وقت الصلاة
(50) قال الدارقطني 1: ثنا محمد بن مَخلد، ثنا محمد بن عبد الملك بن زَنْجويه، ثنا زيد بن الحُبَاب، عن موسى بن عُبيدة، حدثني هود بن عطاء، عن أنس بن مالك: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: نهانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب المصلِّين.
إسناده فيه غرابة 2.
حديث آخر
(51) قال الهيثم بن كُلَيب الشَّاشي رحمه الله 1: ثنا محمد بن عبيد الله بن المنادي، ثنا داود بن رشيد، ثنا الوليد بن مسلم، عن ابن أبي ذِئب، عن مسلم بن جُندب، عن الحارث الهُذَلي: أنَّ عمرَ بن الخطاب كَتَب إلى أبي موسى الأشعري: إنَّ أحقَّ ما تعاهدَ المسلمون دينُهم، وقد / (ق 21) رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي، حَفِظتُ من ذلك ما حَفِظتُ، ونسيتُ ما نسيتُ، فصلِّ الظهرَ بالهجير 2، والعصرَ والشمسُ حيَّةٌ.
الحارث بن عمرو الهُذَلي: ذَكَره ابن أبي حاتم، ولم يَذكر فيه جرحًا 3.
وقال الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه «المختارة» 1: لهذا الحديث شاهد في «الصحيح» من حديث أبي بَرزة الأَسلميِّ رضي الله عنه 2.
أثر
(52) قال الإمام أحمد في «الزهد» 3: ثنا أسباط، ثنا ليث، عن نافع، عن ابن عمرَ، قال: خَرَج عمرُ -رضي الله عنه- إلى حائطٍ له، فرَجَع وقد صلَّى الناسُ العصرَ، فقال: إنما خَرَجتُ إلى حائطي، فرَجَعتُ، وقد صلَّى الناسُ، حائطي على المساكين صدقةٌ.
قال ليث: إنما فاتته في الجماعة.
أثر آخر
(53) قال عبد الله بن المبارك 4:
أنا حَيوة بن شُريح، ثنا الحسن بن
ثوبان: أنَّ محمد بن عبد الرحمن بن أبي مسلم الأزدي أَخبَرَه، عن جدِّه أبي مسلم، أنَّه صلَّى مع عمرَ بن الخطاب، أو حدَّثه عمَّن صلَّى مع عمرَ بن الخطاب المغربَ، فمسَّى بها، أو شَغَله بعضُ الأمر حتى طلع نجمان، فلمَّا فرغ من صلاته تلك أعتَقَ رقبتين.
قلت: معناه: أنَّه أخَّر ابتداءَها حتى أمسى، لا أنَّه مدَّها، فإنَّه قد ثبت في «الصحيح» جواز ذلك 1، والله أعلم.
أثر آخر
(54) قال أبو نعيم الفضل بن دُكَين في «الصلاة» له 2: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع بن جُبَير بن مُطعِم قال: كَتَب عمرُ إلى أبي موسى: أنْ صلِّ العشاء أيَّ الليلِ شئتَ، ولا تُغفلها.
هذا منقطع، إن لم يكن سَمِعَه نافع بن جُبَير من أبي موسى الأشعري.
ويُحتج به لمذهب الشافعي 3: أنَّ وقت العشاء ممتدٌّ إلى طلوع الفجر الثاني.
أثر في النهي عن السَّمَر بعد العشاء
(55) قال أبو عبيد 1: ثنا هشيم، أنا مغيرة، عن إبراهيم، عن أبي وائل، عن حذيفة، عن عمرَ: أنَّه جَدَبَ السَّمَر بعد عَتَمة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فقيل: عنه، عن حذيفة، عن عمرَ!
وقيل: عنه، عن ابن مسعود، عن عمرَ، قولَه!
وقيل: عنه، عن ابن مسعود، مرفوعًا!
أما الوجه الأول: فقد أورده المؤلِّف.
وأما الوجه الثاني: فأخرجه الطحاوي (4/ 330) عن محمد بن خزيمة، عن حجاج، عن حماد بن سَلَمة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: جَدَب لنا عمرُ بن الخطاب السَّمرَ بعد العشاء.
...
وأما الوجه الثالث: فأخرجه ابن ماجه (1/ 230 رقم 703) في الصلاة، باب النهي عن النوم قبل صلاة العشاء وعن الحديث بعدها، والطيالسي (1/ 204 رقم 250) وابن أبي شيبة (2/ 79 رقم 6677) في الموضع السابق، وأحمد (1/ 388، 410 رقم 410) والبزار (5/ 148 رقم 1740، 1741) وابن خزيمة (2/ 291 رقم 1340) والشاشي في «مسنده» (2/ 90، 91 رقم 614، 615) وأبو يعلى، كما في «مصباح الزجاجة» (1/ 88) -ومن طريقه: ابن حبان (5/ 377 رقم 2031 - الإحسان) - والبيهقي (1/ 452) من طريق عطاء بن السائب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: جَدَب لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم السَّمَر بعد صلاةِ العتمةِ.
ورواه عن عطاء: همام، والجرّاح والد وكيع، وجرير، ومحمد بن فضيل، وخالد الواسطي، ووهيب، وزياد بن عبد الله، ورواية هؤلاء عن عطاء بعد اختلاطه، وبه أعلَّه البوصيري في «مصباح الزجاجة» (1/ 88) والشيخ الألباني في تعليقه على «صحيح ابن خزيمة».
وقال الحافظ ابن رجب في «فتح الباري» له (5/ 158): وهذا الحديث وَهِمَ عطاء بن السائب في إسناده، فقد رواه الأعمش، ومنصور، وأبو حصين [وروايته عند ابن أبي شيبة 2/ 79 رقم 6678]، عن أبي وائل، عن سلمان بن ربيعة قال: جَدَب لنا عمر السَّمر، وخالَفَهم عطاء بن السائب، وعاصم، فقال: عن أبي وائل، عن ابن مسعود، ثم اختلفا، فرفعه عطاء، ووقفه عاصم، ووَهِمَا في ذلك، والصحيح: قول منصور، والأعمش، قاله أبو بكر الأثرم، وذكر مسلم نحوه في كتاب «التمييز»، وزاد: أن المغيرة رواه عن أبي وائل، عن حذيفة، من قوله، قال: ولم يرفعه إلا عطاء بن السائب، وأشار إلى أن رواية الأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي حصين، عن أبي وائل، عن سليمان، عن عمرَ هي الصحيحة؛ لأنهم أحفظ وأولى بحسن الضبط للحديث.
قلت: وأصح هذه الوجوه: ما رواه الأعمش، عن أبي وائل، عن سلمان بن ربيعة، عن عمرَ، قولَه.
وهو الذي رجَّحه الإمام مسلم وأبو بكر الأثرم.
انظر: «فتح الباري» لابن رجب (5/ 158).
قال أبو عبيد: معناه: عابَهُ وذَمَّه، وكلُّ عائبٍ جادبٍ.
قال ذو الرُّمَّة:
فَيَالَكَ مِن خدٍّ أسِيلٍ ومَنْطِقٍ ... رَخيمٍ ومن خَلْق تَعَلَّلَ جَادِبُهْ
أي: تعلَّل بالكلام الذي لا يُجدي، حيثُ ذمَّ ما لا يُذَمّ.
(56) قال أبو عبيد 1: وحدثنا حجَّاج، عن شعبة، عن قتادة -هو: أبو رافع 2 -، عن عمرَ: أنَّه كان يَنُشُّ الناسَ بعد العشاء بالدِّرَّة، ويقول: انصرفوا إلى بيوتكم.
قال أبو عبيد: ويُروى بالسين المهملة، أي: يَسوقُهُم.
قال أبو عبيد: ... 3 أراد سوق الناس ... 4 يتناولهم بالدِّرَّة.
أثر آخر
(57) قال الدارقطني 1: ثنا أبو طالب الحافظ، ثنا أبو عمرو عثمان بن محمد البصري، ثنا إبراهيم بن بشَّار الرَّمادي، ثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن أبي حَصِين، عن سُوَيد بن غَفَلة قال: كان عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- يُغلِّس 2 بالفجر ويُنوِّر، ويُصلِّي بين ذلك، ويقرأ سورة هود وسورة يوسف، ومن قصار المثاني من المفصَّل.
إسناد جيد 3.
(58) وقد علَّق البخاري في «صحيحه» 4
نحو هذا، فقال: وقرأ عمرُ
في الركعة الأولى بمائةٍ وعشرينَ آيةً من البقرة، وفي الثانية بسورةٍ من المثاني.
وقرأ الأحنف 1 بـ «الكهف» في الأولى، وفي الثانية بـ «يوسفَ» أو «يونسَ»، وذَكَر أنَّه صلَّى مع عمرَ الصبحَ بهما.
أثر آخر
(59) قال إسماعيل بن محمد الصفَّار 2 في «مسنده»: ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المعرور بن سُوَيد قال: خَرَجنا مع عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- في الحجِّ، فقَرَأَ بِنَا في الصبح: «الفيل»، و «لإيلاف / (ق 22) قريش»، فلما فَرَغ رَأَوا مسجدًا، فبادَرُوا.
فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجدٌ صلَّى فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
فقال: هكذا هَلَك أهلُ الكتاب قبلَكم، اتَّخذوا آثارَ أنبيائهم بِيَعًا 3، مَن عَرَضتْ له فيه صلاةٌ،
فليُصَلِّ، ومَن لم تَعرِضْ له صلاةٌ، فلْيَمضِ 1.
هذا إسناد صحيح، والله أعلم.
حديث آخر
(60) قال الحافظ أبو يعلى 2:
ثنا زُهَير، ثنا محمد بن الحسن 3 بن أبي الحسن المخزومي، أخبرني أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّ أبا محذورة أَذَّن بالظهر -وعمرُ بمكة-، فرفع صوتَه حين زالتِ الشمسُ، فقال: يا أبا محذورة، أَمَا خِفتَ أن تَنشقَّ مُرَيطاؤك؟! قال: أحببتُ أن أُسمعك.
فقال عمرُ: إني سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «أبردوا بالصلاة إذا اشتدَّ الحرُّ، فإنَّ شدَّة الحرِّ من فَيح 4 جهنمَ، وإنَّ جهنمَ تحاكَّت 5 حتى أَكَلَ بعضُها بعضًا، فاستأذنتِ اللهَ في
نَفَسين، فأَذن لها، فشدَّة الحرِّ من فيحِ جهنمَ، وشدَّة البردِ من زَمهريرِها 1».
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأسامة بن زيد بن أسلم تكلَّموا فيه 2، لكن له شاهد في «الصحيح» من وجوه كثيرة 3.
قال الأصمعي: المُرَيطاء ممدودة، وهي ما بين السُّرَّة إلى العانة.
وكان الأحمر يقول: هي مقصورة.
وقال أبو عمرو: تُمدُّ وتُقصر.
قال أبو عبيد 4: ولا أرى المحفوظ إلا قول الأصمعي، وهي كلمة لا يتكلَّم بها العرب إلا بالتصغير، كالثُّريَّا، والحُميَّا، والقُصَيرى، والسُّكيت، وهو الذي يجيء آخرًا في المسابقة.
في الأذان
(61) قال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: ثنا القاسم بن زكريا، ثنا محمد بن عمرويه الهروي، ثنا غسَّان بن سليمان، ثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن مَطَر، عن الحسن البصري، عن عمرَ بن الخطاب / (ق 23) -رضي الله عنه- قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهمَّ اغفر للمؤذِّنين» -مرتين-.
فقلت: يا رسولَ الله، تَرَكتَنا ونحن نختلفُ على الأذانِ بالسيوفِ؟ قال: «كلاَّ يا عمرُ، إنَّه سيأتي على الناسِ زمانٌ يَتركون الأذانَ على ضعفائِهِم، وتلك لحومٌ حرَّمها اللهُ على النارِ، لحومُ المؤذِّنين».
قالت عائشة رضي الله عنها: وفيهم نَزَل قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية 1.
هكذا رواه الحافظ الإسماعيلي في «مسند عمر»، وإسناده غريب 2.
(62) وله شاهد من وجه آخر عن عمرَ قولَه: رواه أبو إسماعيل المؤدِّب، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: قَدِمنا على عمرَ -رضي الله عنه-، فقال: مَن مؤذِّنوكم؟ قلنا: عبيدُنا.
فقال بيده يُقلِّبها: إنَّ ذلك بكم لنقصٌ شديدٌ، لو أَطَقتُ الأذانَ مع الخلِّيفى لأَذَّنتُ 1.
ورواه هشيم 1، عن إسماعيل، بنحوه.
وقال هشيم -أيضًا-، عن حُصَين: نبِّئت أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- قال: لولا أن تكونَ سُنَّةً ما أذَّن غيري 2.
حديث آخر
(63) قال مسلم بن الحجاج 3: حدثني إسحاق بن منصور، أنا أبو جعفر محمد بن جَهضَم الثَّقَفي، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عُمارة بن غَزية، عن خُبيب بن عبد الرحمن بن إسَاف، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن جدِّه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال المؤذِّنُ: اللهُ أكبرُ،/ (ق 24) اللهُ أكبرُ، فقال أحدُكم: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، ثم قال: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، فقال: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، ثم قال: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، فقال: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، ثم قال: حيِّ على الصلاةِ، فقال: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، ثم قال: حيِّ على الفلاحِ، فقال: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، ثم قال: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، فقال: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، ثم قال: لا إلهَ إلا اللهُ، فقال: لا إلهَ إلا اللهُ، من قلبِهِ دخل الجنَّةَ».
وهكذا رواه النسائي في «اليوم والليلة» 4، عن إسحاق بن منصور -وهو: الكَوسَج-، به.
ورواه أبو داود 1، عن محمد بن مثنَّى، عن محمد بن جَهضَم، به 2. فقد تضمَّن هذا الحديث كيفية إجابة المؤذِّن على أصحِّ أقوال العلماء، وكيفية الأذان في قول بعضهم.
(64) وقد قرأت على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزِّي: أخبَرَتكم الشيخة الصالحة فاطمة بنت عساكر، أنا فَرْقد بن عبد الله، أنا الحافظ أبو طاهر السِّلفي، أنا ابن البَطِر، أنا أبو الحسن بن رَزقويه قال: ثنا محمد بن جعفر الأَدَمي القارئ، ثنا أحمد بن عبيد النَّحْوي، ثنا أبو بكر الحنفي، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمرَ قال: كان بلال يقول إذا أذَّن: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، حيِّ على الصلاة.
فقال عمرُ بن الخطاب: قُلْ في إثرها: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله.
فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قُل كما أَمَرَكَ عمرُ» 3.
وهذا فيه منقبة عظيمة لعمرَ -رضي الله عنه-، لكن عبد الله / (ق 25) بن نافع فيه ضعف، تكلَّم فيه علي ابن المديني، ويحيى بن معين، والبخاري، وغيرهم من الأئمَّة 4.
(65) .... 5 لمَّا رأى عمرُ الأذانَ في النوم فذهب إلى رسول الله
ليخبره بما رأى، فسَمِعَ بلالاً يؤذِّن، وقال له رسولُ الله حين أَخبَرَه: «قد سَبَقك بذلك الوحيُّ».
ذَكَره ابن هشام في «السيرة» 1 قبل بدر.
أثر آخر
(66) قال الحسن بن عرفة 2: ثنا مَرحوم بن عبد العزيز، عن أبيه،
عن أبي الزبير مؤذِّن بيت المقدس قال: جاءنا عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: إذا أَذَّنتَ فتَرَسَّلْ، وإذا أَقمتَ فاحذِم.
ورواه أبو عبيد 1، عن الأنصاري، عن مَرحوم.
وحكى عن الأصمعي أنَّه قال: الحَذْم: الحَدْر 2.
أثر آخر
(67) قال الدارقطني 3: ثنا ابن مِرداس، ثنا أبو داود، ثنا أيوب بن منصور، ثنا شعيب بن حرب، ثنا عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن مؤذِّن لعمرَ، يقال له: مَسروح، أنَّه أذَّن قبل الصبح، فأمره عمرُ أن يَرجِعَ فينادي: أَلاَ إنَّ العبدَ نام -ثلاثًا-، فرَجَع، فنادى: أَلاَ إنَّ العبدَ نامَ.
ثلاث مرات.
وهكذا رواه أبو داود في «السُّنن» 4، عن أيوب بن منصور.
ثم قال: وقد رواه حماد بن زيد، عن عبيد الله، عن نافع أو غيره: أن مؤذِّنًا لعمرَ، يقال له: مَسروح، أو غيره.
ورواه الدَّرَاوَردِي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: كان لعمرَ مؤذِّن، يقال له: مسعود، فذَكَر نحوه.
وهذا أصح من ذاك.
يعني: من الحديث الذي رواه هو والدارقطني 1 من حديث حماد بن سَلَمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّ بلالا أذَّن قبل طلوع الفجر، فأَمَره رسولُ الله أن يرجع فينادي: أَلا إنَّ العبدَ نام ... ، الحديث.
قال أبو داود: لم يروه عن أيوب، إلا حماد بن سَلَمة.
وقال الترمذي 2: قال علي ابن المديني: هو غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سَلَمة 3.
وقال الدارقطني 4: ورواه سعيد بن زَربي -وكان ضعيفًا-، عن أيوب، كذلك.
ورواه عبد الرزاق 5، عن معمر، عن أيوب، مرسلاً.
وكذا رواه هشيم 6، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، مرسلاً.
ثم رواه الدارقطني 7 من حديث عامر بن مُدرِك، ثنا عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّ بلالا أذَّن قبلَ طلوعِ الفجرِ، فغضب رسولُ الله، وأَمَرَه أنْ ينادِي: إنَّ العبدَ نامَ.
فوَجَد بلالُ وَجْدًا شديدًا.
ثم قال: وَهِمَ فيه عامر بن مُدرِك، والصواب قد تقدَّم عن شعيب بن حرب، عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن مؤذِّن عمر، عن عمرَ، قولَه.
ثم رواه 1 من حديث أبي يوسف القاضي، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس: أنَّ بلالاً أذَّن قبل طلوع الفجر، فأَمَره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يَصعَدَ فينادِي: إنَّ العبدَ نامَ.
ففَعَلَ، وقال:
ليتَ بلالاً لم تَلِدْهُ أُمُّه ... وابتلَّ من نَضحِ دَمٍ جَبِينُه
ثم رواه الدارقطني 2، عن عثمان بن أحمد، عن يحيى بن أبي طالب، عن عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، مرسلاً، وقال: هذا أصح.
ثم أَسنَدَه 3 من وجه آخر، عن أنس مرفوعًا، فالله أعلم.
ولكنه من رواية محمد بن القاسم الأسدي، وهو ضعيف 4.
في ستر العورة
(68) قال الإمام أحمد 1: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، ثنا نافع قال: كان عبد الله بن عمر يقول: إذا لم يكن للرجلِ إلا ثوبٌ واحدٌ فلْيأْتزِرْ به، ثم ليُصلِّ، فإني سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول ذلك، ويقول: لا تَلتَحِفوا بالثوب إذا كان وحدَه، كما تفعلُ يهودُ.
قال نافع: ولو قلتُ لك إنَّه أَسنَدَ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لَرَجَوتُ ألا أكونَ كَذَبتُ.
هذا إسناد جيد، وليس في شيء من الكتب السِّتة.
طريق أخرى
(69) قال الهيثم بن كُلَيب 2: ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا شيبان، ثنا جرير بن حازم، ثنا نافع قال: دخل ابنُ عمر وأنا أصلِّي في إزارٍ، فقال: أَلَم تُكس ثوبين؟ قلت: بلى.
قال: أَفَرأيتَ لو بَعثتُك في حاجة، أكنتَ تذهبُ هكذا كما صَلَّيتَ؟ قلت: لا.
قال: فربُّك أحقُّ أن تَزَيَّن له.
ثم حدَّث، فلا أدري، رَفَعه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أم حدَّث عن عمرَ -نافع شكَّ- قال: إذا لم يكُن لأحدكم غيرَ ثوبٍ واحدٍ، فأراد أن يصلِّي؛ فليشدَّ به حِقويه 1، ولا يشتملْ اشتمالَ اليهود.
حديث آخر
(70) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 2: ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، والعباس بن جعفر قالا: ثنا مالك بن إسماعيل، ثنا مسعود بن / (ق 26) سعد الجُعفِي، عن مُطرِّف، عن زيد العمِّي، عن أبي الصِّدِّيق النَّاجي، عن ابن عمرَ، عن عمرَ قال: ذَكَر نساءُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يذيِّلن من الثياب، فقال: «شبرًا».
فقلن: شبرًا قليل، تخرجُ منه العورةُ.
قال: «فذراع».
قلن: تبدو أقدامُهن.
قال: «ذراعًا، لا يزدن على ذلك».
ثم قال: اختُلف فيه على ابن عمر، وهذا حديث مُطرِّف، عن زيد العمِّي.
قلت: وفيه ضعف.
قال ابن عدي 3:لم يرو شعبة عن أضعف من زيد العمِّي.
وهكذا روى هذا الحديث النسائي في الزينة 4، عن أحمد بن عثمان بن حكيم ومعاوية بن صالح الدمشقي.
كلاهما عن مالك بن إسماعيل، به.
ولكن رواه أبو داود 1، وابن ماجه 2 من حديث الثوري، عن زيد العمِّي، عن أبي الصِّديق، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لم يَذكر عمر بن الخطاب.
وهذا أشبه 3،
والله أعلم.
أثر عن عمر
(71) قال محمد بن عبد الله الأنصاري 4: ثنا سليمان التَّيمي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن عمرَ بن الخطاب قال: تصلِّي المرأةُ في ثلاثةِ أثوابٍ: درعٍ، وخمارٍ، وإزارٍ.
إسناد صحيح على شرطهما.
أثر آخر (72) قال أبو عبيد 1: يُروى عن عوف بن أبي جميلة، عن أنس بن
سيرين، عن عمرَ: أنَّه رأى جاريةً مملوكةً مُتَكَمْكِمَةً، فسَأَل عنها، فقالوا: أَمَةُ آلِ فلانٍ.
فضَرَبها بالدِّرَّة ضرباتٍ، وقال: يالكعاءُ 1، (أتشبَّهين) 2 بالحرائر؟!
قال أبو عبيد: الأصلُ أن يقال: مُتَكَمِّمَةً، وهو من الكُمَّة، وهو القَلَنْسُوة، أي: رآها مغطيةً رأسَهَا كالحرائرِ، فضَرَبها.
حديث آخر
(73) روى أبو داود 1 عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، أو قال: قال عمرُ: «إذا كان لأحدِكم ثوبانِ؛ فليُصلِّ فيهما».
(74) وقال البخاري 2: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قام رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فسأله عن الصلاة في الثوب؟ فقال: «أوكُلُّكم يجدُ ثوبين؟».
ثم سأل رجلٌ عمرَ، فقال: إذا وسَّع اللهُ فأَوسِعوا، جَمَع رجلٌ عليه ثيابه، صلَّى رجلٌ في إزارٍ ورداءٍ، في إزارٍ وقميصٍ، في إزارٍ وقَبَاءٍ 3، في سراويلَ ورداءٍ، في سراويلَ وقميصٍ، في سراويلَ وقَبَاءٍ، في تُبَّانٍ 4 وقباءَ، في تُبَّانٍ وقميصٍ.
قال: وأَحسَبُهُ قال: في تُبَّانٍ ورداءٍ.
هكذا رواه البخاري.
وهو عند مسلم 5 بدون ذِكر سؤال عمر رضي الله عنه.
في المساجد ومواطن الصلاة
(75) قال الإمام أحمد 1: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن سالم بن عبد الله قال: كان عمرُ بن الخطاب رجلاً غَيورًا، وكان إذا خَرَج إلى الصلاةِ اتَّبَعَتْهُ عاتكةُ بنت زيد، وكان يَكره خروجَها، ويَكره مَنْعَها، وكان يُحدِّث أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استأذَنَكُم نساؤكم إلى الصلاة فلا تَمنَعُوهُنَّ».
هذا إسناد جيد، وإن كان فيه انقطاع، فإنَّ سالمًا لم يُدرك جدَّه عمر 2. قاله الحافظ أبو زرعة الرازي 3 4.
وقد جاء من طريق أخرى:
(76) كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 1 / (ق 27): ثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا بِشر بن منصور، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: قال عمرُ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إمَاءَ اللهِ مساجدَ اللهِ».
وهذا إسناد جيد من هذا الوجه 2، وقد اختاره الحافظ الضياء في كتابه 3.
وهو في «الصحيح» من حديث عبد الله بن عمر، كما سيأتي 4.
حديث آخر
(77) قال الحافظ أبو يعلى 5: ثنا جُبَارة بن المغلِّس، ثنا عبد الكريم البَجَلي، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمرَ بن الخطاب قال:
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما ساءَ عملُ قومٍ قطُّ إلا زَخرَفُوا 1 مساجدَهم».
وكذا رواه ابن ماجه في «سننه» 2، عن جُبارة بن المغلِّس، وفيه ضعف 3.
(78) وقال البخاري 4: قال عمرُ: أَكِنَّ 5 الناسَ من المطر، وإيَّاك أن تُحمِّرَ أو تُصفِّرَ، فتَفتنَ الناسَ.
قال 6:
ورأى عمرُ بن الخطاب أنسَ بن مالك يصلِّي عند قبر، فقال: القبرَ! القبرَ! ولم يأمُره بالإعادة.
قال 1: وقال عمرُ: إنَّا لا نصلِّي في البِيعة 2، لا نَدخلُ كنائسَكم من أجل التماثيل التي فيها الصُّور.
قال 3: وقال عمرُ: المصلُّون أحقُّ بالسَّواري من المتحدِّثين إليها.
ورأى ابن عمر 4
رجلاً يصلِّي بين اسطوانتين، فأدناه إلى سارية، فقال: صَلِّ إليها.
قلت: وقد روي نحو هذا في حديث آخر عن عمرَ مرفوع: (79) كما روى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث بُرد بن سنان، عن إسحاق بن سُوَيد -وكان شيخًا كبيرًا- قال: مَرَّ عمرُ -رضي الله عنه- برجل يصلِّي، فقال: اُدْنُ من قِبْلتِكَ، / (ق 28) لايُفسِدُ الشيطانُ عليك صلاتَكَ، لستُ أقولُهُ برأيي، ولكني سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُهُ 1.
وهكذا رواه معتمر بن سليمان، عن إسحاق بن سُوَيد، عن رجل، عن عمرَ، به.
أثر آخر
(80) قال الحافظ أبو يعلى 1:
ثنا عبيد الله، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- كان يُجمِّرُ 2 مسجدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كلَّ جُمُعة.
أثر آخر
(81) قال أبو عبيد 3:
حدِّثت عن عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عمَّن حدَّثه، عن عمرَ: أنَّه لمَّا حَصَّبَ المسجدَ قال له فلان: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: هو أَغفَرُ للنُّخامة، وألينُ في المَوْطئ.
قال الأصمعي: أَصل الغَفر: التغطية، يعني: أنَّه أستر للنُّخامة.
ودلَّ على جواز ذلك في المسجد بشرط التغطية، ويشهد له الحديث الصحيح 1: «البُزَاق في المسجدِ خطيئةٌ، وكفَّارتها دفنُها».
وقوله: حَصَّبَ المسجدَ: يعني: جعل فيه الحصباءَ، وهي: الحصى.
أثر آخر
(82) قال ابن أبي الدُّنيا 1:
ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا يزيد بن هارون، أنا الجُرَيري، عن أبي نَضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أَسيد قال: كان عمرُ -رضي الله عنه- يَعُسُّ المسجدَ بعد العشاءِ، فلا يَرى فيه أحدًا إلا أَخرَجَهُ، إلا مَن يصلِّي، فمَرَّ بنفرٍ من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فيهم أُبَيّ بن كعب فقال: ما خلَّفَكُم بعد الصلاة؟ قالوا: جَلَسنا نذكرُ اللهَ تعالى.
فجلس معهم، ثم قال لأدناهم إليه: هاتِ.
قال: فدعا، فاستَقرَأَهم واحدًا واحدًا 2 يَدعون، حتى انتهى إليَّ، وأنا إلى جنبه، فقال: هاتِ.
فحَصِرتُ، وأخذني من الرِّعدة إفكِلٌ 3، حتى جعل يجدُ مَسَّ ذلك منيِّ، فقال: ولو أن تقولَ: اللهمَّ اغفر لنا، اللهمَّ ارحمنا.
قال: ثم أُخِذَ عمر، فما كان في القوم أكثرَ دمعةً منه، ولا أشدَّ بكاءً، ثم قال: إيهًا! الآن فتَفَرَّقوا.
أثر آخر
(83) قال البخاري 1: ثنا علي بن عبد الله، ثنا يحيى بن سعيد، أنا الجُعَيد بن عبد الرحمن، عن يزيد بن خُصيفة، عن السائب بن يزيد الكِندي / (ق 29) قال: كنتُ قائمًا في المسجد، فحَصَبني رجلٌ، فنَظَرتُ، فإذا عمرُ بن الخطاب، فقال: اذهب، فائتني بهذين، فجئتُهُ بهما.
فقال: ممَّن أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف.
قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتُكُما، ترفعانِ أصواتَكما في مسجدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم!
طريق أخرى
(84) قال النسائي 2: ثنا سُوَيد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك 3، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سَمِعَ عمرُ صوتَ رجلٍ في المسجد، فقال: أتدري أين أنت؟!
وهذا -أيضًا- صحيح.
حديث في كراهة دخول المسجد لآكل الثوم والبصل
(85) قال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي 1: حدثنا سفيان، ثنا يحيى بن صَبيح الخراساني، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن عمرَ بن الخطاب أنَّه قال: إنِّي لأَحسَبُ أنكم تأكلون شجرتين -يعني: خبيثتين-، البصلَ والثومَ، فإن كنتم لابدَّ فاعلين؛ فاقتُلُوهما بالنضج، ثم كُلُوهما، فلقد رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يجدُ ريحَهُ من الرجل، فيأمُرُ به، فيُخرَجَ إلى البقيع.
هكذا رواه الحميدي مختصرًا، وفيه زيادات كثيرة، ستأتي في موضعها 2 من هذا الحديث، وهو في «الصحيح» 3.
وقد نقل الترمذي 4
عن عليٍّ وشريك بن الحنبل أنهما كرها البصل والثوم النِّيئ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أما الوجه الأول: فأخرجه أبو داود (4/ 309 رقم 3824) -ومن طريقه: البيهقي (3/ 78) - والترمذي (4/ 230 رقم 1808) في الأطعمة، باب ما جاء في الرخصة في أكل الثوم مطبوخًا، وابن عبد البر في «التمهيد» (6/ 420) من طريق مُسدَّد، عن أبي وكيع الجرَّاح بن ملِيح، عن أبي إسحاق، عن شريك بن حنبل، عن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الثوم إلا مطبوخًا.
هذا لفظ ابن عبد البر.
ولفظ أبي داود والترمذي: نُهِيَ عن أكل الثوم إلا مطبوخًا.
بالبناء للمجهول.
وأما الوجه الثاني: فأخرجه الترمذي (1809) عن وكيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق، به، موقوفًا، ولفظه: لا يصلح أكل الثوم إلا مطبوخًا.
وقد توبع وكيع على هذا الوجه، تابَعَه يحيى الحِمَّاني، كما عند الدارقطني في «العلل» (3/ 242).
وأما الوجه الثالث: فعلَّقه الدارقطني عن قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن عُمَير بن قميم، عن شريك بن حنبل، عن علي، مرفوعًا، ولم يسق لفظه.
ولقيس بن الربيع إسناد آخر: فأخرجه البزار (3/ 50 رقم 805) والطحاوي (4/ 237) من طريق قيس بن الرَّبيع، عن أبي إسحاق، عن شريك بن حنبل، عن علي مرفوعًا: من أكل من هذه البَقلة، فلا يقربنَّا أو يؤذينا في مسجدنا.
ليس فيه: عُمَير بن قميم!
ورجَّح الدارقطني رواية قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن عُمَير بن قميم، عن شريك بن حنبل، عن علي، فقال: ويُشبه أن يكون قول قيس أولى بالصواب، لأن يونس بن أبي إسحاق رواه عن أبي هلال، وهو عُمَير بن قميم، عن شريك بن حنبل، عن عليٍّ رضي الله عنه.
قلت: رواية يونس بن أبي إسحاق هذه التي ذكرها الدارقطني لم أجدها، وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن رواية قيس بن الربيع، فقال أبو حاتم: هذا حديث خطأ، منهم من يقول: عن أبي إسحاق، عن شريك بن حنبل، عن علي، قوله، موقوف، ورواه عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن شريك بن حنبل، لم يقل: عن علي: لايحلُّ أكل الثوم، وهو أشبه عندى؛ لأن الثوري أحفظهم.
«علل ابن أبي حاتم» (2/ 6 رقم 1490).
قلت: وعُمَير بن قميم -ويقال: ابن تميم-: مجهول الحال، روى عنه اثنان، وذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (6/ 536 رقم 3239) وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/ 378 رقم 2092) وسكتا عنه، وذكره ابن حبان في «الثقات» (5/ 254).
وقد قال الترمذي عقب روايته: هذا الحديث ليس إسناده بذلك القوي، وقد روي هذا عن عليٍّ قولَه، وروي عن شريك، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مرسلاً!
وضعَّفه الشيخ الألباني في «الإرواء» (8/ 155) لاختلاط أبي إسحاق وتدليسه.
ونقله ابن حزم 1 عنهما: أنهما حرَّماه.
وقد يقال: إنَّ كلام عمر يقتضيه.
وأما نهي آكلهما عن دخول المسجد، فقد صحَّ في غير ما حديث: «من أَكل البصلَ والثومَ والكُرَّاث؛ فلا يَقربنَّ مسجدَنا» 2.
ولمسلم 3: «مساجدَنا».
وقد كَرِهَ الفقهاءُ ذلك 4، ومقتضى قواعد مذهب الإمام أحمد 5 أنَّه لا تصحُ صلاةُ آكلهما في المسجد ومعه الريحُ، لأنه قد نُهي عن الكون فيه، فيقتضي ألا تصحَّ صلاتُهُ فيه، كالدار المغصوبة، والله أعلم.
حديث آخر
(86) قال أحمد 1: ثنا حماد الخيَّاط، ثنا عبد الله، عن نافع: أنَّ عمرَ زاد في المسجد من الأُسطوانة إلى المقصورة، وزاد عثمان، وقال عمرُ: لولا أني سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن يزيدُ في مسجدِنا؟» 2؛ ما زِدْتُ فيه.
وهذا وإن كان منقطعًا، إلا أن الظاهر أن نافعًا سَمِعَه من ابن عمر، وقد روي كذلك مرفوعًا من طريق أخرى:
(87) كما قال الحافظ أبو يعلى 3:
ثنا موسى بن حيَّان، ثنا سَلم بن قتيبة، ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: قال عمرُ: لولا أنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إني أريدُ أن أزيدَ في قِبْلَتِنا»؛ ما زِدتُ.
وهذا إسناد حسن، وعبد الله بن عمر العُمَري في كلتا الطريقين ضُعِّف.
صفة توسيع عمر في المسجد
(88) قال الشيخ أبو الفرج / (ق 30) ابن الجوزي -رحمه الله- في آخر الباب الثالث والثلاثين من كتاب «مناقب عمر رضي الله عنه» 1:
وروى يزيد بن هارون، ثنا أبو أُميَّة ابن يعلى، عن سالم أبي النَّضر، قال: كانت دارُ العباس بن عبد المطلب إلى جنب المسجد، وكان ميزابُها يشرع إلى الطريق، فقال له عمر: إنَّ ميزابَك يؤذي المسلمين، فحوِّله إلى دارك.
فقال: إنما هو ماء المطر.
فقال عمرُ: إنَّ المسلمين لا يحبُّون أن تَبلَّ السماءُ ثيابَهم، فحوِّله.
وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أقَطَعَها العباسَ، ثم رأى عمرُ في المسجد ضِيقًا عن المسلمين، فاشترى ما حولَه من المنازل، وبقيت حُجَر نساء النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ودار العباس، فقال عمرُ للعباس: إنَّ مسجدَ المسلمين قد ضاق بهم، وقد ابتَعتُ ما حولَه من المنازل، غير حُجَر نساءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلا سبيلَ إليها، ودارِك، فبعنيها أُوسِّعُ بها مسجدَ المسلمين.
فقال العباس: لستُ بفاعل.
فأراده عمر، فأبَى.
فقال له عمر: اختر منِّي واحدةً من ثلاث خصال.
فقال العباس: هاتها، لعلَّ في بعضها فَرَجًا.
فقال: اختر منِّي: إما أن تبيعنيها بحُكمكَ من بيت مال المسلمين، وإما أن أَخطَّك مكانَها خطَّةً حيث أَحببت، فأَبنيها لك مثلَ بناء دارك، وإما أن تصدَّقَ بها على المسلمين توسِّع بها عليهم مسجدَهم.
فقال له العباس: ولا خصلةً من هذه الخصال.
قال له عمر: اجعل بيني وبينك حَكَمًا.
فقال: أُبَيّ بن كعب.
فانطَلَقا إليه، فدَخَلا، فقال لعمرَ: أخصمًا جئتَ أم زائرًا؟ فقال: بل
خصمًا.
/ (ق 31) قال: فاجلس مجلسَ الخصومِ.
فجَلَسا بين يديه، فقصَّ عليه عمرُ قصتَه.
فقال أُبَيّ بن كعب: إنْ شئتُما حدَّثتُكما حديثًا سَمِعتُهُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمرُ: حدِّثنا.
فقال أُبَيّ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ الله أَوحى إلى داودَ عليه السلام أن ابْنِ لي بيتًا أُذكَرُ فيه، فاختَطَّ داودُ عليه السلام موضعَ بيتِ المقدسِ، فإذا خَطُّه يزِوي تَربيعتَها دارًا لبعض بني إسرائيل، فسأله أن يَخرُجَ له عنها، فيُدخِلُها في المسجدِ، فيُسوَّى تربيعتُه، فأَبَى، فهَمَّ داودُ عليه السلام بأخذها منه، فأوحى اللهُ تعالى إليه: إنِّي أَمَرتُك أن تَبنيَ لي بيتًا أُذكَرُ فيه، فأَردتَ أن تُدخِلَ بيتيَ الغصبَ، وليس من شأني الغصبُ، وإنَّ عقوبتَكَ ألاَّ تَبنيه، فقال: ياربّ، فمِن ذُريتي؟ قال: من ذُريتك، فأَوحى اللهُ إلى سليمانَ عليه السلام فبَنَاه».
فأخذ عمرُ -رضي الله عنه- بمجامع قميص أُبَيّ، فقال: جئتُك بأمرٍ، فما جئتني به أشدَّ منه، لتأتينِّي على هذا ببيِّنة، أو لأفعلنَّ، ولأفعلنَّ، ولأفعلنَّ.
فقال أُبَيّ: أَي عمر، أتَّتهمني على حديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هو ما أقول لك.
فخَرَج به، حتى أتى به المسجدَ، فإذا فيه حَلقة من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فوَقَفَهُ عليهم، فقال أُبَيّ: أَنشُدُكم اللهَ، أيكم سَمِعَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَذكُرُ حديثَ داودَ حيثُ أَوحى اللهُ إليه أن يبني بيتَ المقدس؟ وحدَّثهم به.
فقال / (ق 32) هذا من ههنا: أنا سَمِعتُهُ، وقال هذا من ههنا: أنا سَمِعتُهُ.
فغضب أُبَيّ -رضي الله عنه-، وقال: أي عمر، أتَّتهمني على حديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ فأرسَلَه عمر، وقال: يا أبا المنذر، لا والله الذي لا إله إلا هو، ما اتَّهمتُك على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في حديثٍ ولا غيرِه، ولكني كرهتُ أن يجترئ 1 على