معاني النحودلالة العلامات (2) على المعنى:

دلالة العلامات (2) على المعنى:

الأصل في العربية أن تكون العلامات ذوات دلالة على المعاني، وإن اختلاف العلامات يؤدي إلى اختلاف المعاني ويستثني من ذلك أمور منها: 1 - علامات البناء: فليست علامات البناء أعلاما لمعان، كما هي في الإعراب فـ (أين) مثلا تقع عمدة نحو: أين دارك؟ وتقع فضلة محلها النصب نحو: أين ذهبت؟ وتقع في محل جر نحو: من أين جئت؟ وهي في جميع ذلك، لها حركة واحدة هي الفتحة.
2 - إختلاف اللغات: من الواضح أن اختلا العلامات في اللغة الواحدة، يتبعه إختلاف في المعنى نحو: ما أحسن زيد ما أحسن زيدا، وكما يذكر النحاة في نحو: لا رجل في الدار (بالفتح) ولا رجل في الدار (بالرفع).
ولكن ليس من الضرورة أن يؤدي اختلاف العلامات في اللغتين إلى إختلاف المعنى في التعبير الواحد، فنحن لا نستطيع أن نقول أن معنى جملة (ما محمد حاضرا) في لغة الحجاز يختلف عن معنى جملة (ما محمد حاضر) في لغة تميم فـ (ما) كما هو معلوم يعملها الحجازيون إذا دخلت على الجملة الإسمية بشروط معروفة ويهملها التميميون" 312

أو أن جملة (ليس الطيب إلا المسك) بنصب (المسك) في لغة الحجاز، يختلف معناها عن جملة (ليس الطيب إلا المسك) برفع (المسك) في لغة تميم، فإن (ليس) إذا انتقض خبرها بالا يبقى عملها عند الحجازيين ويهملها بنو تميم 1. أو أن جملة (لعل الله فضلكم علينا) بجر لفظ الجلالة عند عقيل، يختلف معناها عن جملة (لعل الله فضلكم علينا) بالنصب في لغة سائر العرب، فإن الجر بلعل لغة عقيل، والنصب بها، لغة سائر العرب 2. أو (اقبل أباك) في لغة بني الحارث وجماعة يختلف معناها عن جملة (أقبل أبوك) في لغة سائر العرب، فإن بني الحارث وزبيدا وخثعما وهمدان تجعل أبا وأخا وحما، بالألف مطلقا 3. فاختلاف اللغات في التعبير الواحد لا يؤدي إلى إختلاف المعنى، وإن كانت العلامات الإعرابية مختلفة.
3 - الاتباع والمجاورة: ظاهرة من ظواهر العربية تكون في الحركات والكلمات ويعود في حقيقته إلى الانسجام الموسيقي بين الأصوات، كقراءة من قرأ: الحمدُ لله بضم اللام اتباعا لضمة الدال، أو الحمد للهِ 4 بكسر الدال اتباعا لكسر اللام.
ومن الاتباع في غير الأواخر قولهم (حدث أمر) بضم الدال، حين يقرن الفعل بقدم فإذا أفردت لفظة (حدث) قالوا (حدث) بفتح الدال لأنه زال السبب الذي أوجب ضم دالها 5. ومن الاتباع في الكلمات قولهم (الغدايا والعشايا) إذا قرنوا بينهما، فجاؤا بكلمة الغدايا لموازنة العشايا فإن أفردوا الغدايا ردوها إلى أصلها، فقالوا الغدوات.
ومنه ما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم إنه قال للنساء المتبرزات في العيد: " ارجعن مأزورات غير مأجورات".

والأصل في (مأزورات) (موزورات) لاشتقاقها من الوزر 1. ومن الاتباع أن يجاء بكلمات لا معنى لها أصلا، وإنما ضمت إلى الكلمات التي قبلها لزيين الكلام، مثل قولهم حسن بسن 2. ومنه المجاورة كقول الحطيئة: فإياكم وحية بطن واد ... هموز الناب ليس لكم بسي فيمن جر هموز الناب.
وقول الآخر كأن نسج العنكبوت المرمل وإنما صوابه المرملا 3. ولا نستطيع أن نقول في حركات الاتباع، أنها حركات ذات معنى خاص، فلا فرق في المعنى بين القرائتين: الحمد لله والحمدِ لله، وإنما هو أمر يعود إلى الإنسجام الموسيقي بين الأصوات كما ذكرنا.
4 - النقل وحذف الحركة لسبب غير إعرابي: فمن النقل قول الشاعر: عجبت والدهر كثير عجبه ... من عنزي سبني لم أضربه فضمة الباء منقولة من الهاء 4 وإلا فهي ساكنة لأن الفعل مجزوم والضمة هنا ليست ذات دلالة على معنى، ولا يقاس أمرها على ضمة المضارع الإعرابية.
ومنه رأي بعض النحاة قراءة من قرأ: (ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) بضم الكاف من (يدركه) قيل ضم الكاف منقول

من الهاء، كأنه أراد أن يقف عليها ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف كقوله: عجبت والدهر كثير عجبه ... من عنزي سبني لم أضربه 1 ومن ذلك في رأي بعض النحاة قول الشاعر: من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر فقد ذهب إلى إن فتحة الراء في (يقدر) نقل من همزة (أم) 2، وإلا فالفعل مجزوم ومن حذف الحركة لسبب غير إعرابي قوله تعالى: ﴿مالك لا تأمنا على يوسف﴾ [يوسف: 11] والأصل: لا تأمننا لأن الفعل مرفوع وإنما حصل هنا إدغام النونين، فسكنت النون الأولى لأجل الإدغام.
5 - علامات الحكاية: وذلك لأن المحكي لا تتغير حركاته وسكناته بل يحكي بلفظه وذلك نحو (اقبل جاد الحق) و (رأيت جاد الحق) و (مررت بجاد الحق) فهو يلازم حالة تعبيرية واحدة مهما اختلفت حالاته الاعرابية فلا تدل علاماته على معنى، وإن كان في أصله قد يكون جاريا على الأسس التعبيرية العامة في الاعراب والبناء.
6 - الضرورة الشعرية: وذلك لأن لغة الشعر لغة خاصة فقد يضطر الوزن صاحبه إلى ما لا يجوز في سعة الكلام من حركة أو سكون أو غيرها كقول الشاعر: يوم الصليفاء لم يوفون بالجار.
وقوله: أبيت أسري وتبيتي تدلكي.
وقوله: فاليوم اشرب غير مستحقب ونحو ذلك: وهذا كله مما لا علاقة له بدلالات الأعراب التي ذكرناها.

جارٍ التحميل