آثار عن عمرَ رضي الله عنه في الترغيب في التجارة
(388) قال البخاري في كتاب «الأدب المفرد» 1: ثنا أبو نعيم، ثنا حَنَش بن الحارث، عن أبيه قال: كان الرَّجل منَّا تُنتج فرسُه، فينحرها، فيقول: أنا أعيشُ حتى أركبَ هذا؟! فجاءنا كتابُ عمرَ رضي الله عنه: أنْ أَصلِحُوا ما رَزَقَكُمُ اللهُ، فإنَّ في الأمرِ تنفيسًا 2. حَنَش هذا: روى عنه جماعة، منهم: وكيع، وأبو نعيم الفضل بن دُكَين، وقال: كان ثقة 3. وقال أبو حاتم الرازي 4: لا بأس به.
(389) وقال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا رحمه الله 1: ثنا محمد بن رزق الله، ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، ثنا هارون الأعور، عن الزُّبير بن الخرِّيت، عن محمد بن سيرين، عن أبيه قال: شَهِدتُ مع عمرَ -رضي الله عنه- المغربَ، فأتى عليَّ 2 ومعي رُزَيمةٌ لي 3، فقال: ما هذا معك؟ فقلتُ: إنيِّ أقومُ في هذا السُّوق فأشتري وأبيعُ.
فقال: يا معشرَ قريش، لا يَغلبنَّكم هذا وأمثالُه 4 على التجارةِ، فإنها ثُلُثُ المُلْكِ.
إسناد جيد.
(390) وقال أيضًا 5:
ثنا علي بن الجَعْد، ثنا المسعودي، ثنا جوَّاب التَّيمي قال: قال عمرُ: يا معشرَ القرَّاءِ، ارفَعوا رؤوسَكم، فقد وَضَح لكم الطريقُ، واستبقوا الخيراتِ، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين.
(391) وقال أيضًا 6: / (ق 149)
ثنا يعقوب بن (عبيد) 1، ثنا يزيد بن هارون، أنا هشام، عن الحسن قال: قال عمرُ رضي الله عنه: مَن تَجَرَ في شيءٍ ثلاثَ مراتٍ فلم يُصبْ فيه شيئًا فلَيَتحوَّلْ إلى غيرِهِ.
إسناد حسن (!)
(392) وقال أيضًا 2: حدثني أبو جعفر (محمد) 3 بن الحارث بن المبارك، عن شيخ من قريش 4، قال: قال عمرُ رضي الله عنه: لو كنتُ تاجرًا ما اختَرتُ على العطرِ شيئًا، إنْ فاتني ربحُهُ لم يَفتني ريحُهُ.
هذا منقطع عن عمرَ.
حديث في النهي عن بيع الخمر، وما لا يحلُّ أكله، ويستفاد منه أنَّ بيع النجاسة لا يصحُّ، وأنَّ الحيل حرام
(393) قال الإمام أحمد 1: ثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس قال: ذُكِرَ لعمرَ -رضي الله عنه- أنَّ سَمُرةَ باع خمرًا، فقال: قاتَلَ اللهُ سَمُرةَ، إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَعَنَ اللهُ اليهودَ، حُرِّمت عليهم الشُّحومُ، فجَمَلُوها، فباعُوها».
ورواه البخاري 2، عن الحميدي 3، وعلي ابن المديني.
ومسلم 4، عن أبي بكر بن أبي شيبة 5 / (ق 149) 6، وزُهَير بن حرب، وإسحاق بن راهويه (س) 7. كلُّهم عن سفيان، به.
ورواه مسلم -أيضًا- 8، عن أميَّة بن بِسطام، عن يزيد بن زُرَيع، عن رَوْح بن القاسم، عن عمرو بن دينار، به.
طريق أخرى
(394) قال علي ابن المديني: وحدثناه عبيد الله بن موسى، أنا شيبان، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، عن عمرَ، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَعَنَ اللهُ اليهودَ، / (ق 150) يحرِّمون شُحومَ الغَنَمِ، ويأكلون أثمانَها» 1.
قلت: إسناد صحيح، ولم يخرِّجوه.
حديث آخر
(395) قال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطَّبراني 2: ثنا
محمد بن الفضل السَّقَطي، ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، ثنا يزيد بن عبد الملك النَّوفلي، عن يزيد بن خُصَيفة، عن السَّائب بن يزيد، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثمنُ القَينةِ 1 سُحْتٌ 2، وغِنَاؤها حرامٌ، والنظرُ إليها حرامٌ، وثمنُها مثلُ ثمنِ الكلبِ، وثمنُ الكلبِ سُحْتٌ، ومَن نَبَتَ لحمُهُ على السُّحْتِ، فالنَّارُ أولى به».
غريب جدًّا، ويزيد بن عبد الملك هذا: ضعَّفوه 3.
حديث آخر في بيع الطعام
(396) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 1: ثنا زُهَير، ثنا يونس بن محمد، ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن اشترى طعامًا، فلا يَبِعْهُ حتى يَستوفِيَهُ».
إسناده حسن، ولم يخرِّجه أهل السُّنن، فإنَّه على شرطهم، وإن كان في العُمَري كلام.
حديث فيمن باع عبدًا له مال
(397) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 1: ثنا الحسن بن عرفة، ثنا هشيم، ثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن باع عبدًا وله مالٌ، فمالُهُ للبائعِ إلا أن يَشترِطَ المُبتاعُ، ومَن باع نخلاً قد أُبِّرَت 2، فثَمَرتُها للبائعِ، إلا أنْ يَشترِطَ المُبتَاعُ».
وهكذا / (ق 151) رواه النسائي 3، عن هلال بن العلاء، عن أبيه، عن هشيم، به.
وهو إسناد جيد ظاهرًا، لكن قال الحافظ أبو بكر البزَّار عقيب ذلك: أخطأ فيه سفيان بن حسين على الزهري، فقد رواه الحفَّاظ عنه، عن سالم، عن أبيه فقط، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم 4.
قلت: كذلك هو مخرَّج في «الصحيحين»، وغيرهما 5،
كما سيأتي 1.
طريق أخرى
(398) قال الهيثم بن كُلَيب في «مسنده» 2: ثنا حنبل بن إسحاق، ثنا عفَّان، ثنا عبدالوارث، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَن باع عبدًا له مالٌ، فمالُهُ للذي باعَهُ، إلا أنْ يَشترِطَ المبتاعُ».
وهكذا رواه النسائي في العتق من «سننه» 3، عن هلال بن العلاء، عن أبيه، عن محمد بن سَلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وزاد قصة النَّخل.
وقد رواه أبو داود 4، عن القَعْنبي، عن مالك 5، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فجعله من مسند ابن عمر، كما سيأتي 6 في «الصحيحين» 7.
لكن رواه النسائي -أيضًا- 1 من حديث اللَّيث بن سعد وعبيد الله بن عمر، وأيوب.
ثلاثتهم عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّ عمرَ قَضَى في العبدِ يُباعُ وله مالٌ: أنَّ مالَه للذي باعَهُ، إلا أنْ يَشترِطَ المبتاعُ.
ثم قال 2: وهذا هو الصواب، وحديث هلال بن العلاء خطأ.
وذَكَر الدارقطني في «العلل» 3 فيه اختلافًا كثيرًا، ثم قال: والصواب: عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ -رضي الله عنه-، قولَه 4.
/ (ق 152)
حديث في خيار الشَّرط
(399) قال عبد الله بن وهب: عن ابن لَهِيعة، عن حَبَّان بن واسع، عن يزيد بن رُكَانةَ: أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- خَطَب، فقال: لا أَجدُ لكم في بيوعِكُم في الرَّقيقِ شيئًا أفضلَ ممَّا جَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للمُنقِذ بن عمرو: ثلاثةَ أيامٍ فيما اشتَرى وباع.
ورواه عثمان بن سعيد الحمصي، عن ابن لَهِيعة: أنَّ حَبَّان حدَّثه عن طلحة بن يزيد بن رُكَانة أنَّه قال: كُلِّم عمرُ -رضي الله عنه- في البيوع، فقال: لا أجدُ لكم أوسعَ ممَّا قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لحَبَّان بن مُنقِذ، أنَّه كان رجلاً ضريرًا، فجعل له عهدَهُ ثلاثةَ أيامٍ فيما اشتَرى، إنْ رَضِيَ أَخَذَ، وإنْ سَخِطَ تَرَكَ 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ورواه محمد بن إسحاق، فاضطرب في متنه وإسناده:
أما الاضطراب في متنه: فقد أخرجه أحمد (2/ 129) والحميدي (2/ 292 رقم 662) وابن الجارود (2/ 158 رقم 567) -ومن طريقه: ابن بشكوال في «الغوامض والمبهمات» (1/ 131 رقم 73) - والدارقطني (3/ 54 - 55) -ومن طريقه: الخطيب في «الأسماء المبهمة» (ص 365) - والحاكم (2/ 22) والبيهقي (5/ 273) من طريق محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمرَ: أن حبَّان بن مُنقِذ كان سُفع في رأسه مأمومة فثقلت لسانه، وكان يُخدع في البيع، فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مما ابتاع فهو بالخيار ثلاثًا، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بِع، وقل: لا خلابة».
فسمعته يقول: لا خيابة، لا خيابة.
وقد اضطرب في تعيين صاحب القصة:
فمرَّة قال: «حبَّان بن مُنقِذ «!
ومرَّة قال: «مُنقِذ بن عمرو «!
ومرَّة قال: «عن رجل من الأنصار «!
ومرَّة يذكر الاشتراط! ومرَّة لا يذكره!
وأما الاضطراب في إسناده:
فمرَّة قال: عن نافع، عن ابن عمر! كما سبق.
ومرَّة قال: عن محمد بن يحيى بن حبَّان قال: كان جدِّي مُنقِذ بن عمرو قد أصابته آمة في رأسه، فكَسَرت لسانه، وكان لا يدع على ذلك التجارة، وكان لا يزال يغبن، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال له: «إذا أنت بايعتَ، فقل: لا خلابة، ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك، وإن سخطتَ فاردُدها على صاحبها».
زاد بعضهم: وكان في زمن عثمان بن عفان حتى فشا الناس وكثروا شاع البيع في السوق، فيرجع إلى أهله وقد غُبن غَبنًا قبيحًا، فيلومونه، ويقولون: لم تبتاع؟ فيقول: أنا بالخيار ثلاثًا، فيرد السلعة على صاحبها من الغد، وبعد الغد، فيقول: والله لا أقبلها، قد أخذت سلعتي وأعطيتني دراهمي، قال: يقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلني بالخيار ثلاثًا.
ومن هذا الوجه: أخرجه البخاري في «التاريخ الأوسط» =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (1/ 474 - 475 رقم 210 - ط مكتبة الرشد) وابن أبي شيبة في «مسنده» (2/ 95 رقم 594) -وعنه: ابن ماجه (2/ 789 رقم 2355) في الأحكام، باب الحجر على من يُفسد ماله- والدارقطني (3/ 55 - 56) -ومن طريقه: الخطيب في «الأسماء المبهمة» (ص 365) - والبيهقي (5/ 273) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (5/ 2618 رقم 6302، 6303).
وهذه الرواية مرسلة، قال الذهبي في «الميزان» (3/ 474): هذا غريب، وفيه انقطاع بين ابن حبَّان وبين جدِّ أبيه.
وأما ما وقع في رواية ابن أبي شيبة من تصريح محمد بن يحيى بن حبَّان بالسماع من جدِّه، فلم يصرِّح ابن إسحاق فيها بالسماع، وقد قال ابن الصلاح عن رواية الاشتراط: منكرة لا أصل لها.
انظر: «التلخيص الحبير» (3/ 21).
ومرَّة قال: عن محمد بن يحيى بن حبَّان قال: إنما جعل ابنُ الزبير عهدةَ الرقيق ثلاثًا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمُنقِذ بن عمرو، قال: «لا خلابة إذا بِعت بيعًا، فأنت بالخيار ثلاثًا».
ومن هذا الوجه: أخرجه ابن أبي شيبة (13/ 149 رقم 37324 - ط مكتبة الرشد) في الرد على أبي حنيفة، باب مسألة خيار الشرط، والدارقطني (3/ 56).
وكل هذا يدلك على اضطراب ابن إسحاق، وقد أورده ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (4/ 491 - 492) مستدرِكًا على عبدالحق الإشبيلي إيرادَه إيَّاه ساكتًا عنه.
وقد أخرج هذا الحديثَ البخاريُّ (4/ 337 رقم 2117 - فتح) في البيوع، باب ما يُكره من الخداع في البيع، ومسلم (3/ 1165 رقم 1533) في البيوع، باب من ينخدع في البيع، من رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ولفظه: أنَّ رجلاً ذُكر للنبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه يُخدع في البيوع، فقال: «إذا بايعت، فقل: لا خلابة».
ولم يأت للاشتراط ذِكر في هذه الرواية.
ومع هذا الاختلاف الوارد في رواية ابن إسحاق؛ فقد صحَّحه محققو «مسند الإمام أحمد» (10/ 282 - 283 رقم 6134 - ط مؤسسة الرسالة) وحسَّنه الحويني في تعليقه على «منتقى ابن الجارود»؛ لأجل تصريح ابن إسحاق بالسماع!
حديث في الرِّبا والصَّرف
(400) قال البخاري 1: ثنا عبد الله بن يوسف، أنا مالك 2، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس أنَّه أَخبَرَه: أنَّه التَمَسَ صَرفًا بمائةِ دينارٍ، قال: فدعاني طلحةُ بن عبيد الله، فتَرَاوَضنا 3 حتى اصْطَرَف منيِّ، فأَخذ الذَّهَب يُقلِّبُها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة.
وعمرُ يَسْمع ذلك، فقال: واللهِ لا تفارقُهُ حتى تأخذَ منه، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الذَّهَبُ بالوَرِقِ 4
رِبًا، إلا هَاءَ وهَاءَ 5، والبُرُّ بالبُرِّ رِبًا، إلا هَاءَ وهَاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ رِبًا، إلا هَاءَ وهَاءَ، والتَّمرُ بالتَّمرِ رِبًا، إلا هَاءَ وهَاءَ».
ثم رواه البخاري / (ق 153) مع بقية الجماعة 1 من طرق متعددة، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، به.
وفي «مستخرج الحافظ أبي بكر البَرْقاني»: «الوَرِقُ بالوَرِقِ ربًا، إلا هَاءَ وهَاءَ، والذَّهَبُ بالذَّهَبِ ربًا، إلا هَاءَ وهَاءَ».
أثر عن عمر
(401) قال البخاري 2: ثنا محمد بن بشَّار، ثنا غُندَر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البَختَري قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن السَّلَم في النَّخل، فقال: نهى عمرُ 3
عن بيع الثَّمرِ حتى يَصلُحَ، ونهى عن الذَّهَب بالوَرِق نَسَاءً بناجزٍ.
وسألتُ ابنَ عباس، فقال: نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن بيعِ النَّخلِ حتى يأكُلَ أو يُؤكَلَ، وحتى يُوزَن.
قلت: وما يُوزَن؟ قال رجل عنده: حتى يُحرَزَ.
أثر آخر
(402) قال أبو عبيد 1: ثنا هشيم، أنا المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عمرَ: أنَّه خَطَب، فذَكَر الرِّبا، فقال: إنَّ منه أبوابًا لا تخفى على أحد، منها: السَّلَمُ في السِّنِّ 2، وأن تُباعَ الثَّمرةُ وهي مُغضَفَةٌ لمَّا تَطِبْ، وأن يُباعَ الذَّهبُ بالوَرِقِ نَسَاءً 3.
قال أبو عمرو: المُغْضَفَة: المتدلية في شجرها، وكلُّ مُسْتَرخٍ أَغضَفُ، ومنه قيل للكلاب: غُضْفٌ، لأنها مُسْتَرخِيَة الآذانِ.
قال أبو عبيد: [والكراهية 4] من ذلك: النهيُّ عن بيعها قبل بُدُو الصَّلاح.
حديث في النهي عن الاحتكار
(403) قال الإمام أحمد 1: ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا الهيثم بن رافع الطَّاطَري، حدثني أبو يحيى -رجل من أهل مكة-، عن فَرُّوخ مولى عثمان: أنَّ عمرَ -وهو يومئذٍ أميرُ المؤمنين- خَرَج إلى المسجد، فرأى طعامًا منثورًا، فقال: ما هذا الطعامُ؟ فقالوا: طعامٌ جُلِبَ إلينا.
قال: بارك اللهُ فيه، وفيمن جَلَبَهُ.
قيل: يا أميرَ المؤمنين، فإنَّه قد احتُكِرَ.
قال: ومَن احتَكَرَهُ؟ قالوا: فَرُّوخ مولى عثمان وفلان مولى عمر، فأَرسَلَ إليهما، فدعاهما، فقال: ما حَمَلكُما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أميرَ المؤمنين، نشتري بأموالنا ونبيعُ.
فقال عمرُ رضي الله عنه: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
يقول: «مَن احتَكَرَ على المسلمين طعامَهم ضَرَبَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ بالإفلاسِ أو بِجُذَامٍ».
فقال فَرُّوخ عند ذلك: يا أميرَ المؤمنين، أُعاهدُ اللهَ وأُعاهِدُك ألا أعودَ في طعامٍ أبدًا.
وأما مولى عمر، فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيعُ.
قال أبو يحيى: فلقد رأيتُ / (ق 154) مولى عمرَ مجذومًا.
وقد رواه ابن ماجه 1 -مختصرًا-، عن يحيى بن حكيم، عن أبي بكر الحنفي، عن الهيثم بن رافع، به، ولفظه: «مَن احتَكَرَ على المسلمين طعامَهم، ضَرَبَهُ اللهُ بالجُذَامِ والإفلاسِ».
ورواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن القَوَاريري، عن الهيثم الطَّاطَري قال: حدثنا أبو يحيى مولى عمر بن الخطاب -وكان قد أدرك عمر-: أنَّ عمرَ قال: سَمِعتُ رسولَ الله يقول: «مَن احتَكَرَ على المسلمين طعامَهم، ضَرَبَهُ اللهُ بجُذَامٍ، أو بإفلاسٍ» 2.
هكذا وَجَدتُهُ، ليس فيه ذِكر فَرُّوخ، فالله أعلم.
طريق أخرى
(404) قال علي ابن المديني: ثنا محمد بن عبد الله الأسدي، أنا إسرائيل، عن علي بن سالم بن ثوبان، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الجالِبُ مرزوقٌ، والمُحتَكِرُ ملعونٌ» 3.
ثم قال: هذا حديث كوفي، ضعيف الإسناد، منكر، مع أنَّه منقطع من قِبَل سعيد بن المسيّب، وقد روي عن عمرَ قوله في الحكرة من طريق أخرى.
قلت: هذه الطريق تقوى بالأولى، كما أنَّ تلك تقوى بهذه، فيُحسَّن الحديث 1، والله أعلم.
وأما ما روي عن عمرَ من قوله:
(405) فقال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا 2: ثنا علي بن الجَعْد 3، ثنا ابن أبي ذِئب، عن كثير 4، عن سعيد بن المسيّب قال: قال عمرُ بن الخطاب: نِعمَ الرَّجلُ فلانٌ لولا بيعُهُ.
قلت لسعيد: وما كان يبيعُ؟ قال: / (ق 155) الطعام.
قلت: وببيعِ الطعامِ بأسٌ؟ 5 قال: ما بَاعَهُ رجلٌ إلا وَجَدَ للناسِ.
أثر آخر
(406) قال الترمذي 6: ثنا عباس بن عبد العظيم، ثنا ابن مهدي، ثنا
مالك 1، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال عمرُ رضي الله عنه: لا يَبِعْ في سُوقنا هذا إلا مَن تَفَقَّه في الدِّين.
هكذا ذَكَره الترمذي في كتاب الصلاة من «جامعه»، في باب فضل الصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وهو إسناد حسن صحيح.
أثر في التَّسعير
(407) قال أبو يحيى المُزَني 1: ثنا أبو عبد الله الشافعي، ثنا الدَّرَاوَردي، عن داود بن صالح التَّمَّار، عن القاسم بن محمد، عن عمرَ: أنَّه مَرَّ بحاطبٍ بسوقُ المُصلَّى، وبين يديه غِرَارَتان 2 فيهما زبيب، فسأله عن سِعرهما، فسَعَّر له مُدَّين بكل درهم، فقال له عمر: قد حُدِّثتُ بعيرٍ مُقبلةٍ من الطائفِ تَحملُ زبيبًا، وهم يعتبرون بسعرِكَ، فإما أن ترفعَ في السِّعر، وإما أن تُدخِلَ زبيبكَ البيتَ فتَبيعُهُ كيف شئتَ.
فلمَّا رجع عمرُ حاسَبَ نفسَهُ، ثم أتى حاطبًا في داره، فقال له: إنَّ الذي قلتُ ليس بعزمةٍ منيِّ ولا قضاءً، إنما هو شيء أردتُ به الخيرَ لأهل البلد، فحيثُ شئتَ فَبِعْ، وكيف شئتَ فَبِعْ.
وقد رواه ابن وهب 3، عن مالك 4، عن يونس بن يوسف، عن سعيد بن المسيّب قال: مَرَّ عمرُ / (ق 156) بن الخطاب على حاطب بن أبي بَلتَعة وهو يبيعُ زبيبًا بالسُّوق، فقال له عمر: إمَّا أنْ تزيدَ في السعر، وإمَّا أنْ ترفعَ من سوقِنا.
حديث يُذكر في كتاب الصُّلح، فيه الدِّلالة على جواز أن يشرع الرَّجل ميزابًا إلى الطريق النافذة
(408) قال الإمام أحمد 1:
ثنا أسباط بن محمد، ثنا هشام بن سعد، عن عبيد الله بن عباس قال: كان للعباسِ ميزابٌ على طريق عمرَ، فلَبِسَ عمرُ ثيابَه يومَ الجمعةِ، وقد كان ذُبِحَ للعباس فَرْخَانِ، فلمَّا وافَى الميزابَ صُبَّ ماءٌ بدمِ الفَرْخين، فأصاب عمرَ، فأمر عمرُ بِقَلْعِهِ، ثم رجع، وطَرَحَ ثيابَهُ، ولَبِسَ ثيابًا غيرَ ثيابِهِ، ثم جاء، فصلَّى بالناس، فجاءه العباسُ، فقال: والله إنَّه لَلْموضعُ الذي وَضَعَهُ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عمرُ للعباس: وأنا أَعزِمُ عليك لما صَعَدتَ على ظَهْري حتى تَضَعَهُ في الموضعِ الذي وَضَعَهُ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم 2.
(409) ورواه أبو داود في «المراسيل» 1، عن أحمد بن عَبدة، عن
سفيان، عن أبي هارون المدني قال: كان في دارِ العباسِ ميزابٌ نُصِبَ في المسجدِ، فجاء عمرُ فقَلَعَهُ ... ، الحديث.
وهذا الحديث أليق بمسند العباس، وإنما قدَّمناه ههنا لتصديق عمر إيَّاه على ذلك.
أثر في الفَلَس والحَجْر على المبذِّر
(410) قال الإمام مالك 1: عن عمرَ بن عبد الرحمن بن دِلاَف المُزَني، عن أبيه: أنَّ عمرَ قال: أمَّا بعدُ، أيها الناسُ، فإن الأُسَيفعَ أُسَيفعُ جُهَينةَ، رَضِيَ من دِينِهِ وأمانتِهِ بأن يقال: سَبَقَ الحاجَّ، ألا وإنِّه ادَّان مُعرِضًا، فأصبحَ قد رِينَ به، فمَن كان له دَينٌ فليأْتنا بالغداة، نَقِسمُ مالَهُ بين غُرمائِهِ، ثم وإيَّاكم والدَّينَ، فإنَّ أوَّله هَمٌّ، وآخرَهُ حَرَبٌ 2. ورواه أبو عبيد 3، عن أبي النَّضر، عن عبد العزيز بن عبد الله،
عن 1 أبي سَلَمة، عن ابن دِلاف، عن عمرَ، به.
قال: ادَّان مُعرِضًا: أي: استعرَضَ الناسَ، فاستَدَانَ ممَّن أمكنَهُ.
وقوله: وقد رِينَ به: أي: وَقَع فيما لا يَستطيعُ الخروجَ منه، ولا قِبَلَ له به.
قال أبو عبيد: وهذا مذهب أهل الحجاز، وبه كان يَحكم أبو يوسف، وأما أبو حنيفة، فقال: يُحبس أبدًا، أو يقضي دينَه.
أثر آخر
(411) قال إسحاق بن راهويه 1: أنا الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه.
وعن أبي الزِّناد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة وغيرهم: أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ -رضي الله عنهما- كانا يَستحلفانِ المعسرَ باللهِ ما يَجدُ مالاً يقضيه من عَرْضٍ 2 ولا قرضٍ -أو قال: ناضٍّ 3 -، ولئن وَجَدتَ من حيثُ لا يعلمُ لَتَقضينَّهُ، ثم يُخلِّيانِ سبيلَهُ.
أثر يُذكر في باب الحَجْر على اليتيم
(412) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا 1: ثنا أبو خيثمة، ثنا وكيع، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب قال: قال عمرُ رضي الله عنه: إنِّي أَنزَلتُ نَفْسي من هذا المال بمنزلةِ والي اليتيمِ، إنْ استَغنَيتُ استَعفَفْتُ، / (ق 157) وإن احتَجتُ استَقرَضتُ، فإذا أَيسَرتُ قَضَيتُ.
طريق أخرى
(413) قال سعيد بن منصور 2: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء 3 قال: قال لي عمر: إنِّي أَنزَلتُ نَفْسي من مالِ اللهِ بمنزلةِ والي اليتيمِ، إنْ احتَجتُ أَخَذتُ منه، فإذا أَيسَرتُ رَدَدتُه، وإن استَغنَيتُ استَعفَفْتُ.
كلٌّ من الإسنادين صحيح 4.
أثر في كون الإنبات دليلاً على البلوغ
(414) قال أبو عبيد 1:
ثنا ابن عُليَّة، عن إسماعيل بن أُميَّة، عن محمد بن يحيى بن حِبَّان، عن عمرَ: أنَّ غلامًا ابتَهَرَ جاريةً في شِعرِهِ، فقال: انظُرُوا إليه، فلم يُوجَد أَنبَتَ، فدَرَأَ عنه الحدَّ.
قال أبو عبيد: وبعضهم يَرويه عن عثمان 2.
قوله: ابتَهَرَ، الابتهارُ: أنْ يَقذِفَهَا بنفسِهِ، فيقولُ: فَعَلتُ بها، كاذبًا، فإنْ كان قد فَعَل فهو الابتئارُ.
قال الكُمَيت:
قبيحٌ بمثلِي نَعتُ الفتاةِ ... إما ابتِهارًا وإمَّا ابتِئَارا
(415) قال أبو عبيد: وهذا شبيه بما حدثنا هشيم، عن عبد الملك بن عُمَير، عن عطية القُرَظي: أنَّ رسولَ الله أَمَرَ بقتلِ مَن أنبت من بني قريظة 1.
ثم قال: والذي عليه العمل ما:
(416) ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: عُرِضتُ على رسولِ الله يومَ بدرٍ، وأنا ابنُ ثلاثَ عشرةَ سنةَ؛ فرَدَّني, وعُرِضتُ عليه يومَ الخندقِ، وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ؛ فأَجَازَني 1.
فهذا حدٌّ، إلا أنْ يكونَ احتلامٌ قبلَ ذلكَ.
قلت: هكذا روي هذا الحديث، وذِكر يوم بدر فيه غريبٌ جدًّا.
أثر في الشُّفعة
(417) قال النسائي 1: ثنا محمد بن حاتم، عن سُوَيد، عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي بكر بن حفص، عن شُريح بن الحارث القاضي قال: أَمَرني عمرُ -رضي الله عنه- أنْ أَقضِيَ للجارِ بالشُّفعةِ.
إسناد صحيح.
أثر في القِرَاض
(418) قال الإمام مالك في «الموطأ» 1: عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنَّه قال: خَرَج عبد الله وعبيد الله ابنا عمرَ بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلمَّا قَفَلا مَرَّا على أبي موسى الأشعري، وهو أميرُ البصرة، فرَحَّبَ بهما وسَهَّل، وقال: لو قد أقدرُ لكما على أمرٍ أنفعُكُما به لفعلتُ.
ثم قال: بلى، ههنا مالٌ من مالِ اللهِ، أريدُ أنْ أبعثَ به إلى أميرِ المؤمنينَ، فأُسلِفُكُماه، فتَبتاعَانِ به من متاعِ العراقِ، ثم تَبيعانِهِ بالمدينة، فتُؤَدِّيانِ رأسَ المالِ إلى أميرِ المؤمنينَ، فيكونُ لكما الرِّبحُ.
فقالا: وَدِدْنا.
ففعل، وكَتَبَ إلى عمرَ بن الخطاب أنْ يأخذَ منهما المالَ، فلمَّا قَدِمنا على عمرَ 2 قال: أَكُلُّ الجيشِ أَسلَفَهُ كما أَسلَفَكُما؟ فقالا: لا.
فقال عمرُ: ابني 3 أميرِ المؤمنينَ، فأَسْلَفَكُما! أَدِّيا المالَ وربحَهُ.
فأما عبد الله، فسَكَتَ، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أميرَ المؤمنينَ، لو هَلَكَ المالُ أو نَقَصَ، / (ق 158) لَضَمنَّاهُ.
فقال: أَدِّياهُ.
فسَكَتَ عبد الله، وراجَعَهُ عبيد الله، فقال رجلٌ من جُلسَاءِ عمرَ: لو جَعَلتَهُ قِرَاضًا.
فأخذ عمرُ رأسَ المالِ ونصفَ ربحِهِ، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصفَ ربحِ ذلكَ المالِ.
وهكذا رواه الإمام الشافعي 4، عن مالك، وقال: مَرَّا على عاملٍ لعمرَ.
ورواه الدارقطني 1 من وجه آخر، عن عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه، به.
وهو أصل كبير، اعتمد عليه الأئمَّة في هذا الباب، مع ما يعضده من الآثار.
حديث في المزارعة
(419) قال الإمام أحمد 1: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر قال: خَرَجتُ أنا والزُّبير والمِقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبرَ نَتَعاهدُها، فلمَّا قَدِمْناها تَفَرَّقنا في أموالنا، قال: فعُدِيَ عليَّ تحتَ الليلِ، وأنا نائمٌ على فراشي، ففُدِعَتْ 2 يَدَاي من مِرْفَقَيَّ، فلمَّا أصبحتُ استُصْرِخَ عليَّ صاحِبَيَّ، فأتياني، فسألاني عمَّن صَنَعَ هذا بك؟ قلتُ: لا أدري.
قال: فأصلَحَا من يَدَيَّ، ثم قَدِموا بي على عمرَ، فقال: هذا عملُ يهودَ، ثم قام في الناس خطيبًا، فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان عامَلَ يهودَ خيبرَ على أنَّا نُخرجُهم إذا شئنا، وقد عَدَوا على عبد الله بن عمر، ففَدَعُوا يديه، كما علمتُم، مع عَدوَتهم على الأنصاريِّ قبلَهُ، لا نشكُّ أنَّهم أصحابُهُ، ليس لنا هناك عدوٌّ غيرُهم، فمَن كان له مالٌ / (ق 159) بخيبرَ؛ فلْيَلحَقْ به، فإنِّي مُخرجُ يهودَ.
فأَخرَجَهم.
هذا إسناد جيد قويّ؛ لأن ابن إسحاق قد صرَّح بالتحديث فيه.
ورواه أبو داود 3، عن أحمد، ببعضه.
وقد رواه علي ابن المديني، عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، به.
ثم قال: هذا إسناد مدني صالح، ولم نُصبه مسندًا إلا من هذا الطريق، وقد رواه غير واحد عن نافع، ولم يرفعه أحدٌ منهم إلى عمرَ بن الخطاب إلا محمد بن إسحاق.
قلت: وقد رواه البخاري 1 من طريق أخرى عن عمرَ مرفوعًا، فقال:
(420) حدثنا أبو أحمد، ثنا محمد بن يحيى أبو غسَّان، أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: لمَّا فَدَعَ أهلُ خبيرَ عبد الله بن عمر، قام عمرُ خطيبًا، فقال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان عامَلَ يهودَ خيبرَ على أموالهم، وقال: «نُقِرُّكُم ما أَقرَّكُمُ اللهُ».
وإنَّ عبد الله بنَ عمرَ خَرَج إلى مالِهِ هناك، فعُدِيَ عليه من الليل، ففُدِعَتْ يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدوٌّ غيرَهم، هم عَدُوُّنا وتُهمَتُنا، وقد رأيتُ إجلاءَهم، فلمَّا أَجمَعَ عمرُ -رضي الله عنه- على ذلك، أتاه أحدُ بني أبي الحُقَيْق، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أتُخرِجُنا، وقد أَقَرَّنا محمدٌ، وعامَلَنا على الأموال، وشَرَطَ لنا ذلك؟! فقال عمرُ: أَظَنَنتَ أنِّي نسيتُ قولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: «كيف بك إذا أُخرِجتَ من خيبرَ تَعدُو بك قَلُوصُكَ 2 ليلةً بعدَ ليلةٍ».
فقال: كانت هذه هُزَيلَةً من أبي القاسم.
/ (ق 160) قال عمرُ رضي الله عنه: كَذَبتَ، يا عدوَّ الله.
فأجلاهم عمرُ، وأعطاهم قيمةَ ما كان لهم من الثَّمر مالاً، وإبلاً، وعُرُوضًا من أقتابٍ 3 وحبالٍ، وغير ذلك.
ثم قال: ورواه حماد بن سَلَمة عن عبيد الله قال: أَحسَبُهُ عن نافع، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم 1 اختَصَرَهُ، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أهلُ خيبرَ فقاتَلَهم حتى ألجأَهم إلى قَصرِهِم ... ، الحديث، بطوله 2.
حديث في الإجارة
(421) قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده رحمه الله: ثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي خراسان، أنا أحمد بن عبَّاد بن تميم، ثنا حامد بن آدم، ثنا أبو غانم يونس بن نافع، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَعطُوا الأَجيرَ أجرَهُ ما دامَ رَشْحُهُ».
هذا إسناد غريب، وقد اختاره الحافظ الضياء في كتابه 1
من هذا الوجه.
قال: ويونس بن نافع هذا: روى عنه ابن المبارك، ومعاذ بن أسد، وأبو تُمَيْلة، وغيرهم.
= وأما الوجه الثالث: فأخرجه ابن عدي (5/ 238 - ترجمة عاصم بن سليمان العَبدي) ولفظه: «أعطوا الأجير حقه قبل أن يجفَّ عرقُهُ».
وعاصم هذا: عامَّة رواياته مناكير، كما قال ابن عدي.
وأما الوجه الرابع: فأخرجه ابن عدي -أيضًا- (5/ 173 - ترجمة عثمان بن عثمان القرشي) وابن زَنْجويه في «الأموال» (3/ 1126 رقم 2091) من طريق عثمان بن عثمان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَعطوا الأجيرَ أجرَهُ قبلَ أنْ يجفَّ عرقُهُ».
هكذا مرسلاً!
وعثمان هذا: وثَّقه ابن معين، وقال أحمد: رجل صالح خيِّر من الثقات.
وقال أبو زرعة: لا بأس به.
وقال ابن عدي: لم أر في حديثه منكرًا، ومقدار ما ذكرته هو يُروى [من] حديث غيره.
وقال عنه البخاري: مضطَّرب الحديث.
وقال النسائي: ليس بالقويِّ.
وقال أبو حاتم: هو شيخ، يُكتب حديثه.
انظر: «تهذيب الكمال» (19/ 438) و «الجرح والتعديل» (6/ 159 رقم 879). وقال الحافظ في «التقريب»: صدوق ربما وَهِمَ.
قلت: وهذا الوجه المرسل -على ضعفه- هو أصح الوجوه، وما سواه فمنكر، لا يعتدُّ به.
وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه:
وله طريقان:
الطريق الأولى: أخرجها أبو يعلى (12/ 34 رقم 6682) وابن عدي (4/ 179 - ترجمة عبد الله بن جعفر المديني) وتمام في «فوائده» (2/ 315 رقم 703 - الروض البسام) والبيهقي (6/ 121) من طريق عبد الله بن جعفر المديني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَعطوا الأجيرَ أجرَهُ قبلَ أنْ يجفَّ عرقُهُ».
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 97): رواه أبو يعلى، وفيه عبد الله بن جعفر بن نَجيح والد علي ابن المديني، وهو ضعيف.
وقد توبع عبد الله بن جعفر على روايته: فأخرجه تمام في «فوائده» (2/ 316 رقم =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = 704 - الروض البسَّام) وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 142) من طريق عبد العزيز بن أبان، عن الثوري، عن سهيل بن أبي صالح، به.
قال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري وسهيل، لم نكتبه إلا من هذا الوجه.
قلت: وعبد العزيز بن أبان: متروك، كذَّبه ابن معين.
كما في «التقريب».
الطريق الثانية: أخرجها الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (8/ 13 رقم 3014) وابن عدي (6/ 230 - ترجمة محمد بن عمار) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (1/ 221) والبيهقي (6/ 121) من طريق محمد بن عمَّار المؤذِّن، عن المَقْبري، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَعطوا الأجيرَ أجرَهُ من قبلِ أن يجفَّ عرقُهُ».
قال الزيلعي في «نصب الراية» (4/ 130): قال ابن طاهر: والحديث يُعرَف بابن عمَّار هذا، وليس بالمحفوظ.
وتعقَّبه الشيخ الألباني، فقال في «الإرواء» (5/ 322): وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، فإن محمد بن عمَّار المؤذِّن، قال ابن المديني: ثقة.
وقال أحمد: ما أرى به بأسًا.
وقال ابن معين وأبو حاتم: لم يكن به بأس.
وذكره ابن حبان في «الثقات» ولم يضعِّفه أحد، فلا أدري بعد هذا، ما وجه قول ابن طاهر الذي نقله الزيلعي؟! فإن مثل هذا القول: «ليس بالمحفوظ «، إنما يقال في حديث تفرَّد به ضعيف، أو خالَفَه فيه الثقات، وليس في هذا الحديث شيء من ذلك، والله أعلم.
اهـ.
قلت: أو يتفرد عن إمام مشهور بما لا يُتابَع عليه، ولسعيد المَقْبري أصحاب اعتنوا بحديثه، كالليث بن سعد، وابن أبي ذِئب، وعبيد الله بن عمر، فأين كان هؤلاء عن حديث يتفرد به عنهم محمد بن عمار هذا؟! فصح ما قاله ابن طاهر، والله أعلم.
قلت: ويغني عن هذا كله ما أخرجه البخاري في «صحيحه» (4/ 417، 447 رقم 2227، 2270 - فتح) في البيوع، باب إثم من باع حُرًّا، وفي الإجارة، باب إثم من منع أجر الأجير، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: ثلاثةٌ أنا خَصمُهُم يومَ القيامةِ: رجلٌ أَعطى بي ثم غَدَر، ورجلٌ باع حُرًّا فأكل ثمنَهُ، ورجلٌ استأجَرَ أجيرًا فاستَوفى منه ولم يُعطِهِ أجرَهُ».