مسند الفاروق ت إمامصفحات 240-280

كتاب الصلاة

صفحات 240-280

حديث آخر (110) قال الإسماعيلي بإسناده عن شعبة 1، عن خالد، سَمِعَ عبد الله بن الحارث: أنَّ ابنَ عمر أمر رجلاً أَخذ مَضجعه أن يقولَ: اللهمَّ أنت خَلَقتَ نفسي، وأنت توفَّاها، لك محياها ومماتها، إنْ أحييتَها فاحفَظْها، وإنْ أمتَّها فاغفِرْ لها، اللهمَّ إنِّي أسألُكَ العافيةَ.
فقال رجلٌ: سَمِعتَهُ من عمرَ؟ قال: نعم، وسَمِعَه عمرُ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
حديث آخر (111) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 2: ثنا الفضل بن سهل، ثنا عثمان بن زُفَر، عن صفوان بن أبي الصَّهباء -هكذا قال-، عن سالم، عن أبيه، / (ق 44) عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «يقول اللهُ تعالى: إذا شَغَل عبدي ذِكري عن مسألتي أعطيتُه أفضلَ ما أعطي السائلين».
هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرِّجوه 3.

حديث آخر (112) قال عَبد بن حميد 1: ثنا حماد بن عيسى البصري، حدثني حنظلة بن أبي سفيان قال: سَمِعتُ سالم بن عبد الله بن عمر يحدِّث عن أبيه، عن جدِّه قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا مَدَّ يديه في الدُّعاء لم يردَّهما حتى يَمسحَ بهما وجهَهُ.
وقد رواه الترمذي في الدَّعوات 2 عن جماعة من شيوخه، عن حماد بن عيسى الجُهَني، وقال: تفرَّد به، ولا نَعرفه إلا من حديثه 3.

حديث في صلاة التَّطوع

(113) قال عَبد بن حميد 1: ثنا علي بن عاصم، عن يحيى البكَّاء، حدثني عبد الله بن عمر قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أربعٌ قبلَ الظهرِ بعدَ الزوالِ، تُحسَبُ بمثلهنَّ في صلاةِ السَّحَرِ».
قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وليس من شيءٍ إلا وهو يُسبِّحُ اللهَ تلكَ الساعةِ»، ثم قرأ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ 2 الآية كلُّها.
ورواه الترمذي في التفسير 3، عن عَبد، وقال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث عليِّ بن عاصم.

قلت: وقد كان من الحفَّاظ الذين بلغوا المائة الألف، ومع هذا تكلَّم فيه يحيى بن معين، والفلاَّس، والبخاري، والنسائي، وغيرهم من الأئمَّة 1، / (ق 45) فالله أعلم.
حديث آخر (114) قال الإمام أحمد 2: ثنا سليمان بن داود -يعني أبا داود الطيالسي 3 -، ثنا أبو عَوَانة، عن داود الأَوْدي، عن عبد الرحمن المُسْلِي، عن الأشعث بن قيس قال: ضِفْتُ عمرَ، فتناول امرأتَهُ، فضَرَبها، فقال: يا أشعثُ، احفظْ عنِّي ثلاثًا حفظتهنَّ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَسألِ الرَّجلَ فيمَ ضَرَبَ امرأتَهُ، ولا تَنَمْ إلا على وِتْرٍ».
ونسيتُ الثالثة.
وأخرجه أبو داود 4، والنسائي 5، وابن ماجه 6 من حديث ابن مهدي، عن أبي عَوَانة.

ورواه ابن ماجه -أيضًا- 1، وعَبد بن حميد 2 من حديث أبي عَوَانة، عن داود الأَوْدي.
ورواه الإمام علي ابن المديني 3، عن ابن مهدي، عن أبي عَوَانة، عن داود الأَوْدي، به، ثم قال: وهذا إسناد مجهول، وداود بن عبد الله الأَوْدي لا أعلم أحدًا روى عنه إلا زُهَير وأبو عَوَانة.
قال: وعبد الرحمن المُسْلي، ويكنى بأبي وَبرة، لا أعلم روى عنه غير هذا.
حديث آخر (115) قال عبد الله بن الإمام أحمد 4: حدثني أبي، ثنا عتَّاب بن زياد، ثنا عبد الله -يعني: ابن المبارك-، أنا يونس، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن عبد الرحمن بن عَبْدٍ، عن عمرَ بن الخطاب -قال عبد الله: وقد بَلَغ أبي إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم-، قال: «مَن فاته شيءٌ من وِرْدِهِ -أو قال: جزئه 5 - من الليل، فقرأهُ ما بين صلاةِ الفجرِ إلى الظهرِ، فكأنما قَرَأَهُ من لَيلَتِهِ».
وهكذا رواه / (ق 46) مسلم 6، وأهل السُّنن 7 من حديث ابن وهب،

عن يونس، عن الزهري، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
ولفظ مسلم: عن عبد الرحمن بن عَبْدٍ القاري: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن نام عن حزبِهِ، أو عن شيءٍ منه، فقَرَأهُ فيمَا بين صلاةِ الفجرِ وصلاةِ الظهرِ، كُتِبَ له كأنما قَرَأهُ من الليلِ».
ثم قال الترمذي 1: ورواه ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، فوَقَفه.
كذا قال، وقد تقدَّم في رواية أحمد رَفْعه من حديث ابن المبارك، وكأن وَقْفه من هذا الوجه أصح، فقد رواه النسائي 2 عن سُوَيد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس، به، موقوفًا.
ورواه -أيضًا- 3، عن سُوَيد، عن ابن المبارك، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عمرَ

موقوفًا، أيضًا.
ورواه -أيضًا- 1، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة.
وعن قتيبة 2، عن مالك 3، عن داود بن الحُصَين، عن الأعرج.
كلاهما عن عبد الرحمن بن عَبْدٍ، عن عمر، موقوفًا أيضًا.
وقد روى هذا الحديثَ الإمام علي ابن المديني، عن أبي صفوان عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان (د) 4 -، قال: ولم نر أحدًا

أقعدَ منه، وكان عندنا ثقة- قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن السائب بن يزيد وعبيد الله بن عبد الله.
كلاهما عن عبد الرحمن بن عَبدٍ، عن عمر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، به.
ثم قال: ورواه غير واحد عن عمر، ولم يَرفعه، ورَفَعه الزهري، وجوَّد إسناده، وصحَّحه.
وقد حدثنا 1 يحيى بن سعيد، ومعاذ بن هشام.
كلاهما عن هشام الدَّستَوائي، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن عبد الرحمن بن عَبدٍ، عن عمر، قولَه، موقوفًا.
ورواه أبو داود 2، عن قتيبة، عن أبي صفوان الأُمَوي، عن يونس، عن الزهري، به، مرفوعًا 3.

/ (ق 47)

أثر في قيام الليل

(116) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا رحمه الله 1: ثنا محمد بن الحسين، ثنا الفضل بن دُكَين، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: أخبرني أبي، قال: كنَّا نَبيتُ عند عمرَ، أنا ويَرْفَأ، قال: فكانت له ساعةٌ من الليل يُصلِّيها، وكان إذا استيقظَ قرأَ هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ 2 الآية، حتى إذا كان ذاتَ ليلةٍ قام فصلَّى، ثم انصرَفَ، فقال: قُوما فَصَلِّيا، فواللهِ ما أستطيعُ أن أُصلِّيَ، وما أستطيعُ أنْ أَرقُدَ، وإنِّي لأفتتحُ السورةَ، فما أدري في أوَّلها أنا، أو في آخرِها.
قلنا: ولِمَ يا أميرَ المؤمنين؟ قال: من هَمِّي بالناسِ منذ جاءني هذا الخبرُ عن أبي عُبيدةَ.
ثم رواه 3، عن أبي خيثمة، عن ابن مهدي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنَّ أبا عُبيدةَ كَتَب إلى عمرَ، فذَكَر جموعًا من الرُّوم وشدَّة، فكان يُصلِّي من الليل، ثم يُوقظني، فيقول: قُمْ فَصَلِّ، فإنِّي لأقومُ فأصلِّي وأَضطجعُ، فما يأتيني النومُ.
ثم يَغدو إلى الثنيِّة 4 فيَستَخبِرُ.
هذا صحيح عنه رضي الله عنه.
وفيه دلالةٌ على أنَّه إذا نَعَسَ المصلِّي، أو غَلَبَهُ هَمٌّ، أو فَتَرَ عن الصلاة، أو اعتَرَاهُ كَسَلٌ أو ملالٌ؛ أنَّه يتركُ الصلاةَ إلى أنْ يثوبَ إليه نشاطُهُ.

وله أن يَفعلَ، كما رواه محمد بن سعد 1، عن عمرَ -رضي الله عنه- حيث قال: (117) أخبرنا عمرو بن عاصم، ثنا أبو هلال، عن محمد بن سيرين قال: كان عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- قد اعتَرَاهُ نسيانٌ في الصلاة، فجعل رجلاً خلفَهُ يُلقِّنُهُ، / (ق 48) فإذا أَومَأَ إليه أنْ يَسجدَ أو يَقومَ فَعَلَ.
وهذا إن صحَّ مع انقطاعه؛ فمحمولٌ على أنَّه عَرَضَ له حينًا من الدَّهر، ولعلَّه في أيام اليرموك، حين بعث إليه أبو عُبيدة بتألُّب جيوش الرُّوم على المسلمين، كما تقدَّم، والله أعلم.
(118) وكما علَّقه البخاري 2 عنه، حيث قال: وقال عمرُ: إنِّي لأجهِّز جيشي وأنا في الصلاةِ.

صلاة التراويح

(119) قال البخاري رحمه الله 1: ثنا عبد الله بن يوسف، أنا مالك 2، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِه».
قال ابن شهاب: تُوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والأمرُ على ذلك، ثم كان الأمرُ على ذلك 3 في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمرَ.
وعن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عَبدٍ القاري أنَّه قال: خَرَجتُ مع عمرَ بن الخطاب ليلةً في رمضانَ إلى المسجدِ، فإذا الناسُ أوزاعٌ مُتَفرِّقونَ، يُصلِّي الرَّجلُ لنفسِهِ، ويُصلِّي الرَّجلُ فيُصلِّي بصلاتِهِ الرَّهطُ، فقال عمرُ رضي الله عنه: إنِّي أرى لو جَمَعتُ هؤلاء على قارئٍ واحدٍ لكان أمثلَ، ثم عَزَمَ، فجَمَعَهُم علي أُبَي بن كعبٍ -رضي الله عنه-، ثم خَرَجتُ معه ليلةً أخرى، والناسُ يُصلُّون بصلاةِ قارئِهِم، فقال عمرُ: نعمَ البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضلُ من التي يقومون -يريدُ: آخرَ الليلِ-، وكان الناسُ يقومون أوَّلَهُ.
هكذا أتبع البخاري هذا الأثر عن عمرَ، موطِّئًا بحديث أبي هريرة قبله، وهو صنيع حسن رحمه الله.

طريق أخرى (120) قال أبو داود 1: ثنا شجاع بن مَخلد، ثنا هشيم، أنا يونس بن عبيد، عن الحسن 2: أنَّ عمرَ بن الخطاب جَمَعَ الناسَ على أُبَي بن كعب، فكان يُصلِّي بهم عشرينَ ليلةً، لا يَقنتُ إلا في النصفِ الباقي، فإذا كانت العشرُ الأواخرُ تخلَّف فصَلَّى في بيته، فكانوا يقولون: أَبَقَ أُبَي.
/ (ق 49) طريق أخرى (121) قال إمام الأئمَّة محمد بن إسحاق بن خزيمة 3: ثنا عبد الله بن أبي زياد القَطَواني، ثنا سيَّار بن حاتم، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا قَطَن بن

كعب القُطَعي، عن أبي إسحاق الهَمْداني قال: خَرَج عليُّ بن أبي طالب في أوَّل ليلةٍ في رمضانَ، فسَمِعَ القراءةَ في المساجد، ورأى القناديلَ تَزهَرُ 1، فقال: نَوَّر اللهُ لعمرَ بن الخطاب في قبرِهِ، كما نَوَّر مساجدَ اللهِ بالقرآنِ.
هذا منقطع بين أبي إسحاق وعليّ.
وقد رواه بِشر بن موسى، عن عبد الرحمن بن واقِد، عن عمرو بن جُمَيع، عن ليث، عن مجاهد، عن عليٍّ، مثله.
وهذا منقطع.
حديث آخر (122) قال أبو يعلى 2: ثنا أبو خالد 3، ثنا زياد، عن معاوية بن قُرَّة

قال: حدَّثني الثلاثة الرَّهط الذين سألوا عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- عن الصلاة في المسجد -يعني: التَّطوع-، فقال: سألتموني عمَّا سألتُ عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: قال: «الفريضةُ في المسجدِ -أو: المساجدِ- والتَّطوعُ في البيوتِ تُنوِّر» 1. وقد تقدَّم له طريق أخرى في الطهارة 2، وسيأتي له شاهد في موقف الإمام والمأموم 3. حديث آخر (123) قال الحافظ أبو يعلى 4: ثنا محمد بن إسحاق المُسيَّبي، ثنا عبد الله بن نافع، عن حماد بن أبي حميد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بَعْثاً قِبلَ نجد 5، فغنموا غنائمَ كثيرةً، ورَجَعوا، فأسرَعوا الرَّجعَةَ، فقال رجلٌ ممَّن لم يَخرج: ما رأيتُ بَعْثًا أسرعَ رَجعَةً، ولا أفضلَ غنيمةً من هذا البَعث! فقال النبيُّ

صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ أَدلُكُم على قومٍ أفضلَ غنيمةً، وأسرعَ رَجعَةً؟ قومٌ شَهِدوا صلاةَ الصبحِ، ثم جَلَسوا يَذكرون اللهَ حتى طَلَعتِ الشمسُ، فأولئك أسرعُ رَجعَةً، وأفضلُ غنيمةً».
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد هذا هو: محمد بن أبي حميد المدني، وهو ضعيف في الحديث 1، والله أعلم.

حديث في سجود التلاوة

(124) روى أبو بكر الإسماعيلي من حديث بقيَّة بن الوليد: حدثني عبد الحميد بن إبراهيم، عن غالب، عن ابن المسيّب، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأ أحدُكم القرآنَ فلا يَختَلِجِ 1 السجدةَ، يَقرأُ ما قبلَها وما بعدَها، فيُختَلَجُ الحقُّ من قلبِهِ».
هذا حديث غريب.
أثر عن عمر (125) قال البخاري 2: ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا هشام بن يوسف، أنَّ ابن جريج أَخبَرَهم قال: أخبرني أبو بكر ابن أبي مُلَيْكَة، عن عثمان بن عبد الرحمن التَّيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَير التَّيمي -قال أبو بكر: وكان ربيعةُ من خيارِ الناسِ-، عمَّا حَضَرَ ربيعةُ من عمرَ بن الخطاب، قرأ يومَ الجمعةِ على المنبرِ سورةَ النَّحلِ، حتى إذا جاء السجدةُ نَزَل فسَجَدَ، وسَجَدَ الناسُ، حتى إذا كانت الجمعةُ القابلةُ قرأ بها، حتى إذا جاء السجدةُ، قال: يا أيها الناسُ، إنا نَمرُّ بالسُّجودِ، فمَن سَجَدَ فقد أصابَ، ومَن لم يَسجُدْ فلا إثمَ عليه.
ولم يَسجُدْ عمرُ رضي الله عنه.
وزاد نافع، عن ابن عمرَ: إنَّ اللهَ لم يَفرضْ السُّجودَ إلا أنْ نشاءَ.
وهذا يدل على عدم وجوبه، لأنه لم يُنكره أحدٌ من الصحابة، فكان كالإجماع السُّكوتي.

(126) وفي «صحيح البخاري» 1: عن زيد بن ثابت: أنَّه قرأ النجمَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلم يَسجُدْ.
أثر آخر (127) قال الدارقطني 2: ثنا أبو بكر النَّيسابوري، ثنا يوسف بن سعيد بن مسلم، ثنا حجَّاج، عن ابن جريج، أنا عكرمة بن خالد: أنَّ سعيدَ بن جُبَير أَخبَرَه: أنَّه سَمِعَ ابنَ عباس يقول: رأيتُ عمرَ قَرَأَ على المنبرِ ﴿ص﴾، فنَزَل فسَجَدَ، ثم رَقَى على المنبرِ.
إسناد صحيح.

حديث يُذكر في سجود الشكر

(128) قال أبو بكر البزَّار 1: ثنا بِشر بن معاذ العَقَدي، ومحمد بن عبد الملك، وعبد الواحد بن غياث، قالوا: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار -قَهْرمان 2 دار الزُّبير-، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَن رأى مُبتلًى، فقال: الحمدُ للهِ الذي عافاني مما ابتلاكَ به، وفَضَّلني على كثيرٍ ممَّن خَلَقَ تفضيلاً؛ إلا عافاه اللهُ من ذلك البلاءِ، كائنًا ما كان، أبدًا ما عاش».
ورواه الترمذي في الدَّعوات 3، عن محمد بن عبد الله بن بَزيع، عن عبد الوارث بن سعيد، عن عمرو بن دينار، به، وقال: هو شيخ بصري، وليس هو بالقوي.
وقال البزَّار: لا يُتابَع عليه 4.

أثر فيمن ترك القراءة في الصلاة ناسيًا أنَّه لا تبطل صلاته، وأنَّه لا يسجد

وهو القول القديم عن الشافعيّ 1، وحجَّته: (129) ما رواه 2 عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمة: أنَّ عمرَ بن الخطاب صلَّى 3، فلم يَقرأْ 4، فقال لهم: كيف كان الركوعُ والسُّجودُ؟ قالوا: حَسَنًا.
قال: فلا بأسَ إذًا.

قال الشافعي: ولم يَذكر أنَّه سَجَدَ للسَّهو، ولم يُعدِ الصلاةَ، وإنما فعل ذلك بين ظَهْراني المهاجرين والأنصار.
قلت: وهو منقطع، أبو سَلَمة لم يُدرك عمر 1. سيأتي 2 في مسند ابن عمر من حديث يحيى بن المتوكِّل، عن إبراهيم بن يزيد، عن سالم، عن أبيه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأبا بكرٍ، وعمرَ -رضي الله عنهما- قالوا: لا يَقطَعُ صلاةَ المسلمِ شيءٌ، وادْرَأْ ما استطعتَ.
رواه الدارقطني 3.

حديث في سجود السَّهو

(130) قال الدارقطني 1: حدثنا علي بن الحسن بن هارون بن رستم السَقَطي، ثنا محمد بن سعيد أبو يحيى العطَّار، ثنا شبابة، ثنا خارجة بن مصعب، عن أبي الحسن المديني 2، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «ليس على مَن خلفَ الإمامِ سهوٌ، فإن سَهَا الإمامُ؛ فعليه وعلى مَن خلفَهُ السَّهوُ، وإنْ سَهَا مَن خلفَ الإمامِ؛ فليس عليه سهوٌ، والإمامُ كافِيْهِ».
هذا حديث لا يَثبت إسناده؛ لأنَّ خارجة بن مصعب الضُّبَعيِّ أبا الحجَّاج الخراساني السَّرَخسي تَرَكه الأئمَّة، كأحمد، وابن معين، ويحيى بن يحيى، وغيرهم، وكذَّبه ابن معين في رواية عنه 3، وأما شيخه أبو الحسن المديني فلا أعرفه 4.

قلت: وأقرب ما يُحمل هذا على أنَّه من فتاوى سالم، أو أبيه، والله أعلم.

حديث في النهي عن الصلاة في أوقات

(131) / (ق 50) قال الإمام أحمد 1: ثنا بهز، ثنا أبان، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس قال: شَهِدَ عندي رجال مَرْضيُّون، منهم: عمرُ، وأرضاهم عندي عمر: أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا صلاةَ بعد العصرِ حتى تَغرُبَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعد صلاةِ الصبحِ حتى تَطلُعَ الشمسُ».
أخرجه الجماعة في كتبهم 2 من طرق، عن قتادة، عن أبي العالية، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه الحافظ علي ابن المديني، عن خالد بن الحارث، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، به.
وقال: هذا حديث صحيح مثبت.
وقد حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة: قال: لم يَسْمع قتادة من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، هذا منها.
قال عليّ: ولولا ما قال شعبة كان هذا الحديث مضطَّربًا، وهو إسناد بصري، وقد روي في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح أحاديثٌ، ولا نحفظه عن عمرَ إلا من هذا الوجه.

قلت: قد روي هذا الحديثُ عن عمرَ من غير هذا الوجه: (132) فقال الإمام أحمد 1: ثنا سلمة 2 بن نافع الباهلي، ثنا صالح، عن الزهري، حدَّثني ربيعة بن درَّاج: أنَّ عليَّ بن أبي طالب سبَّح بعد العصر ركعتين في طريق مكةَ، فرآه عمرُ، فتَغيَّظَ عليه، ثم قال: أمَا واللهِ لقد عَلِمتَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها.
غريب من هذا الوجه، وربيعة بن درَّاج لا يُعرف إلا برواية الزهريِّ عنه، ولم يَذكره أبو حاتم 3.

طريق أخرى (133) ورواه أحمد 1، عن أبي المغيرة، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير، عن الحارث بن معاوية: أنَّه سأل عمرَ عن الركعتين بعد العصر، فقال: نهاني عنها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

طريق أخرى (134) قال الحافظ / (ق 51) أبو بكر الإسماعيلي: ثنا يحيى بن محمد الحِنَّائي، ثنا شيبان، ثنا حماد بن سَلَمة، عن الأسود بن قيس، عن عبد الله بن الحارث: أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ -رضي الله عنهما- كانا إذا دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة بادَرَا، أيهما يكون حيالَهُ، فصلَّى ذاتَ يومٍ، فلما فَرَغ قام رجلٌ يُصلِّي ركعتين بعد العصر، فقام إليه عمرُ -رضي الله عنه-، فأخذ بمنكبه، وقال: إنما هلك بنو إسرائيل أنَّه لم يكن لصلاتهم فَصْلٌ، النبيُّ صلى الله عليه وسلم 2، وقال: «صَدَق عمرُ» 3.

طريق أخرى (135) قال أحمد 1: ثنا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعي، ثنا عمرو بن شعيب 2، عن عبد الله بن عمرو، عن عمر: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاةَ بعد صلاةِ الصبحِ إلى طلوعِ الشمسِ، ولا بعدَ العصرِ حتى تَغيبَ الشمسُ».
فهذه طرق مقوِّية للحديث من أصله، مع أنَّه قد اختاره صاحبا «الصحيح»، فجاز القنطرة.
وسيأتي 3 من طريق أخرى في حديث موقف الإمام والمأموم.

وقد رواه أحمد بن مَنيع في «مسنده» بلفظ آخر، فقال: (136) ثنا هشيم، أنا منصور بن زَاذَان، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن عمرَ قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الليل أَسمع؟ قال: «جوف الليل الآخر، فصّلِّ ما شئتَ، فإن الصلاةَ مشهودةٌ مكتوبةٌ حتى تُصلِّيَ الصبحَ، ثم اقصُر عن الصلاةِ حتى تطلُعَ الشمسُ، فتَرتفعُ قِيسَ رُمحٍ 1 أو رُمحين، فإنها تطلُعُ بين قَرني شيطانٍ، ثم صَلِّ حتى يَعدِلَ الرُمحُ ظِلَّه ثم اقصُر، فإنَّ جَهنَّمَ تُسَجَّرُ أو تُفتَّحُ أَبوابُها، فإذا زاغتِ / (ق 52) الشمسُ فصَلِّ العصرَ، ثم اقصُر حتى تَغرُبَ الشمسُ، فإنها تَغرُبُ بين قَرني شيطانٍ، ويُصلِّي لها الكفارُ».
إسناده جيد، وهو غريب من هذا الوجه.
أثر في ذلك (137) قال يعقوب بن سفيان 2: ثنا عيسى بن هلال السِّلَيحي، عن أبي حَيوة شُريح بن يزيد، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عروة -يعني: ابن الزُّبير-، قال: كنتُ غلامًا لي ذؤابتان 3، فقمتُ أركع ركعتين بعد العصر، فبَصُرَ بي عمرُ بن الخطاب ومعه الدِّرَّة، فلمَّا رأيتُهُ فَرَرتُ منه، فأَحضَرَ في طلبي، حتى تعلَّق بذؤابتي، قال: فنهاني.
فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، لا أَعودُ.
هذا غريب جدًّا، فإنَّ عروة لم يُدرك أيام عمر، ولا وُلِدَ في حياته،

فلهذا قال شيخنا 1: هذا وَهْم، والأشبه أنَّ هذا جرى لأخيه عبد الله، وإنما سقط اسمه على بعض الرواة 2.

حديث في فضل الجماعة

(138) قال الحافظ أبو يعلى 1: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن عُمارة بن غَزية، عن أنس، عن عمرَ -رضي الله عنه-، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَن صلَّى أربعينَ ليلةً لا تفوتُهُ الركعةُ الأُولى من صلاةِ العشاءِ، كُتِبَ له بها عِتقٌ من النارِ».
ورواه ابن ماجه 2، عن عثمان بن أبي شيبة، به، ولفظه: «مَن صَلَّى في مسجدٍ جماعةً أَربعينَ ليلةً ...». الحديث.
ورجاله ثقات، إلا أنَّ عُمارة بن غَزية مدني، وإسماعيل بن عيَّاش إذا روى عن غير الشَّاميين فإنَّه ضعيف عند الجمهور 3، ولكن هذا في باب

الرغائب مقبول 1، والله أعلم.
حديث آخر (139) قال الهيثم بن كُلَيب الشاشي في «مسنده» 2: ثنا شعيب بن الليث، ثنا يعقوب بن حميد بن كَاسِب، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن أبي

بكر بن نافع، عن أبيه، عن صفية بنت أبي عُبيد: أنها سَمِعتْ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- على المنبرِ يقول: سَمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن أَتى عَرَّافًا لم تُقبَل له صلاةٌ أربعينَ ليلةً».
ثم رواه الهيثم، عن عباس الدُّوري، عن إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزُّبير، عن الدَّرَاوَردي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن أبيه، عن صفية، عن عمرَ، به.
واختاره / (ق 53) الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه المستخرَج 1. وقال علي ابن المديني: هذا حديث ضعيف الإسناد من طريق أبي بكر بن نافع، عن نافع، عن صفية، عن عمرَ، وإنما رواه نافع 2، عن صفية، عن بعض أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
كذلك حدَّثناه يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، به.
قال: وهذا هو الصحيح.
(140) قد روى البخاري 3: أنَّ أميرَ المؤمنين عمرَ -رضي الله عنه- لما طَعَنَهُ أبو لؤلؤةَ وهو قائمٌ يُصلِّي بالناس أَخَذَ بيد عبد الرحمن بن عوف فقَدَّمَهُ، فأتمَّ الصلاةَ.

واشتَهَر هذا وذاع، ولم يُنكره أحدٌ، فدلَّ على جوازه، وسيأتي هذا الحديث مطوَّلاً في مقتل عمرَ -رضي الله عنه-، في آخر «سيرته وأيامه» 1. حديث آخر (141) قال الإمام أحمد 2: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمرَ قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسمُرُ عند أبي بكر الليلةَ كذلك في الأمرِ من أمورِ المسلمين وأنا معه.
ورواه الترمذي 3، عن أحمد بن مَنيع.
والنسائي 4، عن إسحاق بن إبراهيم.
كلاهما عن أبي معاوية، به.
وقد رواه علي ابن المديني، عن أبي معاوية وغيره، عن الأعمش، به، وعلَّله.
وقد تقدَّم في «مسند الصِّديق».
(142) وقال حماد بن سَلَمة: عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: جَدَبَ لنا عمرُ بن الخطاب السَّمَرَ بعد العشاءِ 5.

ففي هذا دليلٌ على جواز السَّمَر في الخير بعد صلاة العشاء، فأما في غيره؛ فلا، لما جاء في «الصحيح» 1: أنَّه عليه السلام كان يَكره النومَ قبلَها، والحديثَ بعدَها.
(143) وفي «المسند» 2 عن شدَّاد بن أوس مرفوعًا: «مَن قَرَض بيتَ شِعرٍ بعدَ العشاءِ، فلا صلاةَ له».

/ (ق 54)

حديث في موقف الإمام والمأموم

(144) قال الإمام أحمد 1: ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، ثنا عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير، عن الحارث بن معاوية الكندي: أنَّه رَكِبَ إلى عمرَ بن الخطاب يسألُهُ عن ثلاثِ خلالٍ، قال: فقَدِمَ المدينةَ، فسأله عمَّا أقدَمَك؟ 2، قال: لأَسألَك عن ثلاث، قال: وما هنَّ؟ قال: ربما كنتُ أنا والمرأة في بناءٍ ضيِّقٍ، فتَحضرُ الصلاةُ، فإنْ صلَّيتُ أنا وهي كانت بحذائي، وإنْ صلَّتْ خلفي خَرَجَتْ من البناء؟ فقال عمرُ: تَستُر بينك وبينها بثوب، ثم تصلِّي بحذائك إنْ شئتَ.
وعن الركعتين بعد العصر؟ فقال: نهاني عنهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وعن القصص، فإنهَّم أرادوني على القصص؟ قال: ما شئتَ -كأنَّه كان كره أن يمنعَهُ-.
قال: إنما أردتُ أن أنتهي إلى قولك.
قال: أخشى عليك أن تَقُصَّ فتَرتفعَ عليهم في نفسك، ثم تَقُصُّ فتَرتفعَ، حتى يُخيَّلَ إليك أنك فوقَهم بمنزلة الثُّرَيَّا، فيَضَعكَ اللهُ عزَّ وجلَّ تحتَ أقدامِهِم يومَ القيامةِ بقدرِ ذلك.
إسناده شامي حسن، وقد تقدَّم له شواهد 3. واختاره الحافظ الضياء 4 من هذا الوجه.

حديث في قصر الصلاة

(145) قال الإمام أحمد 1: ثنا ابن إدريس، ثنا ابن جريج، عن ابن أبي عمَّار، عن عبد الله بن بابَيْه، عن / (ق 55) يَعلى بن أُميَّة قال: سألتُ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه-، قلت: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 2، وقد أَمِنَ الناس؟ 3 فقال لي عمر: عَجِبتُ مما عَجِبتَ منه، فسألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «صدقةٌ، تصدَّقَ اللهُ بها عليكُم، فاقبَلُوا صدقتَه».
ورواه مسلم 4، وابن ماجه 5 من حديث عبد الله بن إدريس، به.
ورواه مسلم -أيضًا- 6، عن محمد بن أبي بكر المُقدَّمي، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، به.
ورواه أبو داود 7، عن أحمد بن حنبل 8 ومُسدَّد.
كلاهما عن يحيى بن سعيد -وهو: القطَّان- عن ابن جريج، به.
وعن أحمد، عن عبد الرزاق 9، ومحمد بن بكر.
كلاهما عن ابن جريج، به.

وأخرجه الترمذي 1، والنسائي 2 من حديث ابن جريج، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد رواه علي ابن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، به، وقال: صحيح من حديث عمر، ولا يُحفظ إلا من هذا الوجه، ورجاله معروفون، ثم تكلَّم عليهم واحدًا واحدًا.
قلت: ابن أبي عمَّار هذا: اسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمَّار كان أحدَ الثقاتِ النبلاءِ 3، وكان يقال له: القَسّ؛ لكثرة عبادته وتنسُّكه.
حديث آخر (146) قال الإمام أحمد 4: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة: سَمِعتُ يزيد بن خمير يحدِّث عن حبيب بن عُبيد، عن جُبَير بن نُفَير، عن ابن السِّمط: أنَّه أتى أرضًا، يقال لها: دَومين -من حمص على ثمانيةَ عشرَ / (ق 56) ميلاً، فصلَّى ركعتين، فقلتُ له: أتصلِّي ركعتين؟ فقال: رأيتُ عمرَ بن الخطاب بذي الحليفة يصلِّي ركعتين، فسألتُهُ، فقال: إنما أفعلُ كما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفعلُ.
ورواه مسلم 5، عن محمد بن مثنَّى، عن غُندَر.
وعن زُهَير بن حرب وبُندَار.
كلاهما عن ابن مهدي.

والنسائي 1 عن إسحاق بن إبراهيم، عن النَّضر بن شُمَيل.
ثلاثتهم عن شعبة، به.
ورواه علي ابن المديني، عن غُندَر، عن شعبة، وقال: هذا من صالح حديث أهل الشَّام.
قلت: وابن السِّمط هذا هو: شُرَحبيل بن السِّمط الكندي، وهو صحابي أيضًا 2. حديث آخر (147) قال أحمد 3: ثنا وكيع، وسفيان 4، وعبد الرحمن، ثنا سفيان 5، عن زُبيد الإيَامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمرَ -رضي الله عنه- قال: صلاةُ السَّفرِ ركعتان، وصلاةُ الأضحى ركعتان، وصلاةُ الفطرِ ركعتان، وصلاةُ الجمعةِ ركعتان، تمامٌ غيرُ قصرٍ، على لسانِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
ورواه النسائي 6، وابن ماجه 7 من حديث شريك القاضي.
والنسائي -أيضًا- 8 من حديث سفيان الثوري، وشعبة.

ثلاثتهم عن زُبَيد الإيَامي، به.
وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» 1، عن أبي يعلى 2، عن أبي خيثمة، ثنا وكيع، عن سفيان الثوري، به.
ورواه ابن ماجه -أيضًا- 3، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير، عن محمد بن بِشر، عن يزيد بن زياد بن أبي الجَعْد، عن زُبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن عمرَ بن الخطاب، به.
وهذا أشبه بالصواب، فإن عبَّاسًا / (ق 57) الدُّوري قال 4: سُئل يحيى بن معين، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر؟ قال: لم يره.
فقلت له: الحديث الذي يُروى عنه قال: كنَّا مع عمر نتراءى الهلال؟ فقال: ليس بشيء.
وقال أبو حاتم الرازي 5: لا يصحُّ له سماع من عمر.
وقال النسائي 6: لم يَسْمعه من عمر.
ويؤيِّد ما قاله النسائي: ما رواه الحافظ أبو يعلى 7، عن القَوَاريري، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن زُبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الثقة، عن عمر، فذَكَر هذا الحديث.

وأما مسلم بن الحجَّاج فأثبت سماع ابن أبي ليلى من عمر في مقدمة كتابه «الصحيح» 1، فقال: وأسند عبد الرحمن بن ليلى 2، وحفظ عن عمر.
ويؤيِّد ما ذهب إليه: (148) ما رواه الهيثم بن كُلَيب في «مسنده» 3 حيث قال: ثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، عن يزيد بن هارون، عن سفيان الثوري، عن زُبيد، عن عبد الرحمن بن ليلى 4 قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب ... ، فذَكَره.
لكن قال الدارقطني 5: لم يُتابَع يزيد بن هارون على قوله: سَمِعتُ عمرَ.
قلت: يزيد بن هارون أحد أئمَّة الإسلام فيُقبل تفرُّده 6.

وسماع عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر قد ثبت في غير هذا الحديث: (149) كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 1:

ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سَمِعتُ أبي، ثنا الحسين بن واقِد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت: أنَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى حدَّثه قال: خَرَجتُ مع عمرَ إلى مكةَ، قال: فاستَقبَلَنا أميرُ مكةَ نافعُ بن علقمة، فقال له عمرُ: مَن استَخلفتَ / (ق 58) على مكةَ؟ فقال: ابنُ أَبزَى ... ، وذَكَر الحديث، كما سيأتي في تفسير المجادلة 2. وهذا صريح في ذلك 3، وقد أُثبت سماعُ جماعة من الصحابة بدون هذا، والله أعلم.

جارٍ التحميل