مسند الفاروق ت إمامصفحات 281-321

كتاب الصلاة

صفحات 281-321

/ (ق 59)

حديث في اللِّباس

1 (150) قال الإمام أحمد 2: ثنا يحيى بن سعيد، ثنا التَّيمي، عن أبي عثمان قال: كنَّا مع عُتبة بن فَرْقَد، فكَتَب إليه عمرُ بأشياءَ، يحدِّثه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم 3 قال: «لا يَلبسُ الحريرَ في الدُّنيا إلا مَن ليس له في الآخرة منه شيءٌ، إلا» 4، وقال بإصبعيه: السَّبابة والوسطى.
قال أبو عثمان: فرأيتُ أنها أزرارُ الطَّيالسةِ 5. ثم رواه / (ق 60) أحمد -أيضًا- 6، عن خَلَف بن الوليد، عن خالد 7، عن خالد 8، عن أبي عثمان، به.
وأخرجه الجماعة إلا الترمذي 9 من طرق، عن أبي عثمان النَّهدي، به.

منها: ما رواه البخاري، عن مُسدَّد، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن طَرخان -وهو: التَّيمي-، عن أبي عثمان النَّهدي، به.
ورواه البخاري، ومسلم -أيضًا- من حديث قتادة، وعاصم الأَحول، عن أبي عثمان، به.
طريق أخرى (151) قال الهيثم بن كُلَيب 1: ثنا محمد بن عبيد الله بن المُنادي، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: شهدتُ عمرَ بن الخطاب دَخَل عليه عبد الرحمن بن عوف، وعليه قميصٌ من حرير، فقال له عمر: دَعْ هذا عنك، أو انزَع هذا، فإنَّه ذكر النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن لَبِسَ الحريرَ والدِّيباجَ في الدُّنيا لم يَلبَسهُ في الآخرةِ، ومَن شَرِبَ في آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ في الدُّنيا لم يَشرب منها في الآخرةِ».
فقال عبد الرحمن بن عوف: إنِّي لأَرجو أنْ أَلبسَهُ في الدُّنيا والآخرة.
وهذا إسناد جيد.
وقول عبد الرحمن يُحمل على ما أباحه له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من لُبس الحرير لأجل الحِكَّة التي حصلت له وللزُّبير بن العوَّام رضي الله عنهما 2.

طريق أخرى (152) قال أحمد 1: ثنا يحيى، عن شعبة، ثنا أبو ذُبيان 2 قال: سَمِعتُ عبد الله بن الزُّبير يقول: لا تُلبِسوا نساءَكم الحريرَ 3، فإنِّي سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- يحدِّثُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: / (ق 61) «مَن لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا لم يَلبَسْهُ في الآخرةِ».
قال عبد الله بن الزُّبير من عنده: ومَن لم يَلبَسْهُ في الآخرة، لم يَدخل الجنَّة، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ 4. رواه البخاري 5، ومسلم 6، والنسائي 7 من طرق، عن شعبة، عن أبي ذُبيان -واسمه: خليفة بن كعب-، به.
والزيادة من كلام ابن الزُّبير عند النسائيِّ فقط.

طريق أخرى (153) قال أحمد 1: ثنا عبد الصمد، ثنا أبي، ثنا يزيد الرِّشْك، عن معاذة، عن أم عمرو بنت عبد الله: أنها سَمِعتْ عبد الله بن الزُّبير يقول: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول في خطبته: أنَّه سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا؛ فلا يُكْسَاهُ في الآخرةِ».
ورواه الإمام أحمد -أيضًا- 2، عن عفان، عن عبد الواحد، عن يزيد الرِّشْك، به.
وقد علَّق البخاري 3 هذه الطريق، فقال: وقال أبو معمر: عن عبد الوارث، عن يزيد الرِّشك، عن معاذة، عن أم عمرو بنت عبد الله بن الزُّبير، عن أبيها، بهذا.
ورواه النسائي 4، عن عبيد الله بن فَضَالة، عن أبي معمر، به.
قلت: وقد رواه ثابت 5، عن عبد الله بن الزُّبير، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي 6 في مسنده إن شاء الله تعالى.
طريق أخرى (154) قال أحمد 7: ثنا يحيى، عن عبد الملك، ثنا عبد الله - مولى

أسماء -، قال: أرسَلَتني أسماءُ إلى ابن عمر: إنَّه بَلَغنا أنك تحرِّمُ أشياءَ ثلاثةً: العَلَمَ في الثوب، ومِيثرةَ الأُرجُوان 1، وصومَ رجبٍ كلِّه.
فقال: أمَّا ما ذَكَرتِ / (ق 62) من صوم رجب، فكيف بمن يَصومُ الأبدَ؟ وأما ما ذَكَرتِ من العَلَم في الثوب، فإنِّي سَمِعتُ عمرَ يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا لم يَلبَسْهُ في الآخرة».
ورواه مسلم 2، والترمذي 3، والنسائي 4 من طرق عن عبد الملك -وهو: ابن أبي سليمان-، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
طريق أخرى (155) قال أحمد 5: ثنا عبد الصمد، ثنا حرب، ثنا يحيى، عن عمران بن حطَّان -فيما يَحسَبُ حرب-، أنَّه سأل ابنَ عباس عن لَبُوس الحرير، فقال: سَلْ عنه عائشةَ، فسأل عائشةَ، فقالت: سَلْ ابنَ عمر 6، فقال: حدَّثني أبو حفص: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، فلا خَلاَقَ له في الآخرة».

وقد رواه البخاري 1، عن بُندَار، عن عثمان بن عمر، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عمران بن حطَّان، به.
قال: وقال عبد الله بن رجاء: حدثني حرب 2 -يعني: ابن شدَّاد-، عن يحيى، حدَّثني عمران، بهذا.
ورواه النسائي 3، عن عمرو بن منصور، عن عبد الله بن رجاء، به.
طريق أخرى (156) قال أحمد 4: ثنا محمد بن بكر، أنا عيينة، عن علي بن زيد قال: دَخَلتُ المدينةَ، فدَخَلتُ على سالم بن عبد الله، وعليَّ جُبَّة خَزّ، فقال لي سالم: ما تَصنعُ بهذه الثياب؟! سَمِعتُ أبي يحدِّث عن عمرَ بن الخطاب، أنَّه سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما يَلبسُ الحريرَ مَن لا خَلاَقَ له».
غريب من هذا الوجه.
/ (ق 63) حديث آخر (157) قال مسلم بن الحجَّاج 5: حدثني زُهَير بن حرب، ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: أخبرني أبو بكر بن حفص، عن سالم، عن

ابن عمرَ: أنَّ عمرَ رأى على رجلٍ من آلِ عُطَاردٍ قَبَاءً من ديباجٍ أو حريرٍ، فقال لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: لو اشتَريتَهُ! فقال: «إنما يَلبسُ هذا مَن لا خَلاقَ له».
فأُهدِيَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حُلَّةٌ سِيَرَاءُ، قال: فأَرسَلَ بها إليَّ.
قال: قلتُ: أَرسَلتَ بها إليَّ، وقد سَمِعتُك قلتَ فيها ما قلتَ؟! قال: «إنما بَعَثتُ بها إليك لِتَستَمتِعَ بها».
وقد أخرجه البخاري 1، ومسلم -أيضًا- 2 من حديث شعبة، به.
وإنما ذَكَره أصحاب الأطراف في مسند ابن عمر 3، وما ذَكَرته هنا إلا لأن أبا الفرج ابن الجوزي أورده في كتابه «جامع المسانيد» 4 في مسند عمرَ، فذَكَرته لئلاَّ يتوهَّم أنَّه سقط، والله الموفِّق للصواب.
حديث آخر (158) قال الإمام أحمد 5: ثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد، عن قتادة، عن الشَّعبي، عن سُوَيد بن غَفَلة: أنَّ عمرَ خَطَب الناسَ بالجابية 6، فقال: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن لُبس الحريرِ، إلا موضعَ إصبعين أو (ثلاثةٍ أو أربعةٍ) 7. وأشار بكفِّه.

ورواه مسلم 1، عن محمد بن عبد الله الأَرُزِّي، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد -وهو: ابن أبي عَروبة-، عن قتادة، به.
ورواه مسلم -أيضًا- 2، والترمذي 3، والنسائي 4 من طرق، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، / (ق 64) عن قتادة، عن الشَّعبي، به.
ورواه النسائي -أيضًا- 5 من حديث إسماعيل بن أبي خالد، وداود بن أبي هند، ووَبرة بن عبد الرحمن.
ثلاثتهم عن الشَّعبي، عن سُوَيد بن غَفَلة، عن عمر، من كلامه، موقوفًا.
ورواه -أيضًا- 6، عن أحمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي حَصِين، عن إبراهيم، عن سُوَيد بن غَفَلة، عن عمر، قولَه 7. حديث آخر (159) قال الإمام أحمد 8: ثنا حسن بن موسى، ثنا زُهَير، ثنا

عاصم الأَحول، عن أبي عثمان -وهو: النَّهدي-، قال: جاءنا كتابُ عمر ونحن بأذربيجان 1 مع عُتبة: يا عُتبة بن فَرقَد، إيَّاك والتنعُّمَ، وزِيَّ أهلِ الشِّركِ، ولباسَ الحريرِ، فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لَبوس الحريرِ إلا هكذا، ورَفَع لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إصبعيه.
وقد أخرجه الجماعة 2 سوى الترمذي من حديث عاصم الأَحول.
والباقون -أيضًا- 3، إلا ابن ماجه من حديث سليمان التَّيمي، وقتادة.
ثلاثتهم عن أبي عثمان النَّهدي -واسمه: عبد الرحمن بن مِلّ-، عن عمرَ، به.
ورواه الإمام أحمد -أيضًا- 4، بزيادة فيه، فقال: ثنا يزيد، أنا

عاصم، عن أبي عثمان النَّهدي، عن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- أنَّه قال: اتَّزروا، وارتَدُوا، وانتَعِلوا الخفافَ 1، والسَّراويلاتِ، وأَلقوا الرُّكُبَ 2، وانْزُوا نَزْوًا 3، وعليكم بالمَعَدِّية 4، وارمُوا الأغراضَ 5، وذَروا التنعُّمَ، وزِيَّ العجمِ، وإياكم والحريرَ، فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه 6، ولا / (ق 65) تَلبَسوا من الحرير إلا ما كان هكذا.
وأشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بإصبعيه.
أثر آخر (160) قال أبو عبيد 7: ثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن حميد بن ربيعة،

عن سليمان بن موسى: أنَّ عمرَ كَتَب إلى خالدِ بن الوليد: أنَّه بَلَغني أنك دَخَلتَ حمَّامًا بالشَّامِ، وأنَّ مَن بها من الأعاجمِ أعدُّوا لك دَلُوكًا 1 عُجِنَ بخمرٍ، وإنِّي لأظنُّكُم آلَ المغيرةِ ذَرْءَ النَّارِ 2. قال أبو عبيد: مَن روى: ذَرْءَ النارِ: أي ممَّا ذَرَأ اللهُ للنَّارِ، من الذريّة.
ومَن روى: ذَرْوَ النارِ: فممَّا يُذرَى به في النَّارِ.
(161) وقال عبد الله بن المبارك في كتاب «الزهد» 3: ثنا بقيَّة، حدَّثني أرطأة بن المنذر، حدَّثني بعضهم: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: إياكُم وكثرةَ الحمَّامِ، وكثرةَ طلاءِ النُّورةِ، والتَّوطِّي على الفُرُشِ، فإنَّ عبادَ الله ليسوا بالمتنعمين.
(162) وقال أبو عبيد 4: ثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي العدبَّس، عن عمرَ: أنَّه قال: فَرِّقوا عن المنيَّةِ، واجعلوا الرأسَ رأسين، ولا تُلِثُّوا بدارِ مَعجَزَةٍ، وأَصلِحوا مَثَاوِيَكُم، وأَخيفوا الهَوَامَّ قبلَ أنْ تُخيفَكُم.
وقال: اخشَوْشِنُوا، أواخشَوْشِبُوا، وتَمَعدَدُوا.

ثم فسَّر قولَه: فرِّقوا عن المنيَّة، واجعلوا الرأسَ رأسين: أي: إذا أردتُم أن تشتروا شيئًا من الرَّقيق أو البهائم، فلا تُغالوا في الأثمان، ومكانَ ما يَشتري أحدُكم واحدًا، فليَأخُذْ بثمنِهِ اثنين، فإنْ مات أحدُهما بَقِيَ الآخرُ.
وقوله: ولا تُلِثُّوا بدار مَعجَزَةٍ: أي لا تُقيموا بدارٍ قد أَعْجَزَكُم فيها الرِّزقُ.

والمثاوي: هي المنازل.
وأَخيفوا الهَوَامَّ: من الحيَّات والعقارب.
واخشَوْشِنُوا: من الخشونة.
واخشَوْشِبُوا: من الصَّلابة.
وتَمَعدَدُوا: أي: تشبَّهوا بأبناءِ مَعَدِّ بن عدنان في العيشِ الخشنِ والتقشُّفِ.
حديث آخر (163) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 1: ثنا داود بن سليمان أبو سليمان المؤدِّب، ثنا عمرو بن جرير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عمرَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَج عليهم، وفي إحدى يديه حرير، وفي الأخرى ذَهَب، فقال: «هذانِ حرامٌ على ذُكُورِ أُمَّتي، حِلٌّ لإِناثِها».
ثم قال البزار: عمرو بن جرير ليِّن الحديث 2، وقد احتُمل حديثه، وروي عنه، وقد روي هذا الكلام عن غير عمرَ، ولا نعلم في ذلك حديثًا ثابتًا عند أهل النَّقل.
هكذا قال، والحديث في «المسند»، وفي «السُّنن» من حديث عليّ 3،

وأبي موسى الأشعري 1. وقد صحَّحه الترمذي من طريق الأشعري، وإسناده جيد على شرط الشيخين.
والله أعلم.

حديث آخر (164) قال الإمام أحمد 1: ثنا يزيد بن هارون، أنا أَصبغ، عن أبي العلاء الشَّامي قال: لَبِسَ أبو أُمَامة ثوبًا جديدًا، فلمَّا بَلَغ تَرْقُوتَهُ قال: الحمدُ لله الذي كَسَاني ما أُواري به / (ق 66) عورتي، وأَتجمَّلُ به في حياتي.
ثم قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن استَجَدَّ ثوبًا فلَبِسَه، فقال حين يَبلغُ تَرقُوتَه: الحمدُ للهِ الذي كساني ما أُواري به عورتي، وأَتجمَّلُ به في حياتي، ثم عَمَدَ إلى الثوبِ الذي أَخلَقَ 2 - أو قال: أَلْقى - فتصدَّقَ به، كان في ذمَّة اللهِ، وفي جِوارِ اللهِ، وفي كَنَفِ اللهِ، حيًّا وميِّتًا، حيًّا وميِّتًا، حيًّا وميِّتًا».
ورواه الترمذي في الدَّعوات 3، عن يحيى بن موسى، وسفيان بن وكيع.
وابن ماجه في اللِّباس 4، عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ثلاثتهم عن يزيد بن هارون، به.
وعندهما: عن أبي أُمَامة قال: لَبِسَ عمرُ يومًا ثوبًا، فقال: ... ، ثم ذَكَره مرفوعًا.
وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
قلت: بل هو حسن على شرطه، فإن أصبغ بن زيد هذا هو: الجُهَني، وقد وثَّقه ابن معين وغيره، وإنما ضعَّفه ابن سعد، وابن حبان 5.

وأما شيخه أبو العلاء الشَّامي فهو وإن لم يُعرَف إلا بهذا الحديث، لكنه لم يجرحه أحد، فهو مستور الحال، والله أعلم.
وقد رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمَامة، عن عمر، به 1. وروي من وجه آخر 2، عن القاسم، عن أبي أُمَامة، عن عمرَ ... ، فذَكَره.
وفيه: أنَّه مَدَّ كُمَّ قميصِهِ، فأَبصَرَ فيه فضلاً عن أصابعه، فقال لعبد الله بن عمرَ: أي بني، هاتِ الشَّفرةَ -أو المُدْيةَ 3 -، فقام، فجاء بها، فمدَّ كُمَّ قميصِهِ على يده، فنَظَرَ ما فَضَلَ عن أصابعه، / (ق 67) فَقَدَّه.
قال أبو أُمَامة: قلنا: يا أميرَ المؤمنين، ألا تأتي بخيَّاط فيَكُفُّ هذا؟ قال: لا.
قال أبو أُمَامة:

فلقد رأيتُ عمرَ بعد ذلك، وإنْ هُدبَ ذلك القميصَ لَيَنتشرُ على أصابعه ما يَكُفُّهُ 1. حديث آخر (165) قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني 2: ثنا سليمان بن أحمد -يعني: الطَّبراني-: ثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، ثنا يحيى بن المتوكِّل، ثنا أبو سَلَمة، عن عبيد الله 3 بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عمرَ قال: لَبِسَ عمرُ قميصًا جديدًا، ثم دعاني بشَفرة، فقال: خُذ يا بنيَّ كُمَّ قميصي، والزق يديك بأطراف أصابعي، ثم اقطَعْ ما فَضَل عنها.
قال: فقَطَعتُهُ من الكمَّين من جانبيه جميعًا، (فصار كُمُّ القميص) 4 بعضُه فوقَ بعضٍ.
فقلتُ: يا أبَتَاه، لو سَوَّيتَه (بالقَصِّ؟) 5. فقال: دَعْهُ يا بني، هكذا رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفعلُ، فما زال عليه حتى تَقطَّع، وكان ربما رأيتُ الخيوطَ تَساقَطُ على قدميه.
هذا سياق غريب، وإسناده فيه ضعف 6، والله أعلم

وقد قال الإمام علي ابن المديني: وأما حديث عمرَ: أنَّه لَبِسَ ثوبًا جديدًا ... ، فهو مضطَّرب الإسناد، ليس بمتَّصل، لا نحفظه من وجه.
حديث آخر (166) قال عبد الله بن وهب: أخبرني محمد بن عمرو -هو: اليافِعِي-، قال ابن جريج: أَخبَرَني عمرُ بن حفص: أنَّ عامرَ بن عبد الله بن الزُّبير أَخبَرَه: / (ق 68) أنَّ مولاةً لهم ذَهَبتْ بابنةٍ إلى عمرَ بن الخطاب، فتَحَرَّكتِ الجاريةُ، فإذا في رجليها أجراسٌ، فقَطَعها عمرُ، ثم قال: إني سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «مع كلِّ جرسٍ شيطانٌ».
وأخرجه أبو داود في كتاب الخاتم 1، عن عليِّ بن سهل، وإبراهيم بن الحسن.
كلاهما عن حجَّاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، به.

حديث آخر (167) قال الإمام أحمد 1: ثنا عفان، ثنا حماد، أنا عمَّار بن أبي عمَّار، أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رأى في يد رجلٍ خاتمًا من ذَهَب، فقال: «أَلقِ ذا».
فأَلقاه، فتختَّم بخاتمٍ من حديد، فقال: «ذا شرٌّ منه».
فتختَّم بخاتمٍ من فضَّة، فسكت عنه.
هكذا رواه أحمد.
وقد قال أبو زرعة الرازي 2: عمَّار هذا لم يُدرك عمر بن الخطاب.

أثر فيه جواز اتخاذ الخِلَع التي يعطيها الإمام للأمراء ونحوهم

(168) قال علي ابن المديني: ثنا المغيرة بن سَلَمة، ثنا وهب، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ: أنَّه كان يُنفقُ على الحُلَّةِ ألفَ درهمٍ، وثمانمائةِ درهمٍ، يَكسوها أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه الدَّرَاوَردي، عن عبيد الله، به، ولفظُه: كان يأمُرُ بالحلالِ 1 فتُنْسَجُ باليمن، تَبلُغُ الحُلَّةُ الواحدةُ منها ألفَ درهمٍ، ثم يلبسها، ويَكسوها أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه وكيع، عن عثمان بن واقِد، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمر، به 2. وهذا صحيح عنه، والله أعلم.

أثر عن عمر فيه إرشاد إلى التدبير في اللِّباس

(169) قال عبد الرزاق 1: ثنا عبد الله بن عمر، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: كنتُ عند عمرَ، فجاءته امرأةٌ من الأنصارِ، فقالت: اُكْسُني يا أميرَ المؤمنين.
قال: فما هذا أوانُ كُسْوَتِكِ؟ قالت: واللهِ ما عليَّ ثوبٌ يُواريني.
فدخل خزانتَهُ، فأَخرَجَ درعًا قد خيط وجيّب 2، فقال: البَسي هذا، وارقعي خَلِقَكِ، وخِيطيه، فالبَسيه على بُرْمتِكِ 3 وعملِكِ، إنَّه لا جديدَ لمن لا خَلِقَ له.

حديث آخر (170) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 4: ثنا أبو كُرَيب، / (ق 69) ثنا وكيع، ثنا إسحاق بن عثمان الكِلابي، ثنا إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية الأنصاري، حدَّثتني جدَّتي أمُّ عطية قالت: لما قَدِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة جَمَعَ نساءَ الأنصارِ، ثم بعث إلينا عمرُ، فقام، فسلَّم، فرَدَدْنا عليه السلامَ، فقال:

إنِّي رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إليكنَّ.
فقلنا: مرحبًا برسولِ الله، وبرسولِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
قالت: فقال: أَتُبايعنني على ألا تَزنينَ، ولا تَسرقنَ، ولا تَقتلُنَ أولادكنَّ، ولا تَأتينَ ببهتانٍ تَفترينَهُ بين أيديكِنَّ وأرجلكِنَّ، ولا تَعصينَ في معروفٍ؟ قلنا: نعم، فمَدَدْنا أيدينا من داخلِ البيتِ، ومَدَّ يدَهُ من خارجه، وأَمَرَنا أنْ نُخرِجَ الحيَّضَ والعواتقَ 1 في العيدينِ، ونهانا عن اتباعِ الجنائزِ، ولا جُمُعةَ علينا.
قال: قلت: فما المعروفُ الذي نُهيتنَّ عنه؟ قالت: النِّياحةُ.
ورواه أبو داود 2، عن أبي الوليد، ومسلم بن إبراهيم.
كلاهما عن إسحاق بن عثمان، به.
وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» 3، عن محمد بن أبان، عن وكيع.
وابن حبان في «أنواعه» 4، عن أبي خليفة، عن أبي الوليد الطيالسي، به.

/ (ق 58)

حديث في غسل الجمعة

1 تقدَّم في كتاب الطهارة 2: لمَّا أَقبَلَ عثمانُ وعمرُ -رضي الله عنه- على المنبرِ، فقال: أيةُ ساعةٍ هذه؟! فقال: شُغِلتُ، فلمَّا سَمِعتُ التأذينَ توضَّأتُ.
فقال: والوُضوءُ أيضًا؟! وقد سَمِعتَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يأمُرُ بالغُسلِ! أثر (171) قال البخاري في باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس 3: وكذلك يُذكر عن عمرَ 4،

وعليٍّ 1، والنُّعمان بن بشير 2، وعمرو بن حُرَيث 3. هكذا علَّقه البخاري في «صحيحه».
(172) فأما الأثر الذي رواه الإمام أحمد 4 حيث قال: ثنا وكيع،

عن جعفر بن بُرقان، عن ثابت بن حجَّاج، عن عبد الله بن سِيدان، قال: شَهِدتُ الجمعةَ مع أبي بكر -رضي الله عنه- فكانت صلاتُهُ وخُطبتُهُ قبل نصفِ النهارِ، وشهدتُها مع عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- فكانت صلاتُهُ وخُطبتُهُ إلى أنْ أقولَ: قد انتَصَفَ النهارُ، وصلَّيتها مع عثمان بن عفان -رضي الله عنه- فكانت صلاتُهُ وخُطبتُهُ إلى أنْ أقولَ: قد زالَ النهارُ.
ثم قال أحمد: وكذلك روي عن ابن مسعود 1، وجابر 2، وسعد 3، ومعاوية 4: أنهم صلَّوا قبل الزوال.

فإنَّه إسناد جيد 1، فإنَّ ثابت بن الحجَّاج هذا: جَزَري ثقة 2، وشيخه عبد الله بن سِيدان -كما ترى- قد أدرك أَيام الصِّديق، ولكن قال البخاري 3: لا يُتابَع على حديثه هذا.
وقال أبو القاسم اللاَّلَكَائي 4: هو مجهول، لا تقوم بروايته حجَّة، والله أعلم.

(173) وقال الإمام أبو عبد الله الشافعي 1

فيما بَلَغه عن شعبة 1، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن سَلِمة قال: صلَّى عبد الله -يعني: ابن مسعود- بأصحابه الجمعةَ ضحى، وقال: خَشِيتُ الحرَّ عليكم.
ثم قال الشافعي: وليسوا -يعني أهل الكوفة- يقولون بهذا، يقولون: لا يقول بهذا أحد 2، صلَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، والأئمَّةُ بعدُ في كلِّ جُمُعةٍ بعد زوالِ الشمسِ.
(174) ثم قال الشافعي 3 فيما بَلَغه عن ابن مهدي 4، عن سفيان، عن أبي إسحاق قال: رأيتُ عليًّا يَخطبُ يومَ الجمعةِ نصفَ النهارِ.
ثم قال: ولسنا ولا إياهم نقول بهذا، نقول: لا يَخطبُ إلا بعد الزوال.
قال: وكذلك روِّينا عن عمرَ، وغيره 5.

حديث آخر (175) روى أبو بكر الإسماعيلي من حديث مغيرة، عن الحارث العُكلي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير 1 قال: بَعَث عمرُ جيشًا فيهم معاذ، فلمَّا ساروا إذا معاذ، قال: ما حَبَسَكَ؟ قال: أَردتُ الجمعةَ ثم أَخرُجُ.
فقال عمرُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «لَغَدوةٌ في سبيل اللهِ أو رَوحةٌ، خيرٌ من الدُّنيا وما فيها» 2. فيه انقطاع.
وفيه دلالة على جواز السَّفر قبل الزوال يوم الجمعة، وهو قول بعض العلماء 3.

حديث آخر يُذكر فيه مسألة الزِّحام (176) قال الإمام أحمد 1: ثنا سليمان بن داود أبو داود 2، ثنا سلاَّم -يعني: أبا الأحوص-، عن سمَاك بن حرب، عن سيَّار بن المَعْرور قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يَخطبُ، وهو يقول: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بنى هذا المسجد ونحن معه: المهاجرون والأنصار، فإذا اشتدَّ الزِّحامُ فلْيَسجُدِ / (ق 59) الرَّجلُ منكم على ظَهْر أخيه.
ورأى قومًا يصلُّون في الطريق، فقال: صلُّوا في المسجد.
ورواه علي ابن المديني، عن أبي الوليد الطيالسي، عن أبي الأَحوص، عن سمَاك، به.
وقال 3: هذا إسناد مجهول، لا نحفظه إلا من هذا الطريق، وسيَّار بن المَعْرور مجهول، لا نعلم أحدًا روى عنه إلا سمَاك.
وكان أبو نعيم يقول: سيَّار بن المَغْرور.
والصواب: مَعْرور.
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني 4: هكذا رواه أبو الأحوص، وأسباط بن نصر، عن سمَاك بن حرب.
واتفقا على أنَّه سيَّار بن مَعْرور.
وقال يحيى بن معين 5: إنما هو سيَّار بن مَغْرور -بالمعجمة-، ولستُ أعلمُ من أين أخذ هذا؟ وسيَّار هذا: مجهول، لا نعلم حدَّث

عنه غير سمَاك بن حرب، ولا نعلمه أسند إلا هذا الحديث 1. قلت: وفيه دلالة لقول بعض المالكية 2: أنَّ مَن صلَّى الجمعة خارج المسجد وهو قادر على دخوله أنَّه لا تصحُّ جمعته، لأنه أمرهم بذلك، والله أعلم.

أثر في كراهية تطويل الخطب والتَّقعر (1) فيها

(177) قال أبو عبيد 2: ثنا إسماعيل بن جعفر 3، عن حميد، عن أنس، عن عمرَ: أنَّ رجلاً خَطَبَ، فأَكثَرَ، فقال عمرُ: إنَّ كثيرًا من الخُطَب من شَقَاشِقِ الشيطانِ 4. قال أبو عبيد: واحدتُها شِقْشِقةٌ، وهي التي إذا هَدَرَ البعيرُ من الإبلِ العرابِ خاصّةً خَرَجتْ من شِدقِهِ شبيهةٌ بالرِّئةِ.
(178) حديث ابن عمر: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرٍ، وعمرُ -رضي الله عنهما- يُصلُّون العيدينَ قبلَ الخطبةِ.
سيأتي 5 في مسنده من حديث أبي لُبَابة، عن عبيد الله، عن نافع، عنه.
وهو في «الصحيحين» 6.1

أثر آخر (179) قال البخاري 1: وكان عمرُ يُكبِّر في قبَّته بمنًى، فيَسْمَعُهُ أهلُ المسجدِ، فيُكبِّرون، ويُكبِّر أَهلُ الأسواقِ، حتى تَرْتَجَّ 2 مِنًى تكبيرًا.

/ (ق 69)

أحاديث الاستسقاء

(180) قال أبو القاسم الطَّبراني 1: ثنا أبو مسلم الكَشِّي، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني أبي، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس: أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- خَرَج يَستسقي، وخَرَج بالعباس معه يَستسقي، فيقول: / (ق 70) اللهمَّ إنَّا كنَّا إذا قَحَطنا على عهدِ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم تَوَسَّلنا إليك بنبيِّنا، وإنَّا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم.
تفرَّد بإخراجه البخاري في «الصحيح» 2، عن الحسن بن محمد، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، به، ولفظه: أنَّ عمرَ بن الخطاب كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطَّلب، فقال: اللهمَّ إنَّا كنَّا نَتَوسَّلُ إليك بنبيِّنا فتَسْقينا، وإنَّا نَتَوسَّلُ إليك بعمِّ نبيِّنا فاسْقِنا.
قال: فيُسْقَونَ.
(181) وقال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا في كتابه «المطر» 3، وكتابه «مجابي الدعوة» 4: ثنا أبو بكر النسائي 5، ثنا عطاء بن مسلم، عن

العُمَري، عن خوَّات بن جُبَير قال: خَرَج عمرُ يَستسقي بهم، فصلَّى ركعتين، فقال: اللهمَّ إنا نَستغفرك، ونَستسقيك.
فما بَرَح من مكانه حتى مُطِرُوا، فقَدِمَ أعرابٌ، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، بينا نحن بِوادِينا في ساعةِ كذا، إذ أظلَّتنا غمامةٌ، فسمعنا منها صوتًا: أتاكَ الغوثُ أبا حفصٍ.
أتاك الغوثُ أبا حفصٍ.
(182) وقال -أيضًا- 1: ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان، عن مُطرِّف بن طَريف، عن الشَّعبي قال: خَرَج عمرُ يَستسقي بالناس، فما زاد على الاستغفار حتى رجع، قالوا: يا أميرَ المؤمنين! ما نَرَاكَ استسقيتَ؟ قال: طَلَبتُ المطرَ بمجاديحِ السماءِ التي يُستَنزَلُ بها المطرُ، ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)﴾ 2، / (ق 71)

ثم قرأ: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ 1. ورواه أبو عبيد 2، عن هشيم، وأبي يوسف جميعًا، عن مُطرِّف، به.
قال أبو عمرو: والمجاديح واحدها مِجدَح، وهو كلُّ نَجمٍ من النُّجومِ، كانت العربُ تقولُ: إنه يُمطَرُ به.
أثر آخر (183) قال الحافظ أبو بكر البيهقي 3: ثنا أبو نصر بن قتادة، وأبو بكر الفارسي قالا: أنا أبو عمرو بن مَطَر، ثنا إبراهيم بن علي الذُّهْلي، ثنا يحيى بن يحيى، أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدَّار قال: أَصابَ الناسَ قحطٌ في زمانِ عمرَ -رضي الله عنه-، فجاء رجلٌ إلى قبر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ الله، استَسقِ اللهَ لأمَّتك، فإنهم قد هَلَكوا.
فأتاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال: ائتِ عمرَ، فأَقْرِئْهُ منِّي السلامَ، وأَخبِرْهُ أنهم مُسْقَون، وقل له: عليكَ بالكيسِ 4 الكيسِ.
(فأتى الرجلُ، فأَخبَرَ عمرَ، وقال:) 5 يا ربُّ، ما آلو إلا ما عَجِزتُ عنه.

هذا إسناد جيد قوي 1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فقيل له: مثل سفيان؟ فقال: لا، سفيان في طبقة أخرى، مع أنَّ أبا معاوية يخطئ في أحاديث من أحاديث الأعمش.
وقال -أيضًا-: أبو معاوية عنده أحاديث يقلبها عن الأعمش.
وسُئل ابن مهدي: مَن أثبت في الأعمش بعد الثوري؟ قال: ما أعدل بوكيع أحدًا، فقال له رجل: يقولون: أبو معاوية؟ فنَفَر من ذلك، وقال: أبو معاوية عنده كذا وكذا وَهمًا.
انظر: «شرح علل الترمذي» لابن رجب (2/ 529 - 536). قلت: وقد خولف أبو معاوية في هذا الخبر، وذلك فيما ذكره الخليلي من أن باقي الرواة أرسلوه.
العلَّة الخامسة: نكارة متنه، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في «اقتضاء الصراط المستقيم» (2/ 197): وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجدبوا مرَّات، ودَهَتهم نوائب غير ذلك، فهلاَّ جاؤوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟! وقال الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على «فتح الباري» (2/ 4459): صحتُه ليس بحجَّة على جواز الاستسقاء بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، لأن السائل مجهول، ولأن عمل الصحابة -رضي الله عنهم- على خلافه، وهم أعلم الناس بالشَّرع، ولم يأت أحد منهم إلى قبره يسألُهُ السُّقيا ولا غيرها، بل عدل عمر عنه لمَّا وقع الجدب إلى الاستسقاء بالعباس، ولم يُنكِر ذلك عليه أحدٌ من الصحابة، فعُلِمَ أنَّ ذلك هو الحقُّ، وأنَّ ما فعله ذلك الرَّجل منكر، ووسيلة إلى الشِّرك، بل قد جعله بعض أهل العلم من أنواع الشرك.
قلت: وليس في الخبر ما يدلُّ على إخبار الرجل لعمر بصنيعه عند القبر -كما فَهِمَ ذلك بعض القبوريين-، ولو كان الأمر كما فَهِمَ هذا الضال؛ لبادر عمر بالذهاب إلى القبر يسأل السُّقيا، ولكان في غنًى عن الاستسقاء بالعباس.
فتأمَّل.
العلة السادسة: أنها رؤيا منام، والرؤى لا تُبنى عليها أحكام شرعية، اللهم إلا رؤى الأنبياء، فإنها وحي، كما هو مقرَّر عند أهل العلم.
فائدة: قال الدَّميري في «النجم الوهاج في شرح المنهاج» (3/ 274): فرع: قال شخص: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النوم، وأخبرني أن الليلة أول رمضان!! لا يصح الصوم بهذا لصاحب المنام ولا لغيره بالإجماع، كما قاله القاضي عياض، وذلك لاختلال ضبط الرائي، لا للشك في الرؤية.

خبر نيل مصر

(184) قال الحافظ أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللاَّلكائي الطبري 1: أنا محمد بن أبي بكر، ثنا محمد بن مَخلد، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني ابن لَهِيعة، عن قيس بن حجَّاج، عمَّن حدَّثه قال: لما فُتحَت مصرُ أتى أهلُها عمرو بن العاص حين دخل بؤونةُ -من أشهر العجم-، فقالوا: أيها الأميرُ، إنَّ لِنيِلِنا هذا سُنَّةً لا يَجري إلا بها.
قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت ثنتى 2 عشرةَ ليلةً خَلَتْ من هذا الشهرِ عَمَدنا إلى جاريةٍ بِكر بين أبويها، فأَرضَينا أبويها، / (ق 72) وجَعَلنا عليها من الحلي والثيابِ أفضلَ ما يكونُ، ثم ألقيناها في هذا النِّيل.
فقال لهم عمرو رضي الله عنه: إنَّ هذا ما لا يكونُ في الإسلامِ، إنَّ الإسلامَ يَهدِمُ ما كان قبلَهُ.
فأقاموا بَؤونة، والنِّيلُ لا يَجري قليلاً ولا كثيرًا! وفي رواية: قاموا بؤونة وأبيب ومسرى وهو لا يَجري، حتى همُّوا بالجلاءِ.
فكَتَب عمرو إلى عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- بذلك.
فكَتَب إليه: إنكَ قد أصبتَ بالذي فعلتَ، وإنِّي قد بَعثتُ إليكَ ببطاقةٍ داخلَ كتابي هذا، فأَلْقِهَا في النِّيلِ.
فلما قَدِمَ كتابُهُ، أخذ عمرو البطاقةَ، فَفَتَحها، فإذا فيها: من عبد الله عمرَ أميرِ المؤمنينَ إلى نيلِ أهلِ مصرَ، أما بعدُ، فإنْ كنتَ إنما تَجري من قِبَلكَ فلا تَجْرِ، وإنْ كان اللهُ الواحدُ القهَّارُ هو الذي يُجريك،

فنسألُ اللهَ أَنْ يُجرِيكَ.
قال: فأَلقى البطاقةَ في النِّيل، فأَصبَحوا يومَ السبتِ، وقد أجرى اللهُ النِّيلَ ستةَ عشرَ ذراعًا في ليلةٍ واحدةٍ، وقطع اللهُ تلك السُّنَّةَ عن أهلِ مصرَ إلى اليومِ.
(185) ورواه خير بن عرفة 1، عن هانئ بن المتوكِّل، عن ابن لَهِيعة، عن قيس بن الحجَّاج قال: لما فُتِحَتْ مصرُ، أتى أهلُها عمرو بن العاص ... ، وذَكَره.

(186) وقال أبو الحسن محمد بن علي الحسني العَلَوي رحمه الله: سَمِعتُ يعقوب بن أحمد بمصر يقول: (ق 73) سَمِعتُ عبد الرحمن بن محمد -مولى بني أُميَّة- يقول: زاد نيلُ مصرَ حتى خَشِيَ الناسُ الغرقَ، قال: فوَقَفتُ عليه، فقلتُ: بحُرمةِ عمرَ بن الخطاب 2 عليك إلاَّ سَكَنتَ فسَكَنَ! أثر آخر (187) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا رحمه الله 3: حدَّثني قاسم بن

جارٍ التحميل