وسيأتي 1 في مسند الزُّبَير بن العوَّام أنها نزلت فيه، وفي الذي نازعه في شِرَاج الحَرَّة 2، فالله أعلم.
وعند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ (1) الآية.
حديث يأتي في سورة التحريم 2.1
حديث يُذكر عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾
1.
(816) قال الإمام أحمد 2: ثنا هشيم قال: زَعَم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمرَ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُطرُونِي كما أَطرَتِ النصارى عيسى ابنَ مريمَ، فإنما أنا عبد الله ورسولُه».
ثم رواه 3، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، كذلك.
وهكذا رواه البخاري 4، عن الحميدي 5، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، به، ولفظه: «فإنَّما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسولُه».
ورواه علي ابن المديني، عن سفيان بن عيينة، به، وقال: هذا حديث صحيح مُسنَد.
ورواه الترمذي في «الشمائل» 6 من حديث سفيان بن عيينة، به.
حديث آخر
(817) قال الإمام أحمد 1: ثنا إسماعيل، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة قال: قال عمرُ: ما سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثرَ ممَّا سألتُه عن الكَلاَلة، حتى طَعَن بإصبعه في صدري، وقال: «تكفيكَ آيةُ الصَّيفِ التي في آخرِ سورةِ النساءِ».
هكذا رواه ههنا مختصرًا، وقد تقدَّم في الحدود مطوَّلا 2، وهو في «صحيح مسلم» 3.
طريق أخرى
(818) قال أحمد 4: ثنا أبو نعيم، ثنا مالك -يعني ابن مِغْول-: سَمِعتُ الفضيل / (ق 311) بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمرَ قال: سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الكَلاَلة؟ فقال: «تكفيكَ آيةُ الصيفِ».
قال: لئن أكونَ سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عنها أَحبُّ إليَّ من أن يكونَ لي حُمْرُ النَّعَم.
هذا إسناد جيد، وفيه انقطاع، لأنَّ إبراهيم لم يُدرك عمرَ، والله أعلم.
ومن تفسير سورة المائدة
(819) قال أحمد 1: ثنا جعفر بن عَون، أنا أبو العُمَيس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجلٌ من اليهود إلى عمرَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّكم تقرؤون آيةً في كتابكم، لو علينا يا معشرَ اليهود نَزَلت؛ لاتَّخَذْنا ذلك اليومَ عيدًا.
قال: وأيُّ آية هي؟ قال: قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ 2. قال عمرُ: والله إنِّي لأَعلمُ اليومَ الذي نَزَلت على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، والساعةَ التي نَزَلت فيها على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عشيَّةَ عرفةَ في يوم جمعة.
ورواه البخاري 3، عن الحسن بن الصبَّاح، عن جعفر بن عَون، به.
ورواه -أيضًا- 4، ومسلم 5، والترمذي 6، والنسائي 7 من طرق، عن قيس بن مسلم، به.
تقدَّم في سورة البقرة 8 قولُ عمرَ لما نَزَل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ انتَهَيْنا يا ربَّنا.
في تحريم الخمر.
حديث آخر
(820) قال البخاري 1: ثنا أبو اليَمَان، أنا شعيب، عن الزهري، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة -وكان أبوه شهد بدرًا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم-، قال: استعمل عمرُ قُدامةَ بن مَظعون على البحرين، / (ق 312) وكان شهد بدرًا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وهو خالُ ابنِ عمرَ وحفصةَ زوجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
هكذا رواه البخاري في كتاب المغازي من «صحيحه» مختصرًا 2، وهو قطعة من حديث طويل، وفيه ذِكر قُدوم الجارود العَبدي على عمرَ، وإخبارُه إيَّاه أنَّ قُدامة بن مَظعون شرب مُسكِرًا، وتأوَّل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ 3، وأنَّ عمرَ جَلَده، وردَّ تأويلَه ذلك 4.
أثر يُذكر عند قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
1 (821) قال أبو عبيد 2: أخبرني ابن أبي أُميَّة، عن أبي عَوَانة، عن عبد الملك بن عُمَير، عن قَبيصة بن جابر قال: أتيتُ عمرَ، فقلتُ: إنِّي
رميتُ ظبيًا وأنا مُحرِمٌ، فأصبتُ خُشَشَاءَهُ، فرَكِبَ رَدْعَه، فأَسِنَ، فمات.
فأقبل على عبد الرحمن بن عوف، فشاوَرَه، ثم قال: اذبح شاة.
قال أبو عبيد: الخُشَشَاء: العظم الناشز الذي خلف الأُذُن، وفيه لغتان: خُشَّاء وخُشَشَاء.
وقوله: رَكِبَ رَدْعَهُ: يعني: أنَّه سَقَط على رأسه، وإنما أراد بالرَّدع الدَّم، أي أنّه صُرِعَ على دمِهِ، وقيل: ذهب على وجهه، فلا يَردَعُهُ شيء.
وقوله: أَسِنَ: أي أنَّه دِيرَ به، أي حصل له دُوَار، كما يحصل للرَّجل إذا نزل في بئر دُوَار من ريحها فيسقط.
قال زُهَير 1:
يُغادِرُ القِرْنَ 2 مُصفَّرًا أناملُهُ ... يَميلُ في الريحِ مَيلَ الماتِحِ 3 الأسِن
حديث آخر
(822) قال البخاري 1: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنَّا عند عمرَ بن الخطاب، فقال: نُهينا عن التَّكلُّف.
هكذا رواه البخاري، ثم أتبعه بما رواه من حديث الزهري، عن أنس: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «سَلُوني».
فقال رجل: مَن أبي؟ فقال: «أبوك حُذَافة».
فقال عمرُ رضي الله عنه: رَضِينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا.
ونَزَل قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية 2.
وذَكَر تمام الحديث، كما سيأتي 3 في مسند أنس إن شاء الله تعالى.
ومن سورة الأنعام
(823) قال أبو عبيد 1:
ثنا أحمد بن يونس، عن زُهَير بن معاوية، ثنا أبو إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمرَ قال: الأنعام من نواجب 2 القرآن.
صحيح.
حديث يُذكر عند قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾
1 (824) قال الحافظ أبو يعلى 2: ثنا محمد بن المثنَّى، ثنا عبيد بن واقِد القيسي أبو عبَّاد، حدثني محمد بن عيسى 3 بن كيسان، ثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قَلَّ الجَرَادُ في سَنَة من سِنِيِّ عمر التي وَلِيَ فيها، فسأل عنه، فلم يُخبَر بشيء، فاغتمَّ لذلك، فأرسَلَ راكبًا فضَرَب إلى كَدَاء، وآخرَ إلى الشَّام، وآخرَ إلى العراق، يَسأل: هل رُئي من الجراد شيء أم لا؟ قال: فأتاه الرَّاكب الذي من قِبَلِ اليمن بقبضة من جراد فألقاها
بين يديه، فلمَّا رآها كَبَّر، ثم قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «خَلَقَ اللهُ ألفَ أُمَّةٍ، ستَمائةٍ في البحرِ، وأربعَمائةٍ في البَرِّ، فأوَّلُ شيءٍ يَهلكُ من هذه الأُمَمِ الجَرَادُ، فإذا هَلَكَت تَتَابَعت مثلَ النِّظامِ إذا قُطِعَ سِلكُهُ».
هذا حديث غريب، ومحمد بن عيسى هذا هو: الهلالي العَبدي، أبو يحيى البصري، ضعَّفه الفلاَّس 1، وأبو زرعة، وأبو حاتم 2، وقال: روى عن محمد بن المنكدر مناكير، وأمر أن يُضربَ على حديثه، ولم يُقرأ عليه.
وقال البخاري 3: منكر الحديث.
وضعَّفه ابن حبان 4، والدارقطني 5.
وذَكَر له ابن عدي 6 هذا الحديث، وحديثًا آخر، وقال: هذان ممَّا أُنكر عليه.
ومن سورة الأعراف
(825) قال الإمام أحمد 1: ثنا رَوْح، ثنا مالك 2، عن زيد بن أبي أُنَيْسة: أنَّ عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أَخبَرَه، عن مسلم بن يَسَار الجُهَني: أنَّ عمرَ بن الخطاب سُئل عن هذه الآية: «وإذ أخذ ربك / (ق 313) من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم 3 وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ...» الآية 4، فقال عمرُ بن الخطاب: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئل عنها، فقال: «إنَّ اللهَ خَلَقَ آدمَ عليه السلام ثم مَسَحَ ظَهْرَه بيمينه، فاستَخرَجَ منه ذُريَّةً، فقال: خَلَقتُ هؤلاءِ للجنَّةِ، وبعملِ أهلِ الجنَّةِ يعملون، ثم مَسَحَ ظَهْرَه، فاستَخرَجَ منه ذُريَّةً، فقال: خَلَقتُ هؤلاءِ للنَّارِ، وبعملِ أهلِ النَّارِ يعملون».
فقال رجل: يا رسولَ الله، ففيمَ العملُ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خَلَق اللهُ العبدَ للجنَّةِ استعمَلَهُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ الجنَّةِ، فيدخُلُ به الجنَّةَ، وإذا خَلَق العبدَ للنَّارِ استعمَلَهُ بعملِ أهلِ النَّارِ حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ النَّارِ، فيُدخِلَهُ به النَّارَ».
وهكذا رواه أبو داود 5، عن القَعْنبي.
والنسائي 6، عن قتيبة.
والترمذي 1، عن إسحاق بن موسى، عن مَعْن.
ثلاثتهم عن مالك، به.
ورواه ابن حبان في «صحيحه» 2 من حديث أبي مصعب الزهري 3، عن مالك، كذلك.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ومسلم بن يَسَار لم يَسْمع من عمر، وقد ذَكَر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يَسَار وبين عمر رجلاً.
قلت: هو نُعيم بن ربيعة الأزدي، كما رواه أبو داود في «سننه» 4، عن محمد بن مصفَّى، عن بقيَّة، عن عمرَ بن جُعثُم القرشي، عن زيد بن أبي أُنَيْسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يَسَار الجُهَني، عن نُعيم بن ربيعة قال: / (ق 314) كنتُ عند عمرَ بن الخطاب، وقد سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، وذَكَر الحديث.
قال الدارقطني 5: وقد تابع عُمرَ بنَ جُعثُم يزيدُ بن سنان أبو فروة الرُّهاوي 6، وقولهما أولى بالصواب من قول مالك.
وقال أبو زرعة وأبو حاتم 1: مسلم بن يَسَار لم يَسْمع عمرَ، وروايته عنه مرسلة.
زاد أبو حاتم: وبينهما نُعيم بن ربيعة 2.
ومن سورة الأنفال
(826) قال أحمد 1: ثنا أبو نوح قُرَاد، أنا عكرمة بن عمَّار، ثنا سمَاك الحنفي أبو زُمَيل، حدثني ابن عباس، حدثني عمرُ بن الخطاب قال: لما كان يومُ بدر نَظَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وهم ثلثمائة ونَيِّف، ونَظَر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبيُّ صلى الله عليه وسلم القِبلةَ، ثم مَدَّ يديه، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: «اللهمَّ أَنجِزْ لي ما وَعَدتَنِي، اللهمَّ أَنجِزْ لي ما وَعَدتَنِي، اللهمَّ إن تُهلِكْ هذه العِصابةَ من أهلِ الإسلامِ فلا تُعبَدُ في الأرضِ أبدًا».
قال: فما زال يستغيثُ ربَّه ويدعوه، حتى
سَقَط رداؤه، فأتاه أبو بكرٍ فأخذ رداءَه فرَدَّاه، ثم التَزَمَه من ورائه، ثم قال: يا رسولَ الله، كذاك مُناشدَتُكَ ربَّك، فإنَّه سيُنجِزُ لك ماوَعَدك.
وأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ / (ق 315): ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ 1، فلمَّا كان يومئذٍ والتَقَوا، فهزم اللهُ المشركين، فقُتِلَ منهم سبعون رجلاً، وأُسِرَ منهم سبعون رجلاً، واستشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ وعليًّا وعمرَ، فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ الله، هؤلاء بنو العمِّ والعشيرة والإخوان، وإنِّي أرى أن تأخذ منهم الفديةَ، فيكون ما أخذنا منهم قوَّةً لنا على الكفَّار، وعسى أن يهديَهم اللهُ فيكونوا لنا عَضُدًا.
فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما تَرَى يا ابنَ الخطابِ؟»، قال: قلت: واللهِ ما أرى ما رأى أبو بكرٍ، ولكنِّي أرى أن تُمكِّنَني من فلان -قريب لعمرَ- فأَضرِبَ عُنُقَه، وتُمكِّن عليًّا من عَقيل فيَضرِبَ عُنُقَه، وتُمكِّنَ حمزةَ من فلان أخيه فيَضرِبَ عُنُقَه، حتى يعلم اللهُ أنه ليست في قلوبنا هوادةٌ للمشركين، هؤلاء صناديدُهم وأئمَّتُهم وقادتُهم.
فهَوِيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قلتُ، وأخذ منهم الفِداء.
فلمَّا كان من الغد قال عمرُ: فغَدَوتُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإذا هو قاعد وأبو بكرٍ، وهما يبكيان، فقلتُ: يا رسولَ الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبَك، فإنْ وَجَدتُ بكاءً بَكَيتُ، وإن لم أجد بكاءً تَباكيتُ لبكائِكما.
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «للذي عَرَضَ عليَّ أصحابُكَ من الفِدَاءِ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُكُم / (ق 316) أدنى من هذه الشجرةِ» -لشجرة قريبة-، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى:
﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ 1 -من الفداء-، ثم أَحلَّ لهم الغنائمَ.
فلمَّا كان يومُ أُحُد من العام المقبل عوقبوا بما صَنَعوا يومَ بدرٍ من أخذهم الفداء، فقُتِلَ منهم سبعون، وفَرَّ أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكُسِرَت رَبَاعِيَتُه، وهُشِّمَتِ البيضةُ على رأسه، وسال الدَّم على وجهه، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 2 بأخذكم الفِداء.
ورواه أبو داود 3، عن أحمد بن حنبل، عن قُرَاد أبي نوح - واسمه عبد الرحمن بن غَزوان - به، ببعضه: لمَّا كان يومُ بدرِ، وأَخَذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الفداءَ، أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية 4.
وأخرجه مسلم في المغازي 5، عن هَنَّاد بن السَّري، عن ابن المبارك.
وعن زُهَير بن حرب، عن عمرَ بن يونس.
كلاهما عن عكرمة بن عمَّار، به.
وليس عنده من قوله: فلما كان يومُ أحد ... ، إلى آخره.
ورواه الترمذي في التفسير 6، عن بُندَار، عن عمرَ بن يونس -وهو:
اليمامي-، بالقصَّة الأولى، إلى قوله: فأمدَّهم اللهُ بالملائكة، وقال: حسن صحيح غريب، لا نعرفه من حديث عمرَ إلا / (ق 317) من حديث عكرمة بن عمَّار، عن أبي زُمَيل.
ورواه الإمام علي ابن المديني، عن عمرَ بن يونس، وقُرَاد أبي نوح.
كلاهما عن عكرمة بن عمَّار.
ثم قال: والحديث صحيح، ولا يُحفظ إلا من طريق عكرمة بن عمَّار، وسمَاك من أهل اليمامة، ومَسْكنه الكوفة.
حديث آخر
(827) قال أبو بكر البزَّار 1:
ثنا عبد الله بن شَبيب، ثنا إسحاق بن محمد الفَرَوي، ثنا أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أسلم، عن عمرَ بن الخطاب قال: أقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمكة يَعرِضُ نفسَه على قبائل العرب قبيلةً قبيلةً في الموسم، ما يجدُ أحدًا يجيبه إلى ما يدعو إليه، حتى جاء إليه هذا الحيُّ من الأنصار، لِمَا أسعدهم اللهُ، وساق إليهم من الكرامة، فآووا ونصروا، فجزاهم اللهُ عن نبيِّهم خيًرا، والله ما وَفَّينا لهم كما عاهدناهم عليه، إنَّا قلنا لهم: إنَّا نحن الأمراءُ، وأنتم الوزراءُ، وإن بقيتُ إلى رأس الحول لا يَبقى لي عاملٌ إلا من الأنصار.
ثم قال البزار: إسناده حسن.
ومن سورة براءة
حديث يُذكر عند قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية
1.
(828) قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل 2: وَجَدتُ في كتاب أبي بخطِّ يده: كَتَب إليَّ الرَّبيع بن نافع أبو توبة -يعني الحلبي- فكان في كتابه: حدثنا معاوية بن سَلاَّم، عن أخيه زيد بن سلاَّم، أنَّه سَمِعَ أبا سلاَّم قال: حدثني النُّعمان بن بشير قال: كنتُ إلى جانب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: ما أُبالي ألا أعملَ عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقيَ الحاجَّ.
وقال آخر: ما أُبالي ألا أعملَ عملاً بعد الإسلام إلا أن أَعمُرَ المسجدَ الحرام.
وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضلُ ممَّا قلتم.
فزَجَرهم عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقال: لا ترفعوا أصواتَكم عند منبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الجمعة، ولكنْ إذا صلَّيتُ الجمعةَ دَخلتُ، فاستفتيتُه فيما اختلفتم فيه.
فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخر الآيات كلِّها.
هكذا رواه الإمام أحمد من هذا الوجه فقط في مسند النُّعمان.
وكذا رواه مسلم في «صحيحه» 3 منفردًا به من بين أصحاب الكتب عن حسن الحُلْواني، عن أبي توبة.
وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارمي، عن يحيى بن حسَّان.
كلاهما عن معاوية بن سلام، به، مثله، سواء.
وإنَّما ذَكَره أصحاب الأطراف 1 وغيرهم في مسند النُّعمان، وهو مناسَب أن يُذكر في مسند عمرَ -رضي الله عنه-، لأنه هو الذي سأل عن ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
حديث آخر
(829) قال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي 2: ثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن منصور، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن ثوبان قال: كنَّا في سَفَر مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ونحن نسير، إذ قال المهاجرون: لَوَدِدنا أنَّا عَلِمنا أيَّ المال خيرٌ أو أفضلُ فنتَّخِذَه، إذ أُنزل في الفضَّة والذَّهب ما أُنزل.
فقال عمرُ: إن شئتم سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
فقالوا: أجل.
فانطَلَق وتَبِعتُه، أوضَعُ 3 على قَعودٍ 4 لي، قال: يا رسولَ الله، إنَّ المهاجرين لمَّا أُنزل في الذَّهب والفضَّة، قالوا: وَدِدنا أنَّا عَلِمنا الآن أيُّ المال أفضلُ فنَتَّخِذَه، قال: نعم، «لِيَتَّخِذ أحدُكُم لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجةً تُعين أحدَكم على إيمانه».
ورواه الإمام أحمد 5 من حديث سالم، به.
إنما ذَكَره أصحاب الأطراف 1 في مسند ثوبان.
وقد رواه الترمذي 2، عن عَبد بن حميد، عن عبيد الله بن موسى، عن جرير 3، به.
وأخرجه ابن ماجه 4 من وجه آخر، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن ثوبان، به.
ولفظهما: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية 5.
وقال الترمذي: حسن، وسألت محمدًا: أسَمِعَ سالم من ثوبان؟ قال: لا 6.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = «تفسيره» (10/ 119) والمحاملي في «الأمالي» (ص 404 رقم 474 - رواية ابن البَيِّع) والروياني في «مسنده» (1/ 407 رقم 621) وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 182) من طريق جرير.
كلاهما (إسرائيل، وجرير) عن منصور، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن ثوبان قال: ... ، فذكره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده»، كما في «المطالب العالية» (3/ 340 رقم 3137) عن أبي الأحوص، عن منصور، به، إلا أنه قال: «عن ثوبان أو غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم».
قال الحافظ: أوردته للشك فيه، وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه من طريق سالم بن أبي الجَعْد، عن ثوبان -رضي الله عنه- وحده، وسياقهما أتم.
وأخرجه ابن ماجه (1/ 596 رقم 1856) وابن مَردويه في «تفسيره»، كما في «الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع» لابن حجر (ص 137) وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 182) من طريق وكيع، عن عبد الله بن عمرو بن مُرَّة، عن أبيه، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن ثوبان ... ، فذكره.
وقد خولف إسرائيل وجرير في روايتهما، خالَفَهما الثوري، فرواه عن منصور، عن سالم بن أبي الجَعْد، مرسلاً.
ومن هذا الوجه: أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 246). والطبري في «تفسيره» (10/ 119) وفي «تهذيب الآثار» (1/ 270 رقم 450 - مسند ابن عباس) من طريق مؤمَّل.
كلاهما (عبد الرزاق، ومؤمَّل) عن الثوري، عن منصور -زاد الطبري: والأعمش وعمرو بن مُرَّة- عن سالم بن أبي الجَعْد قال: ... ، فذَكَره.
وقد خولف الثوري في روايته عن الأعمش، فأخرجه الرُّوياني في «مسنده» (1/ 406 - 407 رقم 620) عن سفيان بن وكيع، عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، به، موصولاً!
وهذا الوجه خطأ، فالثوري أثبت من محمد بن فضيل، وسفيان بن وكيع ضعيف الحديث.
وله طريق أخرى عن الثوري، أخرجها عبد الرزاق في «تفسيره»، كما في «تفسير ابن كثير» (2/ 351) عن الثوري، عن أبي حَصين، عن أبي الضُّحى، عن جَعدة =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بن هُبيرة، عن علي -رضي الله عنه- في قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «تبًّا للذهب! تبًّا للفضة!» -يقولها ثلاثًا- قال: فشَقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمرُ رضي الله عنه: أنا أعلم لكم ذلك، فقال: يا رسول الله، إن أصحابَك قد شَقَّ عليهم، وقالوا: فأيُّ المال نتخذ؟ قال: «لسانًا ذاكرًا، وقلبا شاكرًا، وزوجة تُعين أحدكم على دينه».
وهذا اختلاف على الثوري.
وأما الوجه الثالث: فأخرجه النسائي في «الكبرى»، كما في «تحفة الأشراف» (11/ 176 رقم 15618) وأحمد (5/ 366) -واللفظ له- والبيهقي في «شعب الإيمان» (2/ 481 رقم 584) من طريق عبد الله بن أبي الهُذيل قال: حدثني صاحبٌ لي: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «تبًّا للذهب والفضة».
قال: فحدثني صاحبي: أنه انطَلَق مع عمرَ بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، قولُك: «تبًّا للذهب والفضة» ماذا؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجةً تُعين على الآخرة».
وإسناده ضعيف؛ لجهالة أحد رواته.
وأما الوجه الرابع: فأخرجه أبو داود (2/ 373 رقم 1664) في الزكاة، باب في حقوق المال -واللفظ له- وابن أبي حاتم في «تفسيره»، كما في «تفسير ابن كثير» (2/ 351) وأبو يعلى (2499) والحاكم (1/ 408 - 409) والبيهقي (4/ 83) من طريق عثمان أبي اليقظان، عن جعفر بن أبي إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نَزَلت هذه الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية، كَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال عمرُ: أنا أفرِّج عنكم، فانطَلَق، فقال: يانبيَّ الله، إنه كَبُرَ على أصحابك هذه الآية، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يفرض الزكاةَ إلا ليُطيِّبَ مابقي من أموالكم، وإنما فَرَض المواريثَ لتكون لمن بعدَكم».
قال: فكبَّر عمر، ثم قال له: «ألا أُخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سَرَّتْه، وإذا أمرها أطاعتْه، وإذا غاب عنها حفظتْه».
وهذا لايصح؛ لضعف عثمان بن عُمَير، وقد أشار البيهقي إلى أن بعض الرواة لم يَذكر في إسناده عثمان أبا اليقظان.
وانظر لزامًا: «السلسلة الضعيفة» للشيخ الألباني (3/ 484 - 487 رقم 1319).
وقد ساق الزيلعي في «تخريج أحاديث الكشاف» (2/ 71) هذه الروايات، ثم قال: الحاصل أنه حديث ضعيف، لما فيه من الاضطراب.
وانظر: «صحيح الترغيب والترهيب» للشيخ الألباني (2/ 402).
حديث آخر
(830) قال أحمد 1: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: لما تُوفي عبد الله بن أُبَيّ دُعِيَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلمَّا وقف عليه يريدُ الصلاةَ، تحوَّلتُ حتى قمتُ في صدره، فقلتُ: يا رسولَ الله، أعَلَى عدوِّ الله عبد الله بن أُبَيّ، القائل يومَ كذا: كذا وكذا؟! -يعدِّدُ أيامَه-، قال: ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتبسَّمُ حتى إذا أَكثرتُ عليه، قال: «أَخِّرْ عنِّي يا عمرُ، إنِّي خُيِّرتُ فاخترتُ، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ 2، لو أعلمُ أنِّي إنْ زِدتُ على السبعين غُفِرَ له لَزِدتُ».
قال: ثم صلَّى عليه، ومشى معه، وقام على قبره حتى فُرِغَ منه.
قال: فعجبًا لي وجَرَاءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم! قال: فواللهِ، ما كان إلا يسيرًا حتى نَزَلت هاتان الآيتان / (ق 318): ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ 3، فما صلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعدَه على منافقٍ، ولا قام على قبره حتى قَبَضَه اللهُ عزَّ وجلَّ.
وكذا رواه الترمذي في التفسير 1، عن عَبد بن حميد 2، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن الزهري به، وقال: حسن صحيح.
وأخرجه البخاري في الجنائز 3، والتفسير 4، عن يحيى بن بُكَير، عن اللَّيث، عن عُقيل، عن الزهري، به.
ورواه النسائي 5، عن ثلاثة من شيوخه، عن حُجَين بن المثنَّى، عن اللَّيث، به.
وقال علي ابن المديني: إسناده جيد، ولم نجده إلا عند أهل المدينة.
أثر في معناه
(831) قال أبو عبيد 6 في حديث عمرَ: أنه أراد أن يشهدَ جنازةَ رجلٍ، فَمَرَزَه حذيفةُ، كأنَّه أراد أن يَصدَّهُ عن الصلاة عليها.
قلت: لم يُسنده، وحذيفة كان يعلم أعيان أشخاص من المنافقين بتوقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحكى عن بعضهم أنه قال: المَرْز بلُغة أهل اليمامة: القَرصُ بأطراف الأصابع خفيفًا.
أثر عن عمر
(832) قال أبو عبيد في «فضائل القرآن» 1: ثنا حجَّاج، عن هارون، أخبرني حبيب بن الشهيد وعمرو بن عامر الأنصاري: أنَّ عمرَ بن الخطاب
قرأ: «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصارُ الذين اتبعوهم بإحسان» فرفع الأنصارَ، ولم يُلحِق الواو في: «الذين»، فقال له زيد بن ثابت: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، فقال عمرُ: «الذين اتبعوهم بإحسان».
فقال زيد: أمير المؤمنين أَعلمُ.
فقال عمرُ: ائتوني بأُبَيّ بن كعب، فقال أُبَيّ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾.
فقال عمرُ: فنعم إذًا.
فتابع أُبَيًّا.
ومن سورة يونس
(833) قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطَّبري -رحمه الله- في «تفسيره» 1: ثنا بِشر، ثنا يزيد، ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ 2 ذُكِرَ لنا أنَّ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: صَدَق الله ربُّنا، ما جَعَلنا خلفاءَ إلا لينظرَ إلى أعمالنا، فأَرُوا اللهَ في أعمالِكم خيرًا بالليلِ والنهارِ والسِّرِ والعلانيةِ.
فيه انقطاع بين قتادة وعمر.
أثر آخر
(834) قال الحافظ أبو نعيم 3: ثنا سليمان بن أحمد 4،
ثنا أبو زرعة، ثنا حَيوة بن شُريح، ثنا بقيَّة، عن صفوان بن عمرو قال: سَمِعتُ أيفع بن عَبدٍ يقول: لمَّا قَدِمَ خراجُ العراق على عمرَ بن الخطاب / (ق 319) -رضي الله عنه-، خَرَج عمرُ ومولًى له، فجعل عمرُ يَعُدُّ الإبلَ، فإذا هي أكثرُ من ذلك، وجعل عمرُ يقول: الحمدُ لله.
وجعل مولاه يقول: يا أميرَ المؤمنين، هذا والله من فضل الله ورحمته.
فقال عمرُ رضي الله عنه: كَذَبتَ،
ليس هو الذي يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ 1، فهذا ما تجمعون 2. حديث آخر (835) قال أبو داود في باب الرهن من «سننه» 3 -في رواية ابن داسَة عنه-: حدثنا زُهَير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: ثنا جرير، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير 4: أنَّ عمرَ بن
الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِن عبادِ اللهِ لأُناسًا ما هُم بأنبياءَ ولا شهداءَ، يَغبِطُهُم الأنبياءُ والشهداءُ يومَ القيامةِ لِمَكَانَتِهِم مِن اللهِ عزَّ وجلَّ».
قالوا: يا رسولَ الله، (فخَبِّرنا) 1 مَن هم؟ قال: «هم قومٌ تَحَابُّوا برَوْحِ اللهِ على غيرِ أرحامٍ بينهم ولا أموالٍ يَتَعاطَونَها، فواللهِ (إنَّ بوجهِهِم لَنُورًا) 2، وإنَّهم لعلى نُورٍ، ولا يخافون إذا خاف الناسُ، ولا يحزنون إذا حَزِنَ الناسُ»، وقرأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ 3.
هذا حديث جيد الإسناد، وفيه انقطاع بين أبي زرعة وعمرَ 4،
ولا تظهر وجه المناسبة في ذِكر أبي داود هذا الحديث في الرَّهن، والله أعلم.
ومن سورة هود
(836) قال الحافظ أبو يعلى 1: ثنا موسى بن حبَّان، ثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا سليمان بن سفيان، ثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمرَ، عن عمرَ قال: لمَّا نَزَلَت: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ 2 سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: يا رسولَ الله، على ما نعملُ، على شيء قد فُرِغَ منه؟ أم على شيء لم يُفرَغ منه؟ قال: «على شيء قد فُرِغَ منه -يا عمرُ- وَجَرت به الأقلامُ، ولكنْ كُلٌّ مُيسَّر لما خُلِقَ له».
ورواه الترمذي في التفسير 3، عن بُندَار، عن أبي عامر العَقَدي
-واسمه: عبد الملك بن عمرو-، به، وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي عامر العَقَدي.
قلت: وقد رواه أبو الأشعث أحمد بن المِقدام 1،
عن معتمر بن سليمان، عن أبي سفيان سليمان بن سفيان المدني التَّيمي، وهو: ضعيف 2.
ولكن سيأتي 3 له شاهد في حديث القَدَر، إن شاء الله تعالى.
أثر آخر في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾
1
(837) / (ق 320) قال عَبد بن حميد: ثنا سليمان بن حرب الواشِحي، ثنا حماد بن سَلَمة، عن حميد، عن الحسن، عن عمرَ بن الخطاب قال: لو لبث أهلُ النَّار في النَّار عددَ رملِ عالج 2؛ لكان لهم على ذلك يومٌ يَخرجون فيه.
فيه انقطاع بين الحسن وعمرَ، فإنَّه لم يَسْمع منه، وفيه غرابة جدًّا 3،
وإن كان قد روي نحوُه عن أبي هريرة 1، وجابر، وأبي سعيد 2، وعبد الله بن عمرو بن العاص 3، وغيرهم.
روى الطَّبراني 1 فيه حديثًا عن أبي أُمَامة مرفوعًا، وهو ضعيف الإسناد، لأنَّه من رواية عبد الله بن مِسْعَر بن كِدَام، وقد قال أبو حاتم 2: متروك.
وقال أبو جعفر العقيلي 3: لا يُعرَف إلا بحديث واحد، وهو منكر.
وتأوَّل ذلك بعضُهم على أهل التوحيد، والله أعلم.
ومن سورة يوسف
(838) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 1:
ثنا عبدالغفار بن عبد الله بن الزبير، / (ق 321) ثنا علي بن مُسْهِر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عُرفُطَة قال: كنتُ جالسًا عند عمرَ، إذ أُتِيَ برجل من عبد القيس مَسْكنه بالسُّوس 2، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العَبدي؟ قال: نعم.
قال: وأنت النازل بالسُّوس؟ قال: نعم.
فضَرَبه بقَنَاة معه.
قال: فقال الرَّجل: مالِي يا أميرَ المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس.
فجَلَس، فقرأ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ 3﴾ (3)، فقرأها عليه ثلاثًا، وضَرَبه ثلاثًا.
فقال له الرَّجل: مالِي يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نَسَختَ كتاب دانيال؟ قال: مُرني بأمرك أتبعْه.
قال: انطلق، فامْحُهُ بالحميم والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه، ولا تُقرِئهُ أحدًا من الناس، فلئن
بَلَغني عنك أنك قرأتَه أو أقرأتَه أحدًا من الناس لأُنهكنَّك 1 عقوبة.
ثم قال له: اجلس.
فجَلَس بين يديه.
فقال: انطلقتُ أنا فانتَسَختُ كتابًا من أهل الكتاب، ثم جئتُ به في أديم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا في يَدِكَ يا عمر؟»، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، كتابٌ نَسَختُهُ لنزدادَ به علمًا إلى عِلمنا، فغضب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرَّت وَجنَتَاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أُغضِبَ نبيُّكم صلى الله عليه وسلم؟ السِّلاحَ! / (ق 322) السِّلاحَ! فجاءوا حتى أحدَقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا أيُّها الناسُ، إنِّي قد أُوتيتُ جوامِعَ الكَلِمِ وخواتيمَه، واختُصِرَ لي اختصارًا، ولقد أَتيتُكُم بها بيضاءَ نقيَّةً، فلا تَتَهوَّكُوا 2، ولا يَغُرَنَّكُمُ المُتَهَوِّكُون»، قال عمرُ: فقمتُ، فقلتُ: رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبك رسولاً، ثم نزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
هذا حديث غريب من هذا الوجه، فإنَّ عبد الرحمن بن إسحاق هذا هو: أبو شيبة الواسطي، وقد ضعَّفه أحمد، ويحيى، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم 3.
وزَعَم الحافظ الضياء في كتابه «المختارة» 1 أنه الذي روى له مسلم، وليس كما قال.
وأما شيخه خليفة بن قيس، فقال فيه أبو حاتم الرازي 2: شيخ، ليس بالمعروف.
وقال البخاري 3: لم يصح حديثه.
قلت: لكن قد روي نحوه من طريق أخرى:
(839) كما قال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزَّبيدي، حدثني عمرو بن الحارث، ثنا عبد الله بن سالم الأشعري، عن الزَّبيدي، ثنا سُليم بن عامر: أنَّ جُبَير بن نُفَير حدَّثهم: أنَّ رجلين تحابَّا بحمص في خلافة عمرَ، فأرسل إليهما فيمن أرسَلَ من أهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود ملء صِفتة 4، فأخذا 5 معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين، ويقولان: إنْ رَضِيها لنا أميرُ المؤمنين ازددنا فيها رغبةً، وإنْ نهانا عنها رفضناها.
/ (ق 323) فلما قَدِما عليه قالا: إنَّا بأرض أهل الكتابين، وإنَّا نسمع منهم كلامًا تقشعر منه جلودُنا، أفنأخذُ منه أو نترك؟ قال: لعلَّكما كَتَبتما منه شيئًا؟ فقالا: لا.
قال: سأحدِّثكما، إنِّي انطَلَقت في حياة النبيِّ صلى الله عليه وسلم حتى أتيتُ خبيرَ، فوَجَدتُ يهوديًا يقول قولاً
أعجبني، فقلتُ: هل أنت مُكتِبي ما تقول؟ قال: نعم، فأتيته بأَديم، فأخذ يُمل عليَّ حتى كتبتُ في الأكرع، فلما رجعتُ، قلتُ: يا نبيَّ الله ... ، وأخبرتُه، قال: «ائتِنِي به»، فانطلقتُ أرغبُ عن المشي، رجاءَ أن أكونَ جئتَ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم ببعض مايحبُّ.
فلمَّا أَتيتُ به، قال: «اجلس، اقرأ عليَّ»، فقرأتُ ساعةً، ثم نَظَرتُ إلى وجهه، فإذا هو يتلَّون، فتحيَّرت من الفَرَقِ، فما استطعتُ أُجِيز منه حرفًا، فلما رأى الذي بي دفعتُه، ثم جعل يَتبعُهُ رسمًا رسمًا فيمحوه بريقه، وهو يقول: «لا تَتَّبِعوا هؤلاءِ، فإنَّهم قد هَوَّكُوا وتَهَوَّكُوا»، حتى محا آخرَه حرفًا حرفًا، قال عمرُ: فلو عَلِمتُ أنَّكما كتبتما منه شيئًا؛ جعلتكما نكالاً لهذه الأمَّة.
قالا: والله ما نكتبُ منه شيئًا أبدًا، فخَرَجا بصُفتيهما، فحَفَرا لها في الأرض، فلم يألو أن تعمَّقا، ودَفَناها، فكان آخرَ العهد منها.
وهكذا رواه الثوري، عن جابر بن يزيد الجُعفِي، عن الشَّعبي، عن عبيد الله 1 بن ثابت الأنصاري، عن عمرَ، بنحوه 2.