وقد رواه الإمام علي ابن المديني، عن يحيى بن سعيد، ومعاذ بن هشام.
كلاهما عن هشام الدَّستوائي، به.
وعن محمد / (ق 270) بن بُكَير، عن سعيد، عن قتادة.
وعن حَرَمي بن عُمارة، عن شعبة، عن قتادة، به.
ثم قال: وهذا صحيح من الحديث، وهكذا كان يقول قتادة: «مَعْدان بن أبي طلحة»، وتابَعَه على ذلك زائدة، عن السائب بن حُبيش الكِلاَعي، عن مَعْدان بن أبي طلحة، وخالَفَهم الأوزاعي في نسبه، فقال: «مَعْدان بن طلحة».
قال: وكنَّا نحبُّ أن نعلم أنَّ مَعْدان لَقِيَ عُمرَ أو لا؟ فحدَّثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، حدثني الوليد بن هشام المُعيطي، ثنا مَعْدان بن أبي طلحة اليَعمَري قال: قَدِمْتُ على عمرَ بن الخطاب من الشَّام ... ، فذَكَر حديثًا فيه كلام لم نحفظه.
قال: وإنما كَتَبناه لنعلمَ أنَّ مَعْدان لَقِيَ عُمرَ حتى يصحَّ ما روى عن عمرَ.
وقال في موضع آخر: هذا حديث حسن، وهو من حديث قتادة -وهو بصري-، عن سالم بن أبي الجَعْد -وهو كوفي-، عن مَعْدان، وهو شامي.
وقد روى النسائي 1 من حديث حصين ومنصور.
كلاهما عن سالم بن أبي الجَعْد قال: قال عمرُ ... ، به.
رَفَعه حُصين، ووَقَفه منصور، ولم يَذكرا مَعْدان، فالله أعلم.
وقد تقدَّم في الوصية 1 من حديث جُويرية بن قدامة، عن عمرَ، قريبٌ من هذا.
حديث آخر
(730) قال الإمام أحمد 2: ثنا عبد الرزاق 3، ثنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمرَ: أنَّه قال لعمرَ: إني سَمِعتُ الناسَ يقولون / (ق 271) مقالةً، فآليتُ أن أقولهَا لك، زعموا أنك غيرُ مُستَخْلِفٍ، فوضع رأسَه ساعة، ثم رفعه فقال: إنَّ اللهَ تعالى يحفظُ
دينَه، وأني إنْ لا أَستَخْلفْ، فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يَستَخْلِفْ، وإن أَستَخْلِفْ فإنَّ أبا بكرٍ قد استَخْلَفَ.
قال: فواللهِ ما هو إلا أنْ ذَكَر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكرٍ -رضي الله عنه-، فعَلْمْتُ أنه لم يكن يَعدلُ برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا، وأنه غيرُ مُستَخْلِفٍ.
قال ابن الجوزي 1: أخرجاه في صحيح 2. وليس كما قال، إنما رواه مسلم في كتاب المغازي 3، عن ابن أبي عمر، وإسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، وعَبد بن حميد.
ورواه أبو داود 4، عن محمد بن داود بن سفيان، وسَلَمة بن شَبيب.
والترمذي 5، عن يحيى بن موسى، مختصرًا.
سبعتهم عن عبد الرزاق بن همَّام، به.
وقال الترمذي: صحيح.
طريق أخرى
(731) قال أحمد 6: ثنا محمد بن بِشر، ثنا هشام، عن عروة، عن ابن عمرَ: أنَّ عمرَ قيل له: ألا تَستَخلِفُ؟ قال: إنْ أَترُكْ، فقد تَرَك مَن هو
خيرٌ منِّي، رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وإن أَستَخلِفْ، فقد استَخلَفَ مَن هو خيرٌ منِّي، أبو بكرٍ رضي الله عنه.
فهذا من هذا الوجه: أخرجه الشيخان في «الصحيحين»:
البخاري 1، عن الفِريابي، عن الثوري.
ومسلم 2، عن أبي كُرَيب، عن أبي أسامة.
كلاهما عن هشام بن عروة، به.
/ (ق 272)
حديث السَّقيفة الطويل
(732) قال الإمام أحمد رحمه الله 1: حدثنا إسحاق بن عيسى الطَبَّاع، ثنا مالك بن أنس 2، حدثني ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود: أنَّ ابنَ عباس أَخبَرَه: أنَّ عبد الرحمن بن عوف رجع إلى رَحله، قال ابن عباس: وكنت أقرئُ عبد الرحمن بن عوف، فوَجَدني وأنا أنتظر، وذاك بمنىً، في آخر حجَّة حجَّها عمرُ بن الخطاب، قال عبد الرحمن بن عوف: إنَّ رجلاً أتى عمرَ بن الخطاب، فقال: إنَّ فلانًا يقول: لو قد مات عمرُ بايعتُ فلانًا، فقال عمرُ رضي الله عنه: إنِّي قائمٌ العشيَّة -إن شاء الله- في الناس، فمحذِّرهم هؤلاء الرَّهطَ الذين يريدون أن يَغصبوهم أمرَهم.
قال عبد الرحمن: فقلت: يا أميرَ المؤمنين، لا تفعل، فإنَّ الموسمَ يجمعُ رِعاعَ الناس وغوغاءَهم، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمتَ في الناس، فأخشى أن تقول مقالة يَطِيرُ بها أولئك فلا يَعُوها، ولا يضعوها مواضعَها، ولكن حتى تَقدَمَ المدينةَ، فإنَّها دارُ الهجرة والسُّنة، وتَخلُصَ بعلماء الناس وأشرافِهم، فتقولُ ما قلتَ متمكنًا، فيَعُون مقالتَك، ويضعونها مواضعَها.
قال عمرُ: لئن قَدِمْتُ المدينةَ صالحًا؛ لأكلمنَّ بها الناسَ في أول مقامٍ أقومُهُ.
فلمَّا قدمنا المدينةَ في عقب ذي الحجَّة، وكان يوم الجمعة، عجَّلت الرَّواح، / (ق 273) صكَّة الأعمى -قلت لمالك: وما صكَّة الأعمى؟ قال: إنه لا يبالي أيَّ ساعة خَرَج، لا يعرف الحرَّ والبرد، نحو هذا- فوَجَدتُ سعيد بن زيد عند ركن المنبر الأيمن قد سَبَقني، فجلستُ حذاءه، تحكُّ
رُكبتي رُكبتَه، فلم أَنشَب أن طلع عمرُ -رضي الله عنه-، فلمَّا رأيتُه قلتُ: ليقولَنَّ العشيَّةَ على هذا المنبرِ مقالةً ما قالها عليه أحدٌ قبلَه.
قال: فأنكر سعيد بن زيد ذلك، وقال: ما عسيتَ أن يقول مالم يقل أحدٌ؟ فجلس عمرُ على المنبر، فلمَّا سَكَت المؤذِّن قام، فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثم قال: أمَّا بعدُ، أيُّها الناسُ، فإنِّي قائلٌ مقالةً قد قُدِّر لي أن أقولهَا، لا أدري لعلَّها بين يَدَي أجلي، فمَن وَعَاها وعَقَلَها فليُحدِّث بها حيثُ انتهت به راحلتُه، ومَن لم يَعِهَا فلا أُحِلُّ له أن يكذبَ عليَّ: إنَّ اللهَ بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحقِّ، وأنزل عليه الكتابَ، فكان فيما 1 أُنزِلَ عليه آية الرَّجم، فقرأناها، ووعَيناها، وعَقَلناها، ورَجَم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ورَجَمنا بعدَه، فأخشى إن طال بالناس زمانٌ أن يقولَ قائلٌ: لا نجدُ آيةَ الرَّجمِ في كتاب الله، فيضلُّون 2 بتركِ فريضةٍ قد أنزلها اللهُ عزَّ وجلَّ، فالرَّجمُ في كتابِ اللهِ حقٌّ على من زَنَى إذا أُحصِنَ من الرِّجال والنساء إذا قامت البيِّنةُ، أو كان الحَبَلُ، أو الاعترافُ.
/ (ق 274) ألا وإنَّا قد كنَّا نقرأ: لا ترغبوا عن أبائكم، فإنَّ كُفرًا بكم أن ترغبوا عن أبائكم.
ألا وإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُطرُوني كما أُطرِيَ عيسى ابنُ مريمَ، فإنما أنا (عبدٌ للهِ) 3،
فقولوا: عبد الله ورسولُه»، وقد بلغني أنَّ قائلاً منكم يقول: لو قد مات عمرُ بايعتُ فلانًا، فلا يَغترَنَّ امرؤٌ أن يقولَ: إنَّ بيعةَ أبي بكرٍ كانت فَلتةً 4، ألا وإنَّها كانت كذلك، إلا أنَّ الله
وَقَى شرَّها، وليس فيكم اليومَ مَن تُقطَعُ إليه الأعناقُ مثلُ أبي بكرٍ رضي الله عنه، وإنَّه كان من خَيرِنا 1 حين توفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ عليًّا والزُّبيرَ ومن كان معهما تخلَّفوا في بيتِ فاطمةَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتخلَّف عنها الأنصارُ بأجمعها في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكرٍ، فقلت له: يا أبا بكرٍ، انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمُّهم، حتى لَقِيَنا رجلان صالحان، فذَكَرا لنا الذي صنع القومُ، فقالا: أين تريدون يا معشرَ المهاجرين؟ فقلتُ: نريد إخوانَنا هؤلاء من الأنصار.
فقالا: لا عليكم ألا تقربوهم، واقضوا أمرَكم يا معشرَ المهاجرينَ.
فقلت: والله لنأتينَّهم.
فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون، وإذا بين ظَهْرانيهم رجلٌ مُزمَّلٌ 2، فقلتُ: من هذا؟ قالوا: / (ق 275) سعد بن عُبادة، فقلت: مالَه؟ قالوا: وَجِعٌ.
فلمَّا جلسنا، قام خطيبُهم، فأثنى على الله بما هو أهلُه، وقال: أمَّا بعدُ، فنحن أنصارُ الله، وكتيبةُ الإسلام، وأنتم يا معشرَ المهاجرين رهطٌ منَّا، وقد دَفَّت دافَّةٌ 3
منكم تريدون 1 أن تختزلونا 2 من أصلنا، وتَحضُنُونا 3 من الأمر، فلمَّا سَكَتَ أردتُ أن أتكلَّمَ، وكنتُ قد زوَّرتُ 4 مقالةً أعجبتني، أريد 5 أن أقولهَا بين يَدَي أبي بكرٍ -رضي الله عنه-، وقد كنتُ أُداري منه بعضَ الحدِّ، وهو كان أحلمَ منيِّ وأوقرَ، 6
واللهِ ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضلَ، حتى سَكَتَ، فقال: أمَّا بعدُ، فما ذَكَرتم من خير فأنتم أهلُه، ولم تعرفِ العربُ هذا الأمرَ إلا لهذا الحيِّ من قريش، هم أوسطُ العرب نسبًا ودارًا، وقد رَضِيتُ لكم أحدَ هذين الرَّجلين أيُّهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عُبيدة بن الجرَّاح، فلم أكره ممَّا قال غيرَها، وكان والله أن أُقدَّمَ فتُضرَبَ عُنُقي لا يُقرِّبني ذلك إلى إثم، أحبُّ إليَّ أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكرٍ، إلاَّ أن تَعيَر 7 نفسي عند الموت.
فقال قائل من الأنصارِ: أنا جُذَيْلُها المُحكَّك، وعُذَيْقُها المُرجَّبُ، منَّا أميرٌ، ومنكم أميرٌ، يا معشر قريش -فقلت لمالك: ما معنى أنا جُذَيْلُها المُحكَّكُ، وعُذَيْقُها المُرجَّبُ؟ قال: كأنه يقول: أنا داهيتُها-.
قال: فكَثُر اللَّغطُ، / (ق 276) وارتفعت
الأصواتُ، حتى خشينا 1 الاختلافَ، فقلت: ابسُط يدَك يا أبا بكرٍ، فَبَسَطَ يدَه، فبايعتُه، وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، ونَزَوْنا على سعد بن عُبادة 2، فقال قائل منهم: قتلتم سعدًا! فقلتُ: قَتَلَ اللهُ سعدًا.
وقال عمرُ رضي الله عنه: أما واللهِ ما وَجَدنا فيما حَضَرنا أمرًا هو أوفق 3 من مبايعة أبي بكر، وخشينا 4
إن فارقنا القومَ ولم تكن بيعةٌ أن يُحدِثوا بعدنا بيعةً، فإمَّا أن نتابعهم على مالا نرضى، وإمَّا أن نخالفَهم فيكون فيه فسادٌ، فمن بايع أميرًا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعةَ له، ولا بيعةَ للذي بايعه، تَغِرَّةَ أن يُقتَلا 5.
قال مالك: فأخبرني ابن شهاب، عن عروة بن الزُّبير: أنَّ الرَّجلين اللَّذين لقياهما: عُوَيم بن ساعدة، ومَعْن بن عدي.
قال ابن شهاب: وأخبرني سعيد بن المسيّب: أنَّ الذي قال: أنا جُذَيْلُها المُحكَّكُ، وعُذَيْقُها المُرجَّبُ هو الحُبَاب بن المُنذر.
هذا حديث عظيم، أخرجه الجماعة في كتبهم من طرق متعددة، من حديث الزهري:
فرواه البخاري 6، عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن مالك ويونس.
وأخرجه -أيضًا- 1 من حديث معمر، وسفيان بن عيينة، وصالح بن كَيسان.
ومسلم 2 من حديث يونس، وسفيان بن عيينة.
وأبو داود 3 من حديث هشيم.
والنسائي 4 من حديث اللَّيث، / (ق 277) وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
كلُّهم عن الزهري، به.
ورواه النسائي من طرق أخر منقطعة ومرسلة، وفيما ذَكَرنا كفاية، والله أعلم.
حديث آخر في السَّقيفة أيضًا
(733) قال الإمام أحمد 1: ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، حدثنا عاصم.
(ح) وحسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد الله قال: لمَّا قُبِضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار: منَّا أميرٌ، ومنكم أميرٌ.
فأتاهم عمرُ -رضي الله عنه-، فقال: يا معشرَ الأنصار، ألستم تعلمون أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد أَمَر أبا بكرٍ أن يَؤمَّ الناسَ؟ فأَيُّكم تَطِيبُ نفسُهُ أن يتقدَّمَ أبا بكرٍ؟ فقالت الأنصار: نعوذُ باللهِ أن نتقدَّمَ أبا بكرٍ.
أخرجه النسائي 2، عن إسحاق بن إبراهيم، وهنَّاد بن السَّري.
كلاهما عن حسين بن علي الجُعفِي، عن زائدة، به.
وهكذا رواه علي ابن المديني، عن حسين بن علي الجُعفِي، به، وقال: صحيح، لا أحفظه إلا من حديث زائدة، عن عاصم.
طريق أخرى
(734) ورواه النسائي -أيضًا- 3 من حديث سَلَمة بن نُبَيط، عن نعيم بن أبي هند، عن نُبَيط بن شَرِيط، عن سالم بن عبيد الأشجعي -وله صحبة-، عن عمرَ أنه قال مثل ذلك.
طريق أخرى
(735) قال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي رحمه الله: حدثنا
محمد بن اللَّيث الجوهري، ثنا محمد بن يحيى الأزدي، ثنا عبد الرحيم بن سليمان الكوفي، عن يزيد بن سعيد بن ذي عَصْوان، / (ق 278) عن عبد الملك بن عُمَير: أنه أَخبَرَه رافع بن عمرو الطَّائي قال: أخبرني أبو بكرٍ الصِّديق رضي الله عنه: أنَّ عمرَ قال يوم السَّقيفة للأنصار: أَمَا تعلمون أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَر أبا بكرٍ أن يصلِّي بالناس؟ قالوا: نعم.
قال: فأيكم يجترئ أن يتقدَّمه؟ قالوا: لا أَيُّنا 1.
هذا حديث غريب بهذا الإسناد.
طريق أخرى
(736) قال الإمام محمد بن يحيى الذُّهْلي في كتاب «الزُّهريات»: ثنا عيَّاش بن الوليد، ثنا عبد الأعلى، ثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمرَ قال: قلت: يا معشرَ الأنصار، يا معشرَ المسلمين، إنَّ أَولى الناس بأمر نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأبو بكرٍ السَّبَّاق المتين، ثم أخذتُ بيده، وبَدَرني رجلٌ من الأنصارِ، فضَرَب على يده قبل أن أضربَ على يده، ثم ضَرَبتُ على يده، فتتابَعَ الناس.
هذا حديث جيد الإسناد من هذا الوجه، وقد اختاره الحافظ الضياء في كتابه 1.
ويقال: إنَّ هذا الرَّجلَ من الأنصار الذي بايع أبا بكرٍ أولاً، هو بشير بن سعد والد النُّعمان بن بشير رضي الله عنهما.
طريق أخرى
(737) قال محمد بن سعد 2: ثنا عارِم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد 3: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لمَّا تُوفي اجتمعت الأنصارُ إلى سعد بن عُبادة، فأتاهم أبو بكرٍ، وعمرُ، وأبو عُبيدة بن الجرَّاح، قال: فقام حُبَاب بن المُنذر -وكان بدريًّا-، فقال: منَّا أميرٌ، ومنكم أميرٌ، فإنَّا واللهِ ما نَنْفسُ هذا الأمرَ عليكم أيها الرَّهطُ، ولكنَّا نخافُ أن يَلِيَها -أو قال: يَلِيه- أقوامٌ، قَتَلنا آباءَهم، وإخوتَهم.
قال: فقال له عمر: إذا كان ذلك فمُتْ إن استطعتَ.
فتكلَّمَ أبو بكرٍ، فقال: نحن الأمراءُ، وأنتم الوزراءُ، وهذا الأمرُ بيننا وبينكم نصفين، كقَدِّ الأُبلُمَة -يعني: الخوصة 4 - فبايع أولَ الناس بشيرُ بن سعد أبو النُّعمان.
قال: فلمَّا اجتمع الناسُ على أبي بكرٍ قَسَم بين الناس قَسْمًا، فبَعَث إلى عجوز من بني عدي بن النَّجَّار بقَسْمها مع زيد بن ثابت، فقالت: ما هذا؟ قال: قَسْمٌ قَسَمَهُ أبو بكرٍ للنساء.
فقالت: أتُراشوني عن ديني؟ فقالوا: لا.
قالت: أتخافون أن أدَعَ ما أنا عليه؟ قالوا: لا.
قالت:
فوالله لا آخذُ منه شيئًا أبدًا.
فرجع زيد إلى أبي بكرٍ فأَخبَرَه بما قالت، فقال أبو بكرٍ: ونحن لا نأخُذُ ممَّا أعطيناها شيئًا أبدًا.
هذا إسناد حسن، وفيه انقطاع.
وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه في حديث السَّقيفة: قال عمرُ: فكنتُ أوَّلَ الناس أخذ بيده -يعني: يد أبي بكرٍ-، فبايعه، إلا رجلاً من الأنصار، أدخل يدَه من خلفي بين يَدَيَّ ويده، فبايعوه قبلي.
حديث آخر
(738) قال البخاري 1: ثنا إبراهيم بن موسى، أنا هشام، عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّه سَمِعَ خُطبةَ عمرَ الآخرةَ حين جلس / (ق 279) على المنبر، وذلك الغدُ من يومٍ تُوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرٍ -رضي الله عنه- صامتٌ لا يتكلَّم.
قال: كنتُ أرجو أن يعيشَ رسولُ الله صلى الله وسلم حتى يَدبُرَنا -يريد بذلك أن يكونَ آخرَهم-، فإن يكُ محمدٌ قد مات، فإنَّ اللهَ تعالى قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، هَدَى الله 2 محمدًا صلى الله عليه وسلم، وإنَّ أبا بكر -رضي الله عنه- صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين، وإنه أولى المسلمين بأموركم، فقوموا فبايعوه، وكانت طائفةٌ قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعةُ العامة على المنبر.
قال الزهري: عن أنس بن مالك: سَمِعتُ عمرَ يقول لأبي بكرٍ يومئذ: اصعدِ المنبرَ، فلم يزل به حتى صَعِدَ المنبرَ، فبايعه الناسُ عامَّةً.
ثم رواه البخاري 1، عن يحيى بن بُكَير، عن اللَّيث، عن عُقيل، عن الزهري، به.
مختصرًا.
وقد قدَّمنا في «سيرة الصِّديق» أنه بايَعَه يومئذٍ المهاجرون والأنصار حتى عليٌّ والزُّبيرُ، وذلك بإسناد صحيح ارتضاه مسلم بن الحجَّاج وابن خزيمة رحمهما الله 2.
فهذه بيعة الصِّديق التي اتفق عليها المهاجرون والأنصار، وإنما كانت فَلتةً لأنهم لم يحتاجوا إلى تفكُّرٍ وتَرَوٍّ في أمر الصِّديق، إذ هم جازمون قاطعون بأنه أفضلُهم وخيرُهم بعدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأما بيعةُ عمرَ بنِ الخطابِ فكانت بتفويض الصِّديق إليه الأمرَ من بعده، وأجمع الصحابةُ على تلقِّي ذلك من الصِّديق بالقَبول، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعلنا ممَّن يحبُّهم ويتولاهم.
/ (ق 280) حديث آخر
(739) قال الإمام أحمد 1: ثنا وكيع، عن ابن أبي خالد، عن قيس قال: رأيتُ عمرَ وبيده عسيبُ نخلٍ، وهو يُجلِسُ الناسَ، يقول: اسمعوا لقول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء مولىً لأبي بكر-يقال له: شَديد- بصحيفة، فقرأها على الناس، فقال: يقول أبو بكرٍ رضي الله عنه: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصَّحيفة، فوالله ما أَلَوتُكم.
قال قيس -وهو: ابن أبي حازم-: فرأيتُ عمرَ بعد ذلك على المنبر.
أثر في تحذير الإمام أن يولِّي على المسلمين قريبًا لقرابته أو فاجرًا
(740) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا رحمه الله 1:
ثنا هارون بن سفيان، ثنا خلف بن تميم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر قال: سَمِعتُ عبد الملك بن عُمَير قال: قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: مَن استعمل رجلاً لمودَّة، أو لقرابة، لا يستعملُهُ إلا لذلك؛ فقد خان اللهَ، ورسولَه، والمؤمنين.
(741) قال: وحدثنا عبيد الله بن جرير العَتَكي، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا فرج بن فَضَالة، عن النَّضر بن شُفَي، عن عمران بن سُليم، عن عمرَ بن الخطاب قال: مَن استعمل فاجرًا وهو يعلم أنه فاجرٌ، فهو مثلُه 2.
أثر في جواز استعانة الإمام ببعض العمَّال على ما لا يتمكَّن منه
(742) قال أبو داود في «المراسيل» 1: عن محمد بن يحيى، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، عن أبيه، عن الزهري قال: حتى كان في آخر زمانه -يعني: زمان عمر-، فقال ليزيد بن أخت نَمِر: اكفني بعضَ الأمورِ.
يعني: صغارَها.
(743) ثم رواه -أيضًا- 2، عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق 3،
عن معمر، عن الزهري قال: ما اتخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قاضيًا حتى مات، ولا أبو بكرٍ، ولا عمرُ، إلا أنه قال لرجل في آخر خلافته: اكفني أمور الناس.
حديث فيه جواز اتخاذ كاتب أمين
(744) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 1: ثنا عمر بن الخطاب السِّجستاني، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا محمد بن صَدَقة / (ق 281) الفَدَكي، ثنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ قال: كُتِبَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابٌ، فقال لعبد الله بن أرقم: «أَجِب هؤلاءِ»، فأخذه عبد الله بن أرقم، فكَتَبَهُ، ثم جاء بالكتاب، فعَرَضَهُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أحسنتَ»، فما زال ذلك في نفسي حتى وليتُ، فجعلتُه على بيت المال.
ثم قال: لا نعلم رواه عن زيد بن أسلم، عن أبيه، إلا مالك 2.
قلت: ومحمد بن صَدَقة هذا: ذَكَره أبو حاتم 3، فقال: كان يسكن ناحية المدينة، روى عن مالك، وعنه: إبراهيم بن المنذر، ولم يزد على هذا.
ولهم شيخ آخر يقال له: محمد بن صَدَقة الجُبْلاني المُكتِب الحمصي، روى عن بقيَّة وطبقته، وعنه: أبو حاتم، وقال 4: صدوق.
وهو من رجال النسائي.
وآخر يقال له: محمد بن صَدَقة 1، رأى أنس بن مالك، وليس في ... 2.
أثر فيه أنَّ الإمام يأذن للناس عليه بحسب منازلهم في الإسلام والشَّرَف، وأنهم يجلسون منه كذلك
(745) قال الإمام أحمد 1: ثنا عفَّان، ثنا جرير بن حازم قال: سَمِعتُ الحسنَ قال: حَضَر بابَ عمرَ بن الخطاب سهيلُ بن عمرو، والحارثُ بن أبي هشام 2، وأبو سفيان بن حرب، ونَفَرٌ من قريش من تلك الرءوس، وصهيبُ، وبلالُ، وتلك الموالي الذين شهدوا بدرًا، فخَرَج آذنُ عمرَ، فأذن لهم، وترك هؤلاء، فقال أبو سفيان: لم أر كاليوم قطُّ! يأذن لهؤلاء العبيد، ويتركنا على بابه لا يلتفت إلينا! فقال سهيل بن عمرو -وكان رجلاً عاقلاً-: أيُّها القوم، إنِّي والله لقد أرى الذي في وجوهكم، إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعِيَ القوم ودُعِيتُم، فأسرعوا وأبطأتم، فكيف بكم إذا دُعُوا يوم القيامة وتُرِكتُم؟! / (ق 282) أثر آخر (746) قال الزُّبير بن بكَّار 3: حدَّثني مصعب بن عثمان، حدثني
نوفل بن عُمارة قال: جاء الحارث بن هشام وسُهيل بن عمرو إلى عمر بن الخطاب، فجلسا عنده، وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأَوَّلون يأتون عمرَ، فيقول: ههنا يا سُهيل، ههنا يا حارث، فيُنحِّيهما عنهم، وجعل الأنصار يأتون عمرَ، فيُنحِّيهما عنهم، حتى صاروا في آخر الناس، فلمَّا خَرَجا من عند عمرَ، قال الحارث بن هشام لسُهيل بن عمرو: ألم تَرَ ما صَنَع بنا؟! فقال له سُهيل: أيُّها الرَّجل، لا لومَ عليه، ينبغي أن نرجع باللَّوم على أنفسنا، دُعِيَ القوم فأسرعوا، ودُعِينا فأبطأنا، فلمَّا قاموا من عند عمرَ أتياه، فقالا: يا أميرَ المؤمنينَ، قد رأينا ما فعلتَ اليوم، وعَلِمنا أنَّا أُتِينَا من أنفسنا، فهل من شيء نستدرك به؟ فقال لهما: لا أعلمُه إلا هذا الوجه، وأشار لهما إلى ثغر الرُّوم.
فخَرَجا إلى الشام، فماتا بها رضي الله عنهما.
أثر آخر
(747) قال الهيثم بن عَدي: أنا أبو بكر الهُذَلي، عن الحسن قال: كَتَب عمرُ بن الخطاب إلى أبي موسى، وهو بالبصرة: بلغني أنك تأذن للناس جمًّا غفيرًا، فإذا جاءك كتابي هذا، فَأْذَنْ لأهل الشَّرَف، وأهل القوَّة والتَّقوى والدِّين، فإذا أخذوا مجالسَهم، فَأْذَنْ للعامَّة.
فهذه آثار حسنة، وإن كان فيها انقطاع.
/ (ق 283)
حديث في التحذير من أئمَّة الضَّلال والجور
(748) قال الإمام أحمد 1:
ثنا عبدالقدوس بن الحجَّاج، ثنا صفوان، حدثني أبو المُخارِق زُهَير بن سالم: أنَّ عُمَير بن سعد الأنصاري كان عمرُ ولاَّه حمص ... (فذَكَر الحديث) 2، قال عمرُ -يعني لكعب-: إني أسألك عن أمرٍ فلا تكتُمْني.
قال: والله لا أكتُمُك شيئًا أعلمُه.
قال: ما أخوفُ شيء تخوَّفُهُ على أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم؟ قال: أئمَّةً مُضِلِّين.
قال عمرُ: صَدَقتَ، قد أَسرَّ ذلك إليَّ وأَعلَمَنِيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
هذا إسناد جيد 3، وليس في شيء من الكتب السِّتة، ولم يَسرد الإمام أحمد قصَّة عُمَير بن سعد، وقد ساقها الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في «مسند عمر»، وفيها غرابة.
(749) وقد روى الإسماعيلي -أيضًا- 4 من طرق جيدة عن الشَّعبي، عن زياد بن حُدير قال: قال لي عمرُ بن الخطاب: يا زيادُ، هل تدري ما يَهدمُ دعائمَ الإسلامِ؟ قلت: لا.
قال: زَلَّةُ العالِمِ، وجدالُ المنافقِ بالقرآنِ، وحُكمُ الأئمَّةِ المضلين.
طريق أخرى
(750) وقال أبو الجهم العلاء بن موسى 1: ثنا سوَّار، ثنا مُجالِد، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد، عن ابن عباسٍ قال: خَطَب عمرُ، فقال: إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم تغيُّرُ الزَّمانِ، وزَيغةُ عالِمٍ، وجدالُ منافقٍ بالقرآنِ، وأئمَّةٌ يُضلُّون الناسَ بغير علم.
/ (ق 284) حديث آخر
(751) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 2: ثنا مصعب بن عبد الله، ثنا الدَّرَاوَردِي، عن محمد بن أبي حميد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ألاَ أُخبِرُكُم بخِيَارِ أَئِمَّتِكم من شِرَارِهم؟ الذين تُحبونَهم ويُحبونَكم، وتَدعُون لهم ويَدعُون لكم، وشِرارُ أَئِمَّتِكم الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم، وتَلعنونَهم ويَلعنونَكم».
ورواه الترمذي في الفتن 3، عن بُندَار، عن أبي عامر العَقَدي، عن محمد بن أبي حميد.
وقال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي حميد، وهو يضعَّف من قبل حفظه 4.
أثر في أنه يجوز استعمال الرَّجل القويِّ وإن كانت له ذنوب يَستَسِر بها
(752) قال أبو عبيد في «الغريب» 1: حدثني يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن قال: قال حذيفةُ لعمرَ: إنَّك تستعين بالرَّجل الذي فيه -وفي رواية: بالرَّجل الفاجر-؟ فقال عمرُ: إنِّي أستعملُهُ لأستعين بقوَّته، ثم أكون على قَفَّانِه.
قال الأصمعي: قَفَّان كلِّ شيء: جِمَاعُهُ، واستقصاءُ معرفتِه، يقول: أكون على تَتَبُّع أمره حتى أستقصي عِلمَهُ وأعرفَهُ.
قال أبو عبيد: ولا أَحسِبُ هذه الكلمة عربية، إنما أصلها: قَبَّان، ومنه قول العامَّة: فلانٌ قَبَّانٌ على فلان، إذا كان بمنزلة الأمين عليه، والرئيس الذي يَتَتَبَّع أمرَه ويحاسِبُه، ومنه سمِّي هذا الميزان الذي يقال له: القَبَّان.
أثر فيه أن الوالي إذا طرأ عليه ما ينافي العدالة فإنه يُعزَل
(753) قال محمد بن سعد في «الطبقات» 1: كان عمرُ بن الخطاب قد استَعمل النعمان بن عديِّ بن نَضلة، على مَيْسان من أرض البصرة، وكان يقول الشِّعر، فقال: ألا هل أتَى الحسناءَ أنَّ حَلِيلَها ... بمَيْسانَ يُسقَى في زُجَاجٍ وحَنْتَمِ 2؟ إذا شئتُ غَنَّتني دَهَاقينُ قريةٍ ... وَرَقَّاصَةٌ تَجثُو 3 على كُلِّ مَنْسِم فإنْ كنتَ نَدماني فبالأكبرِ اسْقِنِي ... ولا تَسْقِني بالأصغرِ المُتَثَلِّم لعل أميرَ المؤمنينَ يَسُوؤهُ ... تَنادُمُنا في الجَوْسَقِ المُتَهَدِّم
فلمَّا بَلَغ عمرُ قولَه، قال: نعم، واللهِ إنَّه لَيَسُوءنِي، مَن لَقِيَهُ / (ق 285) فليُخبِرْهُ أنِّي قد عَزَلتُه.
فقَدِمَ عليه رجلٌ من قومه فأَخبَرَه بعزله، فقَدِمَ على عمرَ، فقال: واللهِ ما صنعتُ شيئًا ممَّا قلتُ، ولكن كنتُ امرأً شاعرًا، وَجَدتُ فَضلاً من قول، فقلتُ فيه الشِّعر.
فقال عمرُ رضي الله عنه: والله لا تعملُ لي على عملٍ ما بقيتُ، وقد قلتَ ما قلتَ.
(754) وقد روى الحافظ أبو بكر ابن أبي الدُّنيا -رحمه الله- 1 عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق ... ، فذَكَر مثلَه.
وحكى الزُّبير بن بكَّار مثل ذلك -أيضًا-، إلا أنه قال:
إذا شئتُ غَنَّتني دَهَاقينُ قريةٍ ... وَصَنَّاجةٌ 2 تَجذُو على كُلِّ مَنْسِم
قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي عن شيخه أبي منصور: وهذا هو الصحيح.
والمِنسَمُ: استعارة، وإنما يقال ذلك للبعير، وهو من الإنسان الظُّفر.
قال: والجوسق: فارسيٌّ مُعرَّب، وهو القَصر الصغير، ويقال له: الكَوشك.
(755) قال الزُّبير بن بكَّار 1: وحدَّثني محمد بن الضَّحَّاك بن عثمان الحِزَامي، عن أبيه قال: لمَّا بلغ عمرُ بن الخطاب هذا الشِّعر، كَتَب إلى النعمان: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ 2 غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ 3﴾ (2)، أمَّا بعد، فقد بلغني قولُك: لعل أميرَ المؤمنينَ يَسُوؤهُ ... تَنادُمُنا في الجَوْسَقِ المُتَهَدِّم
/ (ق 286) وايمُ الله، إنَّه لَيَسُوءنِي، وعَزَله.
فلمَّا قَدِمَ على عمرَ بَكَّتَه بهذا الشِّعر، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما شَرِبتُها قطُّ، وما ذاك الشِّعر إلا شيءٌ طَفَح على لساني.
فقال عمرُ رضي الله عنه: أظنُّ ذاك، ولكن لا تعمل لي على عملٍ أبدًا.
فهذا مشهور من صنيع عمر رضي الله عنه.
أثر آخر
(756) قال الحارث بن مسكين: ثنا سفيان، عن شَبيب بن غَرقَدة، عن المستَظِلِّ قال: سَمِعتُ عمرَ يقول: قد عَلِمتُ وربِّ الكعبة: متى تَهلِكُ العرب، إذا ساسهم مَن لم يُدرك جاهلية، ولم يكن له قَدَمٌ في الإسلام (3).