ِّ
قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية 1.
ذِكر بيان أنَّ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه هو أوَّل من وَضَع التاريخَ، وجعله منوطًا بالأهلَّة الهجرية، ووافقه على ذلك الصحابةُ / (ق 116) رضوان الله عليهم.
(290) قال الإمام أحمد 2:
ثنا خالد بن حيَّان، ثنا فُرَات بن سلمان، عن ميمون بن مِهران قال: رُفِعَ إلى عمرَ -رضي الله عنه- صَكٌّ 3 مَحَلُّه في شعبان،
فقال عمرُ: أيُّ شعبانٍ؟ هذا الذي مَضَى، أو الذي هو آتٍ، أو الذي نحن فيه؟ ثم جَمَع أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: ضَعُوا للناس شيئًا يَعرفونه.
فقال قائلٌ: اكتُبُوا على تاريخِ الرُّومِ.
فقيل: إنَّه يَطولُ، وإنهم يَكتبون من عند ذي القَرنين.
وقال قائلٌ: اكتُبُوا تاريخَ الفُرْسِ، كُلَّما قام مَلِكٌ طَرَح ما كان قبلَه 1. فاجتَمَع رأيُهُم على أن يَنظُرُوا: كم أقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة؟ فوَجَدوه أقامَ بها عشرَ سنينَ، فكَتَب أو كُتِبَ التاريخُ على هجرةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
(291) وقال حنبل بن إسحاق 2:
ثنا هارون بن معروف، ثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني عثمان بن عبيد الله قال: سَمِعتُ سعيدَ
بن المسيّب قال: جَمَع عمرُ بن الخطاب المهاجرينَ والأنصارَ، فقال: متى نكتبُ التاريخَ؟ فقال عليُّ بن أبي طالب: منذُ خَرَج النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أرض الشِّرك.
يعني: من يوم هاجَرَ.
قال: فكَتَب ذلك عمرُ بن الخطاب.
(292) قال حنبل 1: وحدثني أبي -إسحاق-، ثنا محمد بن عمر، ثنا ابن أبي سَبِرَة، عن عثمان بن عبد الله 2 بن رافع، عن ابن المسيّب قال: أوَّلُ مَن كَتَب التاريخَ عمرُ لسنتين ونصفٍ من خلافته، فكُتِبَ لستَّ عشرةَ من الهجرة بمشورةٍ من عليِّ بن أبي طالب.
(293) / (ق 117) قال محمد بن عمر -وهو: الواقدي- 3: وحدثنا ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، قال: استشار عمرُ في التاريخ، فأَجمَعوا على الهجرة.
أثر عن عمر في وجوب الحج
ِّ
(294) قال الإمام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي رحمه الله: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، قال: حدثني عبد الرحمن بن غَنم، سَمِعَ عمرَ بن الخطاب يقول: مَن أطاق الحجَّ فلم يحجَّ، فسواءٌ عليه يهوديًا مات أو نصرانيًا.
رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في «مسند عمر» من حديث الأوزاعي 1. وهو إسناد صحيح عنه.
وقد روي من وجوه أخر مرفوعًا 2،
والله أعلم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ومنها: ما أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 17) والبزَّار في «مسنده» (3/ 87 رقم 861) والعقيلي (4/ 348) وابن عدي (7/ 120) من طريق هلال بن عبد الله مولى ربيعة، عن أبي إسحاق الهَمْداني، عن الحارث الأعور، عن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن ملك زادًا وراحلةً تُبلِّغه إلى بيتِ اللهِ، ولم يحجَّ؛ فلا عليه أنْ يموتَ يهوديًا أو نصرانيًا».
قلت: وهذا منكر -أيضًا-، قال ابن عدي: ليس الحديث بمحفوظ.
وقال العقيلي: لا يُتابَع عليه، وهذا يُروى عن عليٍّ موقوفًا، ويُروى مرفوعًا من طريق أصلح من هذا.
وعدَّه الذهبي من مناكير هلال بن عبد الله.
انظر: «الميزان» (4/ 315).
وقد قال ابن الملقِّن في «خلاصة البدر المنير» (1/ 344): قال الدارقطني والعقيلي: لا يصحُّ في هذا الباب شيء.
وقال في «البدر المنير» (6/ 29): وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث الذي ورد فيه ذِكر الزاد والراحلة، وليس بمتصل؛ لأن الصحيح من الروايات رواية الحسن البصريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وقال الطبري في «تفسيره» (4/ 18): الأخبار التي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بأنه الزَّاد والراحلة، فإنها أخبار في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدِّين.
وقال ابن دقيق العيد: وليس فيها إسناد يحتج به.
«نصب الراية» (3/ 10).
وقال المؤلِّف في «تفسيره» (1/ 386): وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى، من حديث أنس، وعبد الله بن عباس، وابن مسعود، وعائشة، كلُّها مرفوعة، ولكن في أسانيدها مقال.
وضعَّف الشيخ الألباني في «الإرواء» (4/ 160 - 167) طرقه كلَّها، ثم قال: ويظهر أن ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لم يُعط هذه الأحاديثَ والطرقَ حقَّها من النظر والنقد، فقال في «شرح العمدة» [1/ 129 - كتاب الحج] بعد سرده إياها: «فهذه الأحاديث مسنَدَة من طرق حسان، ومرسلة، وموقوفة، تدل على أن مناط الوجوب الزاد والراحلة ... «، فإنه ليس في تلك الطرق ما هو حسن، بل ولا ضعيف منجبر، فتنبَّه.
وانظر: «علل الدارقطني» (5/ق 156/ب).
أثر آخر
(295) قال محمد بن إسماعيل البصلاني: أنا محمد بن يحيى القُطَعي، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة قال: ذُكِر لنا أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: لقد هَمَمتُ أنْ أَبعثَ إلى الأمصارِ، فلا يُوجدُ رجلٌ قد بَلَغ سنًّا، وله سَعَةٌ ولم يحجَّ؛ إلا ضَرَبتُ عليه الجزيةَ، والله ما أولئكَ بمسلمينَ.
والله ما أولئكَ بمسلمينَ.
ورواه سعيد في «سننه».
هذا منقطع بين قتادة وعمر رضي الله عنه.
أثر آخر
(296) قال الدارقطني 1: ثنا أبو محمد ابن صاعد، ثنا أبو عبيد 2 المخزومي، ثنا هشام بن سليمان وعبد المجيد، عن ابن جريج 3 قال: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثل قول عمر بن الخطاب: السَّبيلُ: الزَّادُ والراحلةُ.
وقد رواه ابن ماجه في «سننه» 4 من حديث ابن جريج، حدَّثنيه عمر
بن عطاء، -وهو: ابن وَرَاز، وهو ضعيف-، عن عكرمة، عن ابن عباس، فرَفَعه.
وسيأتي 1 الكلام على ذلك في مسند ابن عباس إن شاء الله.
أثر آخر
(297) قال أبو عبيد 2:
ثنا يحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون، عن سَلِيم 3 بن حيَّان، عن موسى بن قطن، عن أُميَّة بن مُحرِز 4، عن عمرَ أنَّه قال: حجُّوا بالذُّريَّة، لا تأكلوا أرزاقَها، وتَذَرُوا أربَاقَهَا في أعناقِها.
قال أبو عبيد: قلت ليحيى: ما وجه هذا الحديث؟ فقال: لا أعرفه.
فقلت: إنَّه لم يُرد بالذُّريَّة الصبيانَ، وإنما أراد النساءَ، كما في الحديث: أنَّه رأى امرأةً مقتولةً، فقال: «مُرُوا خالدًا: ألا يَقتُلَ ذُرِيَّةً ولا عَسِيفًا» 5.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = 8626) وابن ماجه (2842) في الجهاد، باب الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان، وأحمد (3/ 488) و (4/ 179، 346) وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (5/ 221 رقم 2751) والروياني في «مسنده» (2/ 440 رقم 1464) وأبو يعلى (3/ 115 رقم 1546) -وعنه: ابن حبان (11/ 110 رقم 4789 - الإحسان) - والطبري في «تهذيب الآثار» (ص 562 رقم 1032 - القسم المفرد) والحاكم (2/ 122) من طريق المرقَّع بن صيفي، عن جدِّه رباح بن الربيع قال: كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررنا على امرأة مقتولة، قد اجتمع عليها الناس، فأفرَجوا له، فقال: «ما كانت هذه تقاتل فيمن يُقاتِلُ!»، ثم قال لرجل: «انطلِق إلى خالد بن الوليد، فقل له: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يأمركَ، يقول: لا تقتلنَّ ذريَّة ولا عَسِيفًا».
ورواه عن المرقِّع بن صيفي جماعة، وهم: عمرو بن المرقِّع، وأبو الزِّناد، وموسى بن عُقبة.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
ووافقه الذهبي.
وتعقَّبهما الشيخ الألباني، فقال في «السلسلة الصحيحة» (2/ 314): كلاَّ، بل هو صحيح فقط، المرقَّع بن صيفي لم يرو له الشيخان شيئًا، وهو ثقة.
اهـ.
وصحَّح إسناده البوصيري في «مصباح الزجاجة «(3/ 172).
وحسَّنه ابن الملقن في «البدر المنير» (9/ 80).
وقال البيهقي في «معرفة السُّنن والآثار» (13/ 252): وهذا إسناد لا بأس به، إلا أن الشافعيَّ قال: لست أعرف مرقِّع هذا.
وكذا ردّه ابن حزم في «المحلى» (7/ 298) وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (5/ 80) لجهالة مرقِّع.
قلت: المرقِّع بن صَيفي ذكره ابن حبان في «الثقات» (5/ 460) وقال: يروي عن ابن عباس وأبي ذرّ، وكان شاعرًا، روى عنه أبو الزِّناد، وموسى بن عُقبة، وابنه عمر بن المرقِّع.
وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (9/ 83): ولك أن تقول: قد روى عنه جماعة، وسَمِعَ ابن عباس ورباحًا، ووثِّق كما سلف، وخرَّج ابن حبان والحاكم له في «صحيحيهما «، وصحَّحا حديثه، فهو إذًا معروف الحال.
=
قال: والأرباق: هي التي تُوضَع في أعناق الأسارى.
قال زُهَير:
أَشَمُّ أبيضُ فيَّاضٌ يُفَكِّكُ عن ... أيدي العُناةِ وعن أعناقِها الرِّبقَاَ = ووثَّقه الذهبي في «الكاشف».
وقال الحافظ في «التقريب»: صدوق.
وقال في «تهذيب التهذيب» (10/ 88) متعقبًا على ابن حزم: وهو من إطلاقاته المردودة.
والعَسيف: الأَجير، وقيل: الشيخ الفاني، وقيل: العَبد.
«النهاية» (3/ 236).
وقال السِّندي في حاشيته على «سنن ابن ماجه» (3/ 381 - ط دار المعرفة): وكأن المراد الأجير على حفظ الدواب ونحوه، لا الأجير على القتال.
وقد أخرج البخاري (6/ 148 رقم 3014، 3015 - فتح) في الجهاد، باب قتل الصبيان في الحرب، وباب قتل النساء في الحرب، ومسلم (1744) في الجهاد، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ امرأةً وُجِدَت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولةً، فأَنكَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قتلَ النساءِ والصبيانِ.
قال النووي في «شرح صحيح مسلم» (12/ 48): أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتِلوا، فإن قاتَلوا؛ قال جماهير العلماء: يُقتلون.
حديث في فرضية الحجِّ والعمرة
(298) قال الإمام أحمد رحمه الله 1: ثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، يحدِّث عن عمر، يَبلُغُ به -وقال سفيان مرَّة: عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال-: «تَابِعوا بين الحجِّ والعمرةِ، فإنَّ مُتابَعةً بينهما يَنفِيانِ الفقرَ والذنوبَ، كما يَنفِي الكِيرُ الخَبَثَ».
وهكذا رواه ابن ماجه 2، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان / (ق 119) -وهو: ابن عيينة-، به.
ورواه الحافظ أبو يعلى 3، عن القَوَاريري، وأبي خيثمة، عن سفيان بن عيينة، به.
وقد رواه ابن ماجه -أيضًا- 4، عن ابن أبي شيبة، عن محمد بن بِشر، عن عبيد الله بن عمر، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر، به.
ورواه علي ابن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم -قال سفيان: مرَّة كان يقول:- عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر! ومرَّة: عن عبد الله بن عامر، عن عمر، ولا يقول: «عن أبيه».
وزاد فيه مرَّة: «ويَزيدانِ في العمرِ».
وضعَّفه سفيان جدًّا.
قال ابن المديني: وعاصم بن عبيد الله: ضعيف.
قلت: عاصم بن عبيد الله هذا هو: العُمَري، وهو ضعيف جدًّا، وقد اختلفوا عليه في هذا الحديث، كما قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني رحمه الله 1: روى هذا الحديث زُهَير، وابن نُمَير، وعَبدة بن سليمان، وأبو حفص الأبَّار، وأبو بدر، ومحمد بن بِشر، كلُّهم عن عبيد الله بن عمر، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب، به.
وخالَفَهم علي بن مُسْهِر، وأبو أسامة، ويحيى بن سعيد، فرَوَوه عن عبيد الله بن عمر، لم يَذكروا في الإسناد: «عن أبيه».
ورواه سفيان بن عيينة فجوَّد إسنادَه، وبيَّن أن عاصمًا كان يضطَّرب فيه، فمرَّة يُنقص من إسناده رجلاً، ومرَّة يزيد فيه، ومرَّة يَقِفه على عمر.
قال ابن عيينة: وأكثر ذلك كان يقوله: «عن عبد الله بن عامر، عن أبيه، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم».
قال الدارقطني: وعاصم بن عبيد الله: ليس بحافظ.
ثم أَطنَبَ الدراقطنيُّ / (ق 119) في تعليله هذا الحديث، وقد ذَكَرنا من كلامه ما فيه كفاية إن شاء الله، وبه الثقة 2.
أثر في فضل الحجِّ والعمرة والجهاد
(299) قال أبو عبيد 1:
ثنا ابن عُليَّة، عن إسحاق بن سُوَيد، عن حُرَيث بن الربيع -وهو أخو حُجَير بن الرَّبيع-، عن عمرَ أنَّه قال: كَذَب عليكم الحجُّ، كَذَب عليكم العمرةُ، كَذَب عليكم الجهادُ، ثلاثةُ أسفارٍ كَذَبنَ عليكم.
قال ابن عُليَّة: قال إسحاق بن سُوَيد: العرب تقول للمريض: كَذَب عليك العسلُ، كَذَب عليك كذا وكذا، أي: عليك به.
وكذلك حكى أبو عبيد عن الأصمعي: أنَّ معناه: الإغراء.
أثر في استحباب الحجِّ عامًا والغزو عامًا
(300) قال أبو عبيد 1: ثنا يحيى بن سعيد، عن ثابت بن يزيد الأودي، عن عمرو بن ميمون، عن عمر أنَّه قال: حَجَّةٌ ههنا، ثم احْدِجْ ههنا، حتى تَفْنَى.
قال أبو عبيد: قوله: ثم احْدِجْ ههنا: يعني: إلى الغزو، والحَدْجُ: شدُّ الأحمالِ وغيرُها، أَحْدِجُها حَدْجًا.
قال طَرَفَة:
كأنَّ حُدوجَ المالِكِيَّة غُدْوَةً ... خَلايَا سَفينِ بالنَّواصفِ من دَد
قال أبو عبيد: والذي يراد من هذا الحديث أنَّه فضَّل الغزو بعد حجَّة الإسلام على الحجِّ، ولهذا قال: حتى تَفْنَى: أي: تَهرِمَ.
وهذا الذي قاله أبو عبيد -رحمه الله- أَظهر ممَّا ترجمت به الأثر، وإن كان ذاك محتملاً، والله أعلم.
حديث في جواز الحُدَاء في السَّفر من حجٍّ وغيره
(301) قال الإمام محمد بن عبد الرحمن المخلِّص: ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا محمد بن يحيى بن كثير الحرَّاني بها، ثنا محمد بن موسى بن أَعْين، ثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: قال عمرُ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة: «لو حَرَّكتَ بنا الرِّكابَ».
فقال: لقد تَرَكتُ قولي.
فقال له عمر: اسمَعْ وأَطِعْ.
فقال:
اللهمَّ لولا أنت ما اهْتَدَينا ... ولا تَصدَّقنا ولا صَلَيْنا
فأَنْزِلَنْ سكينةَ علينا ... وثبِّتِ الأقدامَ إن لاَقَيْنا
فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ ارْحَمْهُ».
فقال عمرُ: وجَبَتْ.
ورواه النسائي 1، عن محمد بن يحيى بن كثير الحرَّاني، به.
واختاره الضياء في كتابه 2.
أثر في ذلك عن عمر
(302) قال الإمام أحمد 1:
ثنا أبو النَّضر، ثنا شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر قال: سَمِعَ عمرُ -رضي الله عنه- صوتَ ابن المُغتَرِف الحادي في جوف الليل، ونحن منطلقون إلى مكةَ، فأَوْضَعَ عمرُ راحلتَهُ حتى دخل مع القوم، فإذا هو مع عبد الرحمن -يعني: ابن عوف-، فلما طلع الفجرُ، قال عمرُ: الآن اسْكُتْ، الآن قد طلع الفجرُ، اذكروا اللهَ.
أثر آخر
(303) قال أبو عبد الله ابن بطَّة رحمه الله: ثنا ابن أبي العقب، ثنا أبو زرعة، أنا ابن أبي مريم، أنا أسامة بن زيد، عن أبيه، / (ق 120) عن
جدِّه قال: خَرَجنا مع عمرَ للحجِّ، فسَمِعَ رجلاً يغنِّي، فقيل: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ هذا يغنِّي، وهو مُحرِمٌ! فقال: دَعُوهُ، فإنَّ الغناءَ زادُ الراكبِ 1.
أسامة بن زيد بن أسلم قد تكلَّموا فيه.
أثر آخر
(304) قال يعقوب بن سفيان 2:
ثنا ابن بَشَّار، ثنا محمد بن عبد الله بن الزُّبير، ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: كان عمرُ ينهى أن يُعرِّضَ الحادِي بذِكرِ النساءِ، وهو مُحرِمٌ.
هذا منقطع.34
أثر في قلة الكلفة في طريق الحج
(305) قال محمد بن إسحاق بن خزيمة 1: ثنا أحمد بن عَبدة، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: خَرَجت مع عمرَ بن الخطاب حاجًّا إلى أن رَجَعنا، فما ضَرَبَ فُسْطاطًا 2 ولاخِباءً، كان يُلقِي الكساءَ والنِّطعَ على الشجرةِ، فيَستَظِلُّ به.
إسناده صحيح.
أثر آخر في خروج المرأة في الحجِّ مع من تأمن معه على نفسها
(306) قال البخاري 1: قال لي أحمد بن محمد: ثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدِّه قال: أَذِنَ عمرُ -رضي الله عنه- لأزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في آخرِ حجَّةٍ حجَّها، فبَعَثَ معهنَّ عثمانَ بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما.
هذا يُعدُّ من تعليقات البخاري الجيِّدة القوية 2.
وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ففيه انقطاع بين إبراهيم بن عبد الرحمن وبين عمر 1، اللهمَّ إلا أن يقال: إنَّه سَمِعَه من أبيه، وهذا هو الظاهر, ولهذا اختاره البخاري من تعليقات كتابه «الصحيح».
/ (ق 121) أثر آخر
(307) قال الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي: أنا سعد الخير بن محمد الأنصاري، أنا طُرَاد بن محمد، أنا ابن رَزقويه، أنا محمد بن يحيى بن عمر، ثنا علي بن حرب 2
قال: ثنا سفيان بن عيينة،
عن حميد الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيّب قال: رَدَّ عمرُ بن الخطاب نسوةً من البَيداءِ خَرَجنَ مُحرِمَاتٍ في عِدَّتِهِنَّ.
حديث في المواقيت
(308) قال البخاري 1: ثنا علي بن مسلم، ثنا عبد الله بن نُمَير، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: لما فُتِحَ هذان المِصْران 2 أَتَوا عمرَ، قالوا: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حَدَّ لأهلِ نجدٍ قَرْنًا 3، وهو جَوْرٌ عن طريقنا، وإنَّا إنْ أَرَدْنا قَرْنًا شَقَّ علينا.
قال: فانظُرُوا حَذْوَهَا من طريقكم، فحَدَّ لهم ذاتَ عِرْقٍ 4.
تفرَّد به البخاري.
وهو في «صحيح مسلم» 5 عن جابر، كالمرفوع 6:
أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حَدَّ لأهلِ العراقِ ذاتَ عِرْقٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقد رواه غير ابن جريج فرفعه، فأخرجه أحمد (3/ 336) من طريق الحسن بن موسى.
والبيهقي (5/ 27) من طريق ابن وهب.
كلاهما (الحسن، وابن وهب) عن ابن لَهِيعة، عن أبي الزُّبير، عن جابر، مرفوعًا، دون شكٍّ.
وهذا إسناد ضعيف؛ لتدليس أبي الزُّبير، وضعف ابن لَهِيعة.
وأخرجه ابن ماجه (2/ 972 رقم 2915) في المناسك، باب مواقيت أهل الآفاق، من طريق إبراهيم بن يزيد (وهو: الخُوزي) عن أبي الزُّبير، به، مرفوعًا!
وهذا إسناد تالف، الخُوزي: متروك الحديث، وقد قال البيهقي عقب روايته: كذا قاله عبد الله بن لَهِيعة، وكذلك قيل: عن ابن أبي الزِّناد، عن موسى بن عُقبة، عن أبي الزُّبير.
والصحيح: رواية ابن جريج.
وهذه الروايات لا عبرة بها، لما فيها من الضعف.
وقد حسَّن محقِّقو «مسند الإمام أحمد» (22/ 459 رقم 14615 - ط مؤسسة الرسالة) رواية ابن لَهِيعة، لمجيئها من طريق ابن وهب، لكن لم يتنبهوا لعنعنة أبي الزُّبير، ومخالفة ابن لَهِيعة لابن جريج، ولم يعرِّجوا على كلام الإمام البيهقي في إعلاله لرواية ابن لَهِيعة مع اطلاعهم عليه!
وله طريق أخرى عن جابر، يرويها الحجَّاج بن أرطاة، ومع ضَعفه؛ فقد اضطَّرب فيها:
فمرة قال: عن عطاء، عن جابر.
وعن أبي الزُّبير، عن جابر.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، مرفوعًا!
انظر: «مسند أحمد» (2/ 181 رقم 6697) و «سنن الدارقطني» (2/ 236) و «سنن البيهقي» (5/ 28).
ومرة قال: عن عطاء، عن جرير بن عبد الله البَجَلي، مرفوعًا! وروايته عند إسحاق بن راهويه في «مسنده»، كما في «نصب الراية» (3/ 14).
ومرة قال: عن عطاء مرسلاً! وروايته عند الشافعي في «الأم» (2/ 137).
قال الزَّيلعي: والظاهر أن هذا الاضطِّراب من الحجَّاج، فإن من دونه ومن فوقه ثقات.
=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وصحَّح الوجهَ المرسل البيهقي، فقال في «سننه» (5/ 28) بعد أن رواه من طريق الشافعي: هذا هو الصحيح عن عطاء، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد رواه الحجَّاج بن أرطاة -وضَعفه ظاهر-، عن عطاء وغيره، فوَصَله.
قلت: وفي الباب عن عائشة، والحارث بن عمرو السَّهمي، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم:
أما حديث عائشة: فأخرجه أبو داود (2/ 411 رقم 1739) والنسائي (5/ 131، 133 رقم 2652، 2655) في المناسك، باب ميقات أهل مصر، وباب ميقات أهل العراق، وابن الأعرابي في «معجمه» (3/ 1082 رقم 2335) وابن عدي (1/ 417) وأبو الفضل الزهري في «حديثه» (1/ 397 رقم 398) والدارقطني (2/ 236) والبيهقي (5/ 28) من طريق المُعافَى بن عمران، عن أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة -رضي الله عنها-: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل العراق ذاتَ عِرق.
قال ابن عدي: قال لنا ابن صاعد: كان أحمد بن حنبل يُنكِر هذا الحديث مع غيره على أَفلح بن حميد، فقيل له: تروي (كذا، ولعل الصواب: روى) عنه غير المُعافَى؟ فقال: المُعافَى بن عمران ثقة.
ثم قال ابن عدي: وإنكار أحمد على أفلح في هذا الحديث قوله: «ولأهل العراق ذات عِرق»، ولم يُنكِر الباقي من إسناده ومتنه شيئًا.
وأما حديث الحارث بن عمرو السَّهمي: فأخرجه أبو داود (2/ 413 رقم 1742) والدارقطني (2/ 236) والبيهقي (5/ 28) من طريق عبدالوارث بن سعيد، عن عُتبة بن عبد الملك السَّهمي، عن زُرارة بن كريم، عن الحارث بن عمرو السَّهمي -رضي الله عنه- قال: أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو بمنىً أو بعرفات، وقد أطاف به الناس ... ، الحديث، وفيه: ووقَّت ذات عِرق لأهل العراق.
قال البيهقي في «معرفة السُّنن والآثار» (7/ 96): وفي إسناده مَن هو غير معروف.
وأما حديث ابن عمر: فأخرجه أحمد (2/ 78) قال: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، سَمِعتُ صدقة بن يَسَار، سَمِعتُ ابن عمر يحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّه وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قَرنًا، ولأهل العراق ذات عِرق، ولأهل اليمن يلملم.
=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123 = وهذا إسناد صحيح، إلا أن ذِكر ميقات أَهل العراق فيه شاذ، وبيان ذلك كالتالي: فقد أخرجه الطيالسي (3/ 430 رقم 2033) عن شعبة، به، ولم يَذكر ميقات أَهل العراق.
وأخرجه أحمد (2/ 140،11) عن ابن عيينة وجرير بن عبد الحميد، عن صدقة بن يَسَار، به، ولم يَذكر ميقات أهل العراق، وفيه: أنهم قالوا لابن عمر: فأين أهل العراق؟ فقال: لم يكن يومئذ.
كما قد خالف صدقةُ كبارَ أصحاب ابن عمر المتقنين، الذين لم يَذكروا هذه الزيادة، وهم:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عنه، ولم يَذكروا فيه ميقات أهل العراق.
وكذلك رواه أيوب السَّختياني، وابن عَون، وابن جريج، وأسامة بن زيد، وعبد العزيز بن أبي روَّاد، عن نافع.
وكذلك رواه سالم، عن ابن عمرَ.
وعمرو بن دينار، عن ابن عمرَ.
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه أبو داود (2/ 412 رقم 1740) والترمذي (3/ 194 رقم 832) في الحج، باب ما جاء في مواقيت الإحرام لأهل الآفاق، وأحمد (1/ 344) والبيهقي (5/ 28) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: وقَّت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
قلت: تفرَّد به يزيد بن أبي زياد، وقد قال الإمام مسلم في «التمييز» (ص 215): وأما حديث يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي، عن ابن عباس، فيزيد هو ممَّن قد اتَّقى حديثه الناس، والاحتجاج بخبره إذا تفرَّد، للَّذين (كذا! والصواب: للذي) اعتبروا عليه من سوء الحفظ، والمتون في رواياته التي يَرويها، ومحمد بن عليٍّ لا يُعلَم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه، أو رآه.
وقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (2/ 558): إن محمد بن على بن عبد الله بن عباس إنما هو معروف الرواية عن أبيه، عن جدِّه ابن عباس، وبذلك ذُكِرَ في كُتُب الرجال.
وممَّا يدل على نكارة حديث يزيد بن أبي زياد: أنَّ حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مروي في «الصحيحين «، وليس فيه ذكر لذات عِرق، فأخرجه البخاري (1524) في الحج، باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، ومسلم (1181) في الحج، باب مواقيت الحج والعمرة، من طريق طاوس، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: وقَّت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأَهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم.
قال الإمام مسلم في «التمييز» (ص 214): فأما الأحاديث التي ذكرناها من قبلُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل العراق ذات عِرق.
فليس منها واحد يثبت.
وقال الإمام ابن خزيمة في «صحيحه» (4/ 160): قد روي في ذات عِرق أنه ميقات أهل العراق أخبار غير ابن جريج، لا يثبت عند أهل الحديث شيء منها.
=
أثر في كراهية الإحرام قبل الميقات
(309) قال محمد بن إسماعيل البصلاني: ثنا محمد بن يحيى القُطَعي، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أنَّ عمرانَ ابن حصين أَحرَمَ من البصرةِ، فقَدِمَ على عمرَ بن الخطاب، فأَغلَظَ له، ونَهَاهُ عن ذلك، وقال: يَتَحدَّثُ الناسُ أنَّ رجلاً من أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أَحرَمَ من مصرٍ من الأمصارِ 1!
هذا منقطع، اللهمَّ إلا أن يكون الحسن قد سَمِعَه من عمران بن حصين 2، والله أعلم.
= وقال ابن المنذر: لم نجد في ذات عِرق حديثًا ثابتًا.
«الفتح» (3/ 390). وخالف الحافظ ابن حجر، فقال: وقد وقع في حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه ... ، وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لَهِيعة، وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد.
كلاهما عن أبي الزُّبير، فلم يشكَّا في رفعه، ووقع في حديث عائشة، وفي حديث الحارث بن عمرو السَّهمي، كلاهما عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وهذا يدل على أن للحديث أصلاً، فلعلَّ من قال: إنه غير منصوص لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث، باعتبار أن كلَّ طريق لا يخلو عن مقال ... ، لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى.
كذا قال -رحمه الله-، والطرق التى ذَكَرها لاتصلح للتقوية؛ لأن مدارها على ضعفاء ومتروكين، فمثل هذا لا تقوم به الحجَّة.
وجملة القول: أنَّ الذي وقَّت لأهل العراق ذاتَ عِرق، هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
/ (ق 122)
حديث في أفضلية القِران
(310) قال الإمام أحمد 1: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، أنَّ يحيى بن أبي كثير حدَّثه عن عكرمة مولى ابن عباس قال: سَمِعتُ ابن عباس يقول: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول -وهو بالعقيق 2 -: «أتاني الليلةَ آتٍ من ربِّي عزَّ وجلَّ، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المُبارَكِ، وقُل: عمرةً في حجَّةٍ».
قال الوليد: يعني: ذا الحُلَيفة 3.
ورواه البخاري في الحجِّ 4، عن الحميدي، عن الوليد بن مسلم وبِشر بن بكر.
وفي المزارعة 5، عن إسحاق بن إبراهيم، عن شعيب بن إسحاق.
وأبو داود في الحج 6، عن النُّفَيلي، عن مسكين بن بُكَير.
وابن ماجه 7، عن دحيم، عن الوليد بن مسلم.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن مصعب القُرْقُسَاني.
خمستهم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، به.
ورواه البخاري -أيضًا- في كتاب الاعتصام 1، عن سعيد بن الرَّبيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، به.
وقد رواه علي ابن المديني، عن الوليد بن مسلم، به، وقال: هذا حديث جيِّد الإسناد، وهو صحيح من حديث عمر.
حديث آخر
(311) قال الإمام أحمد 2: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، عن أبي وائل: أنَّ الصُّبَيَّ بن مَعبَد كان نَصرانيًا تَغْلِبيًا أَعرابيًا، فأَسلَمَ، (فقال) 3: أيُّ العملِ أفضلُ؟ فقيل له: الجهادُ في سبيل الله عزَّ وجلَّ.
فأراد أن يجاهدَ، فقيل له: حَجَجتَ؟ فقال: لا.
فقيل: حُجَّ واعتَمر، ثم جاهِد في / (ق 123) سبيل الله.
فانطَلَق، حتى إذا كان بالحوائطِ أَهَلَّ بهما جميعًا، فرآه زيد بن صُوْحَان، وسلمان بن ربيعة، فقالا: لَهُوَ أَضلُّ من جَمَلِهِ.
أو: ما هذا بأَهدى من ناقتِهِ.
فانطَلَق إلى عمرَ، فأَخبَرَه بقولهما، فقال له: هُدِيتَ لسُنَّة نبيِّكَ صلى الله عليه وسلم.
قال الحكم، فقلت لأبي وائل: أحدَّثك الصُّبَيُّ؟ فقال: نعم.
ثم رواه أحمد 4، عن سفيان 5، عن منصور، عن أبي وائل.
وعن سفيان 6، عن عَبدة بن أبي لُبَابة، عن أبي وائل، به.
وفي آخره: قال عَبدة: قال أبو وائل: كثيرًا ما ذهبتُ أنا ومسروق إلى الصُّبَيِّ نسألُهُ عنه.
ورواه أبو داود 1، والنسائي 2 من حديث جرير -زاد النسائي: وزائدة-.
كلاهما عن منصور، عن أبي وائل -واسمه: شقيق بن سَلَمة-، قال: قال الصُّبَيُّ بن مَعبَد ... ، فذَكَره.
ورواه النسائي -أيضًا- 3 من حديث ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد وغيره، عن رجلٍ من أهل العراق، يقال له: شقيق، بمعناه.
ورواه ابن ماجه 4، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمَّار.
كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن عَبدة بن أبي لُبَابة، عن أبي وائل، به.
وعن علي بن محمد، عن وكيع، وأبي معاوية، ويعلى بن عبيد.
ثلاثتهم عن الأعمش، عن شقيق، بمعناه.
وقال الإمام أحمد -أيضًا- 5: ثنا يحيى، عن الأعمش، ثنا شقيق، ثنا الصُّبي بن مَعبَد -وكان رجلاً نَصرانيًا من بني تَغْلِب- قال: كنتُ نصرانيًا، فأَسلَمْتُ، فاجتَهَدتُ، فلم آلُ، فأَهلَلتُ بحجَّةٍ وعمرةٍ، فمَرَرتُ بالعُذَيبِ 6 على سلمان بن ربيعة، وزيد بن صُوْحَان، فقال أحدهما: أبهما جميعًا؟! فقال له صاحبه: دَعْهُ، فلَهُوَ أَضلُّ من بعيره.
قال: فكأَنما بعيري / (ق 124) على عُنُقي، فأَتيتُ عمرَ -رضي الله عنه-، فذَكَرتُ ذلك له، فقال لي عمر: إنهما لم يقولا شيئًا، هُدِيتَ لسُنَّةِ نبيِّكَ صلى الله عليه وسلم.
ورواه أحمد بن مَنيع في «مسنده» 1، عن هشيم، عن سيَّار، عن أبي وائل، به.
قلت: فهو محفوظ، بل متواتر إلى أبي وائل، وقد صرَّح فيه بالتحديث عن الصُّبَيِّ بن مَعبَد، فهو على شرط البخاري ومسلم، فعَجَبًا لهما إذ لم يخرجاه! والظاهر أنهما عَدَلا عنه، لأنَّه لم يَرو عن الصُّبي بن مَعبَد إلا أبو وائل وحده، لكن في «الصحيحين» من هذا الضرب من الأحاديث قطعة، ثم قد سَمِعَه منه مسروق.
ولهذا قال الإمام علي ابن المديني: لا أعلم أحدًا رواه عن الصُّبَيِّ بن مَعبَد غير أبي وائل، ومما حسَّن الحديثَ: أنَّ مسروقًا سأل الصُّبَيَّ بن مَعبَد عن هذا الحديث، ثم أَسنَدَ ذلك، كما تقدَّم، ثم قال: وهو عندي حديث صحيح، ثم قال:
(312) ثنا يزيد بن زُرَيع، ثنا سعيد، عن أبي مَعشر، عن إبراهيم النَّخَعي: أنَّ عمرَ بن الخطاب أمَرَ الصُّبَيَّ أنْ يَذبَحَ شاةً.
ثم قال: فهذا مما يقوِّي حديث الصُّبَيِّ، لأن إبراهيمَ من الفقهاء.
قلت: وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البُستي في كتابه «الصحيح» 2.
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني -رحمه الله- 3، وقد سُئل عن هذا
الحديث: رواه عن أبي وائل منصور بن المعتمر، وسليمان الأعمش، والحكم بن عُتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وحبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن مُرَّة، ومغيرة، وسَلَمة بن كُهَيل، وجندب بن حسان، وسيَّار، وثُوَير / (ق 125) بن أبي فاخِتَة، ويزيد بن أبي زياد، وعاصم بن أبي النَّجود، ومجاهد بن جَبْر.
وقال في آخره شيئًا حسنًا لم يَذكره غيره: قال أبو وائل: كنتُ أختلفُ أنا ومسروقُ بن الأجدع إلى الصُّبَيِّ بن مَعبَد نَستذكره هذا الحديث.
ثم قال الدارقطني: وهو حديث صحيح، وأحسنها إسنادًا حديث منصور، والأعمش، عن أبي وائل، عن الصُّبَيِّ، عن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه.
قلت: وقد تقدَّم في رواية عنه عن أبي وائل كما قال مجاهد عنه من ذهابه هو ومسروق إلى الصُّبَيِّ بن مَعبَد في هذا الحديث.
وهو في «مسند أحمد»، ولم يطَّلع عليه الدارقطني رحمه الله.
حديث آخر في نهي عمر عن المتعة في الحج والنكاح
(313) قال الإمام أحمد 1: ثنا عَبيدة بن حميد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نَضرة، عن أبي سعيد 2 قال: خَطَب عمرُ -رضي الله عنه- الناسَ، فقال: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ رخَّص لنبيِّه صلى الله عليه وسلم ما شاءَ، وإنَّ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قد مَضَى لسبيلِهِ، فأتموا الحجَّ والعمرةَ، كما أَمَرَكُمُ اللهُ، وحصِّنوا فُرُوجَ هذه النساءِ.
هذا إسناد صحيح، ولم يخرِّجه أحد من أصحاب الكتب.
لكن روى مسلم 3، عن محمد بن مثنىَّ، ومحمد بن بشَّار.
كلاهما عن غُندَر، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي نَضرة قال: كان ابنُ عباسِ يأمُرُ بالمتعةِ، وكان ابنُ الزُّبير ينهى عنها، فذَكَرتُ ذلك لجابرِ بن عبد الله، فقال: على يَدَيَّ دارَ الحديثُ، تَمَتَّعنا على عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا قام عمرُ قال: إنَّ اللهَ كان يُحِلُّ لرسولِهِ ما شاءَ 4، وإنَّ القرآنَ قد نَزَل منازلَهُ، فأتمُّوا الحجَّ والعمرةَ للهِ، كما أمَرَكُمُ اللهُ، / (ق 126) وأَبِتُّوا نكاحَ هذه النساءِ، فلن أُوتَى برجلٍ نَكَحَ امرأةً إلى أجلٍ إلا رَجَمْتُهُ بالحجارةِ.
حديث آخر
(314) قال الإمام أحمد 1: ثنا عبد الرزاق.
وأخبرني هشيم، عن الحجَّاج بن أرطاة، عن الحكم بن عُتيبة، عن عُمارة، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى: أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- قال: هي سُنَّةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم -يعني: المتعةَ-، ولكنِّي أخشى أنْ يُعرِّسوا بهنَّ تحتَ الأَرَاكِ، ثم يَروحوا بهنَّ حُجَّاجًا.
غريب من هذا الوجه، وحجَّاج بن أرطاة فيه ضَعف 2، لكن يشهد له الحديث الذي قبله، والحديث الآخر:
(315) قال النسائي في كتاب الحج 3: ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: ثنا أبي، عن أبي حمزة السُّكَّري، عن مُطرِّف، عن سَلَمة بن كُهَيل، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمرَ -رضي الله عنه- أنَّه قال: والله إني لأَنهاكُم عن المتعةِ، وإنها لفي كتابِ اللهِ، وقد فَعَلَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
إسناد جيد 4.
حديث فيه النهي عن الطِّيب للمُحرِم
(316) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 1: ثنا إبراهيم بن الجنيد، حدثني عبد الرحمن بن مُطرِّف، حدثني عيسى بن يونس، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عبَّاد بن جعفر، عن ابن عمرَ قال: (أَقبَلْنا حتى إذا كنَّا بذي الحليفة أَحْرَمْنا) 2، فمَرَّ بنا راكبٌ يَنفَحُ طِيبًا، فقال عمرُ: مَن هذا؟ قالوا: معاوية.
فقال: ما هذا يا معاوية؟! فقال: مَرَرتُ بأمِّ حبيبةَ، ففَعَلتْ بي هذا.
فقال: ارْجِعْ، فاغْسِلهُ عنكَ، فإنِّي سَمِعتُ رسولَ الله / (ق 127) صلى الله عليه وسلم يقول: «الحاجُّ: الشَّعِثُ التَّفِلُ 3».
إبراهيم بن يزيد هذا هو: الخُوزي، وهو ضعيف 4.
والذي فَعَلَهُ معاويةُ هو السُّنَّة التي فَعَلَها رسولُ الله عند إحرامِهِ، فإنَّه تطيَّب عند إحرامه، وإنما خَشِيَ عمرُ أن يَقتدي بمعاوية مَن لا يَعلمُ ذلك، فيفيدُ جوازَ الطِّيبِ وتعاطيه في الإحرام، والله أعلم.
= وأورده ابن عدي في «الكامل» (1/ 226) وعدَّه من مناكير إبراهيم.
وقال البيهقي في «سننه» (4/ 330): وقد رواه محمد بن عبد الله بن عُبيد بن عُمَير، عن محمد بن عبَّاد، إلا أنه أضعف من إبراهيم بن يزيد، ورواه -أيضًا- محمد بن الحجَّاج، عن جرير بن حازم، عن محمد بن عبَّاد، ومحمد بن الحجَّاج: متروك.
ولهذا الأثر طرق صحيحة:
منها: ما أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 443) في الحج، باب ما جاء في الطيب في الحج، وابن أبي شيبة (3/ 200 رقم 13498) في الحج، باب من كره الطيب عند الإحرام، والطحاوي (2/ 126) من طريق نافع، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب: أنَّ عمرَ بن الخطاب وَجَد ريحَ طيبٍ وهو بالشجرة، فقال: ممن ريحُ هذا الطِّيب؟ فقال معاوية بن أبي سفيان: منيِّ يا أميرَ المؤمنين.
فقال عمرُ: منك! لعمر الله! فقال معاوية: إنَّ أمَّ حبيبة طيَّبتني يا أميرَ المؤمنين.
فقال عمرُ: عزمتُ عليك لتَرجِعنَّ، فَلَتَغسِلنَّه.
وهذا إسناد صحيح.
ومنها: ما أخرجه مُسدَّد في «مسنده»، كما في «المطالب العالية» (2/ 26 رقم 1208) عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب قال: رأى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على طلحة ثوبين مصبوغين وهو مُحرِم، فقال: ما هذا؟! قال: يا أميرَ المؤمنين، ليس به بأس، إنما هو مِشقٌ.
قال: إنكم أيها الرَّهطُ أئمةٌ يَقتدي بكم الناسُ، ولعلَّ الجاهلَ أن لو رآك أن يقول: رأيتُ على طلحةَ ثوبين مصبوغين، فيلبسُ الثيابَ المصبوغةَ في الإحرام، فلا أَعرفنَّ، ما يلبسُ أحدٌ منكم ثوبًا مصبوغًا في الإحرام.
قال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (3/ 183): رواه مُسدَّد موقوفًا بسند صحيح، وهو أصل في سدِّ الذرائع.
وقد اعتذر البيهقي عن نهي عمر -رضي الله عنه- عن الطِّيب للمُحرِم، فقال في «سننه» (5/ 35): يحتمل أنه لم يبلغه حديث عائشة -رضي الله عنها-، ولو بَلَغه لرجع عنه، ويحتمل أنه كان يكره ذلك كيلا يغترَّ به الجاهل، فيتوهَّم أنَّ ابتداء الطِّيب يجوز للمُحرِم، كما قال لطلحة في الثوب الممشَّق.
ويغني عن الشطر الثاني: «الحاجُّ: الشَّعِث التَّفِل»: ما أخرجه أحمد (2/ 305) وابن خزيمة (4/ 263 رقم 2839) وابن حبان (9/ 163 رقم 2852 - الإحسان) والحاكم (1/ 465) والبيهقي (5/ 58) من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «إنَّ اللهَ يباهي بأهلِ عرفاتٍ ملائكةَ أهلِ السماءِ، فيقول: انظروا إلى عبادي جاءوني شُعثًا غُبرًا».
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
ووافقه الذهبي.
وصحَّحه الشيخ الألباني في «صحيح الترغيب والترغيب» (2/ 21 رقم 1132).
أثر فيه جواز الاغتسال للمُحرِم، وانغماره بالماء حتى يغيب فيه
(317) قال الشافعي 1: أنا ابن عيينة، عن عبد الكريم الجَزَري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ربما قال لي عمرُ بن الخطاب: تَعَالَ أُباقِيكَ في الماءِ، أَيُّنا أطولُ نَفَسًا، ونحن مُحرِمُون.
إسناد صحيح.
أثر آخر
(318) قال الشافعي 2: أنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، أخبرني عطاء: أن صفوان بن يعلى أَخبَرَه عن أبيه يعلى بن أُميَّة أنَّه قال: بَيَنما عمرُ يَغتَسِلُ إلى بعيرٍ، وأنا أَسترُ عليه بثوبٍ، إذ قال له عمرُ: يا يعلى، أَصبُبْ على رأسي؟ فقلت: أميرُ المؤمنين أَعلَمُ.
فقال عمرُ: والله ما يزيدُ الماءُ الشَّعرَ إلا شَعَثًا.
فسمَّى اللهَ، ثم أفاض على رأسِهِ.
إسناد جيد.
وسيأتي 3 -إن شاء الله- في مسند ابن عباس، عن أبي أيوب: أنَّ
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَغتَسِلُ، وهو مُحرِمٌ 1.
حديث آخر
(319) قال الإمام أحمد 2: ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: قَدِمْتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاءِ 3، فقال: «بِمَ أَهلَلْتَ؟».
فقلت: بإهلالٍ، كإهلالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
فقال: «هل سُقْتَ من هَدْيٍ؟»، قلتُ: لا.
قال: «طُفْ بالبيتِ، وبالصَّفا والمروةِ، ثم حِلَّ».
قال: فطُفْتُ بالبيتِ، وبالصَّفا والمروةِ، ثم أتيتُ امرأةً من قومي فمَشَّطَتني، وغسَلَتْ رأسي، فكنتُ أُفتي الناسَ بذلك إمارةَ أبي بكرٍ، وإمارةِ عمرَ، فإنِّي لَقَائمٌ في الموسمِ، فجاءني رجلٌ، فقال: إنك لا تدري ما أَحدَثَ أميرُ المؤمنين في شأنِ النُّسُكِ.
فقلتُ: أيها الناسُ، مَن كنَّا أَفتَينَاهُ فُتيا؛ فهذا أميرُ المؤمنين قادمٌ عليه، فَبِهِ فائتَمُّوا.
فلما قَدِمَ قلتُ: ما هذا الذي أَحدَثْتَ في شأنِ النُّسُكِ؟ فقال: إنْ نأخُذْ بكتابِ اللهِ؛ فإن اللهَ قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 4، وإنْ نأخُذْ بسُنَّةِ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، فإنَّه لم يَحِلَّ حتى نَحَرَ الهَدي.
ورواه ابن المديني، عن غُندَر، عن شعبة، عن قيس بن مسلم، وقال:
هذا إسناد حسن.
وقد رواه مسلم 1، والنسائي 2، عن أبي موسى محمد بن مثنَّى، عن ابن مهدي، به.
والبخاري 3، عن محمد بن يوسف، عن سفيان / (ق 128) -وهو: الثوري-، به.
وأخرجه الشيخان 4 من وجه آخر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى الأشعري، به.
لكن ذَكَره أصحاب الأطراف 5 في مسند أبي موسى.
وذَكَروا في مسند عمر 6: ما رواه مسلم 7، والنسائي 8، وابن
ماجه 1 من حديث شعبة، عن الحكم، عن عُمارة بن عُمَير، عن إبراهيم بن أبي موسى، عن أبيه، عن عمرَ ... ، فذَكَر الحديث.
قال علي ابن المديني: وهذا إسناد صالح.
قلت: والكل قريب، وقد كان عمرُ -رضي الله عنه- يَستحبُّ إفرادَ الحجّ عن العمرة ليُفَعَلا على الوجه الأكمل، وإن كان التمتعُ بهما جائزًا عنده -كما تقدَّم عنه-، وكما دلَّت على ذلك السُّنة النبوية، ولم يكن عمرُ -رضي الله عنه- ينهى عن ذلك مُحرِّمًا له، كما اعتقده بعضهم، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
فأما قول الدارقطني 2:
(320) ثنا محمد بن مَخلد، ثنا علي بن محمد بن معاوية البزاز، ثنا عبد الله بن نافع، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم استَعمَلَ عتَّاب بن أَسِيد على الحجِّ، فأَفرَدَ، ثم استَعمَلَ أبا بكر سنةَ تسعٍ، فأَفرَدَ الحجَّ، ثم حجَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم سنةَ عشرٍ، فأَفرَدَ الحجَّ، ثم تُوفي النبيُّ صلى الله عليه وسلم واستَخلَفَ أبا بكر 3، فبَعَث عمرَ، فأَفرَدَ الحجَّ، ثم حجَّ أبو بكر، فأَفرَدَ الحجَّ، وتُوفي أبو بكر فاستَخلَفَ عمرَ 4، فبَعَث عبد الرحمن بن عوف، فأَفرَدَ الحجَّ، ثم حجَّ عمرُ سِنيَّهُ كلَّها، فأَفرَدَ الحجَّ، ثم تُوفي عمرُ واستُخلِفَ عثمانُ، فأَفرَدَ الحجَّ، ثم
حُصِرَ عثمانُ، فأقام عبد الله بن عباس بالناسِ، فأَفرَدَ الحجَّ.
فهذا حديث غريب، وهو محمول على أنهم أَفرَدُوا ... 1، والله أعلم.