مسند الفاروق ت إمامكتاب الأقضية

(757) قال البخاري رحمه الله 1: ثنا الحكم بن نافع، ثنا شعيب، عن الزهري: حدَّثني حميد بن عبد الرحمن بن عَوف: أنَّ عبد الله بن عُتبة قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: إنَّ أناسًا كانوا يُؤخذون بالوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّ الوحيَ قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظَهَر لنا من أعمالِكم، فمن أظهر لنا خيرًا أَمِنَّاه 2، ومَن أظهر لنا سُوءًا لم نأمَنْهُ، ولم نُصدِّقْهُ، وإنْ قال: إنَّ سَريرتَه حَسَنة.

هكذا أورده البخاري، وليس هو عند أصحاب الأطراف 1. وفيه دلالة على الحكم بالظاهر.
وقد روي من طريق أخرى: (758) قال الإمام أحمد 2: ثنا إسماعيل -يعني: ابن عُليَّة-، أنا الجُرَيري سعيد، عن أبي نَضرة، عن أبي فِراس قال: خَطَب عمرُ بن الخطاب، فقال: يا أيُّها الناسُ، ألا إنما كنَّا نَعرِفُكم إذ بين ظَهْرينا 3 النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وإذ ينزل الوحي، إذ يُنبِّئُنا اللهُ من / (ق 287) أخباركم، ألا وإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد انطلق، وانقطع الوحي، وإنمَّا نَعرِفُكم بما نقولُ لكم، من أظهر منكم خيرًا ظَننَّا به خيرًا، وأحبَبْناهُ عليه، ومَن أظهر لنا شرًّا ظَننَّا به شرًّا، وأبغضنَاهُ عليه، سرائرُكم بينَكم وبين ربِّكم عزَّ وجلَّ، ألا وإنَّه قد أتى عليَّ حينٌ وأنا أَحسِبُ أنَّ مَن قرأ القرآنَ يريد اللهَ وما عنده، وقد خُيِّل إليَّ بأخرة أنَّ رجالاً قد قرؤوه يريدون به ما عند الناس، فأَريدوا اللهَ بقراءتِكم، وأَريدوه بأعمالكم، أَلا إنيِّ والله ما أُرسِلُ عُمَّالي إليكم ليضربوا أبشارَكم، ولا ليأخذوا أموالَكم، ولكن أُرسِلُهُم إليكم لِيعلِّموكُم دينَكم وسُنتَكم، فمَن فُعِلَ به سوى ذلك؛ فليرفَعْه إليَّ، فوالذي نفسي بيده، إذاً لأُقِصَّنَّهُ منه.
فوَثَب عمرو بن العاص، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أو رأيتَ إن كان رجلٌ من المسلمين على رعيَّة فأدَّب بعض رعيته، أَئنَّك لَمُقصُّه 4 منه؟! قال: إي، والذي نفس عمر بيده، إذًا لأُقِصَّنَّه منه، أنا لا أُقِصُّ منه، وقد

رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُقِصُّ من نفسِهِ؟ أَلا لا تضربوا المسلمين فتُذِلُّوهم، ولا تُجمِّروهم 1 فتَفتنوهم، ولا تَمنعوهم حقوقَهم فتُكفِّروهم 2، ولا تُنزلوهم الغِياض 3 فتُضيِّعوهم.
ورواه النسائي في القصاص 4، عن مؤمَّل بن هشام، عن إسماعيل بن عُليَّة، مختصرًا: / (ق 288) رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَقَصَّ من نفسِهِ.
وأخرجه أبو داود في الدِّيات 5، عن محبوب بن موسى، عن أبي إسحاق الفَزَاري 6، عن سعيد بن إياس الجُرَيري، به.
وفيه خُطبة عمرَ: إنِّي لم أَبعَثْ عُمَّالي ليضربوا أبشارَكم ... ، الحديث.
واختاره الحافظ الضياء 7 من طريق أبي يعلى 8، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن ابن مهدي 9، عن سعيد الجُرَيري.
وقد رواه علي ابن المديني، عن عبد الأعلى، ورِبعي بن إبراهيم.
كلاهما عن الجُرَيري، بطوله.

وقال: إسناده بصري حسن.
وقال في موضع آخر: لا نعلم في إسناده شيئًا يُطعنُ فيه، وأبو فِراس رجل معروف من أسلم 1، روى عنه أبو نَضرة، وأبو عمران الجَوْني.
قلت: ولا يُعرف اسمه، ومنهم من سمَّاه: الرَّبيع بن زياد الحارثي 2، وأنكر ذلك بعضُهم، وفرَّق بينهما 3، فالله أعلم.

حديث فيه أثر عن عمر في التحذير من غائلة ولاية القضاء

(759) قال هشام بن عمَّار، عن صَدَقة، عن الشُّعيثي، عن زُفَر بن وَثِيمة: أنَّ عمرَ دعا رجلاً إلى القضاء، فأَبَى عليه، قال: لم؟ قال: سَمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «القضاةُ ثلاثةٌ: قاضٍ في الجنَّةِ، وقاضيانِ في النَّارِ ...» الحديث.
هكذا رواه أبو بكر الإسماعيلي في «مسند عمر» من حديث هشام بن عمَّار.
(760) وقد روى أبو بكر ابن أبي عاصم، والترمذي 1 من حديث معتمر بن سليمان، عن عبد الملك بن أبي جميلة، عن عبد الله بن موهَب: أنَّ عثمانَ قال لابن عمرَ: اذهب فاقض بين الناس، قال: أَوَ (تُعافيني) 2 يا أميرَ المؤمنين، قال: فما تكره من ذلك، وقد كان أبوك يقضي؟ قال: إنِّي سَمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان قاضيًا، فقَضَى بالعدلِ، فَبِالحَرِي أن يَنفَلِتَ منه كفافًا»، فما أرجو بعد ذلك؟! وفي الحديث قصَّة ... 3 غريب، وليس إسناده عندي بمتَّصل.

ولفظ ابن أبي عاصم، عن عبد الله بن موهَب، عن ابن عمرَ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن كان قاضيًا، فقَضَى بحقٍّ، سأل التَّفلُتَ كفافًا» -قال ابن عمرَ: فما أرجو بعدُ إذًا- «ومَن كان قاضيًا، فقَضَى بجهلٍ كان من أهلِ النَّارِ، ومَن كان قاضيًا، فقَضَى بجَورٍ فهو من أهلِ النَّارِ».
ففي سياق ابن أبي عاصم مايبيِّن اتِّصال الحديث، لكن عبد الملك هذا لم يرو عنه سوى معتمر، ولهذا قال فيه أبو حاتم 1: مجهول.
وأما ابن حبان، فذَكَره في «الثقات» 2. وعلى كلِّ حال، فهذا أولى ممَّا رواه الإسماعيلي في «مسند عمر»، فلعلَّه تصحَّف عليه بعثمان، وإن كان محفوظًا، فلعلَّهما واقعتان، والله أعلم.

أثر في صفة القضاء

(761) قال إبراهيم بن بشَّار الرَّمادي 1، ويحيى بن الرَّبيع المكي -واللفظ لإبراهيم-، كلاهما عن سفيان بن عيينة، حدَّثنا والد عبد الله بن

إدريس قال: أتيتُ سعيدَ بن أبي بُرْدة، فسألته عن رسائل عمرَ التي كان يكتب إلى أبي موسى، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بُرْدة، قال: فأخرَجَ إليَّ كُتُبًا، فرأيتُ في كتاب منها: أمَّا بعدُ، فإنَّ القضاءَ فريضةٌ مُحكَمَةٌ، وسُنَّةٌ مُتبَعةٌ، فافهم إذا أُدلِيَ إليك، فإنَّه لا ينفعُ تَكلُّم بحقٍّ لا نفاذَ له.
آسِ بين الاثنين في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمعَ شريفٌ في حَيْفِك، ولا ييأس وَضِيعٌ -أو / (ق 289) قال: ضعيفٌ- في عدلك.
الفَهمَ الفَهمَ فيما يتلجلجُ في صدرك ويُشكِلُ عليك.
اعرِفِ الأشباهَ والأمثالَ، ثم قِس الأمورَ بعضَها ببعض، وانظر أقربَها إلى الله، وأشبهها بالحقِّ، فاتَّبِعْه.
وأعهد 1 إليك، ولا يمنعك قضاءٌ قضيتَه بالأمس راجعتَ فيه نفسَك، وهُدِيتَ فيه لرُشْدِك أن تُراجِعَ الحقَّ، فإنَّ مراجعة الحقِّ خيرٌ من التَّمادي في الباطل.

المسلمون عُدُولٌ بعضُهم على بعض، إلا مجلودًا في حدٍّ، أو مجرَّبًا عليه شهادة زُور، أو ظِنِّينًا في وَلاَء، أو قَرَابة.
اجعل لمَن ادَّعى حقًّا غائبًا أمدًا يَنتهي إليه، أو بيِّنةً عادلةً، فإنَّه أَثبتُ في الحجَّة وأبلغُ في العذر، فإن أَحضَرَ بيِّنتَه، وإلاَّ وجَّهتَ عليه القضاء.
البيِّنة على من ادَّعى، واليمينُ على من أَنكر.
إنَّ الله تولَّى منكم السَّرائرَ، ودرأَ عنكم الشُّبهاتِ.
إيَّاك والقلقَ، والضَّجرَ، والتأذِّيَ بالناس، والتَّنكُرَ للخصم في مجالس القضاء.
إلى أن قال: والصلحُ جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالاً.
ومَن تَزيَّن للناس بما لم يعلم اللهُ منه شانَه اللهُ، فما ظنُّك بثواب غير الله في عاجل دنيا وآجل آخرة.
هذا أثر مشهور، وهو من هذا الوجه غريب، ويسمَّى وِجاَدة 1، والصحيح: أنه يحتجُّ بها إذا تحقِّق الخطُّ، لأنَّ أكثرَ كُتُب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك / (ق 290) الأقطار كذلك، وقد بَسَطتُ القولَ بصحَّتها في أوَّل شرح البخاري، ولله الحمد.
وقد ورد هذا الأثر من وجه آخر:

(762) كما رواه الحافظ البيهقي في «سننه» 1 فقال: أنا الحاكم، أنا الأصمُّ، ثنا محمد بن إسحاق الصَّاغاني، ثنا محمد بن عبد الله بن كُناسة، ثنا جعفر بن بَرقان، عن معمر البصري، عن أبي العوَّام البصري قال: كَتَبَ عمرُ إلى أبي موسى: إنَّ القضاءَ فريضةٌ مُحكَمةٌ، وسُنَّةٌ مُتبعَةٌ، فعليك بالعقل والفَهم وكثرة الذِّكر، فافهم إذا أَدلى إليك الرَّجلُ الحُجَّةَ، فاقضِ إذا فَهِمتَ، وامضِ إذا قضيتَ، فإنَّه لاينفَع تكلَّم بحُكم لا نفاذ له.
وآسِ بين الناسِ في وجهِكَ، ومجلسِكَ، وقضائِكَ، حتى لا يَطمعَ شريفٌ في حَيفِكَ، ولا يَيأسَ ضعيفٌ من عدلِكَ.
والبيِّنةُ على مَن ادَّعى، واليمينُ على مَن أَنكَرَ.
والصلحُ جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحًا أَحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالاً.
ومَن ادَّعى حقًّا غائبًا أو بيِّنةً، فاضرِبْ له أَمَدًا يَنتهي إليه، فإنْ جاء ببينتِهِ أعطيتَهُ حقَّهُ، وإنْ أَعجَزَهُ ذلك استَحْلَلتَ عليه القضيَّةَ، فإنَّ ذلك أبلغَ في العذرِ، وأجلى للعَمَى.234

ولا يمنعك من قضاء قضيتَه اليوم فراجَعتَ فيه لرأيك، وهُدِيتَ فيه لرُشدِكَ أن تُراجِعَ الحقَّ، لأنَّ الحقَّ قديم، لا يُبطِلُ الحقَّ شيءٌ، ومراجعةُ الحقِّ خيرٌ من التَّمادي في الباطل.
والمسلمون عُدُول بعضُهم على بعض في الشَّهادات، إلا مجلودًا في حدٍّ، أو مجرَّبًا عليه شهادة الزُّور، أو ظنِّينًا في وَلاَء ... 1، فإنَّ اللهَ تولَّى من عباده السرائر، وسَتَرَ عليهم الحدودَ إلا بالبيِّنات والأيمان.
والفهمَ الفهمَ فيما أُدلِيَ إليك ممَّا ليس في قرآن أو سُنَّة، ثم قايس الأمورَ عند ذلك، واعرِفِ الأشباهَ والأمثالَ، ثم اعمد إلى أحبِّها إلى الله فيما ترى وأشبهها بالحقِّ.
وإيَّاك والغضب، والقلق، والضَّجر، والتأذِّي بالناس عند الخصومة والنظر، فإنَّ القضاء في مواطن الحقِّ يُوجِبُ اللهُ به الأجرَ، ويحسن به الذِّكر، فمَن خَلُصَت نيَّته في الحقِّ ولو على نفسه، كَفَاه الله ما بينه وبين الناس، ومَن تَزيَّن لهم بما ليس في قلبه شانَه اللهُ، فإنَّ الله لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا، وما ظنُّك بثواب غير الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته.
ثم قال البيهقي: وقد رواه سعيد بن أبي بُرْدة.
وروى عن أبي المليح الهُذَلي أنه رواه 2. وهو كتاب معروف مشهور، لابدَّ للقضاة من معرفته والعمل به.

أثر آخر (763) قال الحافظ أبو بكر ابن أبي عاصم 1: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة 2، ثنا علي بن مُسْهِر، عن الشَّيباني، عن الشَّعبي، عن شُريح -يعني: ابن الحارث القاضي-: أنَّ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- كَتَب إليه: إذا جاءك شيءٌ في كتاب الله فاقض به، ولا يغلبنَّك عليه الرِّجال، وإذا جاءك ما ليس في كتاب الله؛ فانظر سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بها، فإن كان أمرًا ليس في كتاب الله، ولا في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلَّم فيه قبلَك أحدٌ فاختر أيَّ الأمرين شئتَ، إن شئتَ أن تجتهدَ رأيَك وتُقدِمَ، فتقدَّم، وإن شئتَ أن تتأخَّر فتأخَّر، أَلا وإنَّ التأخُّر خيرٌ لك.
وأخرجه النسائي في «سننه» 3 بنحوه، عن بُندَار، عن أبي عامر، عن الثوري، عن الشَّيباني، به.
واختاره الحافظ الضياء في كتابه.

أثر آخر (764) قال الحافظ أبو يعلى 1: ثنا غسَّان بن الرَّبيع، عن حماد بن سَلَمة، عن عطاء بن السَّائب، عن / (ق 291) محارِب بن دِثَار 2، عن عمرَ: أنَّه قال لرجل قاضٍ كان بدمشق: كيف تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله.
قال: فإذا لم تجد؟ قال: أقضي بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فإذا جاءك ما ليس في السُّنَّة؟ قال: أجتهد رأيي، وأُؤامِرُ جلسائي.
قال: أحسنتَ.
وقال: إذا جلستَ، فقل: اللهمَّ، إنِّي أسألك أن أُفتِيَ بعلم، وأقضي بحُكمٍ، وأسألك العدل في الغضب والرِّضا.
قال: فسار الرَّجلُ غيرَ بعيدٍ، ثم رجع، فقال لعمر: إنِّي رأيتُ كأنَّ الشَّمسَ والقمرَ يقتتلان، ومع كُلِّ واحد منهما جنودٌ من الكواكب.
قال: مع أيِّهما كنتَ؟ قال: مع القمر.
فقال عمرُ رضي الله عنه: يقول الله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ 3 لا تلي لي عملاً.
هذا أثر منقطع.

أثر في ردِّ شهادة الزُّور

(765) قال أبو عبيد 1: حدثني إسحاق، عن مالك 2، عن ربيعة، يَرويه عن عمرَ: أنَّ رجلاً أتاه، فقال: إنَّ شهادةَ الزُّور قد كَثُرَت في أرضهم، فقال: لا يُؤسَر أحدٌ في الإسلام بشهداء السُّوء، فإنَّا لا نقبلُ إلا العُدُولَ.
قال أبو عبيد: لا يُؤسَر: أي: لا يُحبَسُ.
وفسَّر مجاهد قوله تعالى: ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ 3 بالمحبوس.
أثر آخر (766) قال إسماعيل بن عيَّاش 4: عن محمد بن يزيد الرَّحَبي،

ومحمد بن الحجَّاج الخَوْلاني، عن عروة بن رُويم اللَّخمي قال: كَتَب عمرُ بن الخطاب إلى أبي عُبيدة بن الجرَّاح كتابًا، فقرأه على الناس بالجابِيَة 1: أمَّا بعدُ، فإنَّه لم يُقِمْ أمرَ اللهِ في الناس إلا حصيفَ العُقدةِ 2، بعيدَ الغِرَّةِ 3، ولا يَطَّلع الناسُ منه على عَورة، ولا يحنقُ في الحق على جرأة 4، ولا يخافُ في الله لومةَ لائمٍ، والسَّلام عليك.
وكَتَب عمرُ إلى أبي عُبيدة: أمَّا بعدُ، فإنِّي كَتَبتُ إليك بكتابٍ لم آلُكَ ونفسي 5 فيه خيرًا، الزم خمسَ خلالٍ 6 يَسلَمُ لك دينُك، وتحظى بأفضلَ حظِّك: إذا حضرك الخصمان فعليك بالبيِّنات العُدُول، والأيمان القاطعة، ثم أدنِ الضعيفَ حتى ينبسطَ لسانُه، ويجترئَ قلبُه، وتعاهدِ الغريبَ، فإنَّه إذا طال مقامُهُ ترك حاجتَه وانصرف إلى أهله، فإذا الذي أبطل حقَّه مَن لم

يرفع به رأسًا، واحرص على الصُّلح مالم يتبيَّن لك القضاءُ، والسَّلام عليك.
أثر آخر (767) قال أبو القاسم البغوي: ثنا عمر بن وَرَّاد، ثنا المسيّب بن شريك، عن الحسن بن حَي قال: سَمِعتُ علي بن بَذِيمة يقول: قال عمرُ بن الخطاب: رُدُّوا الخصومَ، فإنَّ القضاءَ يورثُ الشَّنَآنَ 1.

أثر في النهي عن الرِّشوة للحاكم في الحكم

(768) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا 1: ثنا أبو كُرَيب، ثنا طَلق بن غنَّام، ثنا محمد بن زياد البَرجُمُي، ثنا أبو حَريز الأزدي قال: كان رجلٌ لا يزال يُهدِي لعمرَ فَخِذَ جزورٍ، إلى أن جاء ذاتَ يومٍ بخصمٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، اقضِ بيننا قضاءً فَصْلاً، كما يُفصَل الفَخِذُ من سائر الجزور.
قال عمرُ رضي الله عنه: فما زال يردِّدها عليَّ حتى خفتُ على نفسي، فقَضَى عليه عمر، وكَتَب إلى عمَّاله: إيَّاكم والهدايا؛ فإنها من الرُّشَا.

أثر آخر في كيفية التعديل

(769) قال أبو القاسم البغوي 1: ثنا داود بن رُشيد، ثنا الفضل بن زياد، ثنا شيبان، عن الأعمش، عن خَرَشة بن الحُرِّ قال: شهد رجلٌ عند عمرَ بن الخطاب شهادةً، فقال له: لست أعرفُك، ولا يضرُّك ألا أعرفَك، ائتِ بمَن يعرفُك.
فقال رجل من القوم: أنا أعرفُه.
فقال: بأيِّ شيء تعرفُه؟

فقال: بالعدالة والفضل! قال: فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليلَه ونهارَه ومدخلَه ومخرجَه؟ قال: لا.
قال: فمعاملُك بالدِّينار / (ق 292) والدِّرهم اللَّذين يُستَدَل بهما على الورع؟ قال: لا.
قال: فرفيقُك في السَّفر الذي يُستَدَلُ به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا.
قال: لست تعرفُه.
ثم قال للرَّجل: ائت بمن يَعرفُك.

أثر فيه أنَّ المُتحاكِمَين يذهبان إلى الحاكم بأنفسهما

(770) قال أبو القاسم البغوي 1: ثنا علي بن الجَعْد، ثنا شعبة، عن سيَّار قال: سَمِعتُ الشَّعبي قال: كان بين عمرَ وأُبَي -رضي الله عنهما- خصومةٌ، فقال عمرُ: اجعل بيني وبينك رجلاً.
فجعلا بينهما زيدًا -يعني: ابن ثابت-.
قال: فأتياه، فقال عمرُ: أتيناك لِتَحكُم بيننا، في بيته يُؤتى الحَكَم.
إسناده جيد، وإن كان منقطعًا، وفيه دليل على التحكيم -أيضًا-، والله أعلم.
أثر آخر (771) قال معمر، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: كان بين عمرَ بن الخطاب وسعيدِ بن زيد خصومةٌ، فتقاضيا إلى أُبَي بن كعب، فقَضَى على عمرَ باليمين، فقال سعيد: أما إذ صارت إليَّ اليمين، فإنِّي أعفيه منها.
فقال عمرُ: ما أريد أن تعفيني منها، إنِّي أحلفُ على حقٍّ، فاستحلفه، فحَلَف، ثم صعد المنبرَ، فقال: أيها الناسُ، إنه ليس باليمين البرَّة الصادقة بأسٌ.
قال: ثم حَلَف على ثوبه، ثم قال: والله إنَّ هذا الثَّوبَ لثوبي.

أثر يُذكر في باب اليمين في الدَّعاوى

(772) قال الإمام مالك 1: عن ابن شهاب، عن سليمان بن يَسَار.
وعن أنس 2 بن مالك: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال للجُهني الذي ادَّعى دم وَليِّهِ على رجل من بني سعد بن ليث، وكان أجرى فرسَه، فوَطِئَ على إصبع الجُهَني، فنَزَى منها 3، فمات، فقال عمرُ للَّذين ادُّعي عليهم: أتحلفون بالله خمسينَ يمينًا ما مات منها؟ فأَبَوا، أوتحرَّجوا، فقال للمدَّعين: احلفوا، فأَبَوا، فقَضَى بشطر الدِّية على السَّعديين.
هذا إسناد صحيح، والأثر غريب جدًّا 4.

حديث يُذكر في الشَّهادات وغيرها

(773) قال الإمام أحمد 1: ثنا محمد بن يزيد، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن رجل من قريش من بني سَهم، عن رجل منهم يقال له: ماجدة.
وفي روايته: عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن العلاء، عن رجل، عن ابن ماجدة قال: عَارَمْتُ 2 غلامًا بمكةَ، فعضَّ أذني، فقطع منها، أو عَضضتُ أذنَه، فقطعتُ منها، فلمَّا قَدِمَ علينا أبو بكرٍ حاجًّا رُفِعنَا إليه، فقال: انطلقوا بهما إلى عمرَ بن الخطاب، فإن كان الجارحُ بلغ أن يُقتَصَّ منه، فليَقتصَّ منه.
قال: فلمَّا انتُهي بنا إلى عمرَ نظر إلينا، فقال: قد بلغ هذا أن يُقتصَّ منه، ادعوا لي حجَّامًا، فلمَّا ذُكر الحجَّامَ قال: أما إنِّي قد سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «قد أعطيتُ خالتي غلامًا، وأنا أرجو أن يُبارِكَ اللهُ لها فيه، وقد نهيتُها أن تجعلَه حجَّامًا 3، أو قصَّابًا 4، أو صائغًا 5». وهكذا رواه أبو داود في «سننه» (6)، عن الفضل بن يعقوب، عن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن العلاء، عن رجل من سَهم، عن ابن ماجدة / (ق 293) عن عمرَ، به.
ورواه البخاري في «التاريخ» (7) من حديث محمد بن إسحاق،

عن العلاء، عن رجل من بني سَهم، عن علي بن ماجدة، سَمِعَ عمرَ، سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «وَهَبتُ لخالتي غلامًا، ونهيتُ أن تجعَلَهُ حجَّامًا».
قال: وقال لنا حجَّاج: ثنا حماد بن سَلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن العلاء، عن أبي ماجدة، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: وهو مرسل (1)، لم يصحَّ إسناده.
وهكذا رواه أبو داود 1، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سَلَمة، به.
وعن يوسف بن موسى، عن سَلَمة بن الفضل.
كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن العلاء، عن (ابن) 2 ماجدة، به (1)

حديث آخر في خطبة عمر رضي الله عنه بالجابية، وما فيها من الفوائد المتعلِّقة بالشَّهادت وغيرها

(774) قال الإمام أحمد 1: ثنا علي بن إسحاق، أنا عبد الله -يعني: ابن المبارك 2 -، أنبأنا محمد بن سُوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمرَ: أنَّ عمرَ خَطَب بالجابِيَة 3، فقال: قام فينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَقامي فيكم، فقال: «استَوصُوا بأَصحابي خيرًا، ثم الذين يَلَونهُم، ثم الذين يَلَونهَم، ثم يَفشُو الكذبُ، حتى إنَّ الرَّجلَ لَيَبتَدِئُ بالشَّهادةِ قبلَ أن يُسأَلَها، فمن أراد منكم بحبَحَةَ الجنَّةِ، فليَلزَمِ الجماعةَ، فإنَّ الشَّيطانَ مع الواحدِ، وهو من الاثنين أبعدُ، لا يخلُونَّ أحدُكُم بامرأةٍ، فإنَّ الشَّيطانَ ثالثُهما، / (ق 294) ومَن سرَّتهُ حسنتُهُ، وسَاءَتهُ سيِّئتُهُ، فهو مؤمنٌ».
ورواه الترمذي في الفتن 4، عن أحمد بن مَنيع.
والنسائي في عشرة النِّساء 5، عن محمد بن الوليد الفحَّام.
كلاهما عن أبي المغيرة النَّضر بن إسماعيل، عن محمد بن سُوقة، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه النسائي -أيضًا- 6، عن صفوان بن عمرو الحمصي، عن موسى بن أيوب، عن عطاء بن مسلم، عن ابن سُوقة، عن أبي صالح

قال: قَدِمَ عمرُ ... ، فذَكَره.
وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» 1، عن الحسن بن سفيان، عن حَبَّان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك، عن ابن سُوقة، كما رواه الإمام أحمد.
قال أبو الحسن الدارقطني 2: هكذا رواه النَّضر بن إسماعيل، وعبد الله بن المبارك، والحسن بن صالح 3، عن محمد بن سُوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمرَ، عن عمرَ، به.
وخالَفَهم يزيد بن أسامة بن الهاد، فرواه عن عبد الله بن دينار، عن الزهري: أنَّ عمرَ لمَّا قَدِمَ الشَّامَ خَطَبَهم ... ، فذَكَر مثلَه 4. قلت: كذا رواه النسائي 5، عن الرَّبيع بن سليمان بن داود، عن إسحاق بن بكر بن مُضَر، عن أبيه، عن يزيد بن الهاد، به.
وهو منقطع، لكن قد رُويت هذه الخطبةُ عن عمرَ من وجوه عديدة إذا تُتبِّعت بَلَغت حدَّ التَّواتر.
فمن ذلك: ما رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» 6، حيث قال: أنا شعبة 7، عن عبد الملك بن عُمَير قال: سَمِعتُ جابر بن سَمُرة قال: خَطَبنا

عمرُ بالجابِيَة ... ، فذَكَره، بنحوه.
ورواه أحمد 1، عن جرير / (ق 295) بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عُمَير، به.
وأخرجه النسائي 2، وابن ماجه 3 من حديث جرير.
ورواه ابن حبان في «صحيحه» 4، عن أبي يعلى الموصلي 5، عن أبي خيثمة وعلي بن حمزة المِعْوَلي.
كلاهما عن جرير، به.
ورواه الإمام علي ابن المديني، عن جرير بن عبد الحميد.
وعن وهب بن جرير، عن أبيه.
كلاهما عن عبد الملك بن عُمَير، عن جابر بن سَمُرة، به.
قال: وخالَفَهما زائدة ومعمر، فروياه عن عبد الملك بن عُمَير، عن رجل، عن ابن الزُّبير.
ورواه ابن عيينة، عن عبد الملك بن عُمَير، مرسلاً.

ثم ساقه من هذه الطرق، ولم يحكم فيه بشيء، ولكن قال: قلت لسفيان فيه، فقال: ثنا ابن أبي لبيد، عن ابن سليمان بن يَسَار، عن أبيه: أنَّ عمرَ خَطَبَ 1. فلمَّا حفظته من ابن أبي لبيد لم أهتمُّ بحديث عبد الملك بن عُمَير.
قال علي: وَوَجْدناه في كتاب ابن أبي شيبة 2، عن شيخ ضعيف الحديث، يقال له: يحيى بن يعلى التَّيمي، جَعَله عن عبد الملك بن عُمَير، عن قَبيصة بن جابر! وليس هذا عندنا بمحفوظ؛ لأنَّه لم يقله أحدٌ من الحفَّاظ، وإنما كتبناه لِيُعرَف.
ومنها: ما رواه عَبد بن حميد في «مسنده» 3، عن عبد الرزاق، عن معمر 4، عن عبد الملك بن عُمَير، عن عبد الله بن الزُّبير قال: خَطَبنا عمر بالجابِيَة ... ، فذَكَره.
ورواه النسائي 5 من حديث يونس بن أبي إسحاق، والحسين بن واقِد.
كلاهما عن عبد الملك بن عُمَير، به.

ورواه أبو يعلى 1، عن إبراهيم بن الحجاج، عن حماد، عن عبد الله بن المختار، عن عبد الملك بن عُمَير، به.
وقد تكلَّم أبو الحسن الدارقطني 2 -رحمه الله- على هذا الحديث بكلام طويل، حاصله: أنَّه قد رواه جماعة عن عبد الملك بن عُمَير، عن جابر بن سَمُرة، عن عمرَ.
ورواه آخرون عن عبد الملك، عن ابن الزُّبير، عن عمرَ.
قال: ويشبه أن يكون الاضطِّراب من عبد الملك؛ لكثرة اختلاف الثقات عليه 3. قلت: عبد الملك من أئمَّة التابعين وساداتهم، وليس الاضطِّراب في حديث مستحيلاً عليه، ولكن ههنا الاضطِّراب بعيد، لأنَّ هذه الخطبة شهدها خَلْق كثير، فلا يبعد أن يكون عبد الملك قد سَمِعَها من جماعة منهم، فمن الجائز أنَّه سَمِعَها من عبد الله بن الزُّبير ومن جابر بن سَمُرة، فرواها تارة عن هذا، وتارة عن هذا، والله أعلم.
ومنها: / (ق 296) مارواه مسلم 4 من حديث سُوَيد بن غَفَلة: أنَّه سَمِعَ عمرَ يخطب بالجابِيَة، يقول: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن لُبس الحرير

إلا موضعَ إصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ.
(775) وقال أبو داود الطيالسي 1: ثنا حماد بن (يزيد) 2، عن معاوية بن قُرَّة، عن كَهْمس -رجل من بني هلال-، أنَّه سَمِعَ عمرَ بن الخطاب يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «خيرُ أُمَّتي القَرنُ الذي أنا منه، ثم الثاني، ثم الثالثُ، ثم يَنشَأُ قومٌ تَسبِقُ أيمانُهُم شهاداتِهِم، يَشهَدُون مِن غيرِ أن يُستَشهَدُوا، لهم لَغَطٌ في أَسواقِهِم».

فوائد من خطبة عمر بالجابِيَة

(776) روى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَني 1: ثنا بِشر بن السَّري، ثنا ابن لَهِيعة، ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، عن عروة، عن أبي البَختَري، عن الباهلي، أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- قال بالجابِيَةِ: تعلَّموا القرآنَ تُعْرَفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنَّه لم يبلغ منزلة ذي حقٍّ أن يطاع في معصية الله، واعلموا أنَّه لا يُقرِّب من أجل، ولا يُبعد من رزق، قولٌ بحقٍّ، وتذكيرٌ بعظيم.
واعلموا أنَّ بين العبد وبين رزقه حجابٌ، فإنَ صبر أتاه رزقُه، وإن اقتَحَم هَتَك الحجابَ، ولم يُدرك فوق رزقِهِ.
أَدِّبوا الخيلَ، وانتضلوا، وانتعلوا، (وتسرولوا) 2، وتَمَعددوا، وإيَّاي وأخلاقَ العجم، ومجاورةَ الخنازير، وأن يُرفَعَ بين ظَهْرانيكم صليبٌ، وأن تجلسوا على مائدة / (ق 297) يُدارُ عليها الخمرُ، أو تدخلوا الحمَّامَ بغير إزار، أو تَدَعوا نساءَكم يدخلن الحمَّاماتِ، فإنَّ ذلك لا يحلُّ.
وإيَّاي أن تكسبوا من عقد 3 الأعاجم بعد نزولكم في بلادهم ما يحبسكم في أرضهم، فإنَّه توشكون أن ترجعوا إلى بلادكم، وإيَّاي والصَّغارَ أن تجعلوه في رقابكم.
وعليكم بأموال العرب الماشية، تنزلون بها حيثُ نزلتم.

واعلموا أنَّ الأشربةَ تصنعُ من ثلاث: من الزَّبيب، والعسل، والتَّمر، فما عَتَقَ منه فهو خمرٌ لا يحلُّ.
واعلموا أنَّ اللهَ لا يزكِّي ثلاثةً، ولا ينظرُ إليهم، ولا يُقرِّبهم يوم القيامة، ولهم عذابٌ أليمٌ: رجلٌ أَعطى إمامَه صفقتَه يريد بها الدُّنيا، فإن أصابها وفَّى له، وإن لم يصبها لم يَفِ له، ورجلٌ خَرَج بسلعته بعد العصر، فحَلَف بالله لقد أُعطي بها كذا وكذا، فاشتُريت لقوله.
وسبابُ المسلم فسوقٌ، وقتاله كُفْر، لا يحلُّ لك أن تهجرَ أخاك فوقَ ثلاثٍ.
ومن أتى ساحرًا أو كاهنًا أو عرَّافًا، فصدَّقه بما يقول؛ فقد كَفَر بما أُنزِلَ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
إسناد جيد، وله شواهد.

حديث يُستدل به على أنه لا تقبل شهادة الوالد لولده

(777) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 1: ثنا إبراهيم بن هانئ، ثنا محمد بن بلال، ثنا سعيد بن بشير، عن مُطرِّف 2، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم / (ق 298) فقال: إنَّ أبي يريد أن يأخذَ مالي، فقال: «أنت ومالكَ لأبيكَ».
ثم قال البزَّار: قد رواه غير (مُطرِّف) 3، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب «العلل» 4: سألت أبي عن حديث رواه سعيد بن بشير، عن مَطَر 5، عن عمرو بن شعيب -أحسبه-، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «أنت ومالُكَ لأبيك»؟ فقال أبي: هذا خطأ، إنما هو عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم 6.

قلت: ورواه الإمام أحمد 1، وأبو داود 2 من حديث حبيب المعلِّم.
وابن ماجه 3 من حديث حجَّاج أرطاة 4. كلاهما عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، فالله أعلم 5.

أثر في الشهادة على القذف، وقصَّة أبي بَكرة وزياد والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم

(778) قال أبو بكر بن أبي شيبة 1: ثنا أبو أسامة، عن عَوف، عن قَسَامة بن زُهَير قال: لمَّا كان من شأن أبي بكرة والمغيرة الذي كان ... ، فذَكَر الحديث.
قال: فدعا الشُّهود، فشهد أبو بَكرة وشِبل بن مَعبد وأبو عبد الله نافع، فقال عمرُ حين شهد هؤلاء الثلاثة شقَّ على عُمرَ شأنُه 2، فلما قام زياد، قال: لن يشهدَ -إن شاء الله- إلا بحقٍّ.
قال زياد: أما الزِّنى فلا أشهد به، ولكن قد رأيتُ أمرًا قبيحًا.
قال عمرُ: الله أكبر، حُدُّوهم.
فجَلَدهم 3. قال: فقال أبو بَكرة بعد ما ضَرَبه: أشهد أنه زانٍ.
فَهَمَّ عمر أن يُعيدَ عليه الحدَّ، فنهاه عليٌّ، وقال: إنْ جَلَدتَه، فارجُم صاحبَك.
فتركه ولم يَجلِده.
/ (ق 299) طريق أخرى (779) قال الحافظ أبو بكر البيهقي 4: أنا الحاكم، أنا أبو الوليد

الفقيه، أنا أبو القاسم البغوي 1، ثنا عبد الله بن مُطيع، عن هشيم، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جَوشَن، عن أبيه، عن أبي بَكرة ... ، فذَكَر القصَّة، كما تقدَّم.
(780) وقال علي بن زيد بن جُدعان، عن عبد الرحمن بن أبي بَكرة: أنَّ أبا بَكرة وزيادًا ونافعًا وشِبل بن مَعبد كانوا في غرفة، والمغيرة في أسفل الدَّار، فهبَّت ريحٌ، ففتحت البابَ، ورفعت السِّترَ، فإذا المغيرة بين رجليها، فقال بعضهم لبعض: قد ابتُلينا ... ، فذَكَر القصَّة.
قال: فشهد أبو بَكرة ونافع وشِبل، وقال زياد: لا أدري، أنكحها أم لا؟ فجَلَدهم عمرُ -رضي الله عنه- إلا زيادًا.
فقال أبو بَكرة رضي الله عنه: أليس قد جَلَدتموني؟ قال: بلى، قال: فأنا أشهد بالله لقد فعل.
فأراد عمرُ أن يَجلِدَه -أيضًا-.
فقال عليٌّ: إن كانت شهادةُ أبي بَكرة شهادةَ رجلين فارجُمْ صاحبَك؛ وإلاَّ فقد جَلَدتموه 2.

يعني: لا يُجلَد ثانيًا بإعادة القذف.
طريق أخرى (781) وقال الشافعي 1: أنا سفيان بن عيينة، سَمِعتُ الزهري يقول: زَعَم أهل العراق أنَّ شهادة القاذف لا تجوز، فأشهد لأخبرني سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال لأبي بَكرة: تُبْ نَقبلُ شهادتَك.
أو: إن تُبتَ قَبِلتُ شهادتَك.
ثم حكى الشافعي عن ابن عيينة أنه شك في روايته، فاحتشم عنه الشافعي 2، فكان يَرويه بَعدُ عمَّن يثق به عن الزهري، عن سعيد: أنَّ عمرَ لمَّا جَلَد الثلاثة استتابهم، فرجع اثنان، فَقَبِلَ شهادتَهما، وأَبَى أبو بَكرة أن يرجع، فردَّ شهادتَه.

وهكذا رواه محمد بن إسحاق 1، عن الزهري / (ق 300) قال: وكان أفضلَ القوم.
ورواه الأوزاعي 2، عن الزهري، كذلك.
قال البيهقي 3: ورواه محمد بن يحيى الذُّهْلي، عن أبي الوليد، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، به.
وهذه طرق صحيحة عن عمرَ رضي الله عنه وأرضاه.
فأما قبول رواية أبي بَكرة فمجمع عليه 4.

جارٍ التحميل