حديث في الرجم
(692) قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله 1: ثنا هشيم، أنا علي بن زيد، عن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس قال: خَطَب عمرُ -وقال هشيم مرَّة: خَطَبنا عمرُ- فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، فذَكَر الرَّجم، فقال: لا تُخدَعُنَّ عنه، فإنَّه حَدٌّ من حدود الله عزَّ وجلَّ، أَلا إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد رَجَم، ورَجَمنا بعده، ولولا أن يقولَ قائلون: زاد عمرُ في كتاب الله ما ليس منه؛ لكتبتُ في ناحيةٍ من المصحف: شَهِدَ عمرُ بن الخطاب.
/ (ق 257) وقال هشيم مرَّة: وعبد الرحمن بن عوف، وفلان، وفلان: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَجَم، ورَجَمنا بعدَه، أَلا وإنَّه سيكونُ من بعدكم قومٌ يُكذِّبون بالرَّجم، وبالدجَّال، وبالشَّفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النَّار بعد ما امتُحِشُوا 2.
هذا الحديث له شاهد في «الصحيح»، كما سيأتي 1 في حديث السَّقيفة، وإن كان في سياقه هذا غرابة، فإن عليَّ بن زيد بن جُدعان يأتي بسياقات غريبة 2، والله أعلم بحاله.
طريق أخرى
(693) قال أحمد 3: أنا هشيم، أنا الزهري، عن عبيد الله بن عُتبة بن مسعود قال: أخبرني عبد الله بن عباس قال: حدَّثني عبد الرحمن بن عوف: أنَّ عمرَ بن الخطاب خَطَب الناسَ، فسمعه يقول: أَلا وإنَّ أناسًا يقولون: ما بالُ الرَّجمِ في كتابِ اللهِ الجلدُ؟ وقد رَجَم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ورَجَمنا بعده، ولولا أن يقولَ قائلون، ويتكلَّمَ متكلِّمون: أنَّ عمرَ زاد في كتابِ اللهِ ما ليس منه؛ لأثبتُّها كما نَزَلت 4.
ورواه النسائي 1 من طرق، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة.
ثم رواه النسائي 2 من حديث عبيد الله، عن عمرَ، مرسلاً، والمحفوظ الأوَّل.
وقد رواه أحمد -أيضًا- 3، عن يحيى القطَّان، عن يحيى الأنصاري، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ قال: إيَّاكم أن تَهلِكوا عن آية الرَّجم ... الحديث.
ورواه الترمذي 4 من حديث سعيد بن المسيّب، عن عمرَ، وقال: صحيح 5.
ورواه النسائي 6 من طريق أخرى، عن زيد بن ثابت، عن عمرَ أيضًا.
فهذه طرق كالمتواترة إليه.
أثر آخر
(694) قال عبد الوهاب بن عبد الرحيم الجَوْبَري 1: ثنا سفيان بن عيينة قال: سَمِعَ عمرو سعيدَ بن المسيّب يقول: ذُكِر الزِّنى بالشَّام، فقال رجل: قد زَنَيتُ البارحةَ.
فقالوا: ما تقول؟! فقال: أَوَحَرَّمه اللهُ؟ ما عَلِمتُ أنَّ الله حَرَّمه.
فكُتِبَ إلى عمرَ، فكَتَب: إنْ كان عَلِمَ أنَّ اللهَ حرَّمه، فحُدُّوه، وإنْ لم يكن عَلِمَ، فعلِّموه، فإنْ عاد، فحُدُّوه.
هذا إسناد صحيح.
(695) وهكذا رواه أبو عبيد -رحمه الله- 2، عن مروان الفَزَاري، ويزيد، عن حميد، عن بكر المُزَني، عن عمرَ ... ، وفيه: أنه كَتَب: يُستَحلَف.
أثر آخر
(696) قال محمد بن إسحاق 1:
عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه قال: كان حاطبُ قد أَعتَقَ حين مات من رقيقه مَن صام منهم وصلَّى، وقد كانت له جاريةٌ حبشيةٌ قد صامت وصلَّت، ولم تَفقَهْ، وتزوَّجت، فلم يُرَع بها في زمن عمرَ إلا وهي حُبلى من زنى، فأتيتُ عمرَ، وجئتُهُ بها، فسألها: أَزَنيتِ؟ قالت: نعم، مرعوس بدرهمين 2. قال عمرُ: ماذا ترون في هذه؟ فقال عليٌّ وعبد الرحمن بن عوف: أقضاءٌ غيرَ قضاءِ اللهِ تعالى تبغي؟ وعثمانُ جالسٌ، قانعًا 3 رأسَه.
فقال: مالَكَ يا عثمانُ لا تكلَّم؟! فقال: أشار عليك أخواك.
فقال: وأنت فأَشِرْ.
فقال: أَراها تَستهلُّ به، كأَنها لا تَعرفه، ولا أرى الحدَّ إلا على مَن عَرَفه.
فقال: صَدَقتَ يا عثمان، فضَرَبها الحدَّ الأدنى، ونَفَى عنها الرَّجم.
وهذا إسناد حسن.
ومثله قد قال بمقتضاه الإمام أحمد في أنه يجوز التعزير بالحدِّ الأدنى في الزِّنى لمن فعل ذلك لشبهة.
ويُعضِّده الأثر الآخر:
(697) قال عبد الرزاق 1: أنا معمر، عن سمَاك بن الفضل، عن عبد الرحمن بن البَيْلَمَاني، عن عمرَ بن الخطاب: أنه رُفِعَ إليه رجلٌ وقع على جاريةِ امرأتِهِ، فجَلَدَه مائةً، ولم يَرجُمْهُ.
قال البيهقي 2: وهذا منقطع، وكأنه ادَّعى جهالةً، فعَزَّره.
قلت: هذا شبيه بالحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السُّنن من حديث قتادة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير أنه ... 3 إليه رجلٌ وَقَع على جارية امرأته، فقال: لأقضينَّ فيها بقضاء رسول الله، إنْ كانت أحلَّتها له لأَجلدَنَّه مائةً، وإن لم تكن أحلَّتها له رَجَمتُهُ 4.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقد توبع ابن أبي عَروبة على هذا الوجه: تابَعَه أبو العلاء، وأيوب بن مسكين، وروايتهما عند الترمذي (1451) وأحمد (4/ 272).
وأما الوجه الثاني: فأخرجه أبو داود (5/ 110 رقم 4458) في الحدود، باب الرجل يزني بجارية امرأته، والنسائي في «الكبرى» (6/ 433 رقم 3361) وأحمد (4/ 275) والبيهقي (8/ 239) من طريق أبان بن يزيد العطَّار، عن قتادة، عن خالد بن عُرفُطَة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير!
ورواه أبو بِشر جعفر بن أبي وحشية، واختُلف عليه:
فقيل: عنه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير!
وقيل: عنه، عن خالد بن عُرفُطَة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير!
أما الوجه الأول: فأخرجه الترمذي (1452) والنسائي في «الكبرى» (6/ 446 رقم 7188) وأحمد (4/ 277) والطحاوي (3/ 145) والبيهقي (8/ 239) من طريق هشيم، عن جعفر بن أبي وحشية، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير!
وأعلَّه البزَّار، فقال: أبو بِشر لم يلق حبيب بن سالم.
انظر: «البحر الزَّخار» (8/ 203).
وأما الوجه الثاني: فأخرجه أبو داود (4459) والنسائي في «الكبرى» (6/ 433 رقم 3360) وأحمد (4/ 277) والحاكم (4/ 365) والبيهقي (8/ 239) من طريق شعبة، عن جعفر بن أبي وحشية، عن خالد بن عُرفُطَة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير!
وهناك وجه آخر من الاختلاف: فأخرجه النسائي في «الكبرى» (6/ 447 رقم 7191) والطحاوي (3/ 145) والبيهقي (8/ 239) من طريق همام، عن قتادة، عن حبيب بن سالم، عن حبيب بن يَسَاف، عن النعمان بن بشير!
ورجَّح هذا الوجه الإمام أبو حاتم الرازي، كما في «العلل» لابنه (1/ 448) فقال: حديث همام أشبه، وحبيب بن يَسَاف مجهول، لا أعلم أحدًا روى عنه غير قتادة هذا الحديث الواحد، وكذلك خالد بن عُرفُطَة مجهول، لا نعرف أحدًا يقال له خالد بن عُرفُطَة إلا واحد، الذي له صحبة.
وقال الترمذي في «سننه» (4/ 44): حديث النعمان في إسناده اضطراب، سَمِعتُ محمدًا يقول: لم يَسْمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عُرفُطَة.
وقال في «العلل» له (ص 234): سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: أنا أتقي هذا الحديث، إنما رواه قتادة، عن خالد بن عُرفُطَة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، ويُروى عن قتادة أنه قال: كَتَب إليَّ حبيب بن سالم.
وقال النسائي، كما في «تحفة الأشراف» (9/ 18): أحاديث النعمان هذه مضطربة.
وقال البزَّار في «مسنده» (8/ 202): هذا الحديث لا يثبت.
أثر آخر (698) قال أبو عبيد 1: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، سَمِعَ الحارثَ بن عبد الله بن أبي ربيعة 2، يحدِّث عن عمرَ أنه: سُئِلَ عن
حدِّ الأَمَة، فقال: إنَّ الأَمَةَ قد ألقت فَروتَها من وراء الدَّار.
قال الأصمعي: الفَروة: جِلْدَةُ الرأس.
قال أبو عبيد: ومعناه: أنَّ هذه لا قِنَاع لها، وهي مبتذلةٌ في الحاجات، فلا حَدَّ عليها.
قال: وقد حدثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصم قال: تذاكرنا يومًا قولَ عمرَ هذا، فقال سعد بن حَرمَلَة: إنما ذلك من قول عمرَ في الرَّعايا، فأمَّا الإماء اللَّواتي قد أحصنَهنَّ موالِيهُنَّ، فإذا أَحدَثْنَ حُدِدْنَ.
/ (ق 258) أثر عن عمر
(699) قال البخاري 1: وقال اللَّيث: حدَّثني نافع، عن صفية بنت أبي عُبيد: أنَّ عبدًا من رقيق الإمارة وَقَع على وليدةٍ من الخُمُس، فاستَكرَهَها، حتى افتضَّها 2، فجَلَده عمرُ الحدَّ، ونَفَاه، ولم يجلدِ الوليدةَ من أجل أنه استَكرَهَها.
فيه دلالة على نفي العبد، وظاهره أنه نَفَاه سَنَة، وهو أحد الأقوال في مذهب الشافعيِّ والعلماء.
أثر آخر
(700) قال البخاري 1: ثنا مالك بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن أبي سَلَمة، عن الزهري، عن عروة بن الزبير: أنَّ عمرَ بن الخطاب غَرَّب، ثم لم تزل تلك السُّنَّة.
هكذا ذَكَره عقيب حديث زيد بن خالد فيمن زَنَى ولم يُحصَن، وهو منقطع، فإنَّ عروةَ لم يُدرك عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه 2.
وسيأتي في كتاب «السِّيرة» 1 قصة نصر بن حجَّاج لما غرَّبه عمرُ من المدينة إلى البصرة، وألزمه ألا يعود ما دام عمر حيًّا، وذلك لمَّا سَمِعَ من بعض الجواري تلهج به في شِعْرها: هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربُهَا ... أم من سبيلٍ إلى نَصر بنِ حجَّاج
أثر آخر
(701) قال ابن خزيمة: ثنا علي بن حُجر، ثنا إسماعيل بن جعفر 1، ثنا حميد، عن أنس: أنَّ عمرَ أُتي بشابٍّ قد حَلَّ عليه القطعُ، فأمر بقطعه، فجعل يقول: يا ويلَه، ما سَرَقتُ سَرِقةً قطُّ قبلَها.
فقال عمرُ: كَذَبتَ، وربِّ عمرَ، ما أَسلَمَ اللهُ عبدًا عند أوَّل ذنبٍ.
إسناده صحيح.
وقد استدلوا به على أنه إذا قَذَف رجلاً فلم يُحدَّ القاذفُ حتى زَنَى المقذوف، فإنه لا يُحدُّ القاذف؛ لأنا استدللنا بذلك على تقدُّم زناه قبل القذف، والحدود تدرأ بالشُّبهات، والله أعلم.
وأما خبر أبي بَكرة والمغيرة بن شعبة فسيأتي في الشهادات 2.
أثر في حدِّ القذف
(702) قال محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذِئب 1: عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنَّ رجلاً قال لرجل: واللهِ ما أنا بزانٍ، ولا ابن زانٍ، فرُفِعَ إلى عمرَ -رضي الله عنه-، فضَرَبه الحدَّ تامًّا.
هذا إسناد صحيح.
طريق أخرى
(703) قال مالك 2: عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي الرِّجال، عن أُمه عَمرة: أنَّ رجلين استبَّا في زمن عمرَ، فقال أحدهما للآخر: ما أنا بزانٍ 3، ولا أُمِّي بزانية.
فاستشار في ذلك عمرَ، فقال قائل: مَدَح أباه وأُمَّه.
وقال آخرون: كان لأبيه وأُمِّه مَدْحٌ سوى هذا، فنرى أن تجلدَهُ الحدَّ.
فجَلَده عمرُ الحدَّ ثمانين.
روى البيهقي 4، عن ابن عمرَ: أنَّ عمرَ كان قَضَى في التعريض الحدَّ.
وقد ذهب إلى مقتضى هذا الأثر طائفة من العلماء، و ... 5 وجوب الحدِّ على من عرَّض بغيره في القذف، وهو منزع قوي يُعضِّده قول أمير المؤمنين.
أثر آخر
(704) قال مالك 1: عن أبي الزِّناد قال: جَلَد عمرُ بن عبد العزيز عَبداً في فِرية ثمانين.
قال أبو الزِّناد: فسألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك، فقال: أدركتُ عمرَ بن الخطاب، وعثمانَ بن عفَّان، والخلفاءَ هَلُمَّ جَرَّا، ما رأيتُ أحدًا جَلَد عبدًا في فِرية أكثرَ من أربعين.
ورواه الثوري 2، عن أبي الزِّناد، عن عبد الله بن عامر قال: لقد أدركتُ أبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، ومَن بعدهم من الخلفاء، فلم أرهم يضربون المملوكَ في القذف إلا أربعين.
أثر في قطع السَّارق
(705) قال مالك 1: عن الزهري، عن السَّائب بن يزيد: أنَّ عبد الله بن عمرو الحضرمي جاء بغلامٍ له إلى عمرَ بن الخطاب، فقال: اقطع يدَ هذا، فإنه سَرَق.
قال عمرُ: ماذا سَرَق؟ قال: سَرَق مِرآةً لامرأتي، ثمنُها ستون درهمًا.
فقال عمرُ: أَرسِلهُ، فليس عليه قطعٌ، خادمُكم سَرَق متاعَكم.
إسناده صحيح.
حديث في الخمر
(706) قال الإمام أحمد 1: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سَلَمة بن كُهَيل قال: سَمِعتُ أبا الحكم قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن الجرِّ، فحدَّثنا عن عمرَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الجرِّ 2، وعن الدُبَّاء 3، وعن المُزفَّت 4.
ثم رواه أحمد 5، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، به، بأطولَ منه.
وعن مؤمَّل 6، عن سفيان، عن سَلَمة بن كُهَيل، به.
ورواه النسائي 7، عن بُندَار، عن يحيى القطان، به.
وهكذا رواه أبو داود الطيالسي 8، عن شعبة، به.
وأبو يعلى الموصلي 9 من حديث شعبة.
ورواه علي ابن المديني، عن يحيى القطَّان، عن شعبة به، وقال: هو صالح الإسناد، / (ق 259) ولا يحفظ عن عمرَ إلا من هذا الوجه، وأبو الحكم هذا: لا أعلم روى عنه إلا سَلَمة بن كُهَيل، وقد روي هذا الحديثُ من وجوه كثيرة عن الصحابة.
قلت: أبو الحكم هذا: اسمه: عمران بن الحارث السُّلمي، ولم يَجرحه أحد 1.
وقد اختار الحافظ أبو عبد الله المقدسي هذا الحديث في كتابه 2، قال: وروى مسلم 3 من حديث طاوس، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مثلَه.
حديث آخر
(707) قال الحافظ أبو يعلى 4: ثنا أبو خيثمة، ثنا عبد الله بن يزيد، ثنا عبد الرحمن بن زياد، عن مسلم بن يَسَار، عن سفيان بن وهب الخَوْلاني قال: سَمِعتُ عمرَ يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «كلُ مُسكِرٍ حرامٌ».
هذا إسناد على شرط أصحاب السُّنن، ولم يخرِّجه واحد منهم، وعبد الرحمن بن زياد بن أَنعُم فيه كلام 5، والله أعلم.
حديث آخر
(708) قال البخاري 1: ثنا أحمد بن أبي رجاء، ثنا يحيى، عن أبي حيَّان التَّيمي، عن الشَّعبي، عن ابن عمرَ قال: خَطَب عمرُ على منبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيُّها الناسُ، إنه نَزَل تحريمُ الخمرِ، وهي من خمسةِ أشياءَ: من العنب، والتمر، والحنطة، والشَّعير، والعسل.
والخمرُ ما خامَرَ العقلَ.
وثلاثٌ وَدِدتُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يُفارقْنا حتى يعهدَ إلينا فيهنَّ عهدًا / (ق 260) ننتهى إليه: الجدُّ، والكَلاَلة، وأبوابٌ من أبواب الرِّبَا.
هكذا رواه في كتاب الأشربة.
وأخرجه في أماكن أخر 2.
ورواه الجماعة 1 سوى ابن ماجه من طرق، عن الشعبي، به.
منها: أبو داود 2، عن أحمد 3، عن ابن عُليَّة، عن أبي حيَّان التَّيمي، عن الشَّعبي، به.
ورواه النسائي 4 في بعض الطرق موقوفًا على ابن عمر.
أثر آخر
(709) قال النسائي في الأشربة 5، وفي الوليمة 6: ثنا الحارث بن مِسكين، أبنا ابن القاسم، عن مالك 7،
عن الزهري، عن السَّائب بن يزيد الكِندي: أنَّ عمرَ خَرَج عليهم، فقال: إنِّي وَجَدتُ من فلانٍ ريحَ شرابٍ، فزَعَم أنه شَرِبَ 8 الطِّلاء 9، وإنِّي سائلٌ عمَّا شَرِبَ، فإن كان
يُسكِرُ 1 جَلَدتُهُ، فجَلَدهُ عمرُ الحدَّ تامَّا.
هذا إسناد صحيح.
والظاهر أنَّ هذا كان قد شرب غير الطِّلاء، فإنَّ الطِّلاء مباح، وهو شبيه بالدِّبس 2، أو هو هو، والله أعلم.
(710) وقال النسائي في الوليمة 3: ثنا سُوَيد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن أسلم مولى عمر قال: قَدِمنا على عمر الجابية 4، فأُتي بطلاءٍ، مثلَ عَقيدِ الرُّبِّ 5، إنما يُخاضُ 6 بالمخاوض 7 خَوضًا، فقال: إنَّ في هذا لشرابًا 8 ماانتهى إليه.
طريق أخرى
(711) قال النسائي 9:
ثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا المعتمر، عن
منصور، عن إبراهيم، عن نُبَاتة، عن سُوَيد بن غَفَلة قال: كَتَب عمرُ -رضي الله عنه- إلى بعض عُمَّاله: / (ق 261) أنِ ارزقوا المسلمين من الطِّلاء ما ذهب ثُلُثاه، وبقي ثُلُثُه.
طريق أخرى
(712) قال النسائي 1: ثنا سُوَيد بن نصر، عن ابن المبارك، عن سليمان التَّيمي، عن أبي مِجْلَز، عن عياض 2 بن عبد الله قال: قرأتُ كتابَ عمرَ إلى أبي موسى: أمَّا بعدُ، فإنها قَدِمَتْ عليَّ عِيرٌ من الشَّام تحمل شرابًا غليظًا أسودَ، كطلاء الإبل، وإنِّي سألتُهم على كم يطبخونه؟ فأَخبروني أنهم يطبخونه على الثُّلُثين، ذهب ثُلُثاه الأخبثان، ثُلُث بريحه، وثُلُث بِبَغيه، فمُرْ مَن قِبَلَكَ أن يشربوه.
ثم رواه النسائي -أيضًا- 3،
عن سُوَيد، عن ابن المبارك، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي مِجْلَز: أنَّ عمرَ كتب إلى عمَّار بن ياسر ... ، بمثله.
فهذه طرق قوية يشدُّ بعضها بعضًا.
وهذا هو الدِّبس السائل -والله أعلم-، وهو مباح ما كان على هذه
الصفة المذكورة مالم يُسكِر كثيره، كما هو المعهود، وليس في مثل هذا نزاع بين العلماء.
أثر آخر
(713) قال النسائي 1: ثنا زكريا بن يحيى، عن عبد الأعلى بن حماد، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب قال: تَلَقَّت ثقيفُ عمرَ بن الخطاب بشراب، فلمَّا قَرَّبه من فِيهِ كرهه، فدعا به، فكَسَره بالماء، فقال: هكذا فافعلوا.
هذا إسناد جيد، وسعيد بن المسيّب وإن كان لم يَسْمع كلَّ ما رواه عن عمرَ / (ق 262) إلا أنه أعلم التابعين بأيام عمر وأحكامه.
(714) وقد روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في «مستدركه» 1
من حديث أبي الأحوص سلاَّم بن سُليم قال: حدثنا مسلم الأعور، عن أبي وائل قال: غزوتُ مع عمرَ الشَّامَ، فنزلنا منزلاً، فجاء دهقَان 2 فسَجَد 3، فقال عمرُ: ماهذا؟! قال: هكذا نفعل بالملوك! قال: اسجد لربِّك الذي خَلَقك.
قال: يا أميرَ المؤمنين، قد صنعتُ لك طعامًا، فأتني.
قال: هل في بيتك تصاويرُ العجم؟ قال: نعم.
قال: لا حاجة لي في بيتك، انطَلِق، فابعث لنا بلون من الطعام، لا تزدنا عليه، ففعل، فأكل منه.
وقال لغلامه: هل في إداوتك شيءٌ من ذلك النَّبيذ؟ قال: نعم، فأتاه، فصبَّه في إناء، ثم شمَّه، فوَجَده مُنكرَ الريح، فصبَّ عليه ماءً، ثم شمَّه، فوَجَده مُنكرَ الريح، فصبَّ عليه الماءَ ثلاثَ مراتٍ، ثم شَرِبَه.
ثم قال: إذا رابكم من شرابكم شيءٌ، فافعلوا به هكذا.
قال الحاكم: هذا صحيح.
قلت: لكن مسلم الأعور: ضعَّفوه، فقال أحمد بن حنبل: لا يُكتب حديثه.
وقال البخاري: يتكلَّمون فيه 4.
طريق أخرى
(715) قال النسائي 1: ثنا سُوَيد، ثنا ابن المبارك، عن السَّرِي بن يحيى: ثنا أبو حفص -إمام لنا، وكان من أسنان الحسن-، عن أبي رافع الصَّائغ قال: قال عمرُ رضي الله عنه: إذا خشيتم / (ق 263) من نبيذٍ شِدَّتَهُ، فاكْسِروه بالماء.
هذا إسناد حسن يتقوَّى بالذي قبله.
حديث في كيفية الحدِّ من المسكر
(716) قال البخاري 1: ثنا يحيى بن بُكَير، حدَّثني اللَّيث، حدَّثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّ رجلاً كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه عبد الله، وكان يلقَّب حِمَارًا، وكان يُضحِكُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قد جَلَده في الشَّرَابِ، فأُتِي به يومًا، فقال رجل من القوم: اللهمَّ الْعَنْهُ، فما أكثرَ ما يؤتى به! فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَلعَنُوهُ، فواللهِ ما عَلِمتُ إنَّهُ 2 يُحبُ اللهَ ورسولَه».
انفرد به البخاري من هذا الوجه.
وفيه دلالة على أنه لا يتحتَّم قتل الشَّارب في الرابعة، وأنَّ تلك الأحاديث الواردة بالأمر بقتله في الرابعة محمولة على الإذن الشَّرعي عند من يرى ذلك من العلماء، والله أعلم.
أثر شبيه بهذا الحديث من حيث الرفق بشارب الخمر والتلطُّف
به، ليدعوه ذلك إلى التوبة و ... 1
(717) قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني 2: ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن سهل، ثنا عبد الله بن عمر، ثنا كثير بن هشام، ثنا جعفر بن 3، ثنا يزيد بن الأصمِّ: أنَّ رجلاً كان ذا بأس، وكان يُرفَدُ 4 لبأسِهِ، وكان من أهل الشَّام، وأنَّ عمرَ فَقَدَه، فسأل عنه، فقيل: تتابع في هذا الشَّراب، فدعا كاتبَه، فقال: اكتب: «من عمرَ بن الخطاب إلى فلان: سلامٌ عليك، فإنِّي أحمدُ إليك اللهَ الذي لا إله إلا هو ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾».
ثم دعا وأمَّن مَن عنده، فدعوا له أن يُقبِلَ اللهُ بقلبه، وأن يتوبَ الله عليه، فلمَّا أتت الصحيفةُ الرَّجلَ، جعل يقرأها، ويقول: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾: قد وَعَدني اللهُ أن يغفرَ لي، و ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: قد حذَّرني اللهُ عقابَه، ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، والطَّول: الخير الكثير، ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فلم يزل يردِّدها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع، فأحسن النزع.
فلمَّا بلغ عمرُ خبَرَه قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخًا لكم زلَّ زلَّة، فسدِّدوه، ووفِّقوه، وادعوا الله أن يتوبَ عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه.
إسناد جيد، وفيه انقطاع.
أثر آخر
(718) قال البخاري 1: ثنا مكِّي بن إبراهيم، عن الجُعَيد، عن يزيد بن خُصَيفة، عن السَّائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشَّارب على عهدِ رسولِ الله، وإمرةِ أبي بكرٍ، وصدرًا من خلافة عمرَ بن الخطاب فنقومُ إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخرُ إمرةِ عمرَ فجَلَد أربعين، حتى إذا عَتَوا وفَسَقوا جَلَد ثمانين.
وروى مسلم 2، عن عليٍّ قال: جَلَد رسولُ الله أربعين، وأبو بكرٍ أربعين، وعمرُ ثمانين، وكُلٌّ سُنَّة، وهذا أحبُّ إليَّ.
يعني: الأربعين.
وروى -أيضًا-، عن أنس 3: أنَّ عمرَ استشارهم في حدِّ الخمر، فقال عبد الرحمن: أخفَّ الحدود ثمانين.
فأَمَر به عمر رضي الله عنه.
أثر عن عمر فيه جواز التغريب في الخمر
إن رأى الإمام في ذلك مصلحة فَعَلَه
(719) قال النسائي 1: ثنا زكريا بن يحيى قال: ثنا عبد الأعلى بن حماد، عن معتمر بن سليمان، عن عبد الرزاق 2، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب أنه قال: غَرَّبَ عمرُ ربيعةَ بنِ أُميَّةَ في الخمر / (ق 264) إلى خيبرَ، فلَحِقَ بهرقلَ فتنصَّر، فقال عمرُ -رضي الله عنه: لا أُغرِّبُ بعدَه مسلمًا.
هذا إسناد جيد غريب.
أثر آخر
(720) قال محمد بن سعد 3:
أنا محمد بن عمر -يعني: الواقدي-، أنا أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه قال: سَمِعتُ عمرو بن العاص ذَكَر عمرَ فترحَّم عليه، وقال: ما رأيتُ أحدًا بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم 4 أخوفَ للهِ منه، لا يبالي على من وقع الحقُّ، إنِّي لفي منزلي بمصرَ، إذ أتاني آتٍ، فقال: قَدِمَ عبد الله وعبد الرحمن ابنا عمرَ غازِيَيْن، فقلت: أين نزلا؟ ولم أستطع أن آتيهما، ولا أهدي لهما خوفًا من عمرَ رضي الله عنه.
فقيل لي:
هذا عبد الرحمن بن عمر وأبو سِروعة يستأذنان، فدخلا وهما مُكسرَان 1، فقالا: أقم علينا حدَّ الله، إنَّا شربنا فَسَكِرنَا، فزَبَرتُهما 2، وطردتُهما، فقال عبد الرحمن: إن لم تفعل أخبرتُ أبي إذا رَجَعتُ.
قال: فدخل عليَّ عبد الله بن عمر، فقمتُ، ورحَّبتُ به، فقال: إنَّ أبي نهاني أن أدخلَ عليك، إلا ألا أجدَ بُدًّا، إنَّ أخي لا يُحلَقُ على رءوس الناس أبدًا، أمَّا الضرب، فنعم، فأخرجتهما إلى صحن الدار، فضربتُهما الحدَّ، ودخل عبد الله بأخيه فحَلَق رأسَه، ورأسَ أبي سَروعة.
فواللهِ ما كَتَبتُ إلى عمرَ بحرفٍ، فجاءني كتابٌ منه يقول: إلى العاص بن / (ق 265) العاص: بجرأتك عليَّ، وخلاف عهدي، أنا قد خالفتُ فيك أصحابَ بدرٍ ممَّن هو خيرٌ منك واخترتُك، وأراك قد تلوَّثتَ بما تلوَّثتَ بضرب عبد الرحمن وحَلْقِهِ في بيتك، ولا تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين، وقلتَ: هو ولدُ أمير المؤمنين، وقد عرفتَ أنَّه لا هوادةَ لأحدٍ عندي في حقٍّ، فإذا جاءك كتابي هذا، فابعثه في عباءة على قَتَب.
فبعثتُ به كما أَمَر، وكَتَبتُ أعتذر، وبالله الذي لا يُحلَفُ بأعظمَ منه إنِّي لأُقيمُ الحدودَ في صحن داري.
قال أسلم: فقَدِمَ عبد الرحمن وعليه عباءة، ولا يستطيع المشي من مَركبه، فقال عمرُ: السِّياط! فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد أُقِيمَ عليَّ الحدُّ، فلم يلتفت عليه، وجعل عبد الرحمن يصيح: أنا مريض، وأنت قاتلي، فضربه، فحبسه، فمرض، فمات 3.
طريق أخرى
(721) قال الحافظ أبو بكر الخطيب 1:
أنا محمد بن أحمد بن رزق والحسن بن أبي بكر قالا: ثنا محمد بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله الهروي، أنا علي بن محمد بن عيسى الجكاني، أنا أبو اليَمَان، أنا شعيب بن أبي حمزة 2، عن الزهري، عن سالم: أنَّ أباه قال: شَرِبَ أخي عبد الرحمن، وشَرِبَ معه أبو سِروعة عُقبة بن الحارث ونحن بمصر، فسَكِرا، ثم صحوا، فانطلقا إلى عمرو بن العاص، فقالا: طهِّرنا.
ولم أشعر أنا،
فذَكَر لي أخي أنه قد سَكِرَ، فقلت: ادخل الدَّار أُطهِّرك، فآذنني أنه قد أَعلَمَ عَمرا، فقلت: / (ق 266) والله لا يُحلَقُ على رءوس الناس، ادخل أَحلِقُكَ -وكانوا إذا ذاك يحلقون مع الحدِّ- قال: فحَلَقتُهُ بيدي، ثم جَلَدهم عمرو، فسَمِعَ بذلك عمرُ، فكَتَب أن ابعث إليَّ بعبد الرحمن على قَتَب، ففعل، فلما قَدِمَ عليه جَلَده وعاقَبَه من أجل مكانه منه، ثم أرسَلَه، فلبِثَ شهرًا صحيحًا، ثم أصابه قَدَرُهُ، فيَحسَبُ عامَّة الناس أنه مات من جَلْد عمر، فلم يمت من جَلْدِهِ.
هذا إسناد صحيح، والسياق الأوَّل حسن.
وفيه دلالة على جواز الزيادة على الحدِّ بما يراه الإمام زاجرًا من حَلْق شَعْر أو تغريب، وأما إعادة عمر الحدَّ على ابنه فيحتمل أنه أكمل له ثمانين 1،
كما رواه مسلم 2، عن أنس بن مالك: أنَّ عمرَ بن الخطاب استشارهم في حدِّ الخمر، فقال عبد الرحمن: أخفَّ الحدود ثمانين، فأمر به عمرُ رضي الله عنه.
وروى -أيضًا- 3، عن علي -رضي الله عنه- أنه لما جَلَد الوليد بن عُقبة أربعين بين يَدَي عثمان قال: جَلَد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكرٍ أربعين، وعمرُ
ثمانين، وكُلٌّ سُنَّة، وهذا أحبُّ إليَّ.
فقوله: وكُلٌّ سُنَّة: دليل على تسويغ ذلك، ويحتمل أنه ثنَّاه عليه لأجل أنه قريبه، فإنَّه كان قد تقدَّم في أوَّل ولايته إلى أهله أنهم لا يأتون شيئًا مما نهى الناس عنه إلا أضعف لهم العقوبة 1.
وهذا هو الظاهر، لقول عبد الله بن عمرَ: فلمَّا قَدِمَ عليه جَلَده وعاقَبَه من أجل مكانه منه، ومرادُ عمرَ أنَّ وَلَدَهُ لا يختصُّ في حدود الله من بين الناس بمزية، وإلا فلو رأى الإمامُ أن يُقيمَ الحدَّ على شارب الخمر في البيت كان له ذلك.
(722) كما رواه البخاري 2: عن قتيبة، عن عبد الوهاب، عن
أيوب، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن عُقبة بن الحارث قال: جيء بالنُّعيمان -أو: ابن النُّعيمان- شاربًا، فأمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَن كان في البيت أنْ / (ق 267) يضربوه، فكنتُ فيمن ضَرَبه بالنِّعال.
أثر آخر
(723) قال أبو عبيد 1: ثنا أبو النضر، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن عمرَ: أنه أُتي بشارب، فقال: لأبعثنَّكَ إلى رجلٍ لا تأخذُهُ فيك هَوَادةٌ، فبعث به إلى مُطيع بن الأسود العَدَوي، فقال: إذا أصبحتَ غدًا، فاضْرِبْهُ الحدَّ.
فجاء عمرُ، وهو يضربه ضربًا شديدًا، قال: قَتَلتَ الرَّجلَ! كم ضربتَه؟ قال: ستين.
فقال: أَقِصَّ عنه بعشرين.
قال أبو عبيد: معناه: اجعل شدَّة هذا الضرب الذي ضَرَبتَه قصاصًا بالعشرين التي بقيت.
قال: وفي هذا الرِّفق بالشَّارب، كما سَمِعتُ محمد بن الحسن يقول.
قال: وكذلك القاذف، وأمَّا الزَّاني ... 2.
قال: والتعزير أشدُّ الضرب.
وفيه: أنه ... 3 حتى أفاق، لهذا قال: إذا أصبحتَ غدًا ... 4.
أثر آخر
(724) قال ابن أبي الدُّنيا 1: حدثني يعقوب بن عُبيد، ثنا يزيد، أنا حماد بن سَلَمة، عن سمَاك، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن عبد الله بن عمرَ قال: كنَّا مع عمرَ في مسير، فأبصر رجلاً يُسرِعُ في مسيره، فقال: إنَّ هذا الرَّجلَ يريدنا، فأناخ، ثم ذهب لحاجته، وجاء الرَّجل فبكى، وبكى عمر، وقال: ما شأنُك؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّي شربتُ الخمر، فضَرَبني أبو موسى، وسوَّد وجهي، وطاف بي، ونهى الناسَ أن يجالسوني، فهَمَمتُ أن آخُذَ سيفي فأضربُ به أبا موسى، وآتيك، فتحوِّلني إلى دارٍ لا أُعرَفُ فيه، أو ألحقُ بأرض الشِّرك، فبكى عمرُ، وقال: ما يَسرُّني أنَّك لَحِقتَ بأرض الشِّرك وأنَّ لي كذا وكذا، وقال: إنْ كنتُ لمِن أشرب الناس للخمر في الجاهلية، ثم كَتَب إلى أبي موسى: إنَّ فلانًا أتاني، فذَكَر كذا وكذا، فإذا أتاك كتابي هذا، فمُرِ الناسَ أن يجالسوه، وأن يخالطوه، وإن تاب فاقبل شهادتَه.
وكَسَاه، وأمر له بمائتي درهم.
وهذا إسناد جيد.
حديث فيه السِّتر على أهل المعاصي، وأن الحدود تُدفَع بالشُّبهات
(725) قال عبد الله بن المبارك: عن إبراهيم بن نَشيط، عن كعب بن علقمة، عن ابن الهيثم، عن عُقبة بن عامر أنه قال لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ لنا جيرانًا يشربون الخمرَ، فيفعلون، ويفعلون، فيُرفَعون؟ قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن رأى عَورةً فسَتَرها، كان كمَن أحيا مَوءودةً 1 في قبرِها».
رواه أبو بكر الإسماعيلي من حديث ابن المبارك 2.
أثر يُذكر في باب التعزير
(726) قال حنبل بن إسحاق: ثنا إبراهيم بن محمد، ثنا سفيان، عن مُطرِّف، ثنا الشَّعبي قال: قال عمرُ رضي الله عنه: لا أُوتَى برجلٍ فضَّلني على أبي بكرٍ -رضي الله عنه- إلا جَلَدتُهُ أربعين، وكان عمرُ إذا بعث عاملاً كَتَب مالَهُ 1.
إسناد جيد.
أثر آخر
(727) قال خيثمة بن سليمان الأطرابلسي 2:
ثنا الحُنَيني، ثنا عارِم، ثنا هشيم، ثنا حصين، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: وَفَد ناسٌ من أهل الكوفة والبصرة على عمرَ، فلمَّا نزلوا المدينةَ تحدَّث القومُ بينهم، ففَضَّل القومُ أبا بكرٍ على عمرَ، وفَضَّل بعضُهم عمرَ على أبي بكرٍ، وكان الجارود بن المُعلَّى ممَّن فَضَّل أبا بكرٍ، فجاء عمرُ ومعه دِرَّته، وما في وجهه رائحة، فأقبل على الذين فَضَّلوه، فضَرَبهم بالدِّرِّة حتى ما تبقَّى أحدٌ
إلا برِجله 1. فقال له الجارود: أَفِق يا أميرَ المؤمنين، فإنَّ اللهَ لم يكن لِيرانا نُفضِّلك على أبي بكرٍ.
فسُرِّي عنه، فلمَّا كان من العشي صعد المنبرَ، فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، ثم قال: ألا إنَّ أفضلَ هذه الأمَّة بعد نبيها أبو بكرٍ، مَن قال غيرَ ذلك بعد مقامي هذا فهو مفتري، وعليه ما على المفتري.
هذا إسناد جيد قوي.
وفيه دلالة على عقوبة الشِّيعة 2 بهذا النَّكال، والرافضي 3 أسوأ حالاً منه، وقد ذهب / (ق 268) عبد الرزاق بن همَّام إلى تكفير الرافضة، وهو رواية عن الإمام مالك -رحمه الله-، وذهب طائفة آخرون إلى أنهم لا يستحقُّون شيئًا من الخُمُس، ودلائل ذلك مبسوطة في غير هذا الموضع، والله أعلم.
أثر آخر يُذكر في تأديب السَّبَّابة
(728) روى حنبل بن إسحاق، وأبو عبد الله بن بطَّة، وأبو القاسم اللالكائي من حديث قيس بن الرَّبيع، عن وائل، عن البَهِي قال: وَقَع بين عبيد الله بن عمر وبين المقداد كلامٌ، فشَتَم عبيد الله المقدادَ، فقال عمرُ: عليَّ بالحدَّاد أقطعُ لسانَه، لا يجترئ أحدٌ بعدَه يَشتِمُ أحدًا من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية: فَهَمَّ عمرُ بقطع لسانه، فكلَّمه فيه أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم، قال: ذَروني أقطعُ لسانَ ابني، حتى لا يجترئ أحدٌ من بعدي يسبُّ أحدًا من أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
وقد تقدَّم في النَّذر 1.
حديث في الإمامة وغير ذلك
(729) قال الإمام أحمد 1: ثنا عفَّان، ثنا همَّام بن يحيى قال: ثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجَعْد الغَطَفاني، عن مَعْدان بن أبي طلحة اليَعْمَري: أنَّ عمرَ بن الخطاب قام على المنبر يومَ جمعةٍ، فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، ثم ذَكَر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وذَكَر أبا بكرٍ -رضي الله عنه-، ثم قال: رأيتُ رؤيا لا أُراها إلا لحضور أجلي، رأيتُ كأنَّ ديكًا نَقَرني نَقْرتين، قال: ذُكر لي أنه دِيك أَحمر، فقَصَصتُها على أسماء بنت عُميس امرأة أبي بكر، فقالت: يَقتلُكَ رجلٌ من العجم.
وإنَّ الناسَ يأمرونني أنْ أستَخلِفَ، وإنَّ اللهَ لم يكن ليُضيعَ دينَهُ وخلافتَهُ التي بَعث بها نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وإن يَعْجَلْ بي أَمرٌ، فإنَّ الشُّورى في هؤلاء السِّتة الذين مات نبيُّ الله وهو عنهم راضٍ، فمن بايعتُم منهم، فاسمعوا له وأطيعوا، وإنِّي أعلم أنَّ أناسًا سيَطعنون في هذا الأمرِ، أنا قاتلتُهم بيدي هذه على الإسلام، أولئك أعداءُ الله الكفارُ الضُّلاَّل 2. وايمُ اللهِ ما أغلظَ / (ق 269) لي نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما أغلظَ لي في شأن الكَلاَلة، حتى طَعَن بإصبعيه في صدري، وقال: «تَكفيكَ آيةُ الصَّيفِ التي نَزَلَت في آخر سُورة النِّساءِ»، وإنيِّ إن أَعشْ، فسأقضي فيها بقضاءٍ يَعلمُهُ مَن يقرأُ، ومَن لا يقرأُ.
وإنِّي أُشهِدُ اللهَ على أمراءِ الأمصارِ أنِّي إنمَّا بعثتُهم ليُعلِّموا الناسَ دينَهم، ويُبيِّنوا لهم سُنَّة نبيِّهم، ويَرفعوا لي ما عُمِّيَ عليهم.
ثم إنَّكم يا أيُّها الناس تأكلون من
شجرتين لا أُراهما إلا خبيثتين: هذا الثَّوم والبصل، وايمُ اللهِ، لقد كنتُ أَرى نبيَّ الله يجدُ ريحَهما من الرجل، فيأمُرُ به، فيُؤخذُ بيده فيُخرَجَ من المسجد حتى يؤتى البقيعَ، فمَن أكَلَهما لابدَّ فليُمِتْهما طبخًا.
قال: فخَطَب الناسَ يوم الجمعة، وأُصيبَ يومَ الأربعاء.
ثم رواه أحمد 1، عن غُندَر، عن سعيد، عن قتادة، به.
وذَكَر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه «جامع المسانيد» 2: أنَّ هذا الحديث مخرَّج في «الصحيحين»، وليس كما قال، إنما رواه مسلم 3 عن محمد بن المثنَّى، عن يحيى بن سعيد، عن هشام الدَّستوائي، عن قتادة، بطوله.
ورواه -أيضًا- 4 من حديث شعبة 5، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، مختصرًا.
وأخرجه النسائي 6، وابن ماجه 7 من حديث يحيى بن سعيد القطَّان، مختصرًا، بقصَّة الكَلاَلة، والبصل، والثَّوم.