما -أيضًا- حجَّة؛ لأنه قد بين لك أنَّ بني شَبَابة هم الذين كانوا يؤدُّون لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل إنَّ رسولَ الله فرض ذلك عليهم ... ، ومن أبين الحجج وأوضعها (كذا، ولعل الصواب: وأوضحها) في العسل أنه لا صدقة فيه؛ أنا لم نجد في شيء من الآثار أنه ليس فيما دون كذا من العسل صدقة، فإذا بلغ كذا وكذا، ففيه كذا وكذا، كما وَجَدنا في العين، والحرث، والثمار، والماشية، ولم نجد له ذِكرًا في كُتُب الصدقات.

أثر في قيام الإمام على نَعَم الصدقة، وخدمتها، وحياطتها

(230) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا رحمه الله 1: حدَّثني القاسم بن هاشم، عن عبد الله بن بَكر السَّهمي، حدثني الفضل بن عَميرة: أنَّ الأحنفَ بن قيس قَدِمَ على عمرَ بن الخطاب في وفدٍ من العراقِ، قَدِموا عليه في يومٍ صائفٍ، شديدِ الحرِّ، وهو مُحتَجِزٌ بعَبَاءةٍ يَهنَأ 2 بعيرًا من إبلِ الصدقةِ، فقال: يا أحنفُ، ضَعْ ثيابَكَ، وهلمَّ، فأَعِنْ أميرَ المؤمنينَ على هذا البعيرِ، فإنه / (ق 91) لمن إبلِ الصدقةِ، في حقِّ اليتيمِ، والأَرمَلةِ، والمسكينِ.
فقال رجلٌ من القوم: يَغفِرُ اللهُ لكَ يا أميرَ المؤمنينَ! فهلاَّ تأمُرُ عبدًا من عبيد الصدقةِ فليكقك 3 هذا؟ ‍‍! قال عمرُ: وأيُّ عبدٍ هو أَعبَدُ منِّي، ومن الأحنفِ؟ إنَّه مَن وَلِيَ أمرَ المسلمينَ في عدِّ 4 المسلمين يجبُ عليه لهم ما يجبُ على العبدِ لسيدِهِ من النصيحةِ وأداءِ الأمانةِ.
أثر آخر (231) وقال ابن أبي الدُّنيا أيضًا 5: حدثني عبد الله بن أبي بدر، ثنا

يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عمر بن محمد، عن سالم بن عبد الله قال: أَبطَأَ خبرُ عمرَ على أبي موسى، فأتى امرأةً في بطنِها شيطانٌ، فسألها عنه، فقالت: حتى يَجِيءَ إليَّ شيطاني.
فجاء، فسألتُهُ عنه؟ فقال: تَرَكتُهُ مُؤتَزِرًا بكساءٍ يَهَنَأُ إبلَ الصدقةِ، وذاك لا يَرَاهُ شيطانٌ إلا خَرَّ لمنخريه، المَلَكُ بين عينيه، وروحُ القُدُسِ يَنطِقُ على لسانِهِ.
إسناده جيد قوي 1. أثر آخر (232) قال الإمام أبو عبد الله الشافعي رحمه الله 2: أنا عمِّي، عن الثقة -أحسبه محمد بن عليِّ بن الحسين، أو غيره-، عن مولىً لعثمان قال: بينما أنا مع عثمانَ بالعاليةِ في يومٍ صائفٍ، إذ رأى رجلاً يَسوقُ بَكرَينِ، وعلى الأرضِ مثلُ الفراشِ من الحرِّ، فقال: ما على هذا لو

أقامَ بالمدينةِ حتى يُبرِدَ؟! ثم قال: انظر مَن هو؟ 1 فنَظَرتُ، فإذا هو عمرُ -رضي الله عنه-، فقلت: هذا أميرُ المؤمنين! فقام عثمانُ -رضي الله عنه- فأَخرَجَ رأسَهُ من الباب، فآذاه لَفْحُ / (ق 92) السَّمومِ 2، فأعاد رأسَهُ حتى حَاذَاهُ، فقال: ما أَخَرَجَكَ هذه الساعةَ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: بَكرَانِ 3 من إبلِ الصدقةِ تَخَلَّفَا، فأَردتُ أنْ أُلحِقَهُمَا بالحِمَى، خشيتُ أن يَضيعا، فيَسأَلُني اللهُ عنهما! فقال: هَلمَّ إلى الماءِ والظلِّ، ونَكفيكَ.
فقال: عُدْ إلى ظِلِّكَ.
فقال: عندنا مَن يَكفيكَ.
ومضى 4. فقال عثمان رضي الله عنه: مَن أحبَّ أنْ يَنظرَ إلى القويِّ الأمينِ؛ فليَنظُرَ إلى هذا.
ثم عاد إلينا، فألقَى نفسَهُ، رضي الله عنه وأرضاه.

أثر في زكاة العروض

(233) قال الإمام الشافعي 1: أنا سفيان، ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سَلَمة، عن أبي عمرو بن حِمَاس: أن أباه قال: مَرَرتُ بعمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه-، وعلى عُنُقي أدمةٌ 2 أَحمِلُها، فقال عمرُ: ألا تؤدِّي زكاتَكَ ياحماسُ؟ فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما لِي غير هذه التي على ظَهْري، وأهبةٌ في القَرَظ 3. فقال: ذلك مال، فَضَعْ.
قال: فوَضَعتُها بين يديه، فحَسَبَها، فوَجَدَ قد وَجَبَتْ فيها الزكاةُ، فأخذ منها الزكاةَ.
ورواه الدارقطني 4 من حديث حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عمرو بن حِمَاس -أو: عن عبد الله بن أبي سَلَمة، عن أبي عمرو بن حِمَاس-، وذَكَر نحوه.
ثم قال الشافعي 5: وأنا سفيان، ثنا ابن عَجْلان، عن أبي الزِّناد، عن أبي عمرو بن حِمَاس، عن أبيه، مثلَه.
ورواه سعيد بن منصور في «سننه» 6، بنحوه.

حديث في جواز سَلَف الإمام الزكاة

(234) قال النسائي 1: ثنا عمران بن بكَّار، ثنا علي بن عيَّاش، عن شعيب، عن أبي الزَّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنهما- قال: أَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بصدقةٍ، فقيل: مَنَعَ ابنُ جميلٍ وخالدُ بن الوليد والعباسُ عمُّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ... ، فذَكَر الحديث، كما سيأتي 2 في مسند أبي هريرة.
كما أخرجه صاحبا «الصَّحيح» 3 من حديث جماعة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

حديث في غُلُول الصدقة

(235) قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث: أنَّ موسى بن جُبَير حدَّثه، أنَّ عبد الله بن عبد الرحمن بن الحُبَاب حدَّثه، أنَّ عبد الله بن أُنَيس حدَّثه، أنَّه تذاكر هو وعمرُ بن الخطاب يومًا، فقال عمرُ: ألم تَسمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حين يَذكر غُلُولَ الصَّدقةِ: «مَن غَلَّ منها بعيرًا، أو شاةً، أتى به يومَ القيامةِ يَحمِلُهُ»؟ فقال عبد الله بن أُنَيس: بلى.
ورواه ابن ماجه 1، عن عمرو بن سوَّاد المصري، عن ابن وهب.
واختاره الضياء في كتابه 2.

حديث في الفقراء

(236) قال أبو حاتم محمد بن حبَّان البُستي في «صحيحه» 1: أنا أبو عَروبة، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن الحرَّاني، ثنا يحيى بن السَّكَن، ثنا حماد بن سَلَمة، عن داود بن أبي هند، عن الشَّعبي، عن مسروق / (ق 93) قال: قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَن سأل النَّاسَ لِيُثْرِيَ به مالَهُ؛ فإنَّما هو رَضْفٌ 2 من النَّارِ يَتَلقَّفُهُ 3، مَن شاءَ فَلْيُقِلَّ، ومَن شاءَ فَلْيُكْثِرْ».
هكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه «المختارة» 4. وقد أورده الحافظ أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي 5، عن محمد بن محمد بن سليمان الباغَندي، عن أيوب بن سليمان السُّلَمي، عن يحيى بن السَّكَن، به.
ثم قال: تفرَّد به يحيى بن السَّكَن، عن داود 6، لا أعلم حدَّث به غيره، وهو حديث صحيح غريب 7. فيه دلالة على أن الفقير هو الذي لا يجد ما يكفيه.

حديث في العامل

(237) قال الإمام أحمد 1: ثنا أبو اليَمَان: أنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني السائب بن يزيد ابنُ أختِ نَمِر: أنَّ حُوَيْطِب بن عبد العُزَّى أَخبَرَه أنَّ عبد الله بن السَّعدي أَخبَرَه أنَّه قَدِمَ على عمرَ بن الخطاب في خلافته، فقال له عمر: ألَمْ أُحدَّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالاً، فإذا أُعطيتَ العمالةَ كرهتَها؟ قال: فقلت: بلى.
فقال عمرُ: فما تريدُ إلى ذلك؟ قال: قلت: إنَّ لي أفراسًا وأعبُدًا، وأنا بخير، وأريدُ أن تكونَ عمالتي صدقةً على المسلمين.
فقال عمرُ: فلا تفعل، فإنِّي كنتُ أردتُ الذي أردتَ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاءَ، فأقول: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي، حتى أعطاني مرةً مالاً، فقلت: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي.
فقال (له) 2 النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «خُذه فتَموَّلْهُ، وتصدَّقْ به، / (ق 94) فما جاءك من هذا المالِ وأنت غيرُ مُشرِفٍ 3 ولا سائلٍ؛ فخُذْهُ، ومَا لاَ، فلا تُتْبِعْهُ نفسَكَ».

ثم رواه أحمد 1، عن عبد الرحمن -يعني: ابن مهدي-، عن معمر 2، عن الزهري، به.
وعن عبد الرزاق 3، عن معمر، عن الزهري، عن السائب قال: لَقِيَ عمرُ عبد الله بن السَّعدي ... ، فذَكَر معناه، إلا أنَّه قال: «تَصدَّقْ به».
وقال: «لا تُتْبِعْهُ نَفسَكَ».
هذا حديث جليل، قليل النَّظير؛ لأنه اجتمع في إسناده أربعة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض، فإنَّ السائب بن يزيد، وشيخه، وشيخ شيخه، وعمر بن الخطاب كلُّهم صحابة رضي الله عنهم.
وهكذا رواه البخاري 4، عن أبي اليَمَان الحكم بن نافع.
وأخرجه النسائي 5 من حديثه أيضًا.
ورواه مسلم 6، عن أبي الطَّاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الزهري، به.

وكذا رواه النسائي 1 من حديث الزُّبيدي، عن الزهري.
ثم رواه مسلم 2، والنسائي 3، عن قتيبة.
وأبو داود 4، عن أبي الوليد الطيالسي.
كلاهما عن الليث، عن بُكَير بن الأشج، عن بُسر بن سعيد، عن ابن السَّاعدي المالكي قال: استعملني عمرُ على الصَّدقة ... ، فذَكَره.
ثم رواه مسلم 5، عن هارون بن سعيد، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بُكَير بن الأشج، عن بُسر بن سعيد، عن ابن السَّعدي.
كذا قال الليث: عن ابن السَّاعدي.
وقال غيره: عن ابن السَّعدي 6. طريق أخرى (238) قال الحافظ البيهقي في «السُّنن الكبير» 7: أنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصمّ، ثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني هشام بن

سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم أنَّه قال: لمَّا كان عامُ الرَّماداتِ وأَجدَبَتْ بلادُ العربِ، كَتَبَ عمرُ بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: من عبد الله عمر أميرِ المؤمنين، إلى العاصِ بن العاصِ، إنَّكَ لَعَمري ما تُبالِي إذا سَمِنتَ ومَن قِبَلَك، أنْ أَعجَفَ أنا ومَن قِبَلي، ويا غَوثَاهُ ... ، فذَكَر الحديث، وما فيه.
ثم دعا أبا عُبيدة بن الجرَّاح، فخَرَج في ذلك، فلمَّا رجع بعث إليه بألفِ دينارٍ، فقال أبو عُبيدة: إنِّي لم أَعمَلْ لك يا ابنَ الخطاب، إنما عَمِلتُ للهِ، ولستُ آخذُ في ذلك شيئًا.
فقال عمرُ: قد أعطانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في أشياءَ بَعَثَنا لها، فكَرِهْنَا ذلك، فأَبَى علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فاقْبَلْهَا أيُّها الرَّجلُ، فاستَعِنْ بها على دينِكَ ودنياكَ، فقَبِلَها أبو عُبيدة.
ثم رواه -أيضًا- 1، عن الحاكم 2، عن أبي إسحاق إبراهيم بن فراس الفقيه، عن بكر بن سهل، عن شعيب بن يحيى التُّجيبي، عن الليث، بإسناده ومعناه، وذَكَر ما ترك من الأول، فقال: فكَتَب عمرو: السلام 3، أمَّا بعدُ، لبَّيكَ، لبَّيكَ، أَتَتكَ عِيْرٌ أوَّلُها عندَكَ، وآخرُها عندي، مع أنِّي أرجو أنْ أجدَ سبيلاً أنْ أَحمِلَ في البحرِ، فلما قَدِمَ أوَّلُ عِيْرٍ دعا عمرُ الزُّبيرَ، فأَمَرَهُ أن يُخرِجَ لِيُفرِّقُها على الأحياءِ، فأَبَى، ثم دعا طلحةَ فأَبَى، فدعا أبا عُبيدة، فخَرَج فيها ... ، وذَكَر بقيَّتَه.

طريق أخرى (239) قال أحمد 1: ثنا أبو اليَمَان، أنا شعيب، عن الزهري، ثنا سالم بن عبد الله: أنَّ عبد الله بن عمر قال: سَمِعتُ عمرَ يقول: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاءَ، فأقول: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي، حتى أعطاني مرَّةً مالاً، فقلت: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي.
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «خُذْهُ فتَموَّلْهُ، وتَصدَّقْ بهِ، فما / (ق 95) جاءك من هذا المال وأنت غيرُ مُشرفٍ ولا سائلٍ، فخُذْهُ، ومَا لاَ، فلا تُتْبِعْهُ نفسَكَ».
ورواه البخاري 2، عن الحكم بن نافع أبي اليَمَان.
والنسائي 3، عن عمرو بن منصور، عن أبي اليَمَان.
ورواه أحمد 4، والبخاري -أيضًا- 5، ومسلم 6 من حديث يونس، عن الزهري، عن سالم، به.
وقد رواه عمرو بن الحارث، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فجعله من مسند عبد الله 7، كما سيأتي 8.

أثر في أن العامل يستعمل بعض ظَهْر الصَّدقة لمصلحته في العمالة

(240) قال أبو عبيد 1: يُروى من حديث ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن أسلم: أنَّ عمرَ رآه يَحمِلُ متاعَهُ على بعيرٍ من إبلِ الصَّدقةِ، قال: فهلاَّ ناقةً شَصُوصًا أو ابنَ لَبُونٍ بَوَّالاً؟ النَّاقةُ الشَّصُوص: التي قد انقَطَع لبنُها.
وابنُ اللَّبُون البوَّالُ، مع أنَّ كلَّ الإبل تَبولُ: أي: ليس فيه نفعٌ سوى ذلك.

حديث في المؤلَّفة قلوبهم

(241) قال الإمام أحمد 1: ثنا بكر بن عيسى، ثنا أبو عَوَانة، عن المغيرة، عن الشَّعبي، عن عدي بن حاتم قال: أتيتُ عمرَ بن الخطاب في أناسٍ من قومي، فجعل يَفرِضُ للرَّجل من طيِّئ في ألفين، ويُعرِضُ عنِّي.
قال: فاستَقبلتُهُ، فأعرَضَ عنِّي.
ثم أَتيتُهُ من حيالِ وجهِهِ، فأَعرَضَ عنِّي.
قال: فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، أَتعرِفُني؟ قال: فضَحِكَ حتى استَلقى لِقَفَاهُ، ثم قال: نعم والله، إنِّي لأَعرِفُكَ، آمَنتَ إذ كَفَروا، وأَقبَلتَ إذ أَدبَروا، ووَفَّيتَ إذ غَدَروا، وإنَّ أوَّل صدقةٍ بَيَّضَتْ وجهَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ووجوهَ أصحابِهِ، صدقةُ طيِّئ، جئتَ بها إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم أَخذ يَعتذرُ، ثم قال: إنما فَرَضتُ لقومٍ أَجحَفَتْ بهمُ الفاقةُ، وهم سادةُ عشائرِهِم لما يَنُوبُهُم من الحقوقِ.
ورواه مسلم 2، عن زُهَير بن حرب، عن أحمد بن إسحاق الحضرمي، عن أبي عَوَانة، به.
وأخرجه البخاري 3، عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عَوَانة، / (ق 96) عن عبد الملك بن عُمَير، عن عمرو بن حُرَيث، عن عدي بن حاتم، به.
فيه دلالة على إعطاء المؤلَّفة، وعلى نقل الزكاة، والله أعلم.

حديث آخر (242) قال علي ابن المديني: ثنا يحيى بن آدم، ثنا عبد الرحمن المحاربي، عن الحجَّاج بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن عَبيدة قال: جاء عيينةُ بن حصن والأقرعُ بن حابِس إلى أبي بكرٍ -رضي الله عنه-، فقالا: يا خليفةَ رسولِ الله، إنَّ عندنا أرضًا سَبِخَةً، ليس فيها كلأٌ ولا منفعةٌ، فإنْ رأيتَ أن تُقطعناها؟ قال: فأَقطَعَها إيَّاهما، وكَتَب لهما عليه كتابًا، وأَشهَدَ عمرَ وليس في القوم، فانطَلَقَا إلى عمرَ ليُشهِدَاهُ، فلمَّا سَمِعَ عمرُ ما في الكتاب تناولَهُ من أيديهما، ثم تَفَلَ فيه، فمَحَاهُ، فتَذَمَّرا، وقالا له مقالةً سيِّئةً.
فقال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَتَألَّفكما والإسلامُ يومئذٍ قليلٌ، وإنَّ اللهَ قد أعزَّ الإسلامَ، فاذهَبَا، فاجْهَدَا جهدَكُما، لا أرعى اللهُ عليكما إنْ أرعيتُمَا، ثم أتى أبا بكرٍ، فقال له: أكُلَّ المسلمينَ رَضُوا بهذا؟ فقال له أبو بكرٍ رضي الله عنه: قد قلتُ لك إنَّكَ أقوى على هذا الأمرِ منِّي 1. ثم قال: هذا حديث منقطع الإسناد؛ لأنَّ عَبيدة لم يُدرك، ولم يرو عنه أنَّه سَمِعَ عمر ولا رآه، والحجَّاج بن دينار واسطي، ولا يحفظ هذا الحديث عن عمرَ بأحسنَ من هذا الإسناد، وقد رواه طاوس مرسلاً، وأوَّل هذا الحديث كوفي، ثم يرجع إلى واسطي، ثم يرجع / (ق 97) إلى بصري، ثم يرجع إلى عَبيدة وهو كوفي.
انتهى كلامه رحمه الله.

حديث آخر (243) قال الإمام أحمد 1: ثنا عفَّان، ثنا أبو عَوَانة، عن سليمان الأعمش، عن شقيق، عن سلمان بن ربيعة قال: سَمِعتُ عمرَ -رضي الله عنه- يقول: قَسَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قسمةً، فقلت: يا رسولَ الله، لَغَيرُ هؤلاءِ أحقُّ منهم: أهلُ الصَّدقةِ 2. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنهم يُخيِّروني بين أن يَسألوني بالفُحشِ، وبين أن يُبخِّلُوني، ولستُ بباخلٍ».
ورواه مسلم 3، عن عثمان بن أبي شيبة، وزُهَير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم.
ثلاثتهم عن جرير، عن الأعمش، به.
حديث آخر (244) قال أبو يعلى الموصلي 4: ثنا داود بن رُشَيد، ثنا مُعمَّر بن سليمان، عن عبد الله بن بِشر، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن عمرَ قال: دخل رجلانِ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يسألانِهِ في شيءٍ، فأعانَهُما بدينارين، فخَرَجا، فإذا هما يُثنيانِ خيرًا، فدَخَلتُ عليه، فقلت: يا رسولَ الله، رأيتُ فلانًا وفلانًا خَرَجَا من عندِكَ يُثنيانِ خيرًا.
قال: «لكنَّ فلانًا ما يقولُ ذاك! وقد أَعطيتُهُ ما بين عشرةٍ إلى مائةٍ، فما يقولُ ذاك، وإنَّ أَحدَكم لَيَخرُجُ بصدقتِهِ من عندي مُتأبِّطُهَا 5، وإنما هي له نارٌ».
قلت:

يا رسولَ الله، كيف تُعطيه، وقد عَلِمتَ أنها له نارٌ؟ قال: «فما أَصنَعُ، يأتُوني، فيَسألُوني، ويأبَى اللهُ لِيَ البخلُ».
وهكذا رواه أبو بكر بن أبي عاصم 1، عن / (ق 98) محمد بن فضيل، عن مُعمَّر بن سليمان، به.
طريق أخرى (245) قال ابن حبان في «صحيحه» 2: ثنا محمد بن زُهَير أبو يعلى

بالأُبُلَّة 1، ثنا سَلم بن جُنَادة، ثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن عمرَ بن الخطاب قال: قلت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنِّي رأيتُ فلانًا يَدعو ويَذكرُ خيرًا، ويَذكرُ أنَّكَ أَعطيتَهُ دينارين.
قال: «لكنَّ فلانًا أَعطيتُهُ ما بين كذا إلى كذا، فما أَثنى، ولا قال خيرًا».
قال الدارقطني 2: ورواه جرير بن عبد الحميد 3، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد.

وروي عن أبي كُرَيب 1، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ثم ذَكَر رواية أبي يعلى، وابن حبان، والله أعلم.

حديث فيه أنَّه إذا فضل عند الإمام فاضلة من مال الزكاة أو الفيء أنَّ الأولى المبادرة إلى إنفاذها في محالِّها

(246) قال الإمام أحمد -في غير مسند عمر- 1: ثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، قال: سَمِعتُ الأعمش يحدِّث عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البَختَري، عن عليِّ قال: قال عمرُ بن الخطاب للناس: ما تَرَون في فضلٍ فَضَلَ عندنا من هذا المال؟ فقال الناس: يا أميرَ المؤمنين، قد شَغَلْناك عن أهلِكَ وضَيعتِكَ وتجارتِكَ، فهو لك.
فقال لي: ما تقولُ أنت؟ فقلتُ: قد أَشاروا عليك.
فقال لي: قُل.
فقلتُ: لِمَ تَجعلُ يَقينَكَ ظنًّا؟ فقال: لَتَخرُجَنَّ ممَّا قلتَ.
فقلتُ: أجل، واللهِ لأَخرُجَنَّ منه، أَتذكُرُ حين بَعَثَكَ رسولُ الله / (ق 99) صلى الله عليه وسلم سَاعيًا، فأتيتَ العبَّاسَ بن عبد المطَّلب فمنَعَك صدقتَهُ، فكان بينكما شيءٌ، فقلتَ لي: انطَلِقْ معي إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فوَجَدناهُ خَاثِرًا 2، فرَجَعنا، ثم غَدَونا عليه، فوَجَدناهُ طيِّبَ النَّفسِ، فأخبرتَهُ بالذي صَنَع، فقال لك: «أَمَا عَلِمتَ أنَّ عمَّ الرَّجلِ صِنْوُ أبيه؟».
وذَكَرنا له الذي رأينا من خُثُورِهِ في اليومِ الأوَّلِ، والذي رأينا من طيبِ نَفْسِهِ في اليومِ الثاني، فقال: «إنكما أتيتُماني في اليومِ الأوَّلِ، وقد بَقِيَ عندي من الصَّدقة ديناران، فكان الذي رأيتُما من خُثُوري له، وأتيتُماني اليومَ الثاني وقد وجَّهتُهُما، فذاك الذي رأيتُما من طيبِ نَفْسي».

فقال عمرُ رضي الله عنه: صدقتَ، واللهِ لأَشكُرنَّ لك الأولى والآخرةَ.
هذا حديث حسن الإسناد جيِّده 1، وهو لائق أن يكون في مسند عليِّ، ولكن لمَّا صدَّقه عمر على ذلك صلح لأن يكون في كلٍّ من المسنَدَين، فأحببنا تقديمه سَلَفًا وتعجيلاً، ولله الحمد والمنَّة.

حديث في الأمر بكثرة الإعطاء

(247) قال البزَّار 1: ثنا يحيى بن قطن الأَيلي، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيني، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: «ما عندي شيءٌ أُعطِيكَ، ولكنْ استَقرِضْ حتى يأتينا شيءٌ فنُعطِيكَ».
قال عمرُ: ما كلَّفَكَ اللهُ هذا، أَعطيتَ ما عندك، فإذا لم يكن عندك فلا تَكلَّف.
قال: فكَرِهَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قولَ عمرَ حتى عُرِفَ في وجهه، فقال الرَّجل: يا رسولَ الله، بأبي أنت وأُمِّي، فأعْطِ، ولا تَخشَ من ذي العرش إقلالاً.
قال: فتبسَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «بهذا أُمِرتُ».
ثم قال البزَّار: تفرَّد به إسحاق بن إبراهيم -وليس بالحافظ-، عن هشام بن سعد، لا نعلم رواه عنه غيره 2. وقد رواه الترمذي في «الشمائل» 3، عن هارون بن موسى الفَرْوي، عن أبيه، عن هشام بن سعد، به.
كما رواه إسحاق بن إبراهيم.

حديث في جواز الصَّدقة بجميع المال لمن أطاق الصبر على الفاقة

(248) قال الإمام عَبد بن حميد رحمه الله 1: ثنا أبو نعيم، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سَمِعتُ عمرَ -رضي الله عنه- قال: أَمَرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ نَتَصدَّقَ، ووافَقَ ذلك مالاً عندي، فقلت: اليومَ أَسبِقُ أبا بكرٍ -رضي الله عنه- إنْ سَبَقْتُهُ / (ق 100) يومًا، فجئتُ بنصفِ مالي، فقال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما أَبقيتَ لأهلكَ؟»، فقلتُ: مثلَه.
وأتى أبو بكرٍ -رضي الله عنه- بكلِّ ما عنده، فقال له: «يا أبا بكرٍ، ما أَبقيتَ لأهلكَ؟»، فقال: أَبقيتُ لهم اللهَ ورسولَهُ.
قلت: لا أُسابِقُكَ إلى شيءٍ أبدًا.
وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة 2 عن أبي نعيم.
ورواه أبو داود 3، عن أحمد بن صالح وعثمان بن أبي شيبة.
ورواه الترمذي في المناقب 4، عن هارون بن عبد الله.
ثلاثتهم عن أبي نعيم، به.
وقال الترمذي: صحيح 5.

طريق أخرى (249) قال الحافظ ابن عساكر 1: أنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، ثنا رَشَأ بن نظيف، أنا الحسن 2 بن إسماعيل، ثنا أحمد بن مروان، ثنا محمد بن مسلمة الواسطي، ثنا يعقوب بن محمد الزهري، ثنا يحيى بن محمد بن حكيم، ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَر بالصَّدقة، فقال عمرُ بن الخطاب -وعندي مالٌ كثيرٌ- فقلت: والله لأَفضُلَنَّ أبا بكرٍ هذه المرَّة، فأَخَذتُ نصفَ مالي، وتَرَكتُ نصفَهُ، فأتيتُ به النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «هذا مالٌ كثيرٌ، فما تَرَكتَ لأهلكَ؟»، قال:

تَرَكتُ له 1 نصفَهُ.
وجاء أبو بكرٍ بمالٍ كثيرٍ، فقال رسولُ الله: «ما تَرَكتَ لأهلكَ؟»، قال: تَرَكتُ لهم اللهَ ورسولَهُ.
فيه ضعف.
طريق أخرى (250) قال ابن عساكر -أيضًا- 2: أنا أبو بكر ابن المزرَفي، ثنا أبو الحسين بن المهتدي، أنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن علي الصَّيدلاني، عن يعقوب بن إبراهيم البزَّاز 3، ثنا عبيد الله بن الحجَّاج بن المنهال، ثنا أبي، ثنا حماد بن سَلَمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: ما سَابَقتُ أبا بكرٍ إلى شيءٍ إلا سَبَقَني إليه، فأَمَر رسولُ الله ذاتَ يومٍ بالصَّدقة، وحَضَّ عليها.
فقلت: هذا اليومُ أَسبِقُ فيه أبا بكرٍ، فقلت: يا رسولَ الله، عندي كذا وكذا، فهو في سبيل ... 4 أبو بكر، فقال: يا رسولَ الله، عندي كذا وكذا فهو في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولِي عند الله معادٌ.
فقال رسولُ الله: «يا عمرُ، ما وتَرْتَ القوسَ بوَتَرِها 5». فيه انقطاع، وعلي بن زيد بن جُدعان فيه كلام، لكن هذا له شواهد، فهو صحيح.

حديث آخر في الحثِّ على مواساة الفقراء من الجيران وغيرهم

(251) قال الإمام أحمد 1: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان، عن أبيه، عن عَبَاية بن رفاعة، عن عمر قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يَشبَعُ الرَّجلُ دونَ جارِهِ».
إسناد صحيح، إلا أنَّ عَبَاية بن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاري لم يُدرك عمر بن الخطاب.
قاله أبو زرعة الرازي، والدارقطني 2. قال الدارقطني 3: ورواه قيس بن الربيع، عن سعيد بن مسروق، عن عَبَاية بن رفاعة، عن جدِّه رافع بن خديج، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
والأوَّل هو الصواب 4.

وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه 1. قلت: وقد رواه الإمام أحمد 2، بإسناده المتقدِّم في موضع آخر، وفيه قصَّة، فقال: ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن أبيه، عن عَبَاية بن رفاعة قال: بَلَغ عمرَ أنَّ سعدًا لما بنى القصرَ قال: انقطَعَ الصُّوَيْتُ 3، فبَعَث إليه محمدَ بن مسلمة، / (ق 101) فلما قَدِمَ أَخرَجَ زَنْدَه 4، وأَورَى نارَه، وابتاع حَطَبًا بدرهمٍ، وقيل لسعد: إنَّ رجلاً فَعَل كذا وكذا.
فقال: ذاك محمدُ بن مسلمة، فخَرَج إليه، فحَلَف بالله ما قاله، فقال: نؤدِّي عنك الذي تقولُ، ونفعلُ ما أُمِرْنا به.
فأَحرَقَ البابَ، ثم أَقبَلَ يَعرِضُ عليه أن يَزوره 5، فأَبَى، فخَرَج، فقَدِمَ على عمرَ، فهجَّر إليه 6، فسار ذهابُهُ ورجوعُهُ تسعَ

عشرةَ، فقال: لولا حسنُ الظنِّ بك لرأينا أنك لم تُؤدِّ عنَّا.
قال: بلى، أَرسَلَ يقرأُ عليك السلامَ يَعتذرُ، ويَحلِفُ بالله ما قالَه.
قال: فهل زَوَّدك شيئًا؟ قال: لا.
قال: فما مَنَعكَ أنْ تزوِّدني أنت؟ قال: إني كَرِهتُ أن آمُرَ لك، فيكونَ لك الباردُ، ويكونَ لي الحارُّ، وحولي أهلُ المدينة قد قَتَلهم الجوعُ، وقد سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يَشبَعُ الرَّجلُ دون جارِه».
ورواه أبو يعلى 1، عن القَوَاريري، عن ابن مهدي.
واختاره الضياء في كتابه 2. أثر في ذلك عن عمر (252) قال ابن أبي الدُّنيا رحمه الله 3: ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا

يحيى بن إسماعيل، ثنا عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمرَ قال: كان عمرُ -رضي الله عنه- يأتي مَجزَرَةَ الزُّبيرِ بن العوَّام بالبقيعِ، ولم يكن بالمدينة مَجزَرَةٌ غيرُها، فيأتي معه بالدِّرَّة، فإذا رأى رجلاً اشترى لحمًا يومين متتابعين ضَرَبَهُ بالدِّرَّة، وقال: ألا طَوَيتَ بطنَكَ لجارِكَ، وابنِ عمِّكَ.

جارٍ التحميل