مسند الفاروق ت إمامصفحات 249-288

كتاب الجنايات

صفحات 249-288

(585) روى الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي -رحمه الله- في «مسند عمر» من طريقين عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ بن الخطاب قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن أَعانَ على قَتل مسلمٍ بشطرِ كلمةٍ، جاء يومَ القيامةِ مكتوبٌ بينَ عينيه: آيسٌ من رحمةِ اللهِ» 1. حديث آخر (586) قال أحمد 2: ثنا أبو سعيد، ثنا عبد الله بن لَهِيعة، ثنا عمرو

بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن عمرَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم [قال] 1: «لا يُقادُ والدٌ من وَلَدٍ».
وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يرثُ المالَ مَن يرثُ الولاءَ».
ورواه أحمد -أيضًا- 2، عن حسن بن موسى، عن ابن لَهِيعة، به.
وروى الفصل الأوَّل منه الترمذي 3، عن / (ق 210) أبي سعيد الأشجِّ.
وابن ماجه 4، عن أبي بكر بن أبي شيبة 5. كلاهما عن أبي خالد الأحمر، عن حجَّاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، به.
وحديث الولاء تقدَّم 6. طريق أخرى (587) قال أحمد 7: ثنا أسود بن عامر، أنا جعفر -يعني: الأحمر، عن مُطرِّف، عن الحكم، عن مجاهد قال: حَذَف 8 رجلٌ ابنًا له بسيف، فقَتَله، فرُفِعَ إلى عمرَ، فقال: لولا أنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يُقادُ الوالدُ من ولده»؛ لقَتَلتُكَ قبل أن تَبرَحَ.
هذا منقطع.

حديث آخر (588) قال أحمد 1: ثنا أبو المنذر إسماعيل بن عمر 2، أُراه عن حجَّاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قَتَلَ رجلٌ ابنَه عمدًا، فرُفِعَ إلى عمرَ بن الخطاب، فجعل عليه مائةً من الإبل: ثلاثينَ حِقَّةً 3، وثلاثينَ جَذَعةً 4، وأربعينَ ثَنِيَّةً 5، وقال: لا يَرِثُ القاتلُ، فلولا أنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يُقتَلُ والدٌ بولدِهِ»؛ لَقَتلتُكَ.
وقال علي ابن المديني، وقد سُئل عن هذا الحديث: هو ضعيف، إنما رواه عمرو بن شعيب، رواه عنه حجَّاج بن أرطاة، وإسماعيل بن مسلم، وليس هذا ممَّا يُعتمد عليه.
هكذا قال رحمه الله.
طريق أخرى (589) قال أحمد 6: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدَّثني عبد الله بن أبي نَجيح، وعمرو بن شعيب، كلاهما عن مجاهد بن جبر ... ، فذَكَر الحديثَ، يعني: المتقدِّم: أنَّ رجلاً حَذَفَ ابنًا له بسيفه.
وقال: أخذ عمرُ من الإبل ثلاثينَ حِقَّةً، وثلاثينَ جَذَعةً، وأربعينَ / (ق 211) ثَنِيَّةً إلى

بازِل 1 عامِهِا، كلُّها خَلِفةً 2. قال: ثم دعا أخا المقتولِ فأعطاه إيَّاه دون أبيه، وقال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس لقاتلٍ شيءٌ».
وقال أبو داود 3: ثنا النُّفيلي، ثنا سفيان، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد قال: قَضَى عمرُ في شِبهِ العَمدِ ثلاثينَ حِقَّةً، وثلاثينَ جَذَعةً، وأربعينَ خَلِفةً ما بين ثَنِيَّةٍ إلى بازِلِ عامِهِا.
هذا منقطع بين مجاهد وعمرَ، فإنَّه لم يَسْمع منه، ولم يَرَه، ولم يُدركه.
ولمَّا روى الحسن بن دينار، عن حميد بن هلال، عن مجاهد قال: «سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب» أَنكَرَ عليه شعبةُ ذلك إنكارًا شديدًا، وقال: مجاهد سَمِعَ عمرَ! فقام الحسنُ، فذهب 4.

أثر في القَوَد بالمحدَّد، سواء كان حديدًا أو نحوه

(590) قال أبو عبيد 1: ثنا يزيد، عن حجَّاج بن أرطاة، عن زيد بن جُبَير، عن جَروة بن حُمَيل، عن عمرَ أنَّه قال: آللهِ! لَيَضرِبنَّ أحدُكم أخاهُ بمثلِ آكِلَةِ اللَّحمِ، ثم يُرَى أنَّي لا أُقِيدُهُ، واللهِ لأُقِيدَنَّهُ منه.
قال يزيد: قال حجَّاج: آكَلِةُ اللَّحمِ، يعني: عصًا مُحدَّدَةً.
قال الأموي: سُمِيتْ بذلك تشبيهًا لها بالسِّكين، فإنها تأكلُ اللَّحمُ.
حديث آخر (591) قال أبو بكر البزَّار 2: ثنا محمد 3 بن بكر بن عبد الرحمن، ثنا أبي، عن عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى -وهو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى-، عن عكرمة بن خالد، عن أبي بكر بن

عبيد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «في الأنفِ إذا استُوعِبَ جَدعُهُ الدِّيَةُ، وفي العينِ خمسون، 1 وفي الرِّجلِ خمسون، وفي الجائفةِ 2 ثُلُثُ النَّفسِ، وفي المُنَقِّلةِ 3 خمسَ عشرةَ، وفي المُوضِحَةِ 4 خمسٌ، وفي السِّنِّ خمسٌ، وفي كلِّ إِصبعٍ ممَّا هنالك عشرٌ عشرٌ».
ثم قال: لا نعلمه يُروى إلا من هذا الوجه 5. قلت: هذا بعيد أن يكون صحيحًا، فإنَّ عمرَ كان يذهب إلى خلاف هذا الحديث في الأصابع أوَّلاً: (592) كما قال الإمام أبو عبد الله الشافعي رحمه الله 6: أنا سفيان بن

عيينة، وعبد الوهاب الثَّقَفي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ بن الخطاب قَضَى في الإبهامِ / (ق 212) بخمسَ عشرةَ، وفي التي تليها بعشرٍ، وفي الوسطى بعشرٍ، وفي التي تلي الخنصرَ بتسعٍ، وفي الخنصرٍ بستٍّ.
فهذا أصحُ إسنادًا من هذا الذي قبله بكثير.
قال الشافعي 1: فلما وُجِدَ كتابُ آل عمرو بن حزم فيه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «وفي كُلِّ إِصبِعٍ ممَّا هنالكَ عشرٌ من الإبلِ»؛ صاروا إليه.
وهكذا روى النسائي 2، عن سعيد بن المسيّب مثل هذا الكلام سواء.

أثر آخر (593) قال علي بن حرب: ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن مسلم بن جُندب، عن أبي زيد 1 قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: في الضِّلعِ جَمَلٌ، وفي التَّرْقوةِ 2 جَمَلٌ، وفي الضِّرسِ جَمَلٌ 3. أثر آخر (594) قال البيهقي 4: وقد روى يونس، عن الزهري: أنَّه قرأ في

كتابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الذي كَتَبه لعمرو بن حزم: «وفي الأذنِ خمسونَ من الإبلِ».
قال: وروينا عن عمرَ 1، وعلي 2 أنهما قَضَيا بذلك.
أثر آخر (595) قال الشافعي 3: أنا محمد بن الحسن 4، أنا محمد بن أبان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عمرَ وعليٍّ -رضي الله عنهما- أنهما قالا: عَقْلُ المرأةِ على النِّصفِ من عَقْلِ 5 الرَّجلِ في النَّفسِ، وفيما دونَهَا.
هذا منقطع بين إبراهيم وبينهما.
(596) وقال الشافعي 6 فيما بَلَغه عن شعبة 7، عن الأعمش، عن

شقيق، عن عبد الله بن مسعود في جراحاتِ الرِّجالِ والنساءِ: تَستوي في السِّنِّ والمُوضِحَة، وما خلا فعلى النِّصفِ 1. وهذا مروي عن عمرَ 2 فيما كَتَب به إلى شُريح ليَحكم به، ففَعَل.
(597) وحديث أبي هريرة: أنَّ عمرَ استَشَارَ النَّاسَ في إملاصِ المرأةِ، فقال المغيرة بن شعبة: شَهِدتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى فيه بغُرَّة عبدٍ أو أَمَةٍ.
سيأتي 3 في مسند المغيرة بن شعبة.
وقد رواه أبو عبيد في كتاب «الغريب» 4، عن عمرَ، فقال: ثناه حجَّاج، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، عن عمرَ: أنَّه استَشَارَهم في إملاصِ المرأةِ.

قال أبو عبيد: هو أنْ تُلقِي جَنينَها قبلَ وقتِ الولادةِ ميِّتًا، يقال منه: قد أَملَصَتْ إملاصًا؛ لأنَّها تُزْلِقُهُ.
(598) وقال إسماعيل بن عيَّاش، عن زيد بن أسلم: أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- قوَّم الغُرَّةَ خمسينَ دينارًا 1. هذا منقطع، وإسماعيل بن عيَّاش عن غير الشَّاميين لا يحتج به عند الجمهور.
/ (ق 213) حديث فيه أثر عن عمر (599) قال أبو داود 2: ثنا يحيى بن حكيم، ثنا عبد الرحمن بن عثمان، ثنا حسين المُعلِّم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: كانت الدِّيةُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائةَ دينارٍ، و 3 ثمانيةَ آلافِ درهمٍ، وديةُ أهلِ الكتابِ يومئذٍ النِّصفُ من ديةِ المسلمين.
قال: فكان ذلك كذلك حتى استُخلِفَ عمرُ، فقام خطيبًا، فقال: إنَّ الإبلَ قد غَلَت، قال: فَفَرَضَها على أهلِ الذَّهَبِ ألفَ دينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثني عشر ألفًا، وعلى أهلِ البقرِ مائتي بقرةٍ، وعلى أهلِ الشَّاءِ ألفي

شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مائتي حُلَّةٍ.
قال: وتَرَك ديةَ أهلِ الذِّمَّةِ لم يَرفعها فيما رَفَع من الدِّيَةِ.
هذا إسناد جيد قوي 1، حجَّة في هذا الباب وغيره، والله أعلم.
قال الشافعي رحمه الله 2: لا دلالةَ في الوحي على تعدادِ إبلِ الدِّيةِ، فأخذناه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأخذنا الذَّهبَ والوَرِقَ عن عمرَ، إذ لم نجد فيه شيئًا عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأخذنا ديةَ الحُرِّ المسلمِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وعن عمرَ ديةَ غيرِهِ ممَّن خالفَ الإسلامَ.
والغرضُ من إيراد هذا عن الإمام الشافعي صحةُ هذا الأثرِ عنده عن عمرَ رضي الله عنه.
أثر آخر (600) قال الإمام الشافعي 3: أنا فضيل بن عياض، عن منصور بن

المعتمر، عن ثابت -وهو: ابن هُرمز الحدَّاد-، عن سعيد بن المسيّب قال: كان عمرُ يجعل ديةَ اليهودي والنصراني أربعةَ آلافٍ، والمجوسي ثمانِمائةٍ.
وهكذا رواه قتادة 1، ويحيى بن سعيد الأنصاري 2، عن سعيد بن المسيّب.

أثر آخر (601) روى البيهقي 1 من حديث ليث، عن مجاهد: أنَّ عمرَ بن الخطاب قَضَى فيمن قُتِلَ في الحَرَمِ، أو في الشهرِ الحرامِ، أو وهو مُحْرِمٌ بالدِّيةِ، / (ق 214) وثُلُثِ الدِّيةِ.
هذا منقطع أيضًا 2.

أثر آخر (602) وروى البيهقي -أيضًا- 1 من حديث جابر الجُعفِي، عن الحكم، عن عمرَ بن الخطاب قال: عَمدُ الصَّبيِّ وخَطَؤُهُ سواءٌ.
منقطع، بل معضل، وجابر بن يزيد الجُعفِي: ضعيف 2. (603) فأما الحديث الذي رواه أحمد 3، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ قال: الدِّيةُ للعاقلةِ، ولا تُورَّثُ المرأةُ من ديةِ زوجِها، حتى أَخبَرَه الضحَّاك بن سفيان الكِلاَبي: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَتَب إليَّ أنْ أُورِّثَ امرأةَ أَشْيَمَ الضِّبابي من دِيةِ زوجِها، فرَجَع عمرُ عن قولِهِ؛ فرواه أهل السُّنن -أيضًا- 4 من حديث الزهري.
وقال الترمذي: حسن صحيح.

وسيأتي 1 في مسند الضحَّاك -أيضًا-، إن شاء الله.
أثر آخر (604) قال ابن أبي الدُّنيا 2: حدثنا أبو بلال الأشعري، ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن زيد بن وهب قال: خَرَج عمرُ بن الخطاب ذاتَ يومٍ إلى سوقِ المدينةِ، فجعل يقول: يا عُمَرَاهُ، يَالَبَّيْكَاهُ.
قال: فسأَلنَاهُ عن خبرِهِ، فقيل لنا: إنَّ عاملاً من عُمَّالِهِ أَمَرَ رجلاً أنْ يَنزلَ في وادٍ يَنظرُ كم عُمقُهُ؟ فقال الرَّجل: إنِّي أخافُ.
فضَرَبَهُ، فنَزَل، فلما خَرَج كَزَّ 3 فمات، فنادى: يا عُمَرَاهُ! فبعث عمرُ إلى الوالي: أَمَا لولا أنِّي أخافُ أنْ تكونَ سُنَّةً بعدي؛ لَضَرَبتُ عُنُقَكَ، ولكن ما تَبرَحُ حتى تُؤدِّيَ دِيتَهُ، والله لا أُولِّيكَ أبدًا.
/ (ق 215) إسناده جيد قوي.
أثر آخر (605) روى الحافظ أبو بكر البيهقي 4 من حديث مَطَر الورَّاق، عن

الحسن البصري 1 قال: أَرسَلَ عمرُ إلى امرأةٍ مَغيبةٍ 2 كان يُدخَلُ عليها، فأَنكَرَ ذلك، فقيل لها: أجيبي عمرَ، قالت: ياويلَهَا! مالَهَا ولعمرَ، فبينما هي في الطريقِ ضَرَبَها الطَّلقُ، فدَخَلتْ دارًا، فأَلقَتْ وَلَدَها، فصاح الصبيُّ صيحتين ومات، فاستشار عمرُ الصحابةَ، فأشار عليه بعضُهم أنْ ليس عليك شيءٌ، إنما أنت والٍ ومؤدِّبٌ.
قال: ما تقولُ يا علي؟ قال: إنْ كانوا قالوا ذلك برأيهم؛ فقد أخطأوا رأيَهم، وإن كانوا قالوه في هواك؛ فلم يَنصحوا لك، أرى أنَّ دِيتَهُ عليك؛ لأنك أنت أفزعتَهَا، وأَلقَتْ وَلَدَها في سبيلِكَ.
فأَمَرَ عليًّا أن يَقسِمَ عَقْلَهُ على قريشٍ، فأخذ عَقْلَهُ من قريشٍ لأنَّه أخطأَ.
هذا مشهور متداول، وهو منقطع، فإنَّ الحسن البصري لم يُدرك عمرَ.
وفيه دلالةٌ على أنَّ ما يجب بخطإ الإمام يجبُ على عاقلته، وهو أحد قولي الشافعي، وأهل العلم.
أثر آخر (606) روى الدارقطني 3، والبيهقي 4 من حديث عبد الملك بن حسين، عن عبد الله بن أبي السَّفَر، عن الشَّعبي، عن عمرَ بن الخطاب أنَّه قال: العمدُ، والعبدُ 5، والصلحُ، والاعترافُ، لا تَعقِلُهُ العاقلةُ.

هذا منقطع، وعبد الملك هذا: تكلَّموا فيه 1. قال البيهقي: والمحفوظ: رواية ابن إدريس 2، عن مُطرِّف، عن الشَّعبي، قولَه.
أثر آخر (607) روى البيهقي -أيضًا- 3 من حديث الشَّعبي قال: جعل عمرُ بن الخطاب الدِّيةَ في ثلاثِ سنينَ، وثلثي الدِّية في سنتين، ونصفَ الدِّيةِ في سنتين، وثُلُثَ الدِّيةِ في سَنَةٍ.
/ (ق 216) وهذا منقطع أيضًا.
(608) وقد رواه الحسن بن عُمارة، عن واصل الأَحدب، عن المعرور بن سُوَيد، عن عمرَ، نحوه 4. لكن الحسن بن عمارة هذا: متروك.

وقد حكى الترمذيُّ 1 الإجماعَ على القول بمقتضى هذا.
ونَسَبَهُ الإمام الشافعي 2 إلى حُكم رسولِ الله صلى الله عليه وسلم 3.

أثر في قتل الجماعة بالواحد

(609) قال البخاري في كتاب الدِّيات في «صحيحه» 1: وقال لي ابن بشَّار: حدثني يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّ غلامًا قُتِلَ غِيْلةً 2، فقال عمرُ رضي الله عنه: لو اشتَرَكَ فيها أهلُ صنعاءَ؛ لَقَتلتُهُم.
وقال مغيرة بن حكيم، عن أبيه: إنَّ أربعةً قَتَلوا صبيًّا، فقال عمرُ ... مثلَه 3.

هكذا أورد البخاري هذا الحديث في كتابه 1، وهو من صيغ التعليق عند أئمَّة هذا الشأن، وهو من الصِّحاح النازلة عن درجة المسنَدَات، والله أعلم.
طريق أخرى (610) قال الشافعي 2: أنا مالك 3، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ بن الخطاب قَتَل نَفَرًا خمسةً أو سبعةً برجلٍ قَتَلوه قتلَ غِيْلةٍ، فقال عمرُ رضي الله عنه: لو اشتَرَكَ فيه أهلُ صنعاءَ؛ لَقَتلتُهُم جميعًا.
وقولُ عمرَ هذا: هو الذي استقرَّت عليه مذاهبُ أهلِ العلمِ قاطبةً، إلا قولاً عن بعضهم: أنَّ الوليَّ يَقتلُ واحدًا، ويأخذُ بقيَّةَ الدِّيةِ من الباقين.

ويؤيِّدُ قولَ الجمهورِ: ما روي من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «لو أنَّ أهلَ السماواتِ والأرضِ اشتَرَكوا في قتلِ مسلمٍ، لأكبَّهمُ اللهُ في النَّارِ» 1. وقد بَسَطتُ هذا في كتاب الأحكام، والله أعلم.

أثر فيه القِصَاص من الضَّربة واللَّطمة ونحو ذلك

(611) قال البخاري أيضًا 1: وأَقاد أبو بكرٍ 2، وابنُ الزُّبير 3، وعليٌّ 4، وسُوَيدُ بن مُقرِّن 5 من / (ق 217) اللَّطمة.
وأقاد عمرُ -رضي الله عنه- من ضَربةٍ بالدِّرَّة 6. وأقاد عليٌّ من ثلاثةِ أسواطٍ 7.

واقتصَّ شُريحٌ من سَوطٍ وخُمُوشٍ 1. هكذا أورد ذلك معلَّقًا، وهو صحيحٌ عنهم.
وإليه ذهب الإمام أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشَّالَنجي عنه، واختاره بعض أصحابه المتأخرين، وأفتى به.
وقد وَهِمَ الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي -رحمه الله- في حكايته الإجماعَ على خلاف ذلك، قال: وإنما يُعدَلُ في مثل هذا إلى التعزير، وكأنه لم يطَّلع على ما نقَلَهُ البخاري -رحمه الله-، وهذا تقصيرٌ، والله أعلم.
ذِكر الرواية عن عمر بن الخطاب بذلك (612) قال عبد الرزاق 2: عن مالك 3، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنتُ مع عمرَ في طريقِ مكةَ، فقال تحتَ شجرةٍ، فلمَّا استوتِ الشَّمسُ أخذ عليه ثوبَهُ، وقام، فناداه رجلٌ: يا أميرَ المؤمنين! ثم حاذ به، فضَرَبَهُ بالدِّرَّة، فقال: عَجِلتَ عليَّ.
فأعطاهُ المِخفَقَةَ 4، وقال: اقتصَّ.
قال: ما أنا بفاعلٍ.
قال: والله لَتَفعَلَنَّ.
قال: فإنِّي أَغفِرُها.
هكذا رواه عبد الرزاق، عن مالك.

ورواه أصحاب الموطَّآت عن مالك، عن عاصم، عن عمرَ، ليس بينهما أحد، والأوَّل أشبه بالصواب.
وسنذكر شواهد ذلك في «سيرة عمر»، إن شاء الله تعالى.
وسيأتي -أيضًا- حديث (دس) 1 سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة، عن أبي فراس النَّهدي، عن عمرَ قال: رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أقصَّ من نفسِهِ.
وفي الحديث قصَّة.

أثر آخر فيه تقديم المباشرة على السَّبب

(613) قال عبد الله بن صالح كاتب الليث 1: ثنا موسى بن عُلَي بن رباح، عن أبيه: أنَّ أعمى كان له قائدٌ بصيرٌ، فغَفَلَ البصيرُ، فوقعا في بئرٍ، فمات البصيرُ، وسَلِمَ الأعمى، فجعل عمرُ -رضي الله عنه- دِيَتَهُ على عاقلةِ الأعمى، فسَمِعتُهُ يقول في الحجِّ: يا أيها الناسُ لَقِيتُ مُنكَرًا ... هل يًعقِلُ الأعمى الصحيحَ المُبْصِرَا

خَرَّا معًا كلاهما تَكَسَّرا وأخرجه الدارقطني في «سننه» 2، وزاد فيه: فوَقَعا في بئرٍ، فوقع الأعمى على البصير، فمات.
وهذا إسناد حسن 3.

أثر عن عمر في الدَّفع بالأسهل

(614) قال أبو عبيد 1: يُروَى عن مبارك بن فَضَالة، عن الحسن، عن عمرَ أنَّه قال: ورِّعْ اللِّصَّ، ولا تُراعِهِ.
قال أبو عبيد: يقول: إذا رأيتَهُ في منزلِكَ فادفَعْهُ، واكْفُفْهُ بما استطعتَ، ولا تنتظر فيه شيئًا، وكلُّ شيءٍ كَفَفْتَهُ فقد وَرَّعْتَهُ.
قال أبو زُبَيد: وَوَرَّعْتُ ما يُكْبِي الوُجُوهَ رِعَايةً ... ليُحْضَرَ خيرٌ أو لِيُقْصَرَ مُنكَرُ

يقول: وَرَّعْتُ عنكم ما يُكبِى وجوهَكم، يَمتنُّ عليهم.
وقوله: لا تُراعِهِ: أي: لا تَنتظِرْهُ، وهذا يقال للصَّائم: يَرعى الشَّمسَ.
قال: وهذا رخصةٌ من عمرَ في الإقدامِ عليه بلا انتظارٍ.
وهكذا روي عن ابن عمرَ 2 أنَّه رأى لصًّا في دارِهِ، فطلب السَّيفَ، أو نحوَه من السلاح، ليُقدِمَ عليه.

وكذلك يُروى عن ابن سيرين 1 أنَّه قال: ما كانوا يمسكون عن اللِّصِّ إذا دخل دارَ أحدِهِم تأثُّمًا 2.

/ (ق 218)

أثر في العاقلة

(615) قال أبو عبيد 1: يُروى عن سفيان بن سعيد، عن عمرَ بن عبد الرحمن المديني، عن أبي سَلَمة بن سفيان المخزومي، عن أبي أميَّة بن الأخنس: أنَّ رجلاً أتى عمرَ، فقال: ابنُ عمِّي شُجَّ مُوضِحَةً.
فقال: أَمِنْ أهلِ القرى، أَم من أهلِ الباديةِ؟ فقال: من أهلِ الباديةِ.
فقال عمرُ: إنَّا لا نَتَعاقَلُ المُضَغَ بيننا.

قال أبو عبيد: حَمَلَه بعضُ العلماء على أنَّ أَهلَ القرى لا يَعقلونَ عن أهلِ الباديةِ، ولا أهلَ الباديةِ عن أهلِ القرى.
ثم قال: وفيه هذا التأويل وزيادة، وأنَّ العاقلةَ لا تَحملُ السِّنَّ، و ... 1، ولا مادونَ ثُلُثِ الدِّيةِ.
وهذا قول أهل المدينة إلى اليوم، وإنما هو في مال الجاني.
قال: بخلاف أهل العراق، فإنهم يقولون: المُوضِحةُ فما فوقها على العاقلةِ، وما دونها في مال الجاني.
قال أبو عبيد: وسمَّاها مُضَغًا تصغيرًا لها.
(616) وحدثنا 2 حجَّاج، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن الزُّبير، عن عمرَ قال: لا يَعقِلُ أهلُ القرى ... 3، ويَعقِلُها أهلُ الباديةِ.
قلت: صحيح، وحُكم غريب جدًّا، والله أعلم.

أثر آخر في دفع الصَّائل

(617) قال علي بن حرب: ثنا سفيان بن عيينة 1، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن عُبيد بن عُمَير: أنَّ رجلاً ضاف ناسًا من هُذَيل، فذَهَبت جاريةٌ لهم تَحتَطِبُ، فأرادَها على نفسِها، فَرَمَتهُ بِفِهْرٍ 2، فقَتَلتْهُ، فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ، فقال: ذاك قتيلُ اللهِ، والله لا يُودَى أبدًا.
ورواه صالح بن كيسان 3، عن الزهري، عن القاسم، ولم يَذكر عُبيد بن عُمَير، نحوه.
وهو إسناد جيد، وفيه انقطاع 4، والله أعلم.

أثر آخر في معناه (618) قال أحمد بن منصور الرَّمادي 1: ثنا عبد الله بن صالح، حدثني اللَّيث 2 قال: أُتي عمرُ بن الخطاب يومًا بفتًى أمرد، قد وُجِدَ قتيلاً، مُلقًى على وجهِ الطريقِ، فسأل عمرُ عن أمرِهِ واجتَهَدَ، فلم يَقفْ له على خبرٍ، ولم يَعرفْ له قاتلاً، فشقَّ ذلك على عمرَ، وقال: اللهمَّ اظفِرني بقاتلِهِ، حتى إذا كان رأسُ الحَوْلِ، أو قريبٌ من ذلك، وُجِدَ صبيٌّ مولودٌ مُلقًى بموضعِ القتيلِ، فأُتِيَ به عمرُ -رضي الله عنه-، فقال: ظَفَرتُ بدمِ القتيلِ -إن شاء الله-، فدَفَع الصَّبيَّ إلى امرأةٍ، وقال لها: قومي بشأنِهِ، وخُذي منَّا نفقةً، وانظري مَن يأخذُهُ منكِ، فإذا وَجَدتِ امرأةً تُقبِّله وتضُمُّه إلى صدرِها، فأَعلميني بمكانها.
فلمَّا شَبَّ الصبيُّ جاءت جاريةٌ، فقالت للمرأة: إنَّ سيِّدتي بعثتني إليكِ، أنْ تبعثي بالصَّبيِّ لِتَرَاهُ وتَردُّهُ إليكِ، فقالت: نعم، اذهبي به إليها، وأنا معك، فذَهَبت بالصَّبيِّ والمرأةَ معها، حتى دَخَلتْ على سيِّدتها، فلمَّا رأتْهُ أخذتُهُ فَقَبَّلتْهُ، وضَمَّتْهُ إليها، فإذا ابنةُ شيخٍ من الأنصار من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فأَخَبَرتْ عمرَ خبرَ المرأةِ، فاشتَمَلَ على سيفِهِ، ثم أَقبَلَ إلى منزلها، فوَجَد أباها مُتكِئًا على بابِ دارِهِ، فقال: يا فلانُ، ما فَعَلتْ ابنتُكَ فلانةٌ؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، جَزَاها اللهُ خيرًا، هي من أعرفِ الناسِ لحقِّ اللهِ، وحقِّ أبيها، مع حُسْنِ صلاتِها، والقيامِ بدينِها.
فقال عمرُ: قد أَحبَبتُ أنْ أَدخُلَ إليها وأَزيدَها رغبةً في الخير، وأَحُثَّها على ذلك.
فقال: جَزَاك اللهُ خيرًا يا أميرَ المؤمنين، امكُثْ مكانَكَ حتى أرجعَ إليكَ، فاستأذَنَ لعمرَ، فلمَّا دخلَ أَمَرَ عمرُ كلَّ

من كان عندها فخَرَج عنها، وبَقِيتْ هي وعمرَ في البيتِ، ليس معهما أحدٌ، فكَشَفَ عمرُ عن السَّيف، وقال: لَتَصدُقِني -وكان عمرُ رضي الله عنه لا يُكذَّب- فقالت: على رِسْلكَ يا أميرَ المؤمنينَ، فوالله لأَصدُقنَّكَ، إنَّ عجوزًا كانت تَدخلُ عليَّ، فاتَّخذتُها أُمًّا، وكانت تقومُ من أَمري بما تقومُ به الوالدةُ، وكنت لها بمنزلةِ البنتِ، فأَمضَتْ بذلك حينًا، ثم إنها قالت: يا بُنيَّة! إنَّه قد عَرَضَ لي سفرٌ، ولي بنتٌ في موضعٍ أتخوَّفُ عليها فيه أنْ تضيعَ، وقد أَحبَبتُ أن أَضمُّها إليكِ حتى أرجعَ من سفري، فعَمَدَت إلى ابنٍ لها شابٍّ أمردَ، فهَيَّأتْهُ كهيأةِ الجاريةِ، فأتتني به، لا أَشكُّ أنَّه جاريةٌ، فكان يرى منِّي ما ترى الجاريةُ من الجارية، حتى اغتَفَلني يومًا وأنا نائمةٌ، فما شَعَرتُ حتى عَلاَني وخَالَطَني، فمَدَدتُ يدي إلى شَفرةٍ كانت إلى جنبي فقَتَلتُهُ، ثم أَمَرتُ به، فأُلقِيَ حيثُ رأيتَ، فاشتَمَلتُ منه على هذا الصَّبيِّ، فلمَّا وَضَعتُهُ أَلقَيتُهُ في موضعِ أبيه، فهذا واللهِ خَبَرُهُما على ما أَعلَمتُكَ.
قال عمرُ: صَدَقتِ، باركَ اللهُ فيكِ، ثم أوصاها وَوَعَظَها، ودعا لها وخَرَج، وقال لأبيها، باركَ اللهُ لكَ في ابنتِكَ، فنِعْمَ الابنةُ ابنتُكَ، وقد وَعَظتُها وأَمَرتُها، فقال الشيخ: وَصَلكَ اللهُ يا أميرَ المؤمنينَ، وجَزَاك خيرًا عن رعيتِكَ.
هذا أثر غريب، وفيه انقطاع، بل معضل.
وفيه فوائد كثيرة، منها: حَذْقُ عمرَ -رضي الله عنه-، وحُسْنِ تأنِّيهِ، وجودةُ فراستِهِ.
وفيه: أنَّه يجوز دفع الصَّائل، وأنَّه لا ضمان عليه في قَتْله حيثُ لم يأمر بالدِّية، والله أعلم.

أثر آخر في قتل المرتد

ِّ (619) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا 1: حدثنا أبو خيثمة، ثنا ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: لما أُتي عمرُ بفتح تُسْتَر، قال: هل كان شيء؟ قال: نعم، رجلٌ من المسلمين ارتدَّ عن الإسلام.
قال: فما صنعتُم به؟ قالوا: قَتَلنَاهُ.
قال: فهلاَّ أَدخلتُمُوهُ بيتًا، وأَغلقتُم عليه بابًا، وأَطعمتُمُوهُ كلَّ يومٍ رغيفًا، واستَتَبتُمُوهُ، فإن تاب؛ و ... 2 قتلتموه؟ ثم قال: اللهمَّ لم أَشهَدْ، ولم آمُرَ، ولم أَرْضَ إذ بَلَغني.
إسناد جيد.
وهكذا رواه الإمام الشافعي 3، عن الإمام مالك 4، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري، عن أبيه قال: قَدِمَ على عمرَ رجلٌ من قِبَلِ أبي موسى، فسأله عن الناس؟ فأَخبَرَه، ثم قال: هل فيكم من مُغَرّبةٍ خبرٌ؟ قال: نعم، رجلٌ كَفَرَ بعد إسلامِهِ.
قال: فما فعلتُم به؟ قال: قرَّبنَاهُ، فضَرَبنَا عُنُقَهُ.
قال: فهلاَّ حَبَستُمُوهُ ثلاثًا، وأَطعمتُمُوهُ كلَّ يومٍ رغيفًا، واستَتَبتُمُوهُ، لعلَّه يتوبُ، أو يُراجِعُ 5 أمرَ اللهِ؟! اللهمَّ لم أَحضُرْ، ولم آمُرْ، ولم أَرْضَ إذ بَلَغني.

ورواه أبو عبيد 1، عن إسماعيل بن جعفر 2، عن عبد الرحمن بن محمد، به.
وقال: مُغَرّبة: بكسر الراء وفتحها، وأصلُه فيما نرى من الغَربِ، وهو البُعد 3. وفيه دلالةٌ على استتابةِ المرتدِّ، وإنْ كان قد وُلِدَ على الفطرةِ؛ لأنَّه لم يستفصل.
قال: ولم أسمع التَّوقيتَ بثلاثٍ إلا في هذا.
وقد رواه الإمام أحمد 4 من طريق أخرى، بإسناد صحيح 5، عن أنس بن مالك قال: لما افتَتَحنا تُسْتَر، بعثني الأشعريُّ إلى عمرَ بن الخطاب، فلما قَدِمْتُ عليه قال: ما فَعَلَ البكريُّون، حُجَينةُ وأصحابُهُ؟ قال: فأَخَذتُ به في حديثٍ آخرَ، قال: فقال: ما فَعَلَ النَّفَرُ البَكريُّون؟ قال: فلمَّا رأيتُهُ لا يُقلِعُ، قلتُ: يا أميرَ المؤمنين، ما فَعَلوا! إنهم قَتَلوا، ولَحِقُوا بالمشركين، ارتدُّوا عن الإسلام، وقاتَلوا مع المشركين حتى قُتلوا.
قال: فقال: لأنْ أَكونَ أخذتُهُم سِلمًا، كان أحبَّ إليَّ ممَّا على وجهِ

الأرضِ من صفراءَ أو بيضاءَ.
قال: فقلت: وما كان سبيلُهُم لو أخذتَهُم سِلمًا؟ قال: كنتُ أعرِضُ عليهم البابَ الذي خَرَجوا منه، فإن أَبَوا استودعتُهُم السِّجنَ.
وهذا يقتضي أنهم إنما قَتَلوا بعد تمنُّعهم بلحاقهم بالمشركين، فإنه لا يُقتصُّ منهم عند كثيرٍ من العلماء، منهم الإمام أحمد بن حنبل، وإلا فلو قَتَلوا قبل امتناعِهِم، لوَجَبَ القَصاصُ قولاً واحدًا.
وأما حَبْسهم حتى يُسلِمُوا، ففيه دلالة لمذهب سفيان الثوري ومَن وافَقَه: أنَّ المرتدَّ يستتابُ، ويُنظرُ ما رُجِيَت توبتُه، وهو معنى قول إبراهيم النَّخَعي.
وذهب طاوس وعُبيد بن عُمَير إلى أنَّه يُقتلُ ولا يُستتابُ، لقوله عليه السلام: «مَن بَدَّلَ دينَهُ فاقتلُوه» 1؛ ولأنَّ كُفرَه أغلظُ من كُفْر الأسير الحربيِّ، فإذا قُتِلَ هذا بلا استتابةٍ، فالمرتدُّ أولى.
وقال الحنفية: الاستتابةُ مستحبةٌ، لكنه إنْ لم يَتب في الحال قُتِلَ، إلاَّ أن يَسأَلَ الإنظارَ، فيُنظَرَ ثلاثةَ أيامٍ.
وهذا قول للإمام الشافعي: أنَّ الاستتابةَ مستحبةٌ.
وعنه قول آخر: أنها واجبةٌ، لكنَّه يُقتلُ في الحال إنْ لم يَتب في قول.
وهو اختيار المُزَني وابن المنذر.
والقول الآخر: تجبُ الاستتابةُ، ويُؤجَّلُ ثلاثةَ أيامٍ، وهو مذهب مالك وأحمد.

وقال الزهري وابن القاسم: يُستتابُ ثلاثةَ مرَّاتِ.
فهذه حكاية أقوال الأئمَّة في المرتدِّ.

أحاديث الجهاد

قد تقدَّم في أوَّل كتاب الزكاة 1 قول عمرَ -رضي الله عنه- للصِّدِّيق: كيف تُقاتِلُ الناسَ؟ وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالوها عَصَمُوا منِّي دماءَهُم وأموالَهُم، إلا بحقِّها وحسابُهُم على اللهِ».
أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه 2. حديث آخر (620) قال أبو بكر البزَّار 3: ثنا عمرو بن علي، ثنا عبيد الله بن عبد

المجيد، ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمرَ: أنَّ الزبيرَ استأذن عمرَ في الجهاد، فقال: اجلس، فقد جَاهَدتَ مع / (ق 219) رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
عطية العَوفي: فيه ضعف 1، ولو صحَّ؛ لدلَّ على أنَّ الجهادَ ليس فرضًا على الأعيان، والله أعلم.
حديث آخر (621) قال أبو يعلى الموصلي 2: ثنا عبيد الله بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثني شعبة، عن يحيى بن هانئ، عن نعيم بن دِجَاجة قال: سَمِعتُ عمرَ يقول: لا هجرةَ بعد وفاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه النسائي في «سننه» 3، عن عمرو بن علي الفلاَّس، عن ابن مهدي، به.

حديث فيه أثر عن عمر في استحباب الإكثار من الغزو

(622) قال أبو داود في كتاب «المراسيل» 1: ثنا موسى بن إسماعيل، أنا إبراهيم بن سعد، أنا ابن شهاب، عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري: أنَّ جيشًا من الأنصار كانوا بأرضِ فارسَ مع أميرِهِم، وكان عمرُ -رضي الله عنه- يُعقِّبُ الجيوشَ 2 في كلِّ عام، فشُغِلَ عنهم عمرُ، فلمَّا مَرَّ الأجلُ، قَفَلَ أهلُ ذلك الثَّغرِ، فاشتدَّ عليهم، وأَوَعَدهم 3، وهم أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا عمرُ، إنَّك شُغِلتَ 4 عنَّا، وتَرَكتَ فينا الذي أَمَرَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من إعقابِ بعضِ الغزيةِ بعضًا.

جارٍ التحميل