حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 272-311
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ

صفحات 272-311
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

هُوَ لُغَةً الْقَصْدُ يُقَال تَيَمَّمَتْ فُلَانًا وَيَمَّمْته وَتَأَمَّمْته وَأَمَّمْته أَيْ قَصَدْته وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] وَشَرْعًا إيصَالُ التُّرَابِ إلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، وَخُصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ رُخْصَةٌ، وَعَلَى الْأَصَحِّ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْحَدَثُ

[حاشية البجيرمي]

لَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ إلَخْ) مَا ذَكَرَهُ فِي الْخُفِّ يَجْرِي فِي لُبْسِ النَّعْلِ وَالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَغَيْرِهَا ق ل. قَوْلُهُ: (حَتَّى يَنْفُضَهُمَا) وَسَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا فَجَاءَ طَائِرٌ أَخَذَهُ وَارْتَفَعَ بِهِ، فَسَقَطَتْ مِنْهُ حَيَّةٌ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ.
. .» إلَخْ.

[فَصْلٌ فِي التَّيَمُّمِ] ِ أَيْ: أَسْبَابِهِ: وَكَيْفِيَّتِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَحْكَامِهِ وَمُبْطِلَاتِهِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْكَيْفِيَّةِ الْأَرْكَانُ.
وَأَخَّرَهُ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُمَا، وَأَخَّرَهُ عَنْ مَسْحِ الْخُفِّ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ طَهَارَةٍ، لَكِنْ تُبَاحُ بِهِ صَلَوَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَبِمَسْحِهِ يَتِمُّ رَفْعُ الْحَدَثِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَيُبَاحُ بِهِ فَرْضٌ وَنَوَافِلُ أَوْ نَوَافِلُ فَقَطْ، وَمَنْ قَدَّمَهُ عَلَى مَسْحِ الْخُفَّيْنِ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ طَهَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ بَعْضُ طَهَارَةٍ إطْفِيحِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ، وَقَدَّمَهُ عَلَى النَّجَاسَةِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مَعَهَا.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ: تَيَمَّمْت فُلَانًا إلَخْ) حَاصِلُ الْأَفْعَالِ الْمَاضِيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَرْبَعَةٌ.
وَالْأَوَّلَانِ مِنْهُمَا مَصْدَرُهُمَا تَيَمُّمًا وَمَصْدَرُ الثَّالِثِ تَأَمُّمًا وَمَصْدَرُ الرَّابِعِ تَأْمِيمًا.
قَوْلُهُ: (وَأَمَمْته) بِوَزْنِ ضَرَبْته اهـ كَذَا قَالَهُ م د وَفِي الْمُخْتَارِ أَمَّهُ مِنْ بَابِ رَدَّ وَأَمَّمَهُ تَأْمِيمًا وَأَمَّمَهُ إذَا قَصَدَهُ اهـ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ وَأَمَّمْته بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ لَا بِتَخْفِيفِهَا كَمَا فِي الْمُخْتَارِ وَالْمِصْبَاحِ وَغَيْرِهِمَا وَأَمَّا أَمَمْته مُخَفَّفًا فَمَعْنَاهُ ضَرَبْت أُمَّ رَأْسِهِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ أَمَمْته بِالْعَصَا أُمَمًا مِنْ بَابِ طَلَبَ إذَا ضَرَبْت أُمَّ رَأْسِهِ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى إلَخْ) وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: تَيَمَّمْتُكُمْ لَمَّا فَقَدْت أُولِي النُّهَى ... وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ بِالتُّرْبِ قَوْلُهُ: (تُنْفِقُونَ) حَالٌ مِنْ الْوَاوِ فِي: وَلَا تَيَمَّمُوا.
قَوْلُهُ: (إيصَالُ التُّرَابِ) أَيْ بِنِيَّةٍ وَتَرْتِيبٍ، أَوْ أَنَّ مُرَادَهُ بِالشَّرْطِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَشْمَلُ الرُّكْنَ وَتَعْبِيرُهُ بِإِيصَالِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِهِ فِي التَّحْرِيرِ بِمَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، لِأَنَّ هَذَا يُشْعِرُ بِالنَّقْلِ بِخِلَافِ عِبَارَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فُرِضَ سَنَةَ سِتٍّ) عِبَارَةُ ح ل: وَفُرِضَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ رُخْصَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْفَقْدُ حِسًّا أَوْ شَرْعًا لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هِيَ الْحُكْمُ الْمُتَغَيِّرُ إلَى السَّهْلِ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، وَقِيلَ عَزِيمَةٌ.
وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ.
قَالَ: وَالرُّخْصَةُ إنَّمَا هِيَ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ.
قَالَ سم: وَجَعَلُوا مِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ التَّيَمُّمَ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ، فَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ وَعَلَى الْأَوَّلِ فِيهِ وَجْهَانِ اهـ. أَيْ: وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا الصِّحَّةُ، وَقِيلَ إنْ كَانَ الْفَقْدُ حِسًّا فَعَزِيمَةٌ، وَإِلَّا فَرُخْصَةٌ، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْأَوْفَقُ بِمَا يَأْتِي مِنْ صِحَّةِ تَيَمُّمِ الْعَاصِي بِالسَّفَرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ إنْ فَقَدَ الْمَاءَ حِسًّا، وَبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ قَبْلَهَا إنْ فَقَدَهُ شَرْعًا كَأَنْ تَيَمَّمَ لِنَحْوِ مَرَضٍ.
اهـ. ع ش إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ) وَأَبْدَى الْقُطْبُ الشَّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمِيزَانِ مَعْنًى لَطِيفًا فِي عَدَمِ مَسْحِ

أَكْبَرَ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: 6] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] أَيْ تُرَابًا طَهُورًا، وَخَبَرُ مُسْلِمٍ: «جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» .

[حاشية البجيرمي]

الرَّأْسِ فِي التَّيَمُّمِ فَقَالَ: لِأَنَّ نُكْتَةَ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ الْإِشَارَةُ إلَى مَسْحِ الْكِبْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ.
وَفِي التَّيَمُّمِ لَمَّا مَسَحَ وَجْهَهُ بِالتُّرَابِ كَانَ فِيهِ أَشَدَّ مَذَلَّةً فَلَا يَزِيدُ مَسْحُ الرَّأْسِ لَهُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) جَمْعُ مَرِيضٍ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: فَعْلَى لِوَصْفٍ كَقَتِيلٍ وَزَمِنٍ إلَخْ أَيْ بِأَنْ خِفْتُمْ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَحْذُورًا بِقَرِينَةِ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَرْضَى بِالْجَرْحَى.
قَوْلُهُ: (جُعِلَتْ لَنَا) أَيْ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنْ الْأُمَمِ لَمْ تُبَحْ لَهُمْ الصَّلَاةُ إلَّا فِي الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ، هَذَا فِي حَالِ إقَامَتِهِمْ، أَمَّا الْمُسَافِرُونَ فَيُصَلُّونَ فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ بِدَلِيلِ قِصَّةِ سَارَةَ لَمَّا أَخَذَهَا الْمَلِكُ حَيْثُ هَمَّ بِهَا وَحَجَبَ عَنْهَا تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ ع ش. وَفِي رِوَايَةٍ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ» قَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَكَّدَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي لِلْإِشَارَةِ إلَى رَدِّ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ مِنْ قَصْرِ صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ عَلَى مَكَان مُعَيَّنٍ كَالْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ، فَامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَنْ صَحَّتْ صَلَاتُنَا فِي أَيْ مَحَلٍّ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: قَدْ كَانَ عِيسَى يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَيُصَلِّي حِينَ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَجُعِلَتْ لِغَيْرِي مَسْجِدًا، وَلَمْ تُجْعَلْ لَهُ طَهُورًا، أَوْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأُمَمِ لَا فِي أَنْبِيَائِهَا أَوْ إلَّا لِعُذْرٍ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ح ل فِي حَاشِيَةِ الْمِعْرَاجِ لِلْغَيْطِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا) أَيْ تُرَابُهَا مُطَهِّرًا.
وَانْظُرْ هَلْ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ لَمَّا كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَفْقِدُ الْمَاءَ هَلْ يُصَلِّي كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَيُعِيدُ أَوْ لَا يُعِيدُ أَوْ لَا يُصَلِّي أَصْلًا حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ؟ فَرَاجِعْهُ.
اهـ. م د. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ الْقَيْرَوَانِيَّةِ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ إنَّمَا يُصَلُّونَ بِالْوُضُوءِ فِي مَوَاضِعَ اتَّخَذُوهَا وَسَمَّوْهَا بِيَعًا وَكَنَائِسَ وَصَوَامِعَ فَمَنْ غَابَ مِنْهُمْ عَنْ مَوَاضِعِ صَلَاتِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ ثُمَّ يَقْضِيَ كُلَّ مَا فَاتَهُ، وَكَذَا إذَا عَدِمَ الْمَاءَ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَجِدَهُ ثُمَّ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ وَخُصَّتْ الْيَهُودُ بِرَفْعِ الْمَاءِ الْجَارِي لِلْحَدَثِ دُونَ غَيْرِهِ نَقَلَهُ الزَّرْقَانِيُّ.
قَالَ ق ل فِي حَاشِيَةِ الْجَلَالِ: وَلَفْظُ التُّرْبَةِ دَلِيلٌ لِتَخْصِيصِ التَّيَمُّمِ بِالتُّرَابِ، وَبِهَا تُقَيَّدُ كُلُّ رِوَايَةٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا، وَمَفْهُومُهُ عَدَمُ صِحَّتِهِ بِغَيْرِ التُّرَابِ، وَمَا قِيلَ إنَّ لَفْظَ التُّرْبَةِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَأَنَّهُ ذَكَرَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ فَلَا يُخَصِّصُهُ، وَلِذَلِكَ جَوَّزَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ بِمَا اتَّصَلَ بِالْأَرْضِ كَالشَّجَرِ وَالزَّرْعِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبُهُ مُحَمَّدٌ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ كَالزِّرْنِيخِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَا لَا غُبَارَ فِيهِ كَالْحَجَرِ الصُّلْبِ.
أُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْعَامِّ بَلْ مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ كَمَا فِي تَقْيِيدِ الرَّقَبَةِ وَإِطْلَاقِهَا فِي الْكَفَّارَةِ، وَبِأَنَّ الْآيَةَ الشَّرِيفَةَ دَالَّةٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] إذْ لَا يُفْهَمُ مِنْ: مِنْ إلَّا التَّبْعِيضُ نَحْوُ: مَسَحْت الرَّأْسَ مِنْ الدُّهْنِ وَهُوَ الْغُبَارُ، وَالْغَالِبُ أَنْ لَا غُبَارَ لِغَيْرِ التُّرَابِ فَتَعَيَّنَ وَجَعْلُ مِنْ لِلِابْتِدَاءِ خِلَافُ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ مِنْ الْمِرَاءِ.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: 4] . وَقَوْلُهُ بِحُكْمِ الْعَامِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: «جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا» كَمَا فِي رِوَايَةٍ.
وَقَالَ الْحَكِيمُ وَإِنَّمَا جُعِلَ تُرَابُ الْأَرْضِ طَهُورًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَمَّا أَحَسَّتْ بِمَوْلِدِ نَبِيِّنَا انْبَسَطَتْ وَتَمَدَّدَتْ وَازْدَهَتْ وَافْتَخَرَتْ عَلَى السَّمَاءِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ بِأَنَّهُ مِنِّي خُلِقَ، وَعَلَى ظَهْرِي تَأْتِيه كَرَامَةُ اللَّهِ، وَعَلَى بِقَاعِي يَسْجُدُ بِجَبْهَتِهِ لِلَّهِ، وَفِي بَطْنِي مَدْفِنُهُ فَلَمَّا جَرَّتْ رِدَاءَ فَخْرِهَا بِذَلِكَ جُعِلَ تُرَابُهَا طَهُورًا لِأُمَّتِهِ، وَجُعِلَتْ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ مَسْجِدًا، فَالتَّيَمُّمُ هَدِيَّةٌ مِنْ اللَّهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَاصَّةً لِتَدُومَ لَهُمْ الطَّهَارَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ.
وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ لِتَسْوِيَتِهِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ فِي قَوْلِهِ: طَهُورًا وَهُوَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِمَالِكٍ.
وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ، كَذَا فِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ.

(وَشَرَائِطُ التَّيَمُّمِ) جَمْعُ شَرِيطَةٍ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ (خَمْسَةُ أَشْيَاءَ) كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَالْمَعْدُودُ فِي كَلَامِهِ سِتَّةٌ كَمَا سَتَعْرِفُهُ: الشَّيْءُ الْأَوَّلُ (وُجُودُ الْعُذْرِ) هُوَ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ؛ وَلِلْعَجْزِ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: فَقْدُهُ (بِ) سَبَبِ (سَفَرٍ) وَلِلْمُسَافِرِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يَتَيَقَّنَ عَدَمَ الْمَاءِ فَيَتَيَمَّمُ حِينَئِذٍ بِلَا طَلَبٍ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مُسَافِرًا أَمْ لَا.
وَفَقْدُهُ فِي السَّفَرِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَتَيَقَّنَ الْعَدَمَ، بَلْ جَوَّزَ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُهُ فِي الْوَقْتِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ، وَلَوْ بِمَأْذُونِهِ مِمَّا جَوَّزَهُ فِيهِ مِنْ رَحْلِهِ وَرُفْقَتِهِ الْمَنْسُوبِينَ

[حاشية البجيرمي]

[شَرَائِطُ التَّيَمُّمِ]

قَوْلُهُ: (وَشَرَائِطُ التَّيَمُّمِ) أَيْ شَرَائِطُ صِحَّتِهِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا شَرْطٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ دُخُولُ الْوَقْتِ وَالْبَقِيَّةُ أَسْبَابٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ السَّبَبُ الثَّانِي.
وَيُجَابُ: بِأَنَّهُ غَلَّبَ الْأَقَلَّ عَلَى الْأَكْثَرِ وَأَطْلَقَ عَلَى الْجَمِيعِ شَرَائِطَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ شَيْئَانِ.
شَرْطٌ وَهُوَ الْوَقْتُ وَسَبَبٌ وَهُوَ الْعُذْرُ الَّذِي هُوَ الْفَقْدُ لِلْمَاءِ وَهَذَا السَّبَبُ لَهُ أَسْبَابٌ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: (جَمْعُ شَرِيطَةٍ) بِمَعْنَى مَشْرُوطَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ) وَفِي بَعْضِهَا إبْدَالُ أَشْيَاءَ بِخِصَالٍ.
فَالتَّعْبِيرُ بِالْخَمْسِ فِي كُلٍّ مِنْ النُّسْخَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (سِتَّةٌ) بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِهِ الْإِعْوَازَ بِالِاحْتِيَاجِ، فَيَكُونُ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا، وَجَعَلَهُ ابْنُ قَاسِمٍ مِنْ تَتِمَّةِ الثَّالِثِ وَهُوَ الطَّلَبُ بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِهِ بِفَقْدِ الْمَاءِ فَرَاجِعْهُ، وَبِعِبَارَةِ قَوْلِهِ: وَالْمَعْدُودُ فِي كَلَامِهِ سِتَّةٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَإِعْوَازَهُ بَعْدَ الطَّلَبِ دَاخِلٌ فِي الَّذِي قَبْلَهُ أَوْ أَنَّ قَوْلَهُ: وَالتُّرَابُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْخَمْسَةِ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ) وَعَدَّهَا فِي الرَّوْضَةِ سَبْعَةً وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: يَا سَائِلِي أَسْبَابَ حِلِّ تَيَمُّمٍ ... هِيَ سَبْعَةٌ بِسَمَاعِهَا تَرْتَاحُ فَقْدٌ وَخَوْفُ حَاجَةٍ إضْلَالُهُ ... مَرَضٌ يَشُقُّ جَبِيرَةٌ وَجِرَاحُ قَوْلُهُ: (سَفَرٌ) أَرَادَ بِهِ لَازِمَهُ غَالِبًا مِنْ فَقْدِ الْمَاءِ وَالْفَقْدُ إمَّا حِسِّيٌّ أَوْ شَرْعِيٌّ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلِلْمُسَافِرِ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلِلْفَاقِدِ إلَخْ.
كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُسَافِرًا أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَتَيَقَّنَ عَدَمَ الْمَاءِ) وَلَوْ بِخَبَرِ عَدْلٍ أَيْ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ طَلَبُهُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ عَدْلَ رِوَايَةٍ أَفَادَ إخْبَارُهُ الظَّنَّ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ تَرَدُّدٌ لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَأَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ بِمُجَرَّدِهِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ حَصَلَ فِي نَفْسِهِ ظَنٌّ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ لِشَيْءٍ فَلَا أُقِرُّ لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِطْفِيحِيُّ، وَمِنْ الْفَقْدِ أَيْ الشَّرْعِيِّ خَوْفُ غَرَقٍ لِمَنْ فِي سَفِينَةٍ، وَتَأْخِيرُ نَوْبَةِ مُزْدَحِمِينَ عَلَى نَحْوِ بِئْرٍ، وَحَيْلُولَةُ نَحْوِ سَبْعٍ، وَتَخَلُّفٌ عَنْ رُفْقَةٍ، وَلَوْ عَلِمَ ذُو النَّوْبَةِ مِنْ مُزْدَحِمِينَ عَلَى نَحْوِ بِئْرٍ أَوْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَوْ مَحَلِّ صَلَاةٍ أَنَّهَا لَا تَنْتَهِي إلَيْهِ النَّوْبَةُ، إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ صَلَّى فِيهِ أَيْ فِي الْوَقْتِ بِلَا إعَادَةٍ، وَلَا تَلْزَمُهُ النَّقْلَةُ عَنْ مَحَلِّهِ إلَى مَحَلٍّ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ أَصْلًا لِيَكُونَ فَاقِدًا لَهُ حِسًّا ز ي. قَوْلُهُ: (بِلَا طَلَبٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ ح ل. قَوْلُهُ: (إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ) أَيْ فِي الطَّلَبِ.
قَوْلُهُ: (وَفَقْدُهُ فِي السَّفَرِ) أَيْ وَتَقْيِيدُ فَقْدِهِ بِالسَّفَرِ جَرْيٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَتَيَقَّنَ الْعَدَمَ) هَذَا صَادِقٌ بِتَيَقُّنِ الْوُجُودِ، وَلَيْسَ مُرَادًا فَلِذَا عَقَّبَهُ بِمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُهُ فِي الْوَقْتِ) أَيْ لِكُلِّ تَيَمُّمٍ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ الْعَدَمَ بِالطَّلَبِ الْأَوَّلِ اهـ م ر. قَوْلُهُ: (طَلَبُهُ فِي الْوَقْتِ) لِحُصُولِ الضَّرُورَةِ لِلتُّرَابِ حِينَئِذٍ، فَلَوْ طَلَبَ شَاكًّا فِيهِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ صَادَفَهُ.
قَالَ ق ل: وَلَا يَجِبُ الطَّلَبُ قَبْلَهُ وَإِنْ عَلِمَ اسْتِغْرَاقَ الْوَقْتِ فِيهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا م ر. وَإِنْ أَوْهَمَهُ كَلَامُهُ فِي شَرْحِهِ وَفَارَقَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ حَيْثُ يُطْلَبُ قَبْلَ الْوَقْتِ بِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ بِخِلَافِهَا، وَبِأَنَّهَا مُضَافَةٌ إلَى الْيَوْمِ، وَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ قَطَعَ الطَّلَبَ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، نَعَمْ لَوْ طَلَبَ قَبْلَ الْوَقْتِ لِعَطَشٍ، أَوْ فَائِتَةٍ كَفَى وَخَرَجَ بِالطَّلَبِ الْإِذْنُ فِيهِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَيَجُوزُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِمَأْذُونِهِ) أَيْ الثِّقَةِ فَخَرَجَ الْفَاسِقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، وَخَرَجَ غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ إذَا طَلَبَهُ لَهُ.
وَفِي حَاشِيَةِ ز ي بِمَأْذُونِهِ الثِّقَةُ أَيْ وَلَوْ وَاحِدًا عَنْ جَمْعٍ، فَلَوْ بَعَثَ النَّازِلُونَ ثِقَةً يَطْلُبُ لَهُمْ كَفَى اهـ. قَوْلُهُ: (مِنْ رَحْلِهِ) بَيَانٌ لِمَا، وَرَحْلُ الشَّخْصِ مَسْكَنُهُ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ وَبَرٍ، وَيُجْمَعُ فِي الْكَثْرَةِ عَلَى رِحَالٍ، وَفِي الْقِلَّةِ عَلَى أَرْحُلٍ أَيْ: بِأَنْ يُفَتِّشَ فِيهِ ثُمَّ إطْلَاقُ الطَّلَبِ عَلَى مُجَرَّدِ التَّفْتِيشِ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
الْمُتَبَادِرُ إلَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَأَنَّ الطَّلَبَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّفْتِيشِ

إلَيْهِ وَيَسْتَوْعِبُهُمْ كَأَنْ يُنَادِيَ فِيهِمْ مَنْ مَعَهُ مَاءٌ يَجُودُ بِهِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فِي ذَلِكَ نَظَرَ حَوَالَيْهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَأَمَامًا وَخَلْفًا إلَى الْحَدِّ الْآتِي، وَخَصَّ مَوْضِعَ الْخُضْرَةِ وَالطَّيْرِ بِمَزِيدِ احْتِيَاطٍ إنْ كَانَ بِمُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ وَهْدَةٌ أَوْ جَبَلٌ يُرَدِّدُ إنْ أَمِنَ مَعَ مَا يَأْتِي اخْتِصَاصًا، وَمَا لَا يَجِبُ بَذْلُهُ لِمَاءِ طَهَارَتِهِ إلَى حَدٍّ يَلْحَقُهُ فِيهِ غَوْثُ رُفْقَتِهِ لَوْ اسْتَغَاثَ بِهِ

[حاشية البجيرمي]

وَالسُّؤَالِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَسْعَى بِهِ فِي تَحْصِيلِ مُرَادِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي حَاشِيَةِ الْبَيْضَاوِيِّ عَنْ الطِّيبِيِّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 102] مِنْ أَنَّ الطَّلَبَ وَالسُّؤَالَ وَالِاسْتِخْبَارَ وَالِاسْتِفْهَامَ وَالِاسْتِعْلَامَ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَأَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ فَالطَّلَبُ أَعَمَّهَا قَالَ: لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الطَّلَبَ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَالسُّؤَالُ خَاصٌّ بِالطَّلَبِ مِنْ الْغَيْرِ إلَى آخِرِ مَا بَيَّنَ بِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّلَبَ مِنْ النَّفْسِ لَيْسَ عِبَارَةً إلَّا عَنْ التَّأَمُّلِ فِي الشَّيْءِ لِيَظْهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ فَهُوَ كَالْبَحْثِ وَالتَّفْتِيشِ فِي الرَّحْلِ عَنْ الْمَاءِ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (وَرُفْقَتُهُ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِارْتِفَاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (الْمَنْسُوبِينَ إلَيْهِ) أَيْ عَادَةً لَا كُلَّ قَافِلَةٍ تَفَاحَشَ كِبَرُهَا.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ.
وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِمْ مَنْسُوبِينَ إلَيْهِ اتِّحَادُهُمْ مَنْزِلًا وَرَحِيلًا.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَوْعِبُهُمْ) أَيْ مَا دَامَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا ز ي، وَلَمَّا كَانَ هَذَا صَادِقًا بِاسْتِيعَابِ جَمِيعِ آحَادِهِمْ فَرْدًا فَرْدًا وَلَيْسَ مُرَادًا دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: كَأَنْ يُنَادِيَ فِيهِمْ إلَخْ.
أَيْ: فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِيعَابِ سُؤَالَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ، بَلْ يَكْفِي نِدَاءٌ يَعُمُّ جَمِيعَهُمْ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: مَنْ مَعَهُ مَاءٌ يَجُودُ بِهِ أَيْ وَمَنْ يَبِيعُهُ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَهَبُهُ وَيَبِيعُهُ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَنْ يَجُودُ بِهِ سَكَتَ مَنْ لَا يَبْذُلُهُ مَجَّانًا، أَوْ عَلَى إطْلَاقِ النِّدَاءِ سَكَتَ مَنْ يُظَنُّ اتِّهَابَهُ وَلَا يَسْمَحُ بِهِ شَرْحُ م ر اط ف مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (يَجُودُ بِهِ) وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ وَلَوْ بِالثَّمَنِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ إلَخْ) لَيْسَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ وَاجِبًا، فَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ فَقَطْ، وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى النَّظَرِ إلَّا بَعْدَ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْتِيشِ وَالطَّلَبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَسْهَلَ مَا ذُكِرَ، وَرُبَّمَا تُوهِمُ عِبَارَتُهُ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ اهـ. بَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَدِّمَ النَّظَرَ وَالتَّرَدُّدَ الْآتِيَ عَلَى الطَّلَبِ مِنْ رَحْلِهِ وَرُفْقَتِهِ.
قَوْلُهُ: (نَظَرَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ مَشْيٍ حَجّ.
قَوْلُهُ: (حَوَالَيْهِ) جَمْعٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْمُثَنَّى؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّكْثِيرُ وَهُوَ جَمْعُ حَوْلَ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ اهـ، قَوْلُهُ: (إلَى الْحَدِّ الْأَتْي) أَيْ حَدِّ الْغَوْثِ.
قَوْلُهُ: (وَخَصَّ مَوْضِعَ الْخُضْرَةِ) أَيْ وُجُوبًا إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُجُودُ الْمَاءِ وَتَوَقَّفَ ظَنُّ الْفَقْدِ عَلَيْهِ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ بِمُسْتَوٍ) قَيْدٌ لِقَوْلِهِ: نَظَرَ حَوَالَيْهِ فَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِهِ، فَالْجُمْلَةُ الَّتِي بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضَةٌ.
وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمَنْهَجِ نَظَرَ حَوَالَيْهِ إنْ كَانَ بِمُسْتَوٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَهْدَةٌ) أَيْ وَطَيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (تَرَدَّدَ) بِأَنْ يَصْعَدَ عَلَى الْجَبَلِ أَوْ يَنْزِلَ الْوَهْدَةَ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحُطَّ بِشَيْءٍ مِنْ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ إذَا صَعَدَ نَحْوَ الْجَبَلِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَرَدَّدَ وَيَمْشِيَ فِي كُلِّ جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ إلَى حَدِّ الْغَوْثِ، وَفِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ هَذَا رُبَّمَا يَزِيدُ عَلَى حَدِّ الْبُعْدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَتَرَدَّدُ وَيَمْشِي فِي مَجْمُوعِهَا إلَى حَدِّ الْغَوْثِ، لَا فِي كُلِّ جِهَةٍ ح ل. بِأَنْ يَمْشِيَ فِي كُلِّ جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ بِحَيْثُ يُحِيطُ نَظَرُهُ بِحَدِّ الْغَوْثِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعُ الَّذِي يَمْشِيهِ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ يَبْلُغُ حَدَّ الْغَوْثِ خِلَافًا لِلْحَلَبِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِحَاطَةُ بِحَدِّ الْغَوْثِ وَإِنْ لَمْ يَمْشِ أَصْلًا فَقَوْلُهُ إلَى حَدِّ غَوْثٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَنَظَرَ إلَى حَدِّ غَوْثِ مَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا قَوْلُهُ: (إنْ أَمِنَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنْ يَأْمَنَ أَمْنًا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ هُنَا مُجَوِّزُ الْمَاءِ لَا مُتَيَقِّنُهُ كَمَا يَأْتِي.
وَقَوْلُهُ: (مَعَ مَا يَأْتِي) وَهُوَ النَّفْسُ وَالْعُضْوُ وَالزَّائِدُ عَلَى مَا يَجِبُ بَذْلُهُ لِلْمَاءِ، وَالِانْقِطَاعُ عَنْ الرُّفْقَةِ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَأْتِي أَمْنُ الْوَقْتِ، وَمَحَلُّ اشْتِرَاطِهِ فِيمَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، أَمَّا مَنْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْنُ الْوَقْتِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ نِزَاعٍ طَوِيلٍ اهـ. وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا ح ف أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ إنَّمَا هُوَ فِي صُورَةِ الْعِلْمِ الْآتِيَةِ فِي حَدِّ الْقُرْبِ، وَأَمَّا مَا هُنَا أَيْ فِي حَدَثِ الْغَوْثِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَمْنُ عَلَى الْوَقْتِ مُطْلَقًا قَوْلُهُ: (اخْتِصَاصًا) أَيْ مُحْتَرَمًا.
قَوْلُهُ: (وَمَالًا) أَيْ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (يَجِبُ بَذْلُهُ) الصَّوَابُ إسْقَاطُ هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ هُنَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ شَرْطٌ، فَالْمَالُ، وَإِنْ قَلَّ أَوْلَى، وَمَا أَجَابَ بِهِ ق ل غَيْرُ ظَاهِرٍ.
قَوْلُهُ: (يَلْحَقُهُ فِيهِ غَوْثٌ) وَلِأَجْلِ هَذَا سَمَّوْهُ حَدَّ الْغَوْثِ أَيْ

فِيهِ مَعَ تُشَاغِلْهُمْ بِأَشْغَالِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ لِظَنِّ فَقْدِهِ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْلَمَ مَاءً بِمَحَلٍّ يَصِلُهُ مُسَافِرٌ لِحَاجَتِهِ كَاحْتِطَابٍ وَاحْتِشَاشٍ، وَهَذَا فَوْقَ حَدِّ الْغَوْثِ الْمُتَقَدِّمِ وَيُسَمَّى حَدَّ الْقُرْبِ فَيَجِبُ طَلَبُهُ مِنْهُ إنْ أَمِنَ غَيْرَ اخْتِصَاصٍ وَمَالٍ يَجِبُ بَذْلُهُ لِمَاءِ طَهَارَتِهِ ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً مِنْ نَفْسٍ وَعُضْوٍ وَمَالٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يَجِبُ بَذْلُهُ لِلْمَاءِ، وَانْقِطَاعٍ عَنْ رُفْقَةٍ وَخُرُوجِ وَقْتٍ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ طَلَبُهُ بِخِلَافِ مَنْ مَعَهُ مَاءٌ، وَلَوْ تَوَضَّأَ بِهِ خَرَجَ الْوَقْتُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ هُنَا

[حاشية البجيرمي]

حَدًّا فِيهِ الْغَوْثُ، أَوْ الْمُرَادُ فِيهِ الْغَوْثُ وَسَكَتَ عَنْ الْعِلْمِ بِالْمَاءِ فِي هَذَا الْحَدِّ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مَعَهُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إلَى حَدٍّ إلَخْ.
أَيْ مَعَ اعْتِدَالِ أَسْمَاعِهِمْ وَمَعَ اعْتِدَالِ صَوْتِهِ وَابْتِدَاءُ هَذَا الْحَدِّ مِنْ آخِرِ رُفْقَةِ الْمَنْسُوبِينَ إلَيْهِ لَا مِنْ آخِرِ الْقَافِلَةِ ح ل. وَفِي الْإِطْفِيحِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ ابْتِدَاءُ هَذَا الْحَدِّ مِنْ آخِرِ الرُّفْقَةِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُمْ وَهُمْ الْمَنْسُوبُونَ إلَيْهِ، لَا مِنْ آخِرِ الْقَافِلَةِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْقَافِلَةَ قَدْ تَتَّسِعُ جِدًّا بِحَيْثُ تَأْخُذُ قَدْرَ فَرْسَخٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَلَوْ اُعْتُبِرَ الْحَدُّ مِنْ آخِرِهَا لَزِمَهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، وَرُبَّمَا تَزِيدُ عَلَى حَدِّ الْقُرْبِ اهـ سم.
وَفِي الْمِصْبَاحِ.
أَغَاثَهُ إغَاثَةً نَصَرَهُ فَهُوَ مُغِيثُهُ اسْمٌ مِنْهُ أَيْ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْإِغَاثَةِ فَالْإِضَافَةُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ يَلْحَقُهُ فِيهِ رُفْقَتُهُ الْمُسْتَغَاثُ بِهِمْ اهـ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) أَيْ بَعْدَ الْبَحْثِ الْمَذْكُورِ اط ف. قَوْلُهُ: (لِظَنِّ فَقْدِهِ) أَيْ الظَّنُّ الْمُسْتَنِدُ لِلطَّلَبِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مُجَوِّزٌ لِلْفَقْدِ، فَهَلَّا جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ؟ وَعِبَارَةُ اط ف: لِظَنِّ فَقْدِهِ إنْ لَمْ يَحْدُثْ سَبَبٌ يُحْتَمَلُ مَعَهُ وُجُودُ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَعْلَمَ مَاءً) أَيْ الْمُسَافِرُ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَلَوْ بِخَبَرِ عَدْلٍ رِوَايَةً بَلْ أَوْ فَاسِقٍ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فِي صِدْقِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْحَدِّ، وَخَرَجَ بِالْمُسَافِرِ الْحَاضِرُ فَيَطْلُبُهُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ كَمَا قَالَهُ الْإِطْفِيحِيُّ.
قَوْلُهُ: (هَذَا فَوْقَ حَدِّ الْغَوْثِ الْمُتَقَدِّمِ) أَيْ الَّذِي سَعَى إلَيْهِ فِي حَالَةِ تَوَهُّمِ الْمَاءِ اهـ اط ف. وَعِبَارَةُ ع ش: وَهَذَا فَوْقَ حَدِّ الْغَوْثِ أَيْ بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ، وَإِلَّا فَالْحُدُودُ الثَّلَاثَةُ مُشْتَرَكَةٌ فِي الْمَبْدَأِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَمَّى حَدَّ الْقُرْبِ) وَقَدَّرُوهُ بِنِصْفِ فَرْسَخٍ وَقُدِّرَ نِصْفُ الْفَرْسَخِ بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ الْمُعْتَدِلَةِ إحْدَى عَشْرَةَ دَرَجَةً وَرُبْعَ دَرَجَةٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَسَافَةَ الْقَصْرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَقَدْرُهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ دَرَجَةً، وَمَسَافَةُ الْقَصْرِ سِتَّةَ عَشْرَ فَرْسَخًا، فَإِذَا قَسَّمْته عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ الدَّرَجِ خَصَّ كُلَّ فَرْسَخٍ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَنِصْفٌ ع ش عَلَى م ر. قَالَ شَيْخُنَا: وَأَخْصَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ مِقْدَارُ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً، فَإِذَا قَسَمْتهَا عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا خَصَّ كُلَّ فَرْسَخٍ سَاعَةٌ وَنِصْفٌ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ فَهُوَ حَدُّ الْبُعْدِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ طَلَبُهُ مِنْهُ) لِأَنَّهُ إذَا سَعَى إلَيْهِ لِشُغْلِهِ الدُّنْيَوِيِّ فَالدِّينِيُّ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ حَجّ.
وَالْمُرَادُ بِالطَّلَبِ هُنَا غَيْرُ الْمُرَادِ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ فَهُوَ هُنَاكَ الْتِمَاسُهُ وَهُنَا قَصْدُهُ كَمَا فِي الشَّوْبَرِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَمَالٌ يَجِبُ بَذْلُهُ إلَخْ) أَيْ وَكَانَ الْمَاءُ لَا مُقَابِلَ لَهُ، وَإِلَّا فَتَضَاعُفُ الْغُرْمِ بَعِيدٌ عَنْ الْغُنْمِ اهـ شَوْبَرِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً) مَنْصُوبَانِ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ الْمُضَافِ أَيْ ثَمَنِ مَاءِ طَهَارَتِهِ إلَخْ أَوْ أُجْرَةِ آلَةِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ نَفْسٍ إلَخْ) بَيَانٌ لِلْغَيْرِ، وَيُشْتَرَطُ فِيمَا يَأْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسٍ وَعُضْوٍ وَمَالٍ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرَمًا، وَإِلَّا لَمْ يُؤَثِّرْ الْخَوْفُ عَلَيْهِ زي.
قَوْلُهُ: (وَعُضْوٌ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا أَيْ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَانْقِطَاعٍ عَنْ رُفْقَةٍ) وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْحِشْ لِتَكَرُّرِهِ وَفَارَقَ الْجُمُعَةَ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي جَوَازِ التَّخَلُّفِ لَهَا لِإِيحَاشٍ عَنْ الرُّفْقَةِ إذَا سَافَرُوا بَعْدَ الْفَجْرِ بِأَنَّهَا لَا بَدَلَ لَهَا ز ي. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجُمُعَةَ مَقْصِدٌ، وَالْمَاءُ هُنَا وَسِيلَةٌ.
قَوْلُهُ: (لَا بَدَلَ لَهَا) أَيْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَبَدَلُهَا الظُّهْرُ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا فَرْضٌ مُسْتَقِلٌّ؛ لِأَنَّهَا خَامِسَةُ يَوْمِهَا أَيْ مَحْسُوبَةٌ مِنْ الْخَمْسَةِ، وَلَيْسَ الظُّهْرُ بَدَلًا عَنْهَا بَلْ يُغْنِي عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَخُرُوجِ وَقْتٍ) أَيْ كُلِّهِ، فَلَوْ كَانَ يُدْرِكُ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ لِلْمَاءِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ سم اج.
وَمَحَلُّهُ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِأَنَّ كُلَّ الْمَحَلِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ أَوْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ، وَإِلَّا وَجَبَ السَّعْيُ إلَى الْمَاءِ.
وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ عَلَى الْوَقْتِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُغْنِي عَنْ الْقَضَاءِ شَوْبَرِيٌّ.
فَرْعٌ: لَوْ خَافَ بَرْدَ الْمَاءِ وَعَجَزَ عَنْ تَسْخِينِهِ فِي الْحَالِ لَكِنَّهُ يَعْلَمُ وُجُودَ حَطَبٍ بِمَكَانٍ لَوْ ذَهَبَ لَهُ لَا يَرْجِعُ مِنْهُ إلَّا، وَقَدْ خَرَجَ الْوَقْتُ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ م ر. أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَصْدُ الْحَطَبِ وَالتَّسْخِينِ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَسَيَأْتِي مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ فِي التَّتِمَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّ وَاجِدَ الْمَاءِ يَسْعَى فِيهِ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَخَرَجَ بِالتَّسْخِينِ التَّبْرِيدُ فَلَا يَجِبُ انْتِظَارُهُ

الْأَمْنُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَلَا عَلَى الْمَالِ الَّذِي يَجِبُ بَذْلُهُ بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ لِتَيَقُّنِ وُجُودِ الْمَاءِ.
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ فَوْقَ ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمُتَقَدِّمِ، وَيُسَمَّى حَدَّ الْبُعْدِ فَيَتَيَمَّمُ، وَلَا يَجِبُ قَصْدُ الْمَاءِ لِبُعْدِهِ، فَلَوْ تَيَقَّنَهُ آخِرَ الْوَقْتِ، فَانْتِظَارُهُ

[حاشية البجيرمي]

لَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّبْرِيدَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ وَلَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ، بِخِلَافِ التَّسْخِينِ كَمَا فِي ع ش قَالَ شَيْخُنَا ح ف: وَهُوَ الَّذِي تَلَقَّيْنَاهُ خِلَافًا لَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ التَّبْرِيدِ وَالتَّسْخِينِ اهـ. فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ وَخَافَ غَرَقًا لَوْ أَخَذَ الْمَاءَ مِنْ الْبَحْرِ تَيَمَّمَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ نَاقِلًا عَنْ م ر. وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ عَنْ ز ي. وَقَوْلُهُ: وَلَا إعَادَةَ.
أَيْ وَإِنْ قَصُرَ السَّفَرُ.
قَالَ سم عَلَى الْمَنْهَجِ: وَمَحَلُّ عَدَمِ الْإِعَادَةِ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ مِمَّا لَا يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي السَّفِينَةِ.
أَمَّا لَوْ غَلَبَ وُجُودُ الْمَاءِ فِيهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا ذُكِرَ وَجَبَ الْقَضَاءُ اهـ. بِالْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُ: بِقَطْعِ النَّظَرِ إلَخْ.
يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ بِهِ عَمَّا لَوْ كَانَ الْغَالِبُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وُجُودُ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَاتَّفَقَ احْتِيَاجُهُ إلَى النُّزُولِ فِي السَّفِينَةِ فِي وَقْتٍ مُنِعَ فِيهِ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ لِمَا سَبَقَ، فَيَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ فِي غَالِبِ السَّنَةِ، لَكِنْ اتَّفَقَ وُجُودُهُ مِنْ سَيْلٍ مَثَلًا فِي بَعْضِ أَيَّامِ السَّنَةِ فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إذَا تَعَذَّرَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَنْ مَعَهُ مَاءٌ إلَخْ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ يَعْلَمَ وُجُودَهُ فِي حَدِّ الْغَوْثِ كَمَا مَرَّ ق ل. وَعِبَارَةُ اط ف قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَنْ مَعَهُ مَاءٌ أَيْ: مُحَصَّلٌ عِنْدَهُ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ فَوْقَ حَدِّ الْغَوْثِ وَهُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّهُ مَعَهُ مَاءٌ فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ، بِخِلَافِ مَا يُحَصِّلُهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْمَنَ فَلْيُحَرَّرْ شَوْبَرِيٌّ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِهِ مِنْ حَدِّ الْغَوْثِ لَا مِنْ فَوْقِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ مَعَهُ قَالَهُ بَعْضُهُمْ اهـ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثَةٌ: حَدُّ الْغَوْثِ يَجِبُ فِيهِ الطَّلَبُ بِشَرْطِ الْأَمْنِ حَتَّى عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَالْمَالُ الَّذِي يَجِبُ بَذْلُهُ لِمَاءِ طَهَارَتِهِ مَعَ مَا يَأْتِي، وَحَدُّ الْقُرْبِ يَجِبُ طَلَبُهُ فِيهِ إنْ أَمِنَ عَلَى غَيْرِ الِاخْتِصَاصِ، وَالْمَالُ الَّذِي يَجِبُ بَذْلُهُ لِمَاءِ طَهَارَتِهِ، وَحَدُّ الْبُعْدِ لَا يَجِبُ فِيهِ الطَّلَبُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ) أَيْ وَلَا يَكُونُ خُرُوجُ الْوَقْتِ مُجَوِّزًا لِلْعُدُولِ إلَى التَّيَمُّمِ اط ف. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ) أَيْ بِالْفِعْلِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْأَوَّلَ أَيْضًا وَاجِدٌ لِلْمَاءِ لَكِنْ بِالْقُوَّةِ.
اهـ. عَزِيزِيٌّ.
قَوْلُهُ: (هُنَا) أَيْ فِي حَدِّ الْقُرْبِ.
وَقَوْلُهُ: (لِلْأَمْنِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ) أَيْ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ اُعْتُبِرَ الْأَمْنُ عَلَيْهِ أَيْضًا كَمَا فِي ع ش. قَوْلِهِ: (وَلَا عَلَى الْمَالِ الَّذِي يَجِبُ بَذْلُهُ) وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ الَّذِي لَا يَجِبُ الذَّبُّ عَنْهُ، أَمَّا لَوْ وَجَبَ الذَّبُّ عَنْهُ كَوَدِيعَةٍ وَمَرْهُونٍ اُشْتُرِطَ الْأَمْنُ عَلَيْهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ الشَّيْخَانِ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ: هَذَا فِي الْمُسَافِرِ أَمَّا الْمُقِيمُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ سَعَى إلَى الْمَاءِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ اهـ. وَفِيهِ تَصْرِيحُ امْتِنَاعِ تَيَمُّمِهِ وَوُجُوبُ السَّعْيِ إلَى الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ حَدِّ الْقُرْبِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يُعَدَّ سَعْيُهُ إلَى الْمَاءِ سَفَرًا، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ السَّعْيُ إلَيْهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ فِيمَنْ أَقَامَ بِبَادِيَةٍ لَا مَاءَ بِهَا: إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (فَوْقَ ذَلِكَ) أَيْ وَإِنْ قَلَّ كَقَدَمٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُعَدُّ فَوْقَ حَدِّ الْقُرْبِ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إذَا عَلِمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الذَّهَابِ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ عُرْفًا.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (فَلَوْ تَيَقَّنَهُ آخِرَ الْوَقْتِ) الْمُنَاسِبُ، وَلَوْ تَيَقَّنَهُ؛ إذْ هَذَا لَا يَتَفَرَّعُ عَلَى مَا قَبْلَهُ بَلْ مَسَائِلُ أُخْرَى مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَابِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَلَوْ تَيَقَّنَهُ بِوُصُولِهِ إلَيْهِ أَوْ بِوُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ، وَالْمُرَادُ تَيَقَّنَهُ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُهُ مِنْهُ، وَهُوَ حَدُّ الْغَوْثِ أَوْ الْقُرْبِ، فَهَذَا تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِّ الْغَوْثِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ، وَلِقَوْلِهِ: الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَعْلَمَ مَاءً بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ عَلَى مَا ذُكِرَ تَيَمَّمَ أَيْ مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْهُ آخِرَ الْوَقْتِ، وَلَوْ اقْتَرَنَ التَّقْدِيمُ أَوْ التَّأْخِيرُ بِفَضِيلَةٍ كَالْجَمَاعَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ فَهُوَ أَوْلَى مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (آخِرَ الْوَقْتِ) بِأَنْ يَبْقَى مِنْهُ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ كُلَّهَا وَطُهْرَهَا.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ فَقْدُ الْمَاءِ أَوْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ، وَإِلَّا وَجَبَ التَّأْخِيرُ.
وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ.
اهـ. عَنَانِيٌّ وَهَذَا كُلُّهُ إنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلَ الْوَقْتِ ثُمَّ أَعَادَهَا آخِرَهُ مَعَ الْمَاءِ فَهُوَ الْغَايَةُ فِي

أَفْضَلُ مِنْ تَعْجِيلِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ، وَلَوْ آخِرَ الْوَقْتِ أَبْلُغُ مِنْهَا بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلَهُ، وَإِنْ ظَنَّهُ أَوْ ظَنَّ أَوْ تَيَقَّنَ عَدَمَهُ، أَوْ شَكَّ فِيهِ آخِرَ الْوَقْتِ، فَتَعْجِيلُ التَّيَمُّمِ أَفْضَلُ لِتَحَقُّقِ فَضِيلَتِهِ دُونَ فَضِيلَةِ الْوُضُوءِ.

السَّبَبُ الثَّانِي: خَوْفُ مَحْذُورٍ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِسَبَبِ بُطْءِ بُرْءٍ (أَوْ مَرَضٍ) أَوْ زِيَادَةِ أَلَمٍ أَوْ شَيْنٍ فَاحِشٍ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ لِلْعُذْرِ، وَلِلْآيَةِ السَّابِقَةِ.
وَالشَّيْنُ الْأَثَرُ الْمُسْتَكْرَهُ مِنْ تَغَيُّرِ لَوْنٍ أَوْ نُحُولٍ وَاسْتِحْشَافٍ وَثُغْرَةٍ تَبْقَى وَلَحْمَةٍ تَزِيدُ، وَالظَّاهِرُ: مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ غَالِبًا كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ذَكَرَ ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ، وَذَكَرَ فِي الْجِنَايَاتِ مَا حَاصِلُهُ؛ أَنَّهُ مَا لَا يُعَدُّ كَشْفُهُ هَتْكًا لِلْمُرُوءَةِ، وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ، وَخَرَجَ بِالْفَاحِشِ الْيَسِيرُ كَقَلِيلِ سَوَادٍ، وَبِالظَّاهِرِ الْفَاحِشُ فِي الْبَاطِنِ فَلَا أَثَرَ لِخَوْفِ ذَلِكَ، وَيُعْتَمَدُ فِي

[حاشية البجيرمي]

إحْرَازِ الْفَضِيلَةِ.
وَقَوْلُهُمْ: الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ لَا يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا بِالْوُضُوءِ مَحَلُّهُ فِيمَنْ لَا يَرْجُو الْمَاءَ بَعْدُ بِقَرِينَةِ سِيَاقِ كَلَامِهِمْ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْفَرْضَ الْأَوْلَى، وَلَمْ تَشْمَلْهَا فَضِيلَةُ الْوُضُوءِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَمَّا كَانَتْ عَيْنَ الْأُولَى كَانَتْ جَابِرَةً لِنَقْصِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَرْجُو، وَمَنْ لَا يَرْجُو أَنَّ تَعَاطِيَ الصَّلَاةِ مَعَ رَجَاءِ الْمَاءِ، وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ فِيهِ نَقْصٌ، فَنُدِبَتْ الْإِعَادَةُ بِخِلَافِ تَعَاطِيهَا مَعَ عَدَمِ رَجَاءِ الْمَاءِ أَصْلًا فَلَا نَقْصَ فِيهِ فَلَمْ يُطْلَبْ لَهُ إعَادَةٌ وَتَلَخَّصَ أَنَّ مَحَلَّ أَفْضَلِيَّةِ التَّأْخِيرِ مَشْرُوطٌ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: أَنْ يَتَيَقَّنَ الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ بِحَيْثُ يَسَعُ الطُّهْرَ وَالصَّلَاةَ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ، أَوْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ، وَأَنْ يُرِيدَ الِاقْتِصَارَ عَلَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنْ لَا يَقْتَرِنَ التَّقْدِيمُ بِنَحْوِ جَمَاعَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ) وَلَا يَجِبُ، وَإِنْ تَيَقَّنَهُ فِي مَنْزِلِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ م ر خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
قَوْلُهُ: (أَبْلَغُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلَهُ أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ جَائِزٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَائِهَا أَوَّلَهُ.
وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوُضُوءِ شَرْحُ الْبَهْجَةِ قَوْلُهُ: (وَإِنْ ظَنَّهُ) أَيْ وُجُودَ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (عَدَمَهُ) تَنَازَعَهُ ظَنَّ وَتَيَقَّنَ.

قَوْلُهُ: (بِسَبَبِ بُطْءِ بُرْءٍ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَبُطْءِ بُرْءٍ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمَنْهَجِ، لِأَنَّهُ مَحْذُورٌ لَا سَبَبَ لَهُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، أَوْ أَنْ يُعَبِّرَ بِمِنْ بَدَلَ سَبَبٍ وَتَكُونُ بَيَانًا لِلْمَحْذُورِ فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: بُطْءِ هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا فِيهِمَا.
فَائِدَةٌ: تَقُولُ بَرَأَ بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ بُرْءًا بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا وَمَفْتُوحُ الْبَاءِ هُنَا أَفْصَحُ وَهُوَ مَصْدَرٌ لِمَفْتُوحِ الرَّاءِ أَيْضًا وَأَمَّا الْمَضْمُومُ فَمَصْدَرٌ لِلْمَضْمُومِ وَالْمَكْسُورُ شَوْبَرِيٌّ، وَبُطْءُ الْبُرْءِ هُوَ طُولُ مُدَّتِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ قَدْرُ وَقْتِ صَلَاةٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَقَلُّهُ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَقَلُّهُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ زِيَادَةِ أَلَمٍ) أَيْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً بِخِلَافِ الْيَسِيرِ فَلَا أَثَرَ لَهُ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (فِي عُضْوٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَتَحَتَّمْ قَطْعُهُ فِي السَّرِقَةِ أَوْ الْمُحَارَبَةِ بِخِلَافِ مَا اُسْتُحِقَّ قَطْعُهُ قَوَدًا لِرَجَاءِ الْعَفْوِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (لِلْعُذْرِ) إنَّمَا قَدَّمَ الْعُذْرَ عَلَى الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ خَاصَّةٌ وَالْعُذْرُ عَامٌّ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (مِنْ تَغَيُّرِ لَوْنٍ) كَصُفْرَتِهِ أَوْ سَوَادِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نُحُولٍ) النُّحُولُ هُزَالٌ مَعَ رُطُوبَةٍ فِي الْبَدَنِ، وَالِاسْتِحْشَافُ هُوَ هُزَالٌ مَعَ يُبُوسَةٍ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَثُغْرَةٍ) أَيْ نُقْرَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَحْمَةٍ تَزِيدُ) كَسِلْعَةٍ.
وَظَاهِرُهُ وَإِنْ صَغُرَ كُلٌّ مِنْ اللَّحْمَةِ وَالثُّغْرَةِ وَلَا مَانِعَ مِنْ تَسْمِيَتِهِ شَيْنًا؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ وُجُودِهِمَا فِي الْعُضْوِ يُورِثُ شَيْنًا، وَلَكِنَّهُ بِمُجَرَّدِهِ لَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، بَلْ إنْ كَانَ فَاحِشًا تَيَمَّمَ أَوْ يَسِيرًا فَلَا.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (الْمَهِنَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَوَّلَهُ مَعَ كَسْرِ ثَانِيَةٍ وَحُكِيَ كَسْرُهَا مَعَ سُكُونِ الْهَاءِ وَهِيَ الْخِدْمَةُ.
قَوْلُهُ: (لِلْمُرُوءَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَهِيَ صِفَةٌ يُمْدَحُ الْمُتَخَلِّقُ بِهَا وَهِيَ التَّخَلُّقُ بِخُلُقِ أَمْثَالِهِ وَهِيَ الْآنُ إمَّا قَلِيلَةٌ جِدًّا أَوْ مَعْدُومَةٌ قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ مَرَرْت عَلَى الْمُرُوءَةِ وَهِيَ تَبْكِي ... فَقُلْت عَلَامَ تَنْتَحِبُ الْفَتَاةُ فَقَالَتْ كَيْفَ لَا أَبْكِي وَأَهْلِي ... جَمِيعًا دُونَ خَلْقِ اللَّهِ مَاتُوا قَوْلُهُ: (رَدَّهُ إلَى الْأَوَّلِ) أَيْ بِأَنْ يُقَالَ مَا لَا يُعَدُّ كَشْفُهُ هَتْكًا لِلْمُرُوءَةِ هُوَ مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمَهِنَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْبَاطِنِ) وَهُوَ

خَوْفِ مَا ذُكِرَ قَوْلُ عَدْلٍ فِي الرِّوَايَةِ.

السَّبَبُ الثَّالِثُ: حَاجَتُهُ إلَيْهِ لِعَطَشِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ كَانَتْ حَاجَتُهُ إلَيْهِ لِذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبِلِ صَوْنًا لِلرُّوحِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ التَّلَفِ، فَيَتَيَمَّمُ مَعَ وُجُودِهِ وَلَا يُكَلَّفُ الطُّهْرَ بِهِ، ثُمَّ جَمْعَهُ وَشُرْبَهُ لِغَيْرِ دَابَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ عَادَةً، وَخَرَجَ بِالْمُحْتَرَمِ غَيْرُهُ

[حاشية البجيرمي]

مَا عَدَا الظَّاهِرَ الْمَذْكُورَ، وَلَوْ فِي أَمَةٍ حَسْنَاءَ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا بِذَلِكَ نَقْصًا فَاحِشًا، لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ السَّيِّدِ بِدَلِيلِ قَتْلِهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (عَدْلٌ فِي الرِّوَايَةِ) وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الَّذِي لَمْ يَرْتَكِبْ كَبِيرَةً وَلَمْ يُصِرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً، وَلَا تَكْفِي التَّجْرِبَةُ وَكَذَا فِي الْعَطَشِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ وَتَكْفِي مَعْرِفَةُ نَفْسِهِ إنْ كَانَ عَارِفًا، وَيَكْفِي تَصْدِيقُ غَيْرِ الْعَدْلِ كَالْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبٍ صِدْقُهُ، فَالْمَدَارُ عَلَى التَّصْدِيقِ لَا الْعَدَالَةِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى بِدُونِ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ وُجِدَ الطَّبِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَخْبَرَهُ بِجَوَازِهِ قَبِلَهَا، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إخْبَارِ الطَّبِيبِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ مَثَلًا مَا لَمْ يَحْتَمِلْ فِيهِ عَدَمَ الضَّرَرِ فَيَجِبُ سُؤَالُهُ، فَلَوْ تَعَارَضَ طَبِيبَانِ فَأَكْثَرُ قُدِّمَ الْأَوْثَقُ، فَإِنْ تَسَاوَوْا تَسَاقَطُوا كَمَا فِي الْإِخْبَارِ بِتَنْجِيسِ الْمَاءِ.
اهـ. سم عَلَى الْبَهْجَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ طَبِيبًا إنْ جَرَّبَ نَفْسَهُ لِاخْتِلَافِ الْمِزَاجِ بِالْأَزْمِنَةِ، وَبِهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ اكْتَفَى بِالتَّجْرِبَةِ كَابْنِ حَجَرٍ وَفَارَقَ الْمُضْطَرَّ حَيْثُ يَسْتَقِلُّ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى قَوْلِ طَبِيبٍ لِأَجْلِ وِقَايَةِ النَّفْسِ عَنْ التَّلَفِ بِأَنَّهُ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِلطُّهْرِ بِهِ بِدَلِيلِ عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَكْلِهِ لِلْمُضْطَرِّ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى الِاضْطِرَارِ فَهِيَ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ، فَانْدَفَعَ قِيَاسُ الْإِسْنَوِيِّ عَلَيْهِ.
اهـ. ابْنُ شَرَفٍ.

قَوْلُهُ: (لِعَطَشِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ) وَلَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا أَوْ مُعَاهَدًا أَوْ بَهِيمَةً، فَخَرَجَ الْمُرْتَدُّ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ وَالْحَرْبِيُّ وَالْخِنْزِيرُ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُ الْمَاءِ إلَيْهِمْ.
وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ صَرْفِهِ إلَى غَيْرِ الْمُحْتَرَمِ إنْ احْتَاجَ الْمُحْتَرَمُ إلَيْهِ كَأَنْ يَكُونَ خَادِمُهُ، وَلَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: مُحْتَرَمٌ الْمُرَادُ بِالْمُحْتَرَمِ مَا يَحْرُمُ قَتْلُهُ وَبِغَيْرِ الْمُحْتَرَمِ مَا لَا يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَمُرْتَدٍّ وَزَانٍ مُحْصَنٍ وَتَارِكِ صَلَاةٍ.
قَالَ شَيْخُنَا: لَوْ كَانَ غَيْرُ الْمُحْتَرَمِ هُوَ الَّذِي مَعَهُ الْمَاءُ مُحْتَاجًا إلَى شُرْبِهِ، فَهَلْ يَكُونُ كَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُحْتَرَمِينَ فِي أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَإِنْ مَاتَ عَطَشًا أَوْ يَشْرَبُهُ وَيَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِمُبَاشَرَةِ قَتْلِ نَفْسِهِ، الْمُتَّجَهُ الثَّانِي شَرْحُ م ر. وَالْكَلْبُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ عَقُورٌ: هَذَا لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ احْتِرَامِهِ، وَالثَّانِي مُحْتَرَمٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ مَا فِيهِ نَفْعٌ مِنْ صَيْدٍ أَوْ حِرَاسَةٍ، وَالثَّالِثُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَهُوَ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ، وَلَا ضَرَرَ، وَقَدْ تَنَاقَضَ فِيهِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ شَيْخِنَا م ر أَنَّهُ مُحْتَرَمٌ يَحْرُمُ قَتْلُهُ اهـ خ ض. وَفِي ق ل: نَعَمْ لَوْ احْتَاجَهُ الزَّانِي الْمُحْصَنُ لِعَطَشِ نَفْسِهِ شَرِبَهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ مُحْتَرَمَةٌ عَلَيْهِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (مُحْتَرَمٍ) وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ صَاحِبُ الْمَاءِ وَلَا يَتَيَمَّمُ لِعَطَشِ عَاصٍ بِسَفَرِهِ حَتَّى يَتُوبَ.
وَقَوْلُهُ: حَيَوَانٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ، وَمِثْلُ الْمَاءِ الْأَكْلُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ الْأَطْعِمَةَ أَنَّ لَهُ ذَبْحَ شَاةِ الْغَيْرِ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِكَلْبِهِ الْمُحْتَرَمِ الْمُحْتَاجِ لِلْإِطْعَامِ، وَعَلَى الْمَالِكِ بَذْلُهَا.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (فِي الْمُسْتَقْبَلِ) فَلَهُ أَنْ يَدَّخِرَهُ: بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيَحْرُمُ الْوُضُوءُ بِهِ، سَوَاءٌ ظَنَّ وُجُودَهُ فِي غَدِهِ أَمْ لَا.
حَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقْهُ.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ وَإِنْ رَجَا الْمَاءَ فِي غَدِهِ، فَلَوْ وَصَلُوا إلَى الْمَاءِ، وَفَضَلَتْ مَعَهُمْ فَضْلَةٌ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي مَعَهُمْ لِلشُّرْبِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ أَوْ لَا؟ يُنْظَرُ إنْ قَتَّرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَأَسْرَعُوا السَّيْرَ، وَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ لَمْ يَقْضُوا، وَإِلَّا بِأَنْ سَارُوا عَلَى الْعَادَةِ، وَلَمْ يُقَتِّرُوا قَضَوْا أَيْ الصَّلَاةَ الْأَخِيرَةَ بِنَاءً عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ م ر، لَكِنْ قَالَ ق ل: وَالْوَجْهُ الْوَجِيهُ أَنَّهُ يَقْضِي كُلَّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَيَمَّمَ لَهَا مَعَ وُجُودِ مَاءٍ، هَذَا إذَا كَانَ الْمَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ، وَإِلَّا قَضَى صَاحِبُ الْمَاءِ فَقَطْ اهـ م د. قَوْلُهُ: (صَوْنًا لِلرُّوحِ) عِلَّةٌ لِكَوْنِ الِاحْتِيَاجِ سَبَبًا لِلْعَجْزِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خَوْفِ تَلَفِ النَّفْسِ وَالْعُضْوِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ الْآتِي: وَالْعَطَشُ الْمُبِيحُ لِلتَّيَمُّمِ يُعْتَبَرُ بِالْخَوْفِ إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ هَذَا أَعَمُّ مِنْ تَلَفِ النَّفْسِ.
وَيُجَابُ: بِأَنَّ قَوْلَهُ صَوْنًا لِلرُّوحِ أَوْ غَيْرِهَا عَنْ التَّلَفِ أَيْ مَثَلًا.
اهـ. ح ف. قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهَا) كَالْعُضْوِ وَالْمَنْفَعَةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَتَيَمَّمُ مَعَ وُجُودِهِ) أَيْ الْمَاءِ وَسَكَتَ عَنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: وَيَحْرُمُ تَطْهِيرُهُ إلَخْ.
وَهُوَ شَامِلٌ لِلِاسْتِنْجَاءِ بِهِ فَيُعَيَّنُ الْحَجْرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحْرُمُ أَيْضًا

وَالْعَطَشُ الْمُبِيحُ لِلتَّيَمُّمِ مُعْتَبَرٌ بِالْخَوْفِ فِي السَّبَبِ الثَّانِي، وَلِلْعَطْشَانِ أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ مَالِكِهِ قَهْرًا بِبَدَلِهِ إنْ لَمْ يَبْذُلْهُ لَهُ

(وَ) الشَّيْءُ الثَّانِي (دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ) فَلَا يَتَيَمَّمُ لِمُؤَقَّتٍ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا قَبْلَ وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ بَلْ يَتَيَمَّمُ لَهُ فِيهِ، وَلَوْ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِشَرْطِهِ كَسَتْرٍ وَخُطْبَةِ جُمُعَةٍ، إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ قَبْلَ زَوَالِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ لِلتَّضَمُّخِ بِهَا مَعَ كَوْنِ التَّيَمُّمِ طَهَارَةً ضَعِيفَةً، لَا لِكَوْنِ زَوَالِهَا شَرْطًا لِلصَّلَاةِ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ التَّيَمُّمُ قَبْلَ زَوَالِهَا عَنْ الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ، وَالْوَقْتُ شَامِلٌ لِوَقْتِ الْجَوَازِ وَوَقْتِ الْعُذْرِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِانْقِضَاءِ الْغُسْلِ أَوْ بَدَلِهِ

[حاشية البجيرمي]

فَيُصَلِّي بِحَالِهِ وَيُعِيدُ اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَلَا يُكَلَّفُ الطُّهْرَ بِهِ) بَلْ يَحْرُمُ التَّطَهُّرُ بِالْمَاءِ، وَإِنْ قَلَّ إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ وُجُودَ مُحْتَرَمٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقَافِلَةِ، وَإِنْ كَبِرَتْ وَخَرَجَتْ عَنْ الضَّبْطِ ح ل. وَكَثِيرٌ يَجْهَلُونَ فَيَتَوَهَّمُونَ أَنَّ التَّطَهُّرَ بِالْمَاءِ قُرْبَةٌ وَهُوَ خَطَأٌ قَبِيحٌ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (لِغَيْرِ دَابَّةٍ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ يُكَلَّفُ الطُّهْرَ بِهِ ثُمَّ جَمْعَهُ وَشُرْبَهُ لِلدَّابَّةِ فَيَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَعَافُهُ، بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ وَمِثْلُهَا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْرِفُونَ الِاسْتِقْذَارَ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ.
قَالَ ق ل: وَيُعْتَبَرُ فِي الْعَطَشِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ مَا فِي الْمَرَضِ مِنْ خَبَرِ الطَّبِيبِ الْمُسْلِمِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا وَاضِحٌ إنْ وُجِدَ الطَّبِيبُ حَاضِرًا، وَإِلَّا فَلَيْسَ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ مَنْعُهُ مِنْ الشُّرْبِ حَتَّى يُوجَدَ الطَّبِيبُ خُصُوصًا فِي مَفَازَةٍ مَثَلًا فَلْيُنْظَرْ حُكْمُهُ وَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْمُحْتَرَمِ غَيْرُهُ) إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَيْرُ هُوَ مَالِكَ الْمَاءِ؛ لِأَنَّا لَا نَأْمُرُهُ بِقَتْلِ نَفْسِهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهَا.
نَعَمْ إنْ كَانَ إهْدَارُهُ يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ كَتَرْكِهِ الصَّلَاةَ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ أَمْرُ الْإِمَامِ بِهَا لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ كَالْعَاصِي بِسَفَرِهِ فَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ إلَّا إنْ تَابَ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْعَطْشَانِ) هَذَا التَّقْدِيمُ يُفِيدُ الْحَصْرَ، فَخَرَجَ مُحْتَاجُ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ وَالثَّوْبِ لِلسِّتْرِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي عَارِيًّا.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَالِكِهِ) أَيْ غَيْرِ الْعَطْشَانِ فَإِنْ كَانَ مَالِكُ الْمَاءِ عَطْشَانًا لَمْ يُهْدَرْ بَلْ يَضْمَنُهُ قَاتِلُهُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. بِخِلَافِ الْمَالِكِ غَيْرِ الْعَطْشَانِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِهِ إذَا كَانَ عَطْشَانًا، وَكَنَفْسِهِ عَطَشُ آدَمِيٍّ مَعَهُ مُحْتَرَمٍ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِبَدَلِهِ) أَيْ وَأَمَّا بِدُونِ بَذْلِهِ فَلَا يَجُوزُ.

قَوْلُهُ: (دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ) وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ دُخُولُ الْوَقْتِ وَلَوْ ظَنًّا فَقَالَ الشَّارِحُ الْآتِي: وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْوَقْتِ أَيْ أَوْ ظَنُّهُ.
اهـ. م د بِزِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ وَقْتِهِ) فَلَوْ نَقَلَ التُّرَابَ قَبْلَهُ وَمَسَحَ بِهِ الْوَجْهَ بَعْدَهُ لَمْ يَصِحَّ إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ نَقْلٍ قُبَيْلَ الْمَسْحِ، وَإِلَّا صَحَّ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا ذَكَرُوهُ فِيمَا لَوْ أَحْدَثَ بَيْنَ النَّقْلِ وَالْمَسْحِ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ نَقَلَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ فَإِنْ صَادَفَ أَنَّهُ نَقَلَ فِيهِ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ التَّيَمُّمِ فِي الْوَقْتِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ فَيُصَلِّي بِهِ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ بِخِلَافِ طُهْرِ دَائِمِ الْحَدَثِ لِتَجَدُّدِ حَدَثِهِ بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ.
قَوْلُهُ: (لَهُ) أَيْ لِلْمُؤَقَّتِ.
وَقَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي وَقْتِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِشَرْطِهِ) أَيْ الْمُؤَقَّتِ وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلْخِطْبَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ صَحَّ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا، أَوْ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ جَازَ، لِأَنَّ وَقْتَهَا دَخَلَ بِالزَّوَالِ، وَتَقَدُّمُ الْخُطْبَةِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ فِعْلِهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ تَيَمَّمَ الْخَطِيبُ، أَوْ غَيْرُهُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ.
قَوْلُهُ: (لِلتَّضَمُّخِ بِهَا) التَّضَمُّخُ التَّلَطُّخُ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ اهـ. قَوْلُهُ: (مَعَ كَوْنِ التَّيَمُّمِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مُرَكَّبَةٌ، وَهِيَ لَمْ تُوجَدْ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ قَوِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لِكَوْنِ زَوَالِهَا شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ لَمَا صَحَّ التَّيَمُّمُ إلَخْ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إنَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ خَاصَّةً لِلتَّضَمُّخِ بِهَا مَعَ ضَعْفِهِ بِخِلَافِهَا إذَا كَانَتْ عَلَى الثَّوْبِ أَوْ الْمَكَانِ فَلَا تَضَمُّخَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ قَبْلَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ سَوَاءٌ تَيَمَّمَ لِمَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ كَالصَّلَاةِ أَمْ لَا كَمَسِّ مُصْحَفٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَبْلَ زَوَالِهَا.
وَعِبَارَةُ ابْنِ شَرَفٍ عَلَى التَّحْرِيزِ قَوْلُهُ: (وَتُقَدَّمَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ) أَيْ غَيْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا مَا لَمْ تَكُنْ فِي أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، وَإِلَّا وَجَبَتْ إزَالَتُهَا أَيْضًا.
وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ إزَالَتِهَا بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْإِبَاحَةِ وَلَا إبَاحَةَ مَعَ الْمَانِعِ فَأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ قَبْلَ الْوَقْتِ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، خِلَافًا لِمَا فِيهَا هُنَا وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَاءً يَسْتَنْجِي بِهِ أَوْ يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ لَمْ يَتَيَمَّمْ، بَلْ هُوَ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَوَقْتُ الْعُذْرِ) فَيَتَيَمَّمُ لِلْعَصْرِ وَقْتَ الظُّهْرِ إذَا أَرَادَ جَمْعَ التَّقْدِيمِ وَلِلْعِشَاءِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ كَذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى دَخَلَ

وَيَتَيَمَّمُ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَرَادَهُ إلَّا وَقْتَ الْكَرَاهَةِ إذَا أَرَادَ إيقَاعَ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْوَقْتِ فَلَوْ تَيَمَّمَ شَاكًّا فِيهِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ صَادَفَهُ

(وَ) الشَّيْءُ الثَّالِثُ (طَلَبُ الْمَاءِ) بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَأْذُونِهِ كَمَا مَرَّ.

(وَ) الشَّيْءُ الرَّابِعُ (تَعَذُّرُ اسْتِعْمَالِهِ) شَرْعًا، فَلَوْ وَجَدَ خَابِيَةً مُسَبَّلَةً بِطَرِيقٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْوُضُوءُ مِنْهَا كَمَا فِي الزَّوَائِدِ، أَوْ حِسًّا كَأَنْ

[حاشية البجيرمي]

وَقْتُ الْعَصْرِ أَوْ الْعِشَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَيَمُّمٌ آخَرُ لِبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَبَاحَهَا بِوَصْفِ كَوْنِهَا مَجْمُوعَةً، وَقَدْ فَاتَ هَذَا الْوَصْفُ فَبَطَلَ تَيَمُّمُهُ كَمَا عُرِفَ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ نَفْلًا أَيْضًا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ فَلَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ حَاضِرَةٍ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْحَاضِرَةَ بِتَيَمُّمِهِ.
وَيُلْغَزُ بِهِ وَيُقَالُ: لَنَا شَخْصٌ صَلَّى صَلَاةَ تَيَمُّمٍ نَوَى بِهِ اسْتِبَاحَةَ غَيْرِهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الْحَقِيقِيِّ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ تَيَمَّمَ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا الْحَقِيقِيِّ، بِخِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ ثَمَّةَ اسْتَبَاحَ مَا نَوَى فَاسْتَبَاحَ غَيْرَهُ بَدَلًا، وَهُنَا لَمْ يَسْتَبِحْ مَا نَوَى عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي نَوَى فَلَمْ يَسْتَبِحْ غَيْرَهُ اهـ. قَالَ: وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ الْجَمْعَ تَأْخِيرًا فَتَيَمَّمَ لِلظُّهْرِ فِي وَقْتِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِخِلَافِ تَيَمُّمِهِ فِيهِ لِلْعَصْرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَمَّمْ لَهُ فِي وَقْتِهِ م د. قَوْلُهُ: (بِانْقِضَاءِ الْغُسْلِ) أَيْ الْوَاجِبِ أَوْ بَدَلِهِ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ وَإِنْ لَمْ يُكَفَّنْ.
وَبِهِ يُلْغَزُ فَيُقَالُ: لَنَا شَخْصٌ يَتَوَقَّفُ تَيَمُّمُهُ عَلَى طُهْرِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (إذَا أَرَادَ إيقَاعَ إلَخْ) هُوَ قَيْدٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ فِيهِ أَيْ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ وَقْتَ الْكَرَاهَةِ بِنِيَّةِ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَكَذَا قَبْلَهُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ فَيَخْرُجُ مَا لَوْ تَيَمَّمَ فِيهِ لِيُصَلِّيَ بَعْدَهُ، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ.
وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ الْمُطْلَقَ لَا وَقْتَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ) أَيْ أَوْ ظَنُّهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَلَوْ تَيَمَّمَ شَاكًّا إلَخْ.

قَوْلُهُ: (طَلَبُ الْمَاءِ) اعْلَمْ أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لَا يَجِبُ إلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ لَا يَتَيَقَّنَ عَدَمَ وُجُودِهِ، وَأَنْ يَكُونَ تَيَمُّمُهُ لِلْفَقْدِ لَا لِلْمَرَضِ، وَأَنْ لَا يَحْتَاجَ الْمَاءَ لِلْعَطَشِ م د. قَوْلُهُ: (بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ) فَلَوْ طَلَبَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يُعَوَّلْ عَلَى ذَلِكَ الطَّلَبِ، نَعَمْ إنْ حَصَلَ بِهِ تَيَقُّنُ الْعَدَمِ كَانَ كَافِيًا سم.
وَفِي حَاشِيَةِ الزِّيَادِيِّ: فَلَوْ طَلَبَ شَاكًّا فِيهِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنَّ صَادَفَ الْوَقْتَ، نَعَمْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْإِذْنِ فِي الطَّلَبِ قَبْلَ الْوَقْتِ إنْ قَالَ فِيهِ أَوْ أَطْلَقَ.
وَفِي شَرْحِ م ر: نَعَمْ الْأَقْرَبُ الِاكْتِفَاءُ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ بِطَلَبِهِ فِي الْوَقْتِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْمُحْرِمُ حَلَالًا لِيَعْقِدَ لَهُ النِّكَاحَ، وَأَطْلَقَ فَعَقَدَ لَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِيهِ: وَلَوْ طَلَبَ قَبْلَ الْوَقْتِ لِفَائِتَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ فَدَخَلَ الْوَقْتُ عَقِبَ طَلَبِهِ تَيَمَّمَ لِصَاحِبَةِ الْوَقْتِ بِذَلِكَ الطَّلَبِ كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنْ طَلَبَهُ لِعَطَشِ نَفْسِهِ أَوْ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ كَذَلِكَ، وَقَدْ يَجِبُ الطَّلَبُ قَبْلَ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْخَادِمِ، أَوْ فِي أَوَّلِهِ كَوْنُ الْقَافِلَةِ عَظِيمَةً لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهَا إلَّا إذَا بَادَرَ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَعْجِيلُ الطَّلَبِ فِي أَظْهَرِ احْتِمَالَيْنِ لِابْنِ الْأُسْتَاذِ اهـ. شَرْحُ م ر.

قَوْلُهُ: (تَعَذُّرُ اسْتِعْمَالِهِ) هَذَا الشَّرْطُ يُغْنِي عَنْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُهُ وُجُودُ الْعُذْرِ بِسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ، فَفِي عَدِّهِمَا شَرْطَيْنِ مُسَامَحَةٌ، وَكَذَا فِي عَدِّ الطَّلَبِ وَالْإِعْوَازِ شَرْطَيْنِ، بَلْ الْإِعْوَازُ مِنْ تَتِمَّةِ الطَّلَبِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ الطَّلَبِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَوَازُ التَّيَمُّمِ؛ إذْ قَدْ يَجِبُ الْمَاءُ بَعْدَهُ فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ، بَلْ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الطَّلَبِ جَوَازُ التَّيَمُّمِ؛ إذْ لَمْ يَجِدْهُ أَوْ وَجَدَهُ وَاحْتَاجَ إلَيْهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِإِعْوَازِهِ بَعْدَ الطَّلَبِ فَهُمَا شَرْطٌ وَاحِدٌ، بَلْ التَّحْقِيقُ أَنَّ الطَّلَبَ لَيْسَ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا فَإِنَّهُ مُحَقِّقٌ لِفَقْدِ الْمَاءِ الدَّاخِلِ تَحْتَ قَوْلِهِ (تَعَذُّرُ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا، فَإِذَنْ الشُّرُوطُ عَلَى التَّحْقِيقِ ثَلَاثَةٌ: الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا، وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَالتُّرَابُ الطَّهُورُ، وَهَكَذَا حَقَّقَهُ سم فِي شَرْحِهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ الْمَعْدُودُ فِي كَلَامِ الْمَتْنِ سِتَّةٌ فِيهِ مُسَامَحَةٌ.
قَوْلُهُ (فَلَوْ وَجَدَ خَابِيَةً) مَحَلُّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا مُسَبَّلَةٌ لِلشُّرْبِ أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا مُسَبَّلَةٌ لِلِانْتِفَاعِ مُطْلَقًا اسْتَعْمَلَهَا فِي الطَّهَارَةِ فَإِنْ شَكَّ حَكَّمَ الْعُرْفَ وَالْقَرَائِنَ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ الْمَاءِ الْمُسَبَّلِ مِنْ مَحَلِّهِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ إلَّا إذَا عَلِمَ أَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ مُسَبِّلَهُ يَسْمَحُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَبَاحَ لِأَحَدٍ طَعَامًا لِيَأْكُلَهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ حَمْلُ الْحَبَّةِ مِنْهُ، وَلَا صَرْفُهُ إلَى غَيْرِ الْأَكْلِ، إلَّا إذَا عَلِمَ رِضَا مُبِيحِهِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ شَكَّ حَكَّمَ الْعُرْفَ وَالْقَرِينَةَ، وَمِنْ التَّعَذُّرِ الشَّرْعِيِّ مَا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ وَدِيعَةً أَوْ غَصْبًا أَوْ رَهْنًا، وَمِنْ الشَّكِّ أَيْ التَّرَدُّدِ فَيَشْمَلُ الظَّنُّ غَالِبَ الصَّهَارِيجِ الْمَوْجُودَةِ بِمِصْرِنَا، فَإِنَّا لَمْ نَعْلَمْ فِيهَا حَالَ

يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سَبُعٌ أَوْ عَدُوٌّ، وَمِنْ صُوَرِ التَّعَذُّرِ خَوْفُهُ سَارِقًا أَوْ انْقِطَاعًا عَنْ رُفْقَتِهِ.

(وَ) الشَّيْءُ الْخَامِسُ (إعْوَازُهُ) أَيْ الْمَاءِ أَيْ احْتِيَاجُهُ إلَيْهِ (بَعْدَ الطَّلَبِ) لِعَطَشِهِ أَوْ عَطَشِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ كَمَا مَرَّ وَهُوَ مَا لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ.

وَالشَّيْءُ السَّادِسُ (التُّرَابُ) بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ حَتَّى مَا يُدَاوَى بِهِ (الطَّاهِرُ) الَّذِي (لَهُ غُبَارٌ) قَالَ تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] أَيْ تُرَابًا طَاهِرًا كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ.
وَالْمُرَادُ بِالطَّاهِرِ الطَّهُورُ فَلَا يَجُوزُ بِالْمُتَنَجِّسِ وَلَا بِمَا لَا غُبَارَ لَهُ، وَلَا بِالْمُسْتَعْمَلِ، وَهُوَ مَا بَقِيَ بِعُضْوِهِ أَوْ تَنَاثَرَ مِنْهُ

[حاشية البجيرمي]

الْوَاقِفِ، وَالْغَالِبُ قَصْرُهَا عَلَى الشُّرْبِ، ثُمَّ قَدْ تَقُومُ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ مِنْهَا خَاصٌّ بِمَوَاضِعِهَا فَيَمْتَنِعُ نَقْلُهَا لِلشُّرْبِ مِنْهَا فِي الْبُيُوتِ، وَقَدْ تَقُومُ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرُ خَاصٍّ بِمَوْضِعِهَا فَيُنْقَلُ مَاؤُهَا لِلشُّرْبِ مِنْهَا فِي الْبُيُوتِ وَيَخْتَصُّ بِهِ مَنْ أَخَذَهُ بِمُجَرَّدِ حِيَازَتِهِ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْهُ ع ش عَلَى م ر.

قَوْلُهُ: (بَعْدَ الطَّلَبِ) أَيْ بَعْدَ حُصُولِهِ مَعَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (لِعَطَشِهِ إلَخْ) لَوْ أَسْقَطَهُ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ احْتِيَاجَهُ لِثَمَنِهِ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ) يَشْمَلُ الْمَأْكُولَ وَغَيْرَهُ، وَمِنْهُ الْكَلْبُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.

قَوْلُهُ (التُّرَابُ) اسْمُ جِنْسٍ إفْرَادِيٍّ وَقِيلَ جَمْعِيٌّ وَاحِدُهُ تُرَابَةٌ؛ وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ بِعَدَدِ التُّرَابِ، فَعَلَى الْأُولَى طَلْقَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي ثَلَاثَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ، لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْهُمَا.
وَقَالَهُ السُّيُوطِيّ: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ لِأَنَّ أَصْلَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ التُّرَابِ وَأَصْلُك مِنْ الْمَاءِ، وَأَنَّهُمَا أَوْسَعُ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وُجُودًا فَأَمَرَك بِالتَّطَهُّرِ بِهِمَا لِئَلَّا تَعْتَذِرَ بِفِقْدَانِهِمَا فَالْآنَ لَيْسَ لَك عُذْرٌ اهـ. وَاسْمُ التُّرَابِ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا سِتُّونَ نَوْعًا، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ سِتِّينَ نَوْعًا فَجَاءَتْ أَوْلَادُهُ عَلَى أَلْوَانٍ وَصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَمَّا الرَّمْلُ فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ، فَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ بِعَدَدِ الرَّمْلِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا قَوْلًا وَاحِدًا اهـ. قَوْلُهُ: (حَتَّى مَا يُدَاوَى بِهِ) كَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ فِيهِمَا نِسْبَةً إلَى إرْمِينْيَةَ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ فَإِنَّ النَّاسَ يَتَدَاوَوْنَ بِهِ فِي زَمَنِ الْكُبَّةِ بِوَضْعِهِ عَلَى الْكُبَّةِ، وَمَا فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِحَتَّى أَيْ حَتَّى النَّوْعِ الَّذِي يُدَاوَى بِهِ، وَكَذَلِكَ السَّبَخُ إذَا لَمْ يَعْلُهُ مِلْحٌ وَمَا أَخْرَجَتْهُ الْأَرَضُ مِنْ مَدَرٍ وَإِنْ اخْتَلَطَ بِلُعَابِهَا كَطِينٍ عُجِنَ بِنَحْوِ خَلٍّ حَتَّى تَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ وَجَفَّ، وَكَانَ لَهُ غُبَارٌ كَمَا قَالَهُ ح ل وَلَوْ دَقَّ الْحَجَرَ حَتَّى صَارَ لَهُ غُبَارٌ لَمْ يَكْفِ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّمَلِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ التُّرَابِ بِخِلَافِ الرَّمْلِ ع ش. قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالطَّاهِرِ الطَّهُورُ) أَيْ وَإِنْ أَخَذَ مِنْ ظَهْرِ كَلْبٍ لَمْ يَعْلَمْ اتِّصَالَهُ مَعَ تَرَطُّبِ أَحَدِهِمَا سم.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ بِالْمُتَنَجِّسِ) كَتُرَابِ مَقْبَرَةٍ عُلِمَ نَبْشُهَا، وَإِنْ وَقَعَ عَلَيْهَا الْمَطَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِذَلِكَ لِاخْتِلَاطِهِ بِصَدِيدِ الْمَوْتَى الَّذِي لَا يُزِيلُهُ الْمَطَرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا عُلِمَ عَدَمُهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ سم.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِالْمُسْتَعْمَلِ) أَيْ فِي نَحْوِ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ بِأَنْ اُسْتُعْمِلَ فِي مُغَلَّظٍ.
وَكَوْنُ التُّرَابِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَا يَتَأَثَّرُ بِالِاسْتِعْمَالِ بِخِلَافِ الْمَاءِ يُرَدُّ بِأَنَّ السَّبَبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَيْسَ هُوَ خُصُوصُ رَفْعِ الْحَدَثِ بَلْ زَوَالُ الْمَانِعِ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَاءَ السَّلَسِ مُسْتَعْمَلٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ حَدَثًا فَاسْتَوَيَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَلَا بِتُرَابٍ مُسْتَعْمَلٍ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ أُدِّيَ بِهِ فَرْضٌ وَعِبَادَةٌ فَكَانَ مُسْتَعْمَلًا كَالْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَتْ بِهِ الْمُسْتَحَاضَةُ، وَالثَّانِي يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَا يَتَأَثَّرُ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ انْتَقَلَ إلَى التُّرَابِ لِأَنَّهُ أَبَاحَ الْمَحْذُورَ قَالَ ع ش إنَّ تُرَابَ السَّابِعَةِ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَانِيُّ قَالَ شَيْخُنَا: وَلَيْسَ مِنْهُ حَجَرُ الِاسْتِنْجَاءِ إذَا غَسَلَهُ وَدَقَّهُ فَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ لِأَنَّ وَصْفَ الْمَنْعِ زَالَ بِالْغَسْلِ فَلَيْسَ هُوَ كَالتُّرَابِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَإِنْ طَهَّرَهُ لِأَنَّ وَصْفَ الِاسْتِعْمَالِ لَا يَزُولُ بِالْغَسْلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَنَاثَرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعُضْوِ أَيْ بَعْدَ أَنْ مَسَّ بَشَرَةَ الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ

حَالَةَ التَّيَمُّمِ كَالْمُتَقَاطِرِ مِنْ الْمَاءِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ حَصْرِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي ذَلِكَ صِحَّةُ تَيَمُّمِ الْوَاحِدِ وَالْكَثِيرِ مِنْ تُرَابٍ يَسِيرٍ مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ رَفَعَ يَدَهُ فِي أَثْنَاءِ مَسْحِ الْعُضْوِ ثُمَّ وَضَعَهَا صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، أَمَّا مَا تَنَاثَرَ مِنْ غَيْرِ مَسِّ الْعُضْوِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وَدَخَلَ فِي التُّرَابِ الْمَذْكُورِ الْمُحَرَّقُ مِنْهُ، وَلَوْ اسْوَدَّ مَا لَمْ يَصِرْ رَمَادًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْأَعْفَرُ وَالْأَصْفَرُ وَالْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ الْمَأْكُولُ سَفَهًا، وَخَرَجَ بِالتُّرَابِ النُّورَةُ وَالزِّرْنِيخُ وَسُحَاقَةُ الْخَزَفِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.

(فَإِنْ خَالَطَهُ) أَيْ التُّرَابَ الطَّهُورَ (جِصٌّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيه الْعَامَّةُ الْجِبْسَ أَوْ دَقِيقٌ أَوْ نَحْوُهُ.
(أَوْ) اخْتَلَطَ بِهِ (رَمْلٌ) نَاعِمٌ يَلْصَقُ بِالْعُضْوِ (لَمْ يَجُزْ) التَّيَمُّمُ بِهِ، وَإِنْ قَلَّ الْخَلِيطُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ وُصُولَ التُّرَابِ إلَى الْعُضْوِ، أَمَّا الرَّمَلُ الَّذِي لَا يَلْصَقُ بِالْعُضْوِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ إذَا كَانَ لَهُ غُبَارٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ وَالتُّرَابُ جِنْسٌ لَهُ

وَلَوْ وَجَدَ مَاءً

[حاشية البجيرمي]

هَذَا الْقَيْدِ بِدَلِيلِ أَخْذِ مُحْتَرَزِهِ فِي قَوْلِهِ: أَمَّا مَا تَنَاثَرَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (حَالَةَ التَّيَمُّمِ) الْمَرَادُ بِهَا مَا اُسْتُعْمِلَ فِي التَّيَمُّمِ سَوَاءٌ تَنَاثَرَ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَقَالَ م د قَوْلُهُ: حَالَةَ التَّيَمُّمِ احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ أَلْقَتْ الرِّيحُ عَلَى وَجْهِهِ تُرَابًا فَأَخَذَهُ بِخِرْقَةٍ ثُمَّ أَعَادَهُ إلَى وَجْهِهِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي.
وَعِبَارَةُ الْإِطْفِيحِيِّ قَوْلُهُ: حَالَةَ التَّيَمُّمِ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ مَا بَقِيَ بِعُضْوِهِ أَوْ تَنَاثَرَ مِنْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَيُؤْخَذُ مِنْ حَصْرِ الْمُسْتَعْمَلِ إلَخْ.
أَيْ: لِأَنَّ مَقَامَ الْبَيَانِ يُفِيدُهُ وَحِينَئِذٍ سَقَطَ مَا قَبْلَ الْحَصْرِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا مَوْصُولَةٌ فَإِنْ جُعِلَتْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً فَلَا اهـ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَذَلِكَ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَتَنَاثَرْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ شَرْحُ م ر. وَلَا يُقَدَّرُ بِمُخَالِفٍ كَمَا فِي الْمَاءِ قَالَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ) . فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا رَفَعَ يَدَهُ عَلَى الْعُضْوِ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّ الْمَاءَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِذَا انْفَصَلَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا.
وَأَجَابَ س ل: بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَحْتَاجُ لِرَفْعِ الْيَدِ لِيَنْظُرَ عَلَيْهَا تُرَابٌ أَوْ لَا؟ اُغْتُفِرَ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فِيهِ لِقُوَّةِ الْمَاءِ.
وَعِبَارَةُ الْإِطْفِيحِيِّ قَوْلُهُ: صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ ظَاهِرُهُ وَلَوْ وَضَعَهَا عَلَى غَيْرِ مَحَلِّ الْمَسْحِ فَيُعْذَرُ فِي ذَلِكَ كَمَا يُعْذَرُ فِي التَّقَاذُفِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِعْمَالِ إلَّا إذَا انْفَصَلَ عَنْ الْيَدِ الْمَاسِحَةِ وَالْمَمْسُوحَةِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: (الْمُحَرَّقِ مِنْهُ) أَيْ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ قُوَّةِ الْإِنْبَاتِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا لَمْ يَجُزْ ع ش. قَوْلُهُ: (وَالْأَعْفَرُ) الْعُفْرَةُ بَيَاضٌ غَيْرُ خَالِصٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْفَرُ) مِنْهُ الطَّفْلُ الْمَعْرُوفُ إذَا دُقَّ وَصَارَ لَهُ غُبَارٌ، وَفِي حَاشِيَةِ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ مَا نَصُّهُ: الطَّفْلُ لَا يَكْفِي فِي التَّيَمُّمِ كَمَا فِي فَتَاوَى م ر، وَيَكْفِي التَّيَمُّمُ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ حَجّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ اهـ. وَكُلٌّ مِنْ النَّقْلَيْنِ صَحِيحٌ؛ إذْ يُحْمَلُ كَلَامُ م ر عَلَى مَا إذَا كَانَ مُسْتَحْجَزًا لَا غُبَارَ لَهُ، وَكَلَامُ حَجّ مَا إذَا دُقَّ وَصَارَ لَهُ غُبَارٌ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (النُّورَةُ) وَهِيَ الْجِيرُ قَبْلَ الطَّفْيِ ح ل. قَوْلُهُ: (وَالزِّرْنِيخُ) بِكَسْرِ الزَّايِ هُوَ حَجَرٌ مَعْرُوفٌ مِنْهُ أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ وَأَصْفَرُ.
قَوْلُهُ: (وَسُحَاقَةُ الْخَزَفِ) الْخَزَفُ مَا اُتُّخِذَ مِنْ الطِّينِ وَشُوِيَ فَصَارَ فَخَّارًا وَاحِدَتُهُ خَزَفَةٌ شَرْحُ م ر.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ خَالَطَهُ) أَيْ اخْتَلَطَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُجْزِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْأَنْسَبِ لِإِفَادَتِهِ عَدَمَ الصِّحَّةِ ق ل. وَعَلَى الضَّبْطِ الْآخَرِ يُقَالُ: الْأَصْلُ فِيمَا لَمْ يُجْزِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَلَّ الْخَلِيطُ) هَذِهِ الْغَايَةُ لِلرَّدِّ.
قَوْلُهُ: (لَا يُلْصَقُ) بِفَتْحِ الصَّادِ فِي الْمُضَارِعِ وَكَسْرِهَا فِي الْمَاضِي.
وَيُقَالُ بِالصَّادِ وَالزَّايِ وَالسِّينِ وَهُوَ مِنْ بَابِ عَلِمَ يَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: (لَا يَلْصَقُ) أَيْ الرَّمَلُ بِالْعُضْوِ بِأَنْ يَصِلَ التُّرَابُ لِلْعُضْوِ مِنْ غَيْرِ لُصُوقِ رَمْلٍ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ خَشِنًا أَوْ نَاعِمًا.
وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ: لَوْ سَحَقَ الرَّمَلَ وَصَارَ لَهُ غُبَارٌ أَجْزَأَ أَيْ بِأَنْ صَارَ كُلُّهُ بِالسَّحْقِ غُبَارًا.
أَوْ بَقِيَ مِنْهُ خَشِنٌ لَا يَمْنَعُ لُصُوقَ الْغُبَارِ بِالْعُضْوِ ذَكَرَهُ الْإِطْفِيحِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ) قَالَ ق ل: عِبَارَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ فَتَأَمَّلْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ بِغُبَارِ الرَّمْلِ لَا بِهِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَمَّا الرَّمْلُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى غُبَارٍ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِغُبَارِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالتُّرَابُ جِنْسٌ لَهُ) فَيَشْمَلُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ تُرَابٌ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ تَرْكِيبُ قِيَاسٍ وَهُوَ الرَّمْلُ مِنْ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، وَكُلُّ مَا هُوَ مِنْ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ تُرَابٌ يُنْتِجُ لَنَا الرَّمْلُ تُرَابٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جَهْمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبَلَ إلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ» ، فَمَحْمُولٌ عَلَى جِدَارٍ عَلَيْهِ غُبَارٌ لِأَنَّ جُدْرَانَهُمْ مِنْ الطِّينِ، فَالظَّاهِرُ حُصُولُ الْغُبَارِ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَجَدَ مَاءً إلَخْ) شُرُوعٌ

صَالِحًا لِلْغُسْلِ لَا يَكْفِيهِ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ مُرَتَّبًا إنْ كَانَ حَدَثُهُ أَصْغَرَ، أَوْ مُطْلَقًا إنْ كَانَ غَيْرَهُ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يَغْسِلُ كُلَّ بَدَنِهِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ عَنْ الْبَاقِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] وَهَذَا وَاجِدٌ أَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ لِلْغُسْلِ كَثَلْجٍ أَوْ بَرَدٍ لَا يَذُوبُ، فَالْأَصَحُّ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُ الرَّأْسِ بِهِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ هُنَا تَقْدِيمُ مَسْحِ الرَّأْسِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا تُرَابًا لَا يَكْفِيهِ، فَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِوُجُوبِ اسْتِعْمَالِهِ

وَمَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ وَوَجَدَ مَا يَغْسِلُ بِهِ بَعْضَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، أَوْ وَجَدَ مَاءً وَعَلَيْهِ حَدَثٌ أَصْغَرُ أَوْ أَكْبَرُ، وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَلَا يَكْفِي إلَّا لِأَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ لِلنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ إزَالَتَهَا لَا بَدَلَ لَهَا، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ

وَيَجِبُ شِرَاءُ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ، وَكَذَا التُّرَابُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَهُوَ عَلَى الْأَصَحِّ مَا تَنْتَهِي إلَيْهِ الرَّغَبَاتُ فِي ذَلِكَ

[حاشية البجيرمي]

فِي فُرُوعٍ عَشَرَةٍ إلَى قَوْلِهِ: وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ التُّرَابِ إلَخْ.
وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ قَوْلِهِ: وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ التُّرَابِ إلَخْ عَلَيْهَا قَالَ الْعَلَّامَةُ ح ل وَلَوْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ أَعْضَائِهِ، وَتُرَابًا كَافِيًا لِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ التُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ، وَيَكُونُ كَالْمَاءِ الَّذِي حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سَبُعٌ فَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ اهـ. فَإِنْ قُلْت: مَا قَالَهُ ح ل مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ: مَتَى وَجَدَ مَاءً صَالِحًا لِلْغُسْلِ وَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَى التُّرَابِ، وَلَوْ لَمْ يَكْفِ إلَّا جُزْءًا مِنْ الْوَجْهِ.
قُلْت: لَا مُخَالَفَةَ لِإِمْكَانِ تَصْوِيرِ مَا قَالَهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ فِي مِلْكِهِ، بَلْ رَآهُمَا يُبَاعَانِ، وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا ثَمَنُ أَحَدِهِمَا فَيُقَدِّمُ شِرَاءَ التُّرَابِ عَلَى الْمَاءِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ) لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِيه وَتُرَابٌ لَا يَكْفِيه وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا لِنُقْصَانِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ ع ش. قَوْلُهُ: (مُرَتِّبًا) أَيْ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ بَيْنَ اسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ فَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَيَكُونُ التَّيَمُّمُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ) أَيْ الْحَدَثُ غَيْرَهُ أَيْ غَيْرَ الْأَصْغَرِ بِأَنْ كَانَ أَكْبَرَ أَوْ مُتَوَسِّطًا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ بِاسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَالرَّأْسِ، ثُمَّ الشِّقِّ الْأَيْمَنِ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يَغْسِلُ كُلَّ بَدَنِهِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يَغْسِلُ كُلَّ بَدَنِهِ) أَيْ كَوَاجِدِ الْمَاءِ الَّذِي يَكْفِيهِ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْتِيبٌ.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ» ) الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْمَأْمُورُ.
وَقَوْلُهُ: «فَأْتُوا مِنْهُ» ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْمَأْمُورِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ شِرَاءُ بَعْضِ رَقَبَةٍ فِي الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ رَقَبَةً وَبَعْضُ الْمَاءِ مَاءٌ اهـ مُنَاوِيٌّ.
فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ) فَلَا يُقَدَّمُ التَّيَمُّمُ لِئَلَّا يَتَيَمَّمَ وَمَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ لِلْغُسْلِ) أَيْ وَالْوَاجِدُ لَهُ حَدَثُهُ أَصْغَرُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُتَوَهَّمُ فِيهِ كِفَايَةُ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ لِبَعْضِ أَعْضَائِهِ وَهُوَ الرَّأْسُ، أَمَّا مَنْ وَاجِبُهُ الْغُسْلُ وَهُوَ ذُو الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ فَوُجْدَانُهُ الْبَرَدَ وَالثَّلْجَ كَالْعَدَمِ قَطْعًا؛ إذْ لَا دَخْلَ لَهُمَا فِي رَفْعِ حَدَثِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَسْحَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَالْأَصَحُّ الْقَطْعُ إلَخْ) وَمُقَابِلُهُ وُجُوبُ الْمَسْحِ بِهِ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ عَنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ عَنْ الرِّجْلَيْنِ.
عَزِيزِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لَا يَجِبُ مَسْحُ الرَّأْسِ بِهِ) أَيْ إذَا لَمْ يَغْسِلْ مَا قَبْلَهُ، وَإِلَّا وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِنْ ذَابَ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ عَزِيزِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا يُمْكِنُ هُنَا) أَيْ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ تَقْدِيمُ مَسْحِ الرَّأْسِ، قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ مَا يَكْفِي وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ تَعَيَّنَ الْمَسْحُ بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَلَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ عَنْ الرَّأْسِ وَهُوَ كَذَلِكَ، بَلْ يَسْتَعْمِلُهُ فِي الرَّأْسِ وَيَتَيَمَّمُ عَنْ الرِّجْلَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ إلَخْ) قَالَ ق ل: هَذَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَهُوَ مُضِرٌّ اهـ. أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.
وَجَوَابُهُ أَنَّهُ ذُكِرَ تَوْطِئَةً لِلصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ مَا لَوْ احْتَاجَ لِلْمَاءِ لِإِزَالَةِ خَبَثٍ وَحَدَثٍ، وَكَانَ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدُهُمَا، فَإِنَّهُ يَصْرِفُهُ لِلْخَبَثِ وَيَتَيَمَّمُ عَنْ الْحَدَثِ.

قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ شِرَاءُ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ) وَمِثْلُهُ شِرَاءُ الْآلَةِ أَوْ اسْتِئْجَارُهَا.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا التُّرَابُ) أَيْ وَلَوْ بِمَحَلٍّ يَلْزَمُهُ فِيهِ الْقَضَاءُ فِيمَا يَظْهَرُ م ر. قَوْلُهُ: (بِثَمَنِ مِثْلِهِ) رَاجِعٌ لِلْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَلَا يَجِبُ شِرَاؤُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ قُلْت:

الْمَوْضِعِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْأَقْرَبُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْحَالَةُ الَّتِي لَا يَنْتَهِي فِيهَا الْأَمْرُ إلَى سَدِّ الرَّمَقِ، فَإِنَّ الشَّرْبَةَ قَدْ تُشْتَرَى حِينَئِذٍ بِدَنَانِيرَ أَيْ: وَيَبْعُدُ فِي الرُّخَصِ إيجَابُ ذَلِكَ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى الثَّمَنِ لِدَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ لِنَفَقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ، سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَمْ غَيْرَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ وَكَالنَّفَقَةِ سَائِرُ الْمُؤَنِ حَتَّى الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِمَا ابْنُ كَجٍّ فِي التَّجْرِيدِ، وَلَوْ احْتَاجَ وَاجِدُ ثَمَنِ الْمَاءِ إلَى شِرَاءِ سُتْرَةٍ لِلصَّلَاةِ قَدَّمَهَا لِدَوَامِ النَّفْعِ بِهَا، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ، وَيَحْتَاجُ إلَى ثَمَنِهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ

وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ أَوْ أُقْرِضَهُ أَوْ أُعِيرَ دَلْوًا أَوْ نَحْوَهُ مِنْ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ فِي الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَبُولُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِشِرَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسَامَحَةَ بِذَلِكَ غَالِبَةٌ فَلَا تَعْظُمُ فِيهِ الْمِنَّةُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَ لَهُ ثَمَنَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهُ بِالْإِجْمَاعِ لِعِظَمِ الْمِنَّةِ

وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ التُّرَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] أَيْ اقْصِدُوهُ فَلَوْ سَفَتْهُ رِيحٌ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ

[حاشية البجيرمي]

نَعَمْ إنْ بِيعَ مِنْهُ لِأَجَلٍ بِزِيَادَةٍ لَائِقَةٍ بِذَلِكَ الْأَجَلِ وَكَانَ مُمْتَدًّا إلَى وُصُولِهِ مَحَلًّا يَكُونُ غَنِيًّا فِيهِ وَجَبَ الشِّرَاءُ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ قُلْت وَإِنَّمَا سُومِحَ بِالْغَبَنِ الْيَسِيرِ فِي نَحْوِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ، لِأَنَّ مَا هُنَا لَهُ بَدَلٌ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ ع ش عَلَى الْمَنْهَجِ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمَاءِ لَا فِي التُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ.
وَعِبَارَتُهُ عَلَى م ر قَوْلُهُ: وَإِنْ قُلْت الزِّيَادَةُ وَلَوْ بِمَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ عَادَةً؛ لِأَنَّ لِلْمَاءِ بَدَلًا مُتَيَسِّرًا، فَلَا يُؤَدِّي إلَى الْإِخْلَالِ بِمَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالطُّهْرِ، بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ بِأَنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءٍ مُعَيَّنٍ، فَوَجَدَهُ الْوَكِيلُ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ بِمَا يُتَغَابَنُ بِهِ فَلَهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ مُنِعَ مِنْ شِرَائِهِ لَأَدَّى إلَى الْإِخْلَالِ بِمَقْصُودِ الْمُوَكِّلِ؛ إذْ لَا بُدَّ لِمَا عَيَّنَهُ الْمُوَكِّلُ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّ بَدَلَهُ، وَهُوَ التُّرَابُ يَقُومُ مَقَامَهُ فَلَا إخْلَالَ بِمَقْصُودِ الشَّارِعِ اهـ. وَيُسَنُّ لَهُ شِرَاؤُهُ إذَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فِي تِلْكَ الْحَالَةِ) أَيْ حَالَةِ الشِّرَاءِ.
قَوْلُهُ: (فِي الرُّخَصِ) أَيْ الَّتِي مِنْهَا التَّيَمُّمُ.
قَوْلُهُ (لِدَيْنٍ عَلَيْهِ) وَلَوْ مُؤَجَّلًا يَحِلُّ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى وَطَنِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا مَالَ لَهُ فِيهِ، وَإِلَّا وَجَبَ شِرَاؤُهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ أَوْ بِعَيْنِ مَالِهِ كَعَيْنٍ رَهَنَهَا عَلَى دَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (مُحْتَرَمٍ) سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَمْ غَيْرَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ احْتِيَاجِهِ لِذَلِكَ حَالًا أَوْ مَآلًا، وَلَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ رَقِيقِهِ وَرُفْقَتِهِ وَزَوْجَتِهِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْكُفَّارُ وَالْمُسْلِمُونَ شَرْحُ م ر. وَمِنْ الْمُحْتَرَمِ كَلْبٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، وَكَذَا مَا لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَخَرَجَ نَحْوُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ لَمْ يَجِبْ أَيْ: وَلَمْ يَجُزْ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى الْمَسْكَنِ) أَيْ اللَّائِقِ بِهِ، فَلَوْ كَانَ مَالِكًا لِمَسْكَنٍ غَيْرِ لَائِقٍ بِهِ وَجَبَ بَيْعُهُ وَإِبْدَالُهُ بِلَائِقٍ وَيَشْتَرِي مِنْ الزَّائِدِ الْمَاءَ قِيَاسًا عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ، وَمِثْلُهُ الْخَادِمُ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا سَبَقَ) كَنَفَقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ وَالْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ وَالسُّتْرَةِ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْهِبَةِ، وَمَا مَعَهَا مَا يَعُمُّ الْقَبُولَ وَالسُّؤَالَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَإِعَارَةُ الْمَاءِ وَإِجَارَتُهُ كَذَلِكَ قَالَ ق ل. وَفِيمَا قَالَهُ آخِرًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمُعَارِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ وَكَذَا الْمُؤَجِّرِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُصَوَّرَ بِمَا إذَا قَالَ لَهُ الْمُعِيرُ أَوْ الْمُؤَجِّرُ: تَوَضَّأْ بِهِ وَاجْمَعْهُ لِي، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا بُعْدَ فِيهِ، وَعِبَارَةُ سم: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَاءَ يَجِبُ فِيهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ: الشِّرَاءُ وَالْإِجَارَةُ وَالْإِعَارَةُ وَالْهِبَةُ وَالْقَرْضُ، وَفِي الْآلَةِ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ فَقَطْ، وَأَمَّا الثَّمَنُ فَلَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الِاقْتِرَاضُ، وَقَدْ يُقَالُ فِيهِ مِنَّةٌ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ التُّرَابِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لَا رُكْنٌ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التُّرَابُ رُكْنٌ، وَأَنَّ قَصْدَهُ رُكْنٌ، وَنَقْلَهُ رُكْنٌ، فَالْأَرْكَانُ سَبْعَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَشُرُوطُ التُّرَابِ خَمْسَةٌ: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا طَهُورًا نَاشِفًا لَهُ غُبَارٌ لَمْ يَخْتَلِطْ بِغَيْرِهِ، وَمَعْنَى قَصْدِ التُّرَابِ قَصْدُ تَحْوِيلِهِ عَلَى الْعُضْوِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ م ر فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَرَدَّدَهُ) أَيْ لِيَتَحَقَّقَ وُصُولُهُ إلَى وَجْهِهِ، فَلَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا فِيهِ نَقْلٌ وَخَرَجَ مَا لَوْ أَخَذَهُ عَنْ الْعُضْوِ وَأَعَادَهُ، فَإِنَّهُ يَكْفِي ق ل. قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَصَدَ بِوُقُوفِهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ تَبَرَّزَ لِلْمَطَرِ فِي الطُّهْرِ بِالْمَاءِ أَوْ أَصَابَهُ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ بُرُوزٍ لَهُ فَانْغَسَلَتْ أَعْضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِيهِ الْغَسْلُ، وَاسْمُهُ مُطْلَقٌ، وَلَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ كَمَا قَالَهُ س ل. وَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى السُّبْكِيّ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَكْفِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ اهـ.

وَنَوَى لَمْ يَكْفِ، وَإِنْ قَصَدَ بِوُقُوفِهِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ التَّيَمُّمَ لِانْتِفَاءِ الْقَصْدِ مِنْ جِهَتِهِ بِانْتِفَاءِ النَّقْلِ الْمُحَقِّقِ لَهُ، وَلَوْ يُمِّمَ بِإِذْنِهِ بِأَنْ نَقَلَ الْمَأْذُونُ التُّرَابَ إلَى الْعُضْوِ وَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ جَازَ عَلَى النَّصِّ كَالْوُضُوءِ وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْآذِنِ عِنْدَ النَّقْلِ، وَعِنْدَ مَسْحِ الْوَجْهِ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمُتَيَمِّمَ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ جَزْمًا كَمَا لَوْ يَمَّمَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عُذْرٌ لِإِقَامَةِ فِعْلِ مَأْذُونِهِ مَقَامَ فِعْلِهِ، لَكِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ لَا يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الدَّمِيرِيُّ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا

وَفَرَائِضُهُ أَيْ التَّيَمُّمِ جَمْعُ فَرِيضَةٍ أَيْ أَرْكَانُهُ هُنَا: (أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ) وَعَدَّهَا فِي الْمِنْهَاجِ خَمْسَةً، فَزَادَ عَلَى مَا هُنَا النَّقْلَ، وَعَدَّهَا فِي الرَّوْضَةِ سَبْعَةً، فَجَعَلَ التُّرَابَ وَالْقَصْدَ رُكْنَيْنِ، وَأَسْقَطَ فِي الْمَجْمُوعِ التُّرَابَ، وَعَدَّهَا سِتَّةً، وَجَعَلَ التُّرَابَ شَرْطًا، وَالْأَوْلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ؛ إذْ لَوْ حَسُنَ عَدُّ التُّرَابِ رُكْنًا لَحَسُنَ عَدُّ الْمَاءِ رُكْنًا فِي الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا الْقَصْدُ فَدَاخِلٌ فِي النَّقْلِ الْوَاجِبِ قَرْنُ النِّيَّةِ بِهِ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا نَقْلُ التُّرَابِ إلَى الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَأْذُونِهِ كَمَا مَرَّ، فَلَوْ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ الْقَصْدِ) أَيْ الْمُعْتَبَرِ وَهُوَ الْمُقَارِنُ لِلنَّقْلِ، وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ الْقَصْدِ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِانْتِفَاءِ النَّقْلِ، لِأَنَّ الْمَفْقُودَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ النَّقْلُ لَا الْقَصْدُ.
وَعِبَارَةُ م ر وَمُجَرَّدُ الْقَصْدِ الْمَذْكُورِ غَيْرُ كَافٍ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ التُّرَابَ، وَإِنَّمَا التُّرَابُ أَتَاهُ لَمَّا قَصَدَ الرِّيحَ اهـ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ التُّرَابَ بِوُقُوفِهِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ كَفَى.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَحْرِيكِ وَجْهِهِ لِيَتَحَقَّقَ نَقْلُ التُّرَابِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ م ر. قَوْلُهُ: (بِإِذْنِهِ) وَلَوْ كَانَ الْمَأْذُونُ صَبِيًّا أَوْ كَافِرًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ حَيْثُ لَا نَقْضَ، أَمَّا إذَا لَمْ يَأْذَنْ فَلَا يَصِحُّ لِانْتِفَاءِ قَصْدِهِ م ر. وَلَوْ عَلَّمَ قِرْدًا مَثَلًا فَأَشَارَ إلَيْهِ وَيَمَّمَهُ وَنَوَى صَحَّ، وَكَانَتْ إشَارَتُهُ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ، فَقَوْلُ ق ل: وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لِذَلِكَ الْغَيْرِ إلَخْ ضَعِيفُ.
قَالَ م ر: فَلَوْ نَوَى الْآذِنُ وَنَقَلَ الْمَأْذُونُ فَأَحْدَثَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ أَخْذِ التُّرَابِ، وَقَبْلَ الْمَسْحِ لَمْ يَضُرَّ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
أَمَّا الْآذِنُ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ نَافِلٍ، وَأَمَّا الْمَأْذُونُ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَيَمِّمٍ، وَكَذَا لَا يَضُرُّ حَدَثُهُمَا فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَقَوْلُهُ: لَمْ يَضُرَّ قَالَ ع ش: وَلَا يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَلَ بِنَفْسِهِ وَأَحْدَثَ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ عُذْرٌ) وَلَكِنَّهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مَكْرُوهٍ كَمَا فِي الِاسْتِعَانَةِ فِي الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (لِإِقَامَةِ فِعْلِ مَأْذُونِهِ إلَخْ) ظَاهِرُ التَّعْلِيلِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ اشْتِرَاطُ التَّمْيِيزِ، لَكِنْ قَالَ م ر: لَا يُشْتَرَطُ وَإِطْلَاقُهُ فِي الشَّارِحِ يَشْهَدُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ.

[فَرَائِضُ التَّيَمُّمِ]

قَوْلُهُ: (جَمْعُ فَرِيضَةٍ) بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ.
قَوْلُهُ: (هُنَا) أَيْ فِي هَذَا الْفَصْلِ.
قَوْلُهُ: (وَعَدَّهَا فِي الرَّوْضَةِ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (سَبْعَةٌ) وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: تُرَابٌ وَنَقْلٌ ثُمَّ قَصْدٌ وَنِيَّةٌ ... وَمَسْحٌ لِوَجْهٍ ثُمَّ أَيْدٍ مُرَتِّبًا فَالتَّرْتِيبُ هُوَ السَّابِعُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهَا سَبْعَةٌ فَالتُّرَابُ وَقَصْدُهُ وَنَقْلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا رُكْنٌ.
قَوْلُهُ: (لِحُسْنِ عَدِّ الْمَاءِ رُكْنًا) أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ عَدَّ التُّرَابَ رُكْنًا لِكَوْنِ التَّيَمُّمِ طَهَارَةً ضَعِيفَةً.
قَوْلُهُ: (فَدَاخِلٌ إلَخْ) أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لِلْقَصْدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِاللُّزُومِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الِالْتِزَامِ لَا تَكْفِي فِي مِثْلِ هَذَا.

كَانَ عَلَى الْعُضْوِ تُرَابٌ فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ لَمْ يَكْفِ، وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِالْقَصْدِ مَعَ أَنَّ النَّقْلَ الْمَقْرُونَ بِالنِّيَّةِ مُتَضَمِّنٌ لَهُ رِعَايَةً لِلَفْظِ الْآيَةِ، فَلَوْ تَلَقَّى التُّرَابَ مِنْ الرِّيحِ بِكُمِّهِ أَوْ يَدِهِ وَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ أَوْ تَمَسَّكَ فِي التُّرَابِ، وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَجْزَأَهُ أَوْ نَقَلَهُ مِنْ وَجْهٍ إلَى يَدٍ بِأَنْ حَدَثَ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ تُرَابٍ مَسَحَهُ عَنْهُ تُرَابٌ، أَوْ نُقِلَ مِنْ يَدٍ إلَى وَجْهٍ، أَوْ مِنْ يَدٍ إلَى أُخْرَى، أَوْ مِنْ عُضْوٍ وَرَدَّهُ إلَيْهِ وَمَسَحَهُ بِهِ كَفَى ذَلِكَ لِوُجُودِ مُسَمَّى النَّقْلِ.

وَالرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: (النِّيَّةُ) أَيْ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا تَفْتَقِرُ اسْتِبَاحَتُهُ إلَى طَهَارَةٍ كَطَوَافٍ وَحَمْلِ مُصْحَفٍ وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ؛ إذْ الْكَلَامُ الْآنَ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ، وَأَمَّا مَا يُسْتَبَاحُ بِهِ فَسَيَأْتِي وَلَوْ تَيَمَّمَ بِنِيَّةِ الِاسْتِبَاحَةِ ظَانًّا أَنَّ حَدَثَهُ أَصْغَرُ فَبَانَ أَكْبَرَ أَوْ عَكْسَهُ صَحَّ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُمَا وَاحِدٌ، وَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يَصِحَّ لِتَلَاعُبِهِ

وَلَوْ أَجْنَبَ فِي سَفَرِهِ وَنَسِيَ وَكَانَ يَتَيَمَّمُ وَقْتًا وَيَتَوَضَّأُ وَقْتًا أَعَادَ صَلَوَاتِ الْوُضُوءِ فَقَطْ لِمَا مَرَّ

وَلَا يَكْفِي نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (الرُّكْنُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الَّذِي أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ) سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّ الْأَوْلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ زِيَادَةِ النَّقْلِ عَلَى مَا فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (نَقْلُ التُّرَابِ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ وُجُودُ النِّيَّةِ، وَالتُّرَابُ عَلَى الْيَدِ مَثَلًا قَبْلَ مُمَاسَّتِهَا لِلْوَجْهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ ضَرْبٍ أَوْ لَا.
ق ل. قَوْلُهُ: (لَمْ يَكْفِ) عَدْلٌ عَنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ لَمْ يُجْزِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلْإِجْزَاءِ ع ش. وَإِنْ قُرِئَ قَوْلُ الْمِنْهَاجِ لَمْ يُجْزِ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ سَاوَى قَوْلَهُ: لَمْ يَكْفِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِالْقَصْدِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْقَصْدَ دَاخِلٌ فِي النَّقْلِ فَيَكُونُ مُغْنِيًا عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْحَابَ صَرَّحُوا بِالْقَصْدِ مَعَ النَّقْلِ، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ: وَإِنَّمَا صَرَّحُوا إلَخْ مُؤَخَّرٌ مِنْ تَقْدِيمٍ، فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَذْكُرَهُ عَقِبَ قَوْلِهِ: الْوَاجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِهِ، وَكَانَ يَذْكُرُ قَوْلَهُ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ إلَخْ عَقِبَ قَوْلِهِ رِعَايَةً لِلَفْظِ الْآيَةِ.
وَقَوْلُهُ: رِعَايَةً لِلَفْظِ الْآيَةِ أَيْ لَا لِاحْتِيَاجِ الْعِبَارَةِ إلَيْهِ عَلَى كَلَامِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (الْمَقْرُونُ بِالنِّيَّةِ) مِنْ الْمَقْرُونِ بِهَا مَا لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ وَرَفَعَهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، ثُمَّ نَوَى قَبْلَ مُمَاسَّةِ التُّرَابِ لِوَجْهِهِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي لِأَنَّ هَذَا نَقْلٌ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقُلْ ابْتِدَاءً إلَّا مِنْ هَذَا الْحَدِّ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَوْ كَانَتْ يَدُهُ عَلِيلَةً وَنَوَى عِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ احْتَاجَ إلَى نِيَّةٍ عِنْدَ التَّيَمُّمِ بَدَلًا عَنْ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ فِي النِّيَّةِ الْأُولَى أَوْ نَوَى الِاسْتِبَاحَةَ فَلَا.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (مُتَضَمِّنٌ لَهُ) أَيْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّضَمُّنَ الْمَنْطِقِيَّ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُخَاطَبَاتِ لَا يُكْتَفَى فِيهَا بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الدَّلَالَةِ الْمُطَابِقِيَّةِ ز ي. قَوْلُهُ: (رِعَايَةً لِلَفْظِ الْآيَةِ) فَإِنَّهَا آمِرَةٌ بِالتَّيَمُّمِ وَهُوَ الْقَصْدُ؛ وَالنَّقْلُ طَرِيقُهُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مِنْ عُضْوٍ وَرَدَّهُ إلَيْهِ وَمَسَحَهُ بِهِ كَفَى) بَلْ يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ أَيْضًا فِيمَا لَوْ نَقَلَهُ مِنْ بَعْضِ الْعُضْوِ إلَى بَعْضِهِ الْآخَرِ سم

قَوْلُهُ: (إذْ الْكَلَامُ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ أَيْ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا فَهُوَ عِلَّةٌ لِلتَّعْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (فَبَانَ أَكْبَرَ) بِالنَّصْبِ خَبَرُ بَانَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَخَوَاتِ كَانَ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مُوجَبَهُمَا) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ مُقْتَضَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالتُّرَابِ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَجْنَبَ فِي سَفَرِهِ إلَخْ) الْمَقَامُ لِلْفَاءِ لِأَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ظَانًّا أَنَّ حَدَثَهُ أَصْغَرُ فَبَانَ أَكْبَرَ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَلَوْ أَجْنَبَ إلَخْ كَمَا عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ.
وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ السُّيُوطِيّ مُلْغِزًا قَالَ: أَلَيْسَ عَجِيبًا أَنَّ شَخْصًا مُسَافِرًا ... إلَى غَيْرِ عِصْيَانٍ تُبَاحُ لَهُ الرُّخَصْ إذَا مَا تَوَضَّا لِلصَّلَاةِ أَعَادَهَا ... وَلَيْسَ مُعِيدًا لِلَّتِي بِالتُّرَابِ خُصّْ وَالْجَوَابُ: لَقَدْ كَانَ هَذَا لِلْجَنَابَةِ نَاسِيًا ... وَصَلَّى مِرَارًا بِالْوُضُوءِ أَتَى بِنَصّْ كَذَاك مِرَارًا بِالتَّيَمُّمِ يَا فَتَى ... عَلَيْك بِكُتَبِ الْعِلْمِ يَا خَيْرَ مَنْ فَحَصْ

أَوْ الطَّهَارَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُهُ، وَلَوْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ، أَوْ فَرْضَ الطَّهَارَةِ، أَوْ التَّيَمُّمَ الْمَفْرُوضَ لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَيْسَ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى بِهِ عَنْ ضَرُورَةٍ فَلَا يُجْعَلُ مَقْصُودًا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَلِهَذَا اُسْتُحِبَّ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالنَّقْلِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْأَرْكَانِ، وَاسْتِدَامَتُهَا إلَى مَسْحِ شَيْءٍ مِنْ الْوَجْهِ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ، فَلَوْ عَزَبَتْ قَبْلَ الْمَسْحِ لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ، وَإِنْ كَانَ رُكْنًا فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْمُتَّجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِاسْتِحْضَارِهَا عِنْدَهُمَا وَإِنْ عَزَبَتْ بَيْنَهُمَا، وَتَعْلِيلُ الرَّافِعِيِّ يُفْهِمُهُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْتِدَامَةِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ هَذَا الزَّمَنَ سَيْرٌ لَا تَعْزُبُ فِيهِ النِّيَّةُ غَالِبًا.

وَلَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ عَلَى بَشَرَةِ امْرَأَةٍ تَنْقُضُ وَعَلَيْهَا تُرَابٌ، فَإِنْ مَنَعَ الْتِقَاءَ الْبَشَرَتَيْنِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ، وَإِلَّا فَلَا

وَأَمَّا مَا يُبَاحُ لَهُ بِنِيَّتِهِ فَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ أُبِيحَا لَهُ

[حاشية البجيرمي]

قَضَاءُ الَّتِي فِيهَا تَوَضَّأَ وَاجِبٌ ... وَلَيْسَ مُعِيدًا لِلَّتِي بِالتُّرَابِ خُصَّ لِأَنَّ مَقَامَ الْغُسْلِ قَامَ تَيَمُّمٌ ... خِلَافُ وُضُوءٍ هَاكَ فَرْقًا بِهِ تُخَصُّ قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) وَهُوَ أَنَّ مُوجِبَ الْأَصْغَرِ هُوَ مُوجِبُ الْأَكْبَرِ، فَلِذَا أَغْنَى عَنْهُ وَهُوَ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ دُونَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَكْفِي نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ إلَخْ) هُوَ أَشْمَلُ لِمَا لَوْ كَانَ مَعَ التَّيَمُّمِ غَسْلُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ يَرْفَعُهُ حِينَئِذٍ م ر. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُهُ) أَيْ وَلَا يَطْهُرُ بَلْ يُبِيحُ، وَالْمُرَادُ لَا يَرْفَعُهُ رَفْعًا عَامًّا فَلَوْ نَوَى رَفْعًا خَاصًّا بِفَرْضٍ وَنَوَافِلَ أَجْزَأَ.
وَعِبَارَةُ م د: نَعَمْ لَوْ نَوَى بِالْحَدَثِ الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ وَبِرَفْعِهِ رَفْعًا خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ لِفَرْضٍ وَنَوَافِلَ جَازَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ نَوَى الْوَاقِعَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِبَاحَةِ، وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ التَّيَمُّمَ الْمَفْرُوضَ لَمْ يَكْفِ) قَوْلُهُ: (مَحَلُّهُ) مَا لَمْ يُضِفْهُ لِنَحْوِ الصَّلَاةِ، وَمَا لَمْ يَرُدَّ الْفَرْضَ الْبَدَلِيَّ، فَإِنَّ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ لِلصَّلَاةِ، أَوْ التَّيَمُّمَ الْمَفْرُوضَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، أَوْ نَوَى الْفَرْضَ الْبَدَلِيَّ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ لَكِنْ لَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ، أَوْ نَوَى التَّيَمُّمَ بَدَلًا عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ صَحَّ، لَكِنْ لَا يَسْتَبِيحُ بِهِ شَيْئًا كَمَا إذَا اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ.
مَسْأَلَةٌ: عَلَيْهِ حَدَثَانِ أَصْغَرُ وَأَكْبَرُ فَإِنْ نَوَاهُمَا ارْتَفَعَا أَوْ أَحَدُهُمَا مُعِينًا لَهُ ارْتَفَعَ دُونَ الْآخَرِ، وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ إنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ ارْتَفَعَ الْأَصْغَرُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فِي نِيَّتِهِ بَلْ وَإِنْ نَفَاهُ سم.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ) أَيْ فَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ بَلْ يُكْرَهُ ع ش. قَوْلُهُ: (فَلَوْ عَزَبَتْ قَبْلَ الْمَسْحِ لَمْ يَكْفِ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْمُتَّجَهُ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْتِدَامَةِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ) بَلْ لَوْ لَمْ يَنْوِ إلَّا عِنْدَ إرَادَةِ مَسْحِ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ: يَجِبُ قَرْنُهَا بِالنَّقْلِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّقْلِ النَّقْلُ الْمُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْيَدَيْنِ إلَى الْوَجْهِ، وَقَدْ اقْتَرَنَتْ النِّيَّةُ بِهِ.
اهـ. س ل.

قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا) لَعَلَّهُ مُصَوَّرٌ بِالنَّقْلَةِ الثَّانِيَةِ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلَا يَضُرُّ غَايَتُهُ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ قَبْلَ مُمَاسَّةِ الْوَجْهِ وَعِبَارَةُ ق ل قَوْلُهُ: تَنْقُضُ أَيْ، وَلَمْ يَنْوِ بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ عَنْهَا وَقَبْلَ مَسْحِ وَجْهِهِ، وَإِلَّا كَفَى اهـ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا مَا يُبَاحُ إلَخْ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ أَمَّا بَيَانُ كَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَمَّا إلَخْ، وَقَوْلُهُ: (لَهُ) أَيْ الشَّخْصِ، وَقَوْلُهُ: (بِنِيَّتِهِ) أَيْ التَّيَمُّمِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرْضٍ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِ تُبِيحُ الْكُلَّ، وَنِيَّةُ النَّفْلِ أَوْ الصَّلَاةِ أَوْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ تُبِيحُ مَا عَدَا الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ، وَنِيَّةُ غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِمَّا يَحْتَاجُ لِلتَّيَمُّمِ تُبِيحُ مَا عَدَا الصَّلَاةَ مِنْ نَحْوِ مَسِّ الْمُصْحَفِ، وَحَمْلِهِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَالْمُكْثِ فِي الْمَسْحِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا عَيْنِيًّا كَتَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ فَيَسْتَبِيحُهُ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا كَانَ لَهُ فِعْلُ الْبَقِيَّةِ شَوْبَرِيٌّ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَخْطُبْ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ بِمَثَابَةِ رَكْعَتَيْنِ فَأَشْبَهَتْ الْفُرُوضَ الْعَيْنِيَّةَ اهـ ع ش. وَيَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَتِهَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ تَيَمَّمَ لِلْجُمُعَةِ أَمْ لِلْخُطْبَةِ، وَإِنْ كَانَتْ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ فَرْضَ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ بَدَلٌ عَنْ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا قِيلَ وَالْقَائِلُ بِالصَّحِيحِ لَا يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ الضَّعِيفِ ز ي. وَمَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بِالتَّيَمُّمِ لَوْ لَزِمَهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ صَلَّاهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.

عَمَلًا بِنِيَّتِهِ أَوْ فَرْضًا فَقَطْ فَلَهُ النَّفَلُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ تَابِعٌ لَهُ، فَإِذَا صَلَحَتْ طَهَارَتُهُ لِلْأَصْلِ فَلِلتَّابِعِ أَوْلَى أَوْ نَفْلًا فَقَطْ، أَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَأَطْلَقَ صَلَّى بِهِ النَّفَلَ وَلَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَصْلٌ، وَالنَّفَلُ تَابِعٌ كَمَا مَرَّ، فَلَا يُجْعَلُ الْمَتْبُوعُ تَابِعًا.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَنْعَقِدُ نَفْلًا

وَلَوْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ حَمْلَ الْمُصْحَفِ أَوْ سُجُودَ التِّلَاوَةِ أَوْ الشُّكْرِ أَوْ نَوَى نَحْوُ الْجُنُبِ الِاعْتِكَافَ أَوْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَائِضِ اسْتِبَاحَةَ الْوَطْءِ، كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ كَنِيَّةِ النَّفْلِ فِي أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرْضَ، وَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ النَّفَلَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِنْ ذَلِكَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى إذَا تَيَمَّمَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا جَازَ لَهُ فِعْلُ الْبَقِيَّةِ.

وَلَوْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَالتَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ.

(وَ) الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهُوَ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (مَسْحُ الْوَجْهِ) حَتَّى ظَاهِرِ مُسْتَرْسِلِ لِحْيَتِهِ وَالْمُقْبِلِ مِنْ أَنْفِهِ عَلَى شَفَتَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: 6] .

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (أَوْ فَرْضًا فَقَطْ إلَخْ) مَحَلُّهُ إذَا أَضَافَهُ لِلصَّلَاةِ أَمَّا لَوْ نَوَى فَرْضًا، وَأَطْلَقَ كَأَنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرْضٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَسْتَبِيحُ مَا عَدَا الصَّلَاةَ لِتَنْزِيلِهِ عَلَى أَقَلِّ دَرَجَاتِ الْفَرْضِ، وَهُوَ تَمْكِينُ الْحَلِيلِ، وَحَمْلُ نَحْوِ الْمُصْحَفِ لِمَنْ نَذَرَهُ، أَوْ خَافَ عَلَيْهِ مِنْ أَخْذِ كَافِرٍ اهـ سم.
وَهَذَا هُوَ الْأَحْوَطُ فَلَا يُقَالُ: إنَّ التَّنْوِينَ يَكُونُ لِلتَّعْظِيمِ، وَهَذَا إذَا نَكَّرَ الْفَرْضَ كَمَا ذُكِرَ، أَمَّا لَوْ عَرَّفَهُ كَأَنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الْفَرْضِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى فَرْضِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ أَلْ لِلْكَمَالِ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ النَّفَلُ مَعَهُ) وَإِنْ نَفَى فِعْلَهُ فَإِنْ نَوَى عَدَمَ اسْتِبَاحَتِهِ لَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ اهـ ق ل. قَوْلُهُ: (أَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَأَطْلَقَ إلَخْ) . فَإِنْ قِيلَ: الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِأَلْ يُفِيدُ الْعُمُومَ، فَلِمَاذَا إذَا قَالَ: نَوَيْت اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ عَدَمَ صَلَاتِهِ الْفَرْضَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا فِي م ر. قَوْلُهُ: (صَلَّى بِهِ النَّفَلَ) وَكَذَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ النَّفَلَ فِي جَوَازِ تَرْكِهَا، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحُهُ: أَوْ نَوَى نَفْلًا وَالصَّلَاةَ فَلَهُ غَيْرُ فَرْضٍ عَيْنِيٍّ مِنْ النَّوَافِلِ وَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَغَيْرِهَا كَمَسِّ الْمُصْحَفِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ) أَيْ غَيْرَ الْكِفَائِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا فِي الْأُولَى) أَيْ نِيَّةِ النَّفْلِ.
قَوْلُهُ: (فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَصْلٌ) أَيْ لِلنَّفْلِ أَيْ أَصْلٌ لَهُ فِي التَّكْلِيفِ، وَالْمَشْرُوعِيَّةِ أَيْ: لَوْ لَمْ يُكَلَّفْ بِالْفَرْضِ لَمْ يُكَلَّفْ بِالنَّفْلِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُكَلَّفْ الصَّبِيُّ بِالنَّفْلِ لِانْتِفَاءِ تَكْلِيفِهِ بِالْفَرْضِ شَوْبَرِيٌّ.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْخِطَابَ وَقَعَ أَوَّلًا بِالْفَرْضِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ.
وَأَمَّا السُّنَنُ فَسَنَّهَا النَّبِيُّ بَعْدُ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْفَرْضَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَلَوْ بِالنَّذْرِ مَرْتَبَةٌ أُولَى، وَأَنَّ نَفْلَهُمَا وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ مَرْتَبَةٌ ثَانِيَةٌ، وَأَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ، وَلَوْ مَنْذُورًا مَرْتَبَةٌ ثَالِثَةٌ، وَلَهُ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ اسْتِبَاحَةُ مَا فِيهَا وَمَا دُونَهَا.
1 - تَنْبِيهٌ: يَكْفِي فِي نَذْرِ الْوِتْرِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا الضُّحَى، وَنَحْوُ ذَلِكَ ق ل. وَقَالَ الشَّيْخُ الْبَابِلِيُّ نَقْلًا عَنْ مَشَايِخِهِ: لَوْ نَذَرَ التَّرَاوِيحَ وَجَبَ عَلَيْهِ عَشْرُ تَيَمُّمَاتٍ لِوُجُوبِ السَّلَامِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْسَ الْجَمِيعُ كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَلَوْ نَذَرَ الضُّحَى أَوْ الْوِتْرَ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ حَيْثُ لَمْ يَنْذِرْ السَّلَامَ مِنْ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ نَذَرَهُ وَجَبَ التَّيَمُّمُ بِعَدَدِهِ.
وَفِي فَتَاوَى م ر مَا يُوَافِقُهُ خِلَافًا لحج فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.

قَوْلُهُ: (جَازَ لَهُ فِعْلُ الْبَقِيَّةِ) وَلَوْ مُكَرَّرًا.

قَوْلُهُ: (صَلَاةَ الْجِنَازَةِ) وَإِنْ تَعَيَّنَتْ ح ل. قَوْلُهُ: (كَالتَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ) أَيْ فَلَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ.

قَوْلُهُ: (مَسْحُ الْوَجْهِ) أَيْ جِنْسُهُ الصَّادِقُ بِالْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى ظَاهِرِ مُسْتَرْسَلِ) أَيْ وَهُوَ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا، وَلَا يُشْتَرَطُ تَيَقُّنُ وُصُولِ التُّرَابِ إلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْعُضْوِ بَلْ يَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ قَوْلُهُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: 6] . إنْ قُلْت: إنَّ الْبَاءَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى مُتَعَدِّدٍ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ بِرُءُوسِكُمْ.
قُلْت: نَعَمْ؛ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَسْحُ الْوَجْهِ بَدَلًا عَنْ غَسْلِهِ، وَالْبَدَلُ يُعْطَى حُكْمَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ خَالَفْنَا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَيْدِيكُمْ) ذِكْرُ الْأَيْدِي

(وَ) الرُّكْنُ الرَّابِعُ وَهُوَ الثَّالِثُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (مَسْحُ) كُلِّ (الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ) لِلْآيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ طَهَارَةَ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْوُضُوءِ أَوَّلَ الْآيَةِ، ثُمَّ أَسْقَطَ مِنْهَا عُضْوَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ فِي آخِرِ الْآيَةِ، فَبَقِيَ الْعُضْوَانِ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى مَا ذُكِرَا فِي الْوُضُوءِ؛ إذْ لَوْ اخْتَلَفَا لَبَيَّنَهُمَا كَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ.

(وَ) الرُّكْنُ الْخَامِسُ وَهُوَ الرَّابِعُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (التَّرْتِيبُ) بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِمَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ أَوْ غُسْلٍ مَسْنُونٍ أَوْ وُضُوءٍ مُجَدَّدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُطْلَبُ لَهُ التَّيَمُّمُ.

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِي الْغُسْلِ وَوَجَبَ فِي التَّيَمُّمِ الَّذِي هُوَ بَدَلُهُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْغُسْلَ لَمَّا وَجَبَ فِيهِ تَعْمِيمُ جَمِيعِ الْبَدَنِ صَارَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَالتَّيَمُّمُ وَجَبَ فِي عُضْوَيْنِ فَقَطْ، فَأَشْبَهَ الْوُضُوءَ، وَلَا يَجِبُ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى مَنْبَتِ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ، فَالْكَثِيفُ أَوْلَى

وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي نَقْلِ التُّرَابِ إلَى الْعُضْوَيْنِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوْ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ التُّرَابَ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ ضَرَبَ الْيَمِينَ قَبْلَ الْيَسَارِ وَمَسَحَ بِيَمِينِهِ وَجْهَهُ وَبِيَسَارِهِ يَمِينَهُ أَوْ عَكَسَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ الْأَصْلِيَّ الْمَسْحُ، وَالنَّقْلُ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ.

وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ

[حاشية البجيرمي]

مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَدْلُولِ.

قَوْلُهُ: (لِلْآيَةِ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ مَسْحُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَانٌ لِوَجْهِ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ: لِلْآيَةِ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ: مَسْحُ الْيَدَيْنِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ وَقَصْدُهُ بِهِ الرَّدُّ عَلَى الْقَدِيمِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ مَسْحُ الْكَفَّيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَفِي عِبَارَتِهِ سُقُوطُ الْعَاطِفِ قَبْلَ قَوْلِهِ: لِأَنَّ اللَّهَ فَتَأَمَّلْ.
وَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ وَهُوَ بَيَانٌ لِوَجْهِ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى مَسْحِ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، مَعَ أَنَّهَا إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى مَسْحِ الْيَدَيْنِ فَقَطْ فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إلَخْ.
أَنَّ الْمُرَادَ الْيَدَانِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، أَوْ يُقَالُ: حَمْلُ الْمُطْلَقِ هُنَا عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْوُضُوءِ، وَهَذَا جَوَابٌ آخَرُ غَيْرُ جَوَابِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَا ذُكِرَا) أَيْ مِنْ الصِّفَةِ وَالتَّرْتِيبِ وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ التَّعْمِيمُ.

قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ الِاتِّبَاعِ، وَقَوْلُهُ: ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وُضُوءٍ مُجَدَّدٍ) فِيهِ نَظَرٌ، فَلَعَلَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ التَّيَمُّمُ بَدَلًا عَنْ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ م ر كَمَا فِي عِبَارَةِ الشَّرْحِ أَيْ مِنْ نَدْبِ التَّيَمُّمِ بَدَلًا عَنْ تَحْدِيدِ الْوُضُوءِ، وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ تَعَدَّدَ مِنْهُ ذَلِكَ مِرَارًا كَأَنْ بَقِيَ وُضُوءُهُ وَحَضَرَتْهُ صَلَوَاتٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ تَيَمُّمُهُ عَنْ حَدَثٍ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ بَقَاءِ وُضُوئِهِ وَبَقَائِهِ عَلَى تَيَمُّمِهِ حَيْثُ طُلِبَ مِنْهُ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ مَعَ بَقَاءِ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يُطْلَبْ مَعَ بَقَاءِ التَّيَمُّمِ عَنْ الْحَدَثِ أَنَّهُ هُنَا بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ الْمَطْلُوبِ، فَأُعْطِيَ حُكْمَهُ مِنْ فِعْلِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَعَ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا التَّيَمُّمُ عَنْ الْحَدَثِ فَهُوَ تَكْرَارٌ لِمَا فَعَلَهُ مُسْتَقِلًّا، وَهُوَ رُخْصَةٌ طُلِبَ تَخْفِيفُهَا فَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُهَا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَقَوْلُهُ: (فَلَعَلَّ الرَّاجِحَ) إلَخْ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ) كَالتَّيَمُّمِ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ أَوْ لِلْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ إلَخْ) وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَأَشْبَهَ الْوُضُوءَ) أَيْ أَشْبَهَ التَّيَمُّمُ الْوُضُوءَ فِي مُطْلَقِ تَعَدُّدِ أَعْضَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَلِذَا وَجَبَ التَّرْتِيبُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (إلَى مَنْبِتِ الشَّعْرِ) أَيْ وَإِنْ طُلِبَتْ إزَالَتُهُ كَلِحْيَةِ الْمَرْأَةِ وَخَرَجَ بِهِ مَا تَحْتَ الْأَظَافِرِ، فَيَجِبُ إيصَالُ التُّرَابِ إلَيْهِ كَالْوُضُوءِ ق ل. وَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ وُجُوبِ إيصَالِ التُّرَابِ إلَى مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْخَفِيفَةِ بِأَنَّ الْأَظَافِرَ مَطْلُوبَةُ الْإِزَالَةِ بِخِلَافِ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ شَوْبَرِيٌّ.
وَقَالَ ع ش: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لِحْيَةَ امْرَأَةٍ، لَكِنْ ظَاهِرُ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ إيصَالُ التُّرَابِ لِمَا تَحْتَ الْأَظْفَارِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِزَالَتِهَا أَنَّهُ يَجِبُ فِي لِحْيَةِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِإِزَالَتِهَا، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إيصَالُهُ، وَلَوْ فِي لِحْيَةِ الْمَرْأَةِ لِلْعُسْرِ اهـ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي نَقْلِ التُّرَابِ إلَخْ) هَذَا تَقْيِيدٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالتَّرْتِيبُ، فَبَيَّنَ الشَّارِحُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّرْتِيبُ فِي الْمَسْحِ لَا فِي النَّقْلِ.
وَقَوْلُهُ: (فِي نَقْلِ التُّرَابِ) أَيْ تَحْوِيلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَسَحَ بِيَمِينِهِ) رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ قَبْلَهُ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ تَرْتِيبٌ بَيْنَ النَّقْلَتَيْنِ مِنْ الْأَرْضِ، وَعَدَمُ التَّرْتِيبِ فِي الثَّانِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَكْسِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ عَكَسَ هُوَ مَحَلَّ الشَّاهِدِ.

قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ التُّرَابِ) ضَعِيفٌ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ م ر أَنَّهُ

التُّرَابِ لِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ يَمْسَحُهُ أَوْ يُطْلَقُ، فَلَوْ أَخَذَ التُّرَابَ لِيَمْسَحَ بِهِ وَجْهَهُ فَتَذَكَّرَ أَنَّهُ مَسَحَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ بِذَلِكَ التُّرَابِ يَدَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَهُ لِيَدَيْهِ ظَانًّا أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ بِهِ وَجْهَهُ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ

وَيَجِبُ مَسْحُ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِضَرْبَتَيْنِ لِخَبَرِ الْحَاكِمِ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ مَسَحَ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ وَبِالْأُخْرَى ذِرَاعَيْهِ» . وَلِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ غَالِبًا لَا يَتَأَتَّى بِدُونِهِمَا فَأَشْبَهَا الْأَحْجَارَ الثَّلَاثَةَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ

وَلَا يَتَعَيَّنُ الضَّرْبُ فَلَوْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى تُرَابٍ نَاعِمٍ وَعَلِقَ بِهِمَا غُبَارٌ كَفَى.

ثُمَّ شَرَعَ فِي سُنَنِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: (وَسُنَنُهُ) : أَيْ التَّيَمُّمِ (ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ثَلَاثُ خِصَالٍ بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا سَتَعْرِفُهُ: الْأَوَّلُ (التَّسْمِيَةُ) أَوَّلَهُ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَلَوْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَكْبَرَ.
(وَ) الثَّانِي (تَقْدِيمُ الْيُمْنَى) مِنْ الْيَدَيْنِ (عَلَى الْيُسْرَى) مِنْهُمَا (وَ) الثَّالِثُ (الْمُوَالَاةُ) كَالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَهَارَةٌ

[حاشية البجيرمي]

لَا يُشْتَرَطُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يُطْلِقُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ مُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ) ضَعِيفٌ كَمَا عَلِمْت.
وَقَوْلُهُ: (ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ) أَيْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُبَابِ، وَلَكِنْ الَّذِي فِي شَرْحِ م ر أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الصُّورَتَيْنِ اهـ اج.

قَوْلُهُ: (بِضَرْبَتَيْنِ) أَيْ وَإِنْ أَمْكَنَ بِضَرْبَةٍ بِخِرْقَةٍ، وَصُورَتُهَا بِأَنْ يَضَعَ الْخِرْقَةَ الَّتِي عَلِقَ بِهَا التُّرَابُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُرَتِّبُ تَرْدِيدَهَا عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ؛ فَهَذِهِ الصُّورَةُ صَدَقَ عَلَيْهِ فِيهَا أَنَّهُ تَيَمَّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ التَّرْتِيبِ، وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ تَعَدُّدِ الضَّرْبِ نَبَّهَ عَلَى هَذَا التَّصْوِيرِ سم فِي حَوَاشِي ابْنِ حَجَرٍ.
فَلَا حَاجَةَ لِمَا أَطَالَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ التَّصَاوِيرِ الْفَاسِدَةِ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا إلَّا لِحَاجَةٍ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الضَّرْبَتَيْنِ إذَا حَصَلَ الِاسْتِيعَابُ بِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَعَيَّنَتْ الزِّيَادَةُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ) وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، فَلَوْ مَسَحَ بِبَعْضِ وَاحِدَةٍ وَجْهَهُ وَبِبَعْضِهَا الْآخَرِ مَعَ الْأُخْرَى الْيَدَيْنِ أَوْ عَكَسَهُ كَفَى ق ل. فَقَوْلُهُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ.

قَوْلُهُ: (كَفَى) فَالتَّعْبِيرُ بِالضَّرْبِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ.

قَوْلُهُ: (بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ فَمِنْهَا السِّوَاكُ، وَمَحَلُّهُ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَالنَّقْلِ، كَمَا أَنَّهُ فِي الْوُضُوءِ بَيْنَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالْمَضْمَضَةِ اهـ ابْنُ حَجَرٍ.
أَقُولُ: وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَا يُسْتَحَبُّ مُقَارَنَتُهَا لِلنَّقْلِ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ مِنْ اسْتِحْبَابِ مُقَارَنَتِهَا لِغَسْلِ الْكَفَّيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَقِيَامُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا فِي التَّيَمُّمِ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِهِ فِي الْغَسْلِ فَيُسَنُّ التَّسْمِيَةُ لَهُ ثُمَّ السِّوَاكُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَعَلَى قِيَاسِ الْوُضُوءِ مِنْ مُقَارَنَةِ التَّسْمِيَةِ لِغَسْلِ الْكَفَّيْنِ يَنْبَغِي أَنْ تُقَارِنَ هُنَا أَوَّلَ النَّقْلِ، فَيَكُونُ السِّوَاكُ قَبْلَ النَّقْلِ وَالتَّسْمِيَةِ ع ش عَلَى م ر. وَيُسَنُّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَهُ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ م ر فِي فَتَاوِيهِ نَقْلًا عَنْ الْبُلْقِينِيُّ اهـ. قَوْله: (كَالْوُضُوءِ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ طَلَبُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي التَّيَمُّمِ وَهُوَ كَذَلِكَ ق ل. وَفِي هَذِهِ الِاسْتِفَادَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَاسَ عَلَى الْوُضُوءِ سَنُّ التَّسْمِيَةِ لَهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ يُؤْخَذُ إلَخْ.
فِيهِ نَظَرٌ لِذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: كَالْوُضُوءِ أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى التَّسْمِيَةِ الِاسْتِعَاذَةَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوُضُوءِ، لَكِنْ بِإِبْدَالِ الْمَاءِ بِالتُّرَابِ بِأَنْ يَقُولَ قَبْلَهُ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي اسْتِحْبَابُ الشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَهُ، وَمِثْلُهُمَا إنَّا أَنْزَلْنَاهُ ثَلَاثًا كَطَلَبِهَا عَقِبَ الْوُضُوءِ قَرَّرَهُ ح ف. قَوْلُهُ: (وَلَوْ لِمُحْدِثٍ حَدَثًا أَكْبَرَ) أَيْ إذَا قَصَدَ الذِّكْرَ بِهَا أَوْ أَطْلَقَ، أَمَّا إذَا قَصْدَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ مَعَ الذِّكْرِ فَحَرَامٌ كَمَا مَرَّ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّ الْجُنُبَ يَقْتَصِرُ عَلَى أَقَلِّ التَّسْمِيَةِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَأْتِي الْأَكْمَلَ.
قَوْلُهُ: (وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى) وَيُسَنُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَلَى كَيْفِيَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ، وَهِيَ أَنْ يَضَعَ بُطُونَ أَصَابِعِ الْيُسْرَى سِوَى الْإِبْهَامِ تَحْتَ أَطْرَافِ أَنَامِلِ الْيُمْنَى بِحَيْثُ لَا تَخْرُجُ أَنَامِلُ الْيُمْنَى عَنْ مُسَبِّحَةِ الْيُسْرَى، وَلَا مُسَبِّحَةُ الْيُمْنَى عَنْ أَنَامِلِ الْيُسْرَى، وَيُمِرُّهَا عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُمْنَى، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ ضَمَّ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ إلَى حَرْفِ الذِّرَاعِ، وَيُمِرُّهَا إلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ يُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إلَى بَطْنِ الذِّرَاعِ فَيُمِرُّهَا عَلَيْهِ رَافِعًا إبْهَامَهُ، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ أَمَرَّ إبْهَامَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ إبْهَامِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَفْعَلُ بِالْيُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ يَمْسَحُ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُمَا حَصَلَ بِضَرْبِهِمَا بَعْدَ

عَنْ حَدَثٍ، وَإِذَا اعْتَبَرْنَا هُنَاكَ الْجَفَافَ اعْتَبَرْنَاهُ هُنَا أَيْضًا بِتَقْدِيرِهِ مَاءً، وَمِنْ سُنَنِهِ أَيْضًا الْمُوَالَاةُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهَا، وَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ بِقِسْمَيْهَا فِي تَيَمُّمٍ دَائِمِ الْحَدَثِ كَمَا تَجِبُ فِي وُضُوئِهِ تَخْفِيفًا لِلْمَانِعِ.
وَمِنْ سُنَنِهِ الْبُدَاءَةُ بِأَعْلَى وَجْهِهِ، وَتَخْفِيفُ الْغُبَارِ مِنْ كَفَّيْهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، وَتَفْرِيقُ أَصَابِعِهِ فِي أَوَّلِ الضَّرْبَتَيْنِ، وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِهِ بَعْدَ مَسْحِ الْيَدَيْنِ، وَأَنْ لَا يَرْفَعَ الْيَدَ عَنْ الْعُضْوِ قَبْلَ تَمَامِ مَسْحِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: (وَاَلَّذِي يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ) بَعْدَ صِحَّتِهِ (ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (مَا) أَيْ الَّذِي (أَبْطَلَ الْوُضُوءَ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ (وَ) الثَّانِي (رُؤْيَةُ الْمَاءِ) الطَّهُورِ (فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ) وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا

[حاشية البجيرمي]

مَسْحِ وَجْهِهِ، وَجَازَ مَسْحُ ذِرَاعِهِ بِتُرَابِهِمَا لِعَدَمِ انْفِصَالِهِ مَعَ الْحَاجَةِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ مَسْحُ الذِّرَاعِ بِكَفِّهَا فِصَالٌ كَنَقْلِ الْمَاءِ مِنْ بَعْضِ الْعُضْوِ إلَى بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَالْمُوَالَاةُ) هَذَا مَحَلُّهُ فِي السَّلِيمِ، أَمَّا صَاحِبُ الضَّرُورَةِ فَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ فِي طُهْرِهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (بِتَقْدِيرِهِ) أَيْ التُّرَابِ مَاءً.
قَوْلُهُ: (وَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ إلَخْ) وَتَجِبُ أَيْضًا فِي وُضُوءِ السَّلِيمِ وَتَيَمُّمِهِ وَغُسْلِهِ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ.
قَوْلُهُ: (بِقِسْمَيْهَا) أَيْ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الشَّرْحِ، وَهُوَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَتَخْفِيفُ الْغُبَارِ) أَيْ بِنَفْضِهِ أَمْ نَفْضِ الْيَدِ إذَا كَانَ كَثِيرًا، وَأَمَّا مَسْحُ التُّرَابِ عَنْ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ فَالْأَحَبُّ كَمَا فِي الْأُمِّ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا) أَيْ الْكَفَّيْنِ مِنْ خِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا أَوْ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ لِلتَّخْفِيفِ وَجِنْسِ الْكَفَّيْنِ، فَالْقَائِمُ مَقَامَ التَّخْفِيفِ النَّفْخُ وَمَقَامَ الْكَفَّيْنِ الْخِرْقَةُ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (فِي أَوَّلِ الضَّرْبَتَيْنِ) أَيْ فِي أَوَّلِ كُلٍّ مِنْ الضَّرْبَتَيْنِ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِزِيَادَةِ إثَارَةِ الْغُبَارِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِيَسْتَغْنِيَ بِالْوَاصِلِ لِمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ مِنْ التُّرَابِ عَنْ الْمَسْحِ بِمَا عَلَى الْكَفِّ اهـ. م د بِزِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِهِ) أَيْ إذَا فَرَّقَ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهِمَا، أَوْ فَرَّقَ فِي الْأُولَى فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَيُسَنُّ نَزْعُ خَاتَمِهِ فِي الْأُولَى لِيَكُونَ مَسْحُ الْوَجْهِ بِجَمِيعِ الْيَدِ، وَيَجِبُ نَزْعُهُ فِي الثَّانِيَةِ لِيَصِلَ التُّرَابُ إلَى مَحَلِّهِ، وَلَا يَكْفِي تَحْرِيكُهُ بِخِلَافِهِ فِي الطُّهْرِ بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِيجَابُ نَزْعِهِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْمَسْحِ لَا عِنْدَ النَّقْلِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَكْفِي تَحْرِيكُهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَصِلْ وَقَوْلُهُ فَإِيجَابُ نَزْعِهِ إلَخْ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَإِيجَابُهُ لَيْسَ لِعَيْنِهِ بَلْ لِإِيصَالِ التُّرَابِ لِمَا تَحْتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى غَالِبًا إلَّا بِالنَّزْعِ، حَتَّى لَوْ حَصَلَ الْفَرْضُ بِتَحْرِيكِهِ أَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِسَعَتِهِ كَفَى، كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ ضَيِّقًا بِحَيْثُ يَعْلَمُ عَدَمَ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ فِي الطُّهْرِ بِهِ إلَّا بِتَحْرِيكِهِ أَوْ نَزْعِهِ وَجَبَ اهـ بِاخْتِصَارٍ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: وَسَقَطَ فَرْضُ الرَّاحَتَيْنِ، وَمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ حِينَ ضَرَبَهُمَا.
قَالُوا، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَارَ التُّرَابُ مُسْتَعْمَلًا فَكَيْفَ يَمْسَحُ بِهِ الذِّرَاعَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمَاءِ الَّذِي غُسِلَتْ بِهِ إحْدَى الْيَدَيْنِ إلَى الْأُخْرَى؟ فَالْجَوَابُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْيَدَيْنِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، فَلَا يُحْكَمُ بِالِاسْتِعْمَالِ إلَّا بِالِانْفِصَالِ، وَالْمَاءُ يَنْفَصِلُ بِخِلَافِ التُّرَابِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ؛ إذْ لَا يُمْكِنُهُ مَسْحُ الذِّرَاعِ بِكَفِّهَا بَلْ يَفْتَقِرُ إلَى كَفِّ الْأُخْرَى، فَصَارَ كَنَقْلِ الْمَاءِ مِنْ بَعْضِ الْعُضْوِ إلَى بَعْضِهِ ذَكَرَهُ كُلَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنَّ انْتِقَالَ الْمَاءِ مِنْ إحْدَى الْيَدَيْنِ إلَى الْأُخْرَى مَعَ الِاتِّصَالِ لَا يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا شَرْحُ التَّنْقِيحِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ أَوْجَبَهُ) أَيْ عَدَمَ الرَّفْعِ.

[مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ]

قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ) أَيْ يَنْتَهِي بِهِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةٌ) الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ جَارِيَانِ فِي التَّيَمُّمِ لِفَقْدِ الْمَاءِ وَلِغَيْرِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَخَاصٌّ بِمَنْ يَتَيَمَّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (مَا أَبْطَلَ الْوُضُوءَ) أَيْ إنْ كَانَ التَّيَمُّمُ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ، أَمَّا لَوْ كَانَ التَّيَمُّمُ عَنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
وَيُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا رَجُلٌ مُتَيَمِّمٌ بَالَ وَتَغَوَّطَ وَنَامَ غَيْرَ مُمَكِّنٍ، وَلَوْ مَسَّ وَجُنَّ وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ، وَصُورَتُهُ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (رُؤْيَةُ الْمَاءِ) لَيْسَ الْمُرَادُ رُؤْيَةُ الْبَصَرِ فَقَطْ، بَلْ الْمُرَادُ

قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «التُّرَابُ كَافِيك وَلَوْ لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ، فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْمَقْصُودِ فَصَارَ كَمَا لَوْ رَآهُ فِي أَثْنَاءِ التَّيَمُّمِ، وَوُجُودُ ثَمَنِ الْمَاءِ عِنْدَ إمْكَانِ شِرَائِهِ كَوُجُودِ الْمَاءِ

وَكَذَا تَوَهُّمُ الْمَاءِ وَإِنْ زَالَ سَرِيعًا لِوُجُوبِ طَلَبِهِ بِخِلَافِ تَوَهُّمِ سُتْرَةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُهَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ وُجْدَانِهَا بِالطَّلَبِ لِلْبُخْلِ بِهَا، وَمِنْ التَّوَهُّمِ رُؤْيَةُ سَرَابٍ، وَهُوَ مَا يُرَى نِصْفَ النَّهَارِ كَأَنَّهُ مَاءٌ أَوْ رُؤْيَةُ غَمَامَةٍ مُطْبِقَةٍ بِقُرْبِهِ، أَوْ رُؤْيَةُ رَكْبٍ طَلَعَ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَوَهَّمُ مَعَهُ الْمَاءُ، فَلَوْ سَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ: عِنْدِي مَاءٌ لِغَائِبٍ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِعِلْمِهِ بِالْمَاءِ

[حاشية البجيرمي]

الْعِلْمُ فَدَخَلَ الْأَعْمَى، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا، وَإِنْ لَمْ يَكْفِ لِطَهَارَتِهِ وَلَوْ عَمَّتْ الْجِرَاحَةُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَرَأْسَهُ، وَرِجْلَاهُ سَلِيمَتَانِ وَفَقَدَ الْمَاءَ وَتَيَمَّمَ تَيَمُّمًا وَاحِدًا، ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى رِجْلَيْهِ لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ عَنْهُمَا لِفَقْدِ الْمَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ وَلَا يَبْطُلُ بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ عَنْهَا لِلْعِلَّةِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ؛ إذْ بُطْلَانُ بَعْضِ الطَّهَارَةِ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ كُلِّهَا سَوَاءٌ كَانَتْ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتُّرَابِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الطَّهُورِ) لَا حَاجَةَ لِتَقْيِيدِهِ بِالطَّهُورِ؛ إذْ رُؤْيَةُ الْمَاءِ مُضِرَّةٌ مُطْلَقًا كَذَا قِيلَ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ يُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ) أَيْ وَقْتِ التَّلَبُّسِ بِهَا أَيْ: قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِالرَّاءِ مِنْ أَكْبَرَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ اج.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ) أَيْ فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ حَجّ أَيْ إذَا كَانَ فِي حَدِّ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى الْوَقْتِ حِينَئِذٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي سم مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ أَمْ لَا.
أَيْ: إذَا كَانَ الْمَاءُ فِي حَدِّ الْغَوْثِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا غَايَةٌ فِي التَّيَقُّنِ الَّذِي هُوَ الرُّؤْيَةُ أَيْ الْعِلْمُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ بِخِلَافِ التَّوَهُّمِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى ضِيقِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَوْ تَوَضَّأَ خَرَجَ الْوَقْتُ لِانْتِفَاءِ الْمُبِيحِ فِي التَّيَقُّنِ ز ي. وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُفَسِّرَ الضِّيقَ بِمَا إذَا تَوَضَّأَ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا.
قَوْلُهُ: (حِجَجٍ) أَيْ سِنِينَ جَمْعُ حِجَّةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ كَسِدْرَةٍ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ الْحَاكِمُ) أَيْ أَيْضًا فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد.
وَفِي حَجّ: وَرَوَاهُ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَكَذَا تَوَهُّمُ الْمَاءِ) وَمِثْلُهُ الْآلَةُ وَالرِّشَاءُ أَيْ: يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى الْوَقْتِ، وَلَوْ كَانَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي حَدِّ الْغَوْثِ نَظَرًا لِلْعِلَّةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: لِوُجُودِ طَلَبِهِ؛ إذْ لَا يَجِبُ طَلَبُهُ إذَا تَوَهَّمَهُ فِي حَدِّ الْقُرْبِ، وَالرِّشَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يَسْتَقِي بِهِ، فَعَطَفَهُ عَلَى الْآلَةِ عَطْفَ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ.
قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَمِنْهُ أَيْ التَّوَهُّمِ مَا لَوْ تَوَهَّمَ زَوَالَ الْمَانِعِ الْحِسِّيِّ كَأَنْ تَوَهَّمَ زَوَالَ السَّبْعِ فَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لِوُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ تَوَهُّمِ زَوَالِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ كَتَوَهُّمِ الشِّفَاءِ فَلَا يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ اهـ. قَوْلُهُ: (رُؤْيَةُ سَرَابٍ) أَيْ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ عِنْدَ رُؤْيَةِ ابْتِدَائِهِ أَنَّهُ سَرَابٌ، وَإِلَّا فَلَا بُطْلَانَ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ وَاحِدٌ لِجَمْعٍ مُتَيَمِّمِينَ أَبَحْتُكُمْ هَذَا الْمَاءَ أَوْ وَهَبْته لَكُمْ وَهُوَ يَكْفِي وَاحِدًا فَقَطْ بَطَلَ تَيَمُّمُ الْكُلِّ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ.
وَالظَّاهِرُ عَدَمُ تَوَقُّفِ الْبُطْلَانِ عَلَى الْقَبُولِ سم.
فَرْعٌ: نَامَ مُتَيَمِّمٌ مُتَمَكِّنًا وَمَرَّ بِهِ مَاءٌ حَالَ نَوْمِهِ، وَلَمْ يَنْتَبِهْ حَتَّى وَصَلَ أَيْ الْمَاءُ إلَى مَحَلٍّ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ هَلْ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لِتَقْصِيرِهِ أَوْ لَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ؟ اخْتَارَ م ر عَدَمَ الْبُطْلَانِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ بِئْرٌ خَفِيَّةٌ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُقَالُ بِالْبُطْلَانِ وَيُفَرَّقُ بِتَقْصِيرِ النَّائِمِ بِخِلَافِ الْبِئْرِ الْخَفِيَّةِ اهـ اج وَجَزَمَ م ر بِالْأَوَّلِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» . فَرْعٌ: هَلْ مُجَرَّدُ تَوَهُّمِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ التُّرَابَ فِي الصَّلَاةِ يُبْطِلُهَا، كَمَا لَوْ تَوَهَّمَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ خَارِجَ الصَّلَاةِ حَيْثُ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَانْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ مُطْلَقًا وَنُقْصَانِهَا أَيْ الصَّلَاةِ حَتَّى قِيلَ إنَّهَا غَيْرُ صَلَاةٍ شَرْعِيَّةٍ أَوْ لَا.
فِيهِ نَظَرٌ.
وَمَالَ م ر إلَى الْبُطْلَانِ.
قَالَ: إلَّا أَنْ يُوجَدَ نَقْلٌ بِخِلَافِهِ.
اهـ. سم ع ش عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (غَمَامَةٍ مُطْبِقَةٍ بِقُرْبِهِ) أَيْ بِحَدِّ الْغَوْثِ فَمَا دُونَهُ فِيمَا يَظْهَرُ قَالَ حَجّ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ سَمِعَ قَائِلًا إلَخْ) هَذِهِ فُرُوعٌ خَمْسَةٌ غَيْرُ مُتَفَرِّعَةٍ عَلَى مَا قَبْلَهَا، فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهَا وَذِكْرَهَا بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِنَّمَا يُبْطِلُهُ وُجُودُ الْمَاءِ إلَخْ.
كَمَا فَعَلَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَإِنَّهَا مُتَفَرِّعَةٌ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ، قَوْلُهُ: (عِنْدِي لِغَائِبٍ مَاءٌ) أَيْ وَهُوَ يَعْلَمُ غَيْبَتَهُ وَعَدَمَ رِضَاهُ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ حُضُورَهُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِوُجُوبِ السُّؤَالِ عَنْهُ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ: عِنْدِي مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ مَاءٌ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لِوُجُوبِ

قَبْلَ الْمَانِعِ، أَوْ يَقُولُ: عِنْدِي لِغَائِبٍ مَاءٌ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ لِمُقَارَنَةِ الْمَانِعِ وُجُودَ الْمَاءِ، وَلَوْ قَالَ: عِنْدِي لِحَاضِرٍ مَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ مَاءٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ السَّامِعُ غَيْبَتَهُ، وَلَا حُضُورَهُ وَجَبَ السُّؤَالُ عَنْهُ أَيْ: وَبَطَلَ تَيَمُّمُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ وُجُوبَ الطَّلَبِ يُبْطِلُهُ، وَلَوْ سَمِعَهُ يَقُولُ: عِنْدِي مَاءُ وَرْدٍ بَطَلَ أَيْضًا، وَوُجُودُ مَا ذُكِرَ قَبْلَ تَمَامِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كَوُجُودِهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُبْطِلُهُ وُجُودُ الْمَاءِ أَوْ تَوَهُّمُهُ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَانِعٍ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ كَعَطَشٍ وَسَبْعٍ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَالْعَدَمِ.

فَإِنْ وَجَدَهُ فِي صَلَاةٍ لَا يَسْقُطُ قَضَاؤُهَا بِالتَّيَمُّمِ بِأَنْ صَلَّى فِي مَكَان يَغْلِبُ

[حاشية البجيرمي]

الْبَحْثِ عَنْ صَاحِبِ الْمَاءِ، فَيُحْتَمَلُ كُفْرُهُ وَهُوَ يَرَى لِلْخَمْرِ ثَمَنًا فَيَكُونُ مَانِعًا لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ ثَمَنٌ عِنْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَمْرُ لِمُسْلِمٍ فَعِنْدَهُ لَا ثَمَنَ لِلْخَمْرِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ، وَالضَّابِطُ أَنَّهُ إذَا تَقَدَّمَ الْمَانِعُ لَمْ يَبْطُلْ التَّيَمُّمُ بِخِلَافِ تَأَخُّرِهِ كَعِنْدِي مَاءٌ لِلْعَطَشِ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (لِمُقَارَنَةِ الْمَانِعِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَارَنَةِ عَدَمُ التَّأَخُّرِ فَيَصْدُقُ بِالْمُتَقَدِّمِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ وَبَطَلَ تَيَمُّمُهُ إلَخْ) أَيْ هُنَا لَيْسَتْ تَفْسِيرِيَّةً، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى أَيْضًا أَيْ وَبَطَلَ التَّيَمُّمُ أَيْضًا أَيْ كَمَا وَجَبَ السُّؤَالُ بَطَلَ التَّيَمُّمُ كَمَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُهُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ كَلَامَيْنِ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ الَّذِي بَعْدَهَا لِغَيْرِ الْقَائِلِ لِمَا قَبْلَهَا فَلَا يَظْهَرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عِنْدِي مَاءُ وَرْدٍ) وَكَذَا عِنْدِي مَاءٌ نَجِسٌ أَوْ مُسْتَعْمَلٌ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا) أَيْ التَّكْبِيرَةِ وَالْمَعِيَّةُ كَالْقَبْلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (يَمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ) وَمِثْلُ الْمَانِعِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَا لَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ وَخَافَ غَرَقًا كَمَا قَالَ حَجّ.
وَيَصِحُّ أَنْ يُلْغَزَ بِذَلِكَ وَيُقَالَ: لَنَا رَجُلٌ سَلِيمُ الْأَعْضَاءِ غَيْرُ فَاقِدٍ لِلْمَاءِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَصُورَتُهُ: مَا لَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ وَخَافَ غَرَقًا لَوْ أَخَذَ الْمَاءَ مِنْ الْبَحْرِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: وَمَا رَجُلٌ لِلْمَاءِ لَيْسَ بِفَاقِدٍ ... سَلِيمٌ لِعُضْوٍ مِنْ مُبِيحِ تَيَمُّمِ تَيَمَّمَ لَا يَقْضِي صَلَاةً وَهَذِهِ لَعَمْرِي ... حَقٌّ فِي كِتَابٍ مُفَخَّمِ أَجَابَ كَاتِبُهُ مُضَمِّنًا الشَّطْرَ الْأَخِيرَ فِي السُّؤَالِ: لَقَدْ كَانَ هَذَا فِي السَّفِينَةِ رَاكِبًا ... وَخَافَ سُقُوطًا لَوْ تَوَضَّأَ فَافْهَمْ يُصَلِّي وَلَا يَقْضِي وَهَذَاكَ جَائِزٌ ... لَعَمْرِي جَزْمًا فِي كِتَابٍ مُعَظَّمِ قَوْلُهُ: (كَعَطَشٍ) مَانِعٌ شَرْعِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: (وَسَبُعٌ) مَانِعٌ حِسِّيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ وُجُودَهُ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ التَّوَهُّمَ كَالْعَدَمِ بِالْأَوْلَى.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَجَدَهُ فِي صَلَاةٍ إلَخْ) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِ الْمَتْنِ الْمَارِّ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَالْمُرَادُ وَجَدَهُ، وَلَوْ فِي حَدِّ الْقُرْبِ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي وُجُوبِ الطَّلَبِ فِي حَدِّ الْقُرْبِ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَمْنُ خُرُوجِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَفْرُوضٌ فِيمَا يَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالتَّيَمُّمِ، بِخِلَافِ مَا لَا يَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالتَّيَمُّمِ فَيَجِبُ الطَّلَبُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ مَرْحُومِيٌّ وَخَرَجَ بِوُجُودِهِ تَوَهُّمُهُ أَيْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا، وَيَبْطُلُ بِهِ غَيْرُهَا كَقِرَاءَةٍ وَطَوَافٍ وَوَطْءٍ ق ل. وَانْظُرْ لَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ وَشَكَّ هَلْ هَذَا الْمَحَلُّ مِمَّا يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ أَوْ الْوُجُودُ فَهَلْ تَبْطُلُ لِتَرَدُّدِهِ أَمْ لَا؟ لِأَنَّا تَحَقَّقْنَا الِانْعِقَادَ وَشَكَكْنَا فِي الْمُبْطِلِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ.
وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهُ وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ إنْ قَارَنَ شَكُّهُ التَّحَرُّمَ، وَظَاهِرُهُ بُطْلَانُهَا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ وَتَوَهُّمَهُ وَالْقُدْرَةَ عَلَى ثَمَنِهِ وَزَوَالَ الْعِلَّةِ تَارَةً تَكُونُ مَعَ حَائِلٍ وَتَارَةً تَكُونُ بِلَا حَائِلٍ، وَإِذَا كَانَتْ مَعَ حَائِلٍ فَتَارَةٌ يَتَقَدَّمُ عِلْمُهُ وَتَارَةً يَتَأَخَّرُ وَتَارَةً يُقَارِنُ، فَهَذِهِ سِتَّ عَشَرَةَ صُورَةً حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ أَرْبَعَةٍ فِي أَرْبَعَةٍ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا وَهِيَ تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ أَوْ لَا.
فَالْجُمْلَةُ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ صُورَةً فَإِنْ تَقَدَّمَ عِلْمُ الْحَائِلِ أَوْ قَارَنَ فَلَا بُطْلَانَ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِلَا حَائِلٍ أَوْ بِحَائِلٍ مُتَأَخِّرٍ فَتَارَةً يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ، وَتَارَةً يَكُونُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِهَا بَطَلَ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ لَهَا لَمْ يَبْطُلْ فِي التَّوَهُّمِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَيَنْظُرُ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِالتَّيَمُّمِ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ لِبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ.

فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ بِالِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا، وَإِنْ أَسْقَطَ التَّيَمُّمُ قَضَاءَهَا لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الْمَقْصُودِ فَكَانَ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُكَفِّرُ الرَّقَبَةَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ لَيْسَ حَدَثًا لَكِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ ابْتِدَاءِ التَّيَمُّمِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَلَاةِ الْفَرْضِ كَظُهْرٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ، وَالنَّفَلِ كَعِيدٍ وَوِتْرٍ

وَلَوْ رَأَى الْمُسَافِرُ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاصِرٌ، ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ أَوْ نَوَى الْقَاصِرُ الْإِتْمَامَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ تَغْلِيبًا، لِحُكْمِ الْإِقَامَةِ فِي الْأُولَى، وَلِحُدُوثِ مَا لَمْ يَسْتَبِحْهُ فِيهَا.
وَفِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ كَافْتِتَاحِ صَلَاةٍ أُخْرَى، وَشِفَاءُ الْمَرِيضِ مِنْ مَرَضِهِ فِي الصَّلَاةِ كَوِجْدَانِ الْمُسَافِرِ الْمَاءَ فِيهَا، فَيُنْظَرُ إنْ كَانَتْ مِمَّا يَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ لَمْ يَبْطُلْ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ كَأَنْ تَيَمَّمَ، وَقَدْ وَضَعَ الْجَبِيرَةَ عَلَى حَدَثٍ بَطَلَتْ وَقَطَعَ الصَّلَاةَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ لِيَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ بَدَلَهَا أَفْضَلَ مِنْ إتْمَامِهَا كَوُجُودِ الْمُكَفِّرِ الرَّقَبَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (لَا يَسْقُطُ قَضَاؤُهَا) أَيْ فِعْلُهَا، وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ الْأَدَاءُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُطْلَقُ عَلَى الْآخَرِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا لَا يُقَالُ لَهُ قَضَاءٌ فِي الِاصْطِلَاحِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ صَلَّى إلَخْ) عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَحَلِّ الصَّلَاةِ لَا بِمَحَلِّ التَّيَمُّمِ، وَالْعِبْرَةُ أَيْضًا بِزَمَنِ الصَّلَاةِ فَقَطْ لَا جَمِيعِ الْعَامِّ سم، وَالْعِبْرَةُ أَيْضًا بِتَحَرُّمِهَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ) وَيَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ سَلَامِهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَاءَ تَلِفَ كَمَا يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ فِي الصَّلَاةِ لِسُجُودِ السَّهْوِ بِخِلَافِهِ لِتَذَكُّرِ رُكْنٍ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الْمَقْصُودِ) إنْ قُلْت: هَذَا التَّعْلِيلُ يَأْتِي فِي الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَبْطُلُ بِوُجُودِ الْمَاءِ فِيهَا.
قُلْت: قَدْ أَشَارَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ فِي التَّعْلِيلِ لِتَلَبُّسِهِ بِالْمَقْصُودِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ إتْمَامِهِ أَيْ بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهُنَاكَ مَانِعٌ مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ وَهُوَ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُكَفِّرُ الرَّقَبَةَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ) أَيْ فَإِنَّهُ إذَا وَجَدَ الرَّقَبَةَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الصَّوْمِ لَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ قَطْعُ الصَّوْمِ، وَإِعْتَاقُهَا وَكَالصَّوْمِ الْإِطْعَامُ، فَإِنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لَا يَجِبُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ ذَلِكَ، وَهَلْ يَقَعُ الصَّوْمُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا إذَا عَدَلَ إلَى الْإِعْتَاقِ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ نَوَى بِهِ الْفَرْضَ، وَبَقِيَ مَا لَوْ انْقَطَعَ تَتَابُعُ الْمُكَفِّرِ هَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ حَيْثُ وَجَدَ الرَّقَبَةَ أَمْ يَسْتَأْنِفُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ اهـ اط ف. قَوْلُهُ: (لَيْسَ حَدَثًا) أَيْ حَتَّى يَبْطُلَ بِهِ التَّيَمُّمُ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ ابْتِدَاءِ التَّيَمُّمِ) أَيْ لَا مِنْ دَوَامِهِ وَيُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، فَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الضَّمَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْبُطْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَعَدَمِ الْبُطْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ) أَيْ فَيَسْقُطُ طَلَبُهَا فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّفَلُ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقَضَاءُ وَعَدَمُهُ وَفِيهِ بُعْدٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَسْقُطُ طَلَبُهُ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ.

قَوْلُهُ: (فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ) أَيْ الَّتِي تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ بِأَنْ كَانَتْ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ أَوْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَلَيْسَ قَيْدًا، بَلْ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ مَعَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ كَذَلِكَ فِي الْأَوْجَهِ سم.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ تَضُرُّ هُنَا سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا مَاكِثًا أَمْ لَا.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَأْتِي فِي قَطْعِ السَّفَرِ حَيْثُ اشْتَرَطُوا فِيهِ الِاسْتِقْلَالَ بِسَعَةِ بَابِ السَّفَرِ عَنْ بَابِ التَّيَمُّمِ؛ إذْ الْقَصْرُ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةً، وَهُنَا لَا يَتَيَمَّمُ إلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ فَأَدْنَى شَيْءٍ يُبْطِلُهُ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ) أَيْ مَعَ الرُّؤْيَةِ وَبِالْأَوْلَى نِيَّةُ الْإِتْمَامِ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ اهـ اج.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْإِقَامَةَ بِالْفِعْلِ وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ، وَنِيَّةُ الْإِتْمَامِ إنْ كَانَتْ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ، أَوْ مَعَهَا أَبْطَلَتْ التَّيَمُّمَ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ فَلَا تُبْطِلُهُ.
قَوْلُهُ: (تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْإِقَامَةِ فِي الْأَوْلَى) أَيْ أَنَّهُ اجْتَمَعَ سَفَرٌ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَإِقَامَةٌ بِاعْتِبَارِ آخِرِهَا فَغَلَّبْنَا الْإِقَامَةَ وَقُلْنَا بِالْبُطْلَانِ.
قَوْلُهُ: (لِحُكْمِ الْإِقَامَةِ) أَيْ وَهُوَ الْإِتْمَامُ، وَالْإِتْمَامُ كَافْتِتَاحِ صَلَاةٍ أُخْرَى.
وَقَوْلُهُ: (وَلِحُدُوثِ) إلَخْ الْمُرَادُ بِالْحُدُوثِ مَا يَشْمَلُ الْمُقَارَنَةَ، وَإِنْ كَانَ الْحُدُوثُ ظَاهِرًا فِي غَيْرِ الْمُقَارَنَةِ.
قَوْلُهُ: (فِيهَا وَفِي الثَّانِيَةِ) أَيْ فَالْأُولَى مُعَلَّلَةٌ بِعِلَّتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ مُعَلَّلَةٌ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَوِجْدَانِ الْمُسَافِرِ) جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَمِثْلُهُ الْحَاضِرُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى حَدَثٍ) أَيْ وَأَخَذْت مِنْ الصَّحِيحِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِمْسَاكِ.
قَوْلُهُ: (وَقَطَعَ الصَّلَاةَ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي جَمَاعَةٍ تَفُوتُ بِالْقَطْعِ.
وَقَالَ م ر: لَا

وَلِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَ إتْمَامَهَا، إلَّا إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ فَيَحْرُمُ قَطْعُهَا، كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ.

وَلَوْ يُمِّمَ مَيِّتٌ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ وَجَبَ غَسْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَمْ بَعْدَهَا.
ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ، وَمَا قَالَهُ مَحَلُّهُ فِي الْحَضَرِ أَمَّا فِي السَّفَرِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَالْحَيِّ جَزَمَ بِهِ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي تَلْقِينِهِ، لَكِنْ فَرَضَهُ فِي الْوُجْدَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَعُلِمَ أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ كَغَيْرِهَا، وَأَنَّ تَيَمُّمَ الْمَيِّتِ كَتَيَمُّمِ الْحَيِّ، وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ الَّتِي تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِسَلَامِهِ مِنْهَا، وَإِنْ عُلِمَ تَلَفُهُ قَبْلَ سَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَعُفَ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ، وَكَانَ مُقْتَضَاهُ بُطْلَانَ الصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، لَكِنْ خَالَفْنَاهُ لِحُرْمَتِهَا، وَيُسَلِّمُ الثَّانِيَةَ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ

[حاشية البجيرمي]

يَقْطَعُهَا حِينَئِذٍ وَعِبَارَتُهُ: وَمَحَلُّ قَطْعِهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأُولَى فَضِيلَةٌ خَلَتْ عَنْهَا الثَّانِيَةُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأُولَى فَضِيلَةٌ كَذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ جَمَاعَةً وَكَانَتْ الثَّانِيَةُ خَالِيَةً عَنْ الْجَمَاعَةِ فَإِتْمَامُهَا بِالْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ، وَمَحَلُّ كَوْنِ قَطْعِهَا أَفْضَلَ فِيمَا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لِيَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ.
أَمَّا إذَا جَوَّزَهُ فِيهَا فَلَا يَقْطَعُهَا؛ إذْ لَا مَعْنَى لَهُ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهَا حِينَئِذٍ م ر اهـ اط ف. وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ تَقْتَضِي اسْتِوَاءَ قَطْعِهَا وَقَلْبِهَا نَفْلًا كَمَا قَالَهُ اج خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ قَلْبُهَا نَفْلًا ذَكَرَهُ م د. وَمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا ح ف أَنَّ قَطْعَهَا أَفْضَلُ مِنْ قَلْبِهَا نَفْلًا، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ وَقَطَعَ الصَّلَاةَ إلَخْ.
مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَسْقَطَ التَّيَمُّمُ قَضَاءَهَا لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ، فَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عَقِبَهُ فَهُوَ مُؤَخَّرٌ مِنْ تَقْدِيمٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ لَوْ تَوَضَّأَ، وَقَعَ جُزْءٌ مِنْهَا خَارِجَهُ س ل عَلَى الْمَنْهَجِ تَبَعًا لِلْحَلَبِيِّ، وَمَالَ م ر إلَى أَنَّ الْمُرَادَ ضِيقُ الْوَقْتِ عَنْ وُقُوعِهَا أَدَاءً حَتَّى لَوْ كَانَ إذَا قَطَعَهَا وَتَوَضَّأَ أَدْرَكَ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ قَطَعَهَا سم وع ش وَرَجَعَ عَنْهُ، وَمَالَ إلَى الْأَوَّلِ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ وَالشَّيْخُ س ل.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ يُمِّمَ مَيِّتٌ إلَخْ) . حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ يُمِّمَ الْمَيِّتُ وَكَانَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ أَوْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ وَوُجِدَ الْمَاءُ، فَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا فَلَا يَجِبُ غُسْلُهُ وَلَا إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الصَّلَاةِ بَطَلَ التَّيَمُّمُ وَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ وَرُئِيَ الْمَاءُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدَّفْنِ وَجَبَ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ أَوْ بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَا يَجِبُ نَبْشُهُ وَغُسْلُهُ إنْ تَغَيَّرَ وَتَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى قَبْرِهِ بِالْوُضُوءِ.
وَقَوْلُهُ: بِالْوُضُوءِ لَيْسَ بِقَيْدٍ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي تَيَمُّمِ الْمَيِّتِ لَا فِي تَيَمُّمِ الْمُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ قُيِّدَ بِالْوُضُوءِ لِكَوْنِ الْمَاءِ مَوْجُودًا، فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ نُبِشَ وَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَتَى دُفِنَ لَا يُنْبَشُ مُطْلَقًا بَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ عَلَى الْقَبْرِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
قَوْلُهُ: (صُلِّيَ عَلَيْهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ صَلَّى فِيمَا يَشْمَلُ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَكَانَ) أَيْ الْوُجُودُ.
قَوْلُهُ: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ) مَحْمُولٌ عَلَى السَّفَرِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا قَالَهُ) أَيْ الْبَغَوِيّ أَيْ مَا قَالَهُ أَوَّلًا مِنْ وُجُوبِ إعَادَةِ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَالْمُرَادُ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ، فَالْمُرَادُ بِالْحَضَرِ لَازِمُهُ وَهُوَ غَلَبَةُ وُجُودِ الْمَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّفَرِ لَازِمُهُ أَيْضًا وَهُوَ غَلَبَةُ فَقْدِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَعُلِمَ أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَلَاةِ الْفَرْضِ إلَخْ.
وَمِنْ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ وَمَا بَعْدَهُ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَوْ يُمِّمَ مَيِّتٌ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ ق ل: وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ إلَخْ.
هَذَا رَاجِحٌ لِلْحَيِّ، فَلَوْ ذَكَرَهُ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمَيِّتِ لَكَانَ أَنْسَبَ اهـ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ قَوْلُهُ فَعُلِمَ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا قَالَهُ مَحَلُّهُ فِي الْحَضَرِ إلَخْ.
فَقَوْلُهُ: وَأَنَّ تَيَمُّمَ الْمَيِّتِ كَتَيَمُّمِ الْحَيِّ أَيْ فِي أَنَّهُ إذَا يَمَّمَ فِي الْحَضَرِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ أَوْ فِي السَّفَرِ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ، لَكِنْ هَذَا الَّذِي عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا يَمَّمَ فِي الْحَضَرِ إنَّمَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ إذَا كَانَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ الْوُجُودُ، وَإِذَا يَمَّمَ فِي السَّفَرِ مَحَلُّ عَدَمِ الْإِعَادَةِ إذَا كَانَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ أَوْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَعَبَّرَ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَوَّلِ وُجُودُ الْمَاءِ وَفِي الثَّانِي عَدَمُهُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ مُقْتَضَاهُ) أَيْ التَّعْلِيلِ.
وَقَوْلُهُ: (لَكِنْ خَالَفْنَاهُ) أَيْ هَذَا الْمُقْتَضَى.
قَوْلُهُ: (وَيُسَلِّمُ الثَّانِيَةَ) وَلَيْسَ لَهُ أَنْ

الصَّلَاةِ كَمَا بَحَثَهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِلرُّويَانِيِّ،

وَلَوْ رَأَتْ حَائِضٌ تَيَمَّمَتْ لِفَقْدِ الْمَاءِ الْمَاءَ وَهُوَ يُجَامِعُهَا حَرُمَ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ، وَوَجَبَ النَّزْعُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ لِبُطْلَانِ طُهْرِهَا، وَلَوْ رَآهُ هُوَ دُونَهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ النَّزْعُ لِبَقَاءِ طُهْرِهَا.

وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةٍ قَدْ تَيَمَّمَ لَهَا بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِالرُّؤْيَةِ، سَوَاءٌ نَوَى قِرَاءَةَ قَدْرٍ مَعْلُومٍ أَمْ لَا، لِبُعْدِ ارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ

وَلَا يُجَاوِزُ الْمُتَنَفِّلُ الَّذِي وَجَدَ الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ الَّذِي لَمْ يَنْوِ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ بَلْ يُسَلِّمُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ الْأَحَبُّ وَالْمَعْهُودُ فِي النَّفْلِ، هَذَا إذَا رَأَى الْمَاءَ قَبْلَ قِيَامِهِ لِلثَّالِثَةِ فَمَا فَوْقَهَا، وَإِلَّا أَتَمَّ مَا هُوَ فِيهِ، فَإِنْ نَوَى رَكْعَةً أَوْ عَدَدًا أَتَمَّهُ لِانْعِقَادِ نِيَّتِهِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الْمَكْتُوبَةَ الْمُقَدَّرَةَ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ كَافْتِتَاحِ نَافِلَةٍ بِدَلِيلِ افْتِقَارِهَا إلَى قَصْدٍ جَدِيدٍ.

وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ.

(وَ) الثَّالِثُ مِنْ الْمُبْطِلَاتِ (الرِّدَّةُ) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ لِقُوَّتِهِ وَضَعْفِ بَدَلِهِ، لَكِنْ تَبْطُلُ نِيَّتُهُ فَيَجِبُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الْوُضُوءِ

(وَصَاحِبُ الْجَبَائِرِ) جَمْعُ جَبِيرَةٍ وَهِيَ خَشَبَةٌ أَوْ نَحْوُهَا كَقَصَبَةٍ تُوضَعُ عَلَى الْكَسْرِ وَيُشَدُّ عَلَيْهَا لِيَنْجَبِرَ الْكَسْرُ يَمْسَحُ بِالْمَاءِ (عَلَيْهَا) حَيْثُ عَسِرَ نَزْعُهَا لِخَوْفِ مَحْذُورٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَكَذَا اللَّصُوقُ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَالشُّقُوقُ الَّتِي

[حاشية البجيرمي]

يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ سَلَامِهِ وَلَوْ نَاسِيًا، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ لِبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ بِالسَّلَامِ.
اهـ. حَجّ.
وَأَقَرَّهُ ع ش. وَقَالَ م ر: يَسْجُدُ وَأَقَرَّهُ الْبَابِلِيُّ ب ر.

قَوْلُهُ: (وَوَجَبَ النَّزْعُ) أَيْ إنْ عَلِمَ وَلَوْ بِإِعْلَامِهَا لَهُ وَلَمْ يُكَذِّبْهَا، فَإِنْ كَذَّبَهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ النَّزْعُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ النَّزْعُ) وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعْلَامُهَا بِالْمَاءِ إنْ رَآهُ اهـ ق ل.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ فِي أَثْنَاءِ صَلَاةٍ.
قَوْلُهُ: (لِبُعْدِ ارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ) وَإِنْ كَانَ مَا انْتَهَى إلَيْهِ يَحْرُمُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ لَا مُسْتَمِرٌّ حَتَّى يَحْرُمَ الْوَقْفُ كَمَنْ أَجْنَبَ عِنْدَمَا يَحْرُمُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَقْفُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ.
وَكَذَا الطَّوَافُ لِجَوَازِ تَفْرِيقِهِ.
قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَآهُ أَثْنَاءَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أَتَمَّهَا؛ إذْ لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا.
اهـ. ح ل.

قَوْلُهُ: (الَّذِي لَمْ يَنْوِ قَدْرًا) بِأَنْ أَطْلَقَ فِي نِيَّتِهِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ الَّذِي الْأَوَّلُ، وَفِي نُسْخَةٍ الَّتِي فَيَكُونُ صِفَةً لِلصَّلَاةِ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فِيهَا أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ قَدْرًا.
قَوْلُهُ: (رَكْعَتَيْنِ) مَفْعُولُ يُجَاوِزُ، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ وَالْمُتَنَفِّلُ الْوَاجِدُ لِلْمَاءِ فِي صَلَاتِهِ إنْ نَوَى قَدْرًا أَتَمَّهُ، وَإِلَّا فَلَا يُجَاوِزُ رَكْعَتَيْنِ، وَخَرَجَ بِالْوَاجِدِ لِلْمَاءِ الْمُجَوِّزُ لَهُ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ قِيَامِهِ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا رَآهُ بَعْدَ نُهُوضِهِ لِنَحْوِ ثَالِثَةٍ أَتَمَّهَا، لَكِنْ قَالَ ق ل: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِهَا بِأَنْ لَمْ يَصِلْ إلَى مَحَلٍّ تُجْزِئُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ نَوَى رَكْعَةً) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ الَّذِي لَمْ يَنْوِ قَدْرًا، وَعَطْفُ قَوْلِهِ: أَوْ عَدَدًا عَلَى قَوْلِهِ: رَكْعَةً يَقْتَضِي أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يُقَالُ لَهُ عَدَدٌ، وَهُوَ طَرِيقَةُ الْحِسَابِ.
وَذَكَرَ م ر فِي شَرْحِهِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ طَرِيقَةَ الْفُقَهَاءِ إطْلَاقُ الْعَدَدِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْوَاحِدَ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ) يُفْهَمُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّقْصُ بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ) أَيْ مُطْلَقًا، وَلَا يَتَأَنَّى التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ أَوْ فَقْدُهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِنَاءً إلَخْ) مُعْتَمَدٌ، وَإِذَا تَطَهَّرَ بَنَى عَلَى مَا مَضَى كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (الرِّدَّةُ) وَلَوْ صُورَةً كَالْوَاقِعَةِ مِنْ الصَّبِيِّ، وَإِنَّمَا بَطَلَ التَّيَمُّمُ بِالرِّدَّةِ لِأَنَّهُ لِلِاسْتِبَاحَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ مَعَ الرِّدَّةِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْوُضُوءِ) أَيْ وُضُوءِ السَّلِيمِ وَكَذَا غُسْلُهُ، أَمَّا وُضُوءُ وَغُسْلُ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ فَكَالتَّيَمُّمِ فَيَبْطُلَانِ بِالرِّدَّةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
اهـ. ز ي.

[الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَة]

قَوْلُهُ: (وَصَاحِبُ الْجَبَائِرِ) أَيْ أَوْ الْجَبِيرَةُ أَوْ اللَّامُ لِلْجِنْسِ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ اج.
وَالْجَبَائِرُ جَمْعُ جَبِيرَةٍ، وَالْجَبِيرَةُ فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَجْبُرُ، فَلِذَا لَحِقَتْهَا التَّاءُ كَفَقِيرٍ وَفَقِيرَةٍ؛ لِأَنَّ فَعِيلًا إذَا كَانَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ تَلْحَقُهُ التَّاءُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ كَجَرِيحٍ وَقَتِيلٍ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَمِنْ فَعِيلٍ كَقَتِيلٍ إنْ تَبِعْ ... مَوْصُوفَهُ غَالِبًا التَّا تَمْتَنِعْ وَسُمِّيَتْ جَبِيرَةً تَفَاؤُلًا بِأَنَّهَا تَجْبُرُ.
قَوْلُهُ: (وَيُشَدُّ عَلَيْهَا) أَيْ يَقَعُ الشَّدُّ عَلَيْهَا فَعَلَيْهَا نَائِبُ فَاعِلِ يُشَدُّ.
وَقَوْلُهُ:

فِي الرِّجْلِ إذَا احْتَاجَ إلَى تَقْطِيرِ شَيْءٍ فِيهَا يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ، وَيَجِبُ مَسْحُ كُلِّهَا بِالْمَاءِ اسْتِعْمَالًا لَهُ مَا أَمْكَنَ بِخِلَافِ التُّرَابِ لَا يَجِبُ مَسْحُهَا بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فَلَا يُؤَثِّرُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، وَلَا يُقَدَّرُ الْمَسْحُ بِمُدَّةٍ بَلْ لَهُ الِاسْتِدَامَةُ إلَى الِانْدِمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَأْقِيتٌ، وَلِأَنَّ السَّاتِرَ لَا يُنْزَعُ لِلْجَنَابَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ فِيهِمَا، وَيَمْسَحُ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ مَتَى شَاءَ وَالْمُحْدِثُ وَقْتَ غَسْلِ عَلِيلِهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاتِرِ لِيَكْفِيَ مَا ذُكِرَ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا مَا لَا بُدَّ

[حاشية البجيرمي]

لِخَوْفٍ) إلَخْ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ حَيْثُ عَسِرَ نَزْعُهَا، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ وَجَبَ النَّزْعُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّهُ إنْ أَمْكَنَ غَسْلُ الْجُرْحِ أَوْ أَخَذَتْ بَعْضَ الصَّحِيحِ، أَوْ كَانَتْ بِمَحَلِّ التَّيَمُّمِ، وَأَمْكَنَ مَسْحُ الْعَلِيلِ بِالتُّرَابِ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي وُجُوبِ النَّزْعِ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (وَالشُّقُوقُ) أَيْ وَكَذَا الشُّقُوقُ فِي تَنْزِيلِ مَا يَدْخُلُ فِيهَا مِنْ الدُّهْنِ مَنْزِلَةَ الْجَبِيرَةِ حَتَّى يَجِبَ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِالْمَاءِ لِمَنْعِ مَا قُطِّرَ فِيهَا مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (إذَا احْتَاجَ إلَى تَقْطِيرِ شَيْءٍ) أَيْ وَقَطَّرَ بِالْفِعْلِ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاحْتِيَاجِ إلَى التَّقْطِيرِ التَّقْطِيرُ بِالْفِعْلِ أَيْ: فَيَكُونُ هَذَا الشَّيْءُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَحْتَهُ جَبِيرَةً يَأْتِي فِيهِ تَفْصِيلُهَا، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَمَا قُطِّرَ فِي الشُّقُوقِ أَيْ إنْ أَخَذَ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا اهـ. قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ مَسْحُ كُلِّهَا) أَيْ الْجَبِيرَةِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ إنْ أَخَذْت مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا كَمَا يَأْتِي، وَلَا يَكْفِي مَسْحُ بَعْضِهَا ق ل. قَالَ حَجّ: كَانَ قِيَاسُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُ الزَّائِدِ عَلَى مَا أَخَذْته مِنْ الصَّحِيحِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَسْحَهَا إنَّمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْهُ لَا عَنْ مَحَلِّ الْجُرْحِ، لِأَنَّ بَدَلَهُ التَّيَمُّمُ لَا غَيْرُ فَوُجُوبُ مَسْحِ كُلِّهَا مُشْكِلٌ.
إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ تَجْدِيدَ ذَلِكَ لَمَّا شَقَّ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَأَوْجَبُوا الْكُلَّ احْتِيَاطًا، وَيَجِبُ مَسْحُ السَّاتِرِ، وَلَوْ كَانَ بِهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ يُعْفَى عَنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ، وَمَسْحُهُ بَدَلٌ عَمَّا أَخَذَهُ مِنْ الصَّحِيحِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا أَوْ أَخَذَ شَيْئًا وَغَسَلَهُ لَمْ يَجِبْ مَسْحُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي الشَّوْبَرِيِّ.
وَعِبَارَةُ ق ل: وَيُعْفَى عَنْ الدَّمِ الَّذِي عَلَيْهِ وَإِنْ اخْتَلَطَ بِمَاءِ الْمَسْحِ قَصْدًا لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ، وَتَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَلَوْ سَقَطَتْ جَبِيرَتُهُ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَ بَرِئَ أَمْ لَا، كَانْقِلَاعِ الْخُفِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ رُفِعَ السَّاتِرُ لِتَوَهُّمِ الْبُرْءِ فَبَانَ خِلَافَهُ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ التُّرَابِ إلَخْ) عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْجَبِيرَةَ لَوْ عَمَّتْ أَعْضَاءَ التَّيَمُّمِ سَقَطَ التَّيَمُّمُ؛ إذْ لَا مَعْنَى لِمَسْحِهَا بِالتُّرَابِ فَيُصَلِّي كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَيُعِيدُ فَاحْفَظْهُ مد.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ فِي مَحَلِّهِ) لَكِنْ يُسَنُّ سم.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُؤَثِّرُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ) بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ مِنْ وَرَائِهِ فِي نَحْوِ مَسْحِ الْخُفِّ م ر. قَوْلُهُ: (لَا يُنْزَعُ لِلْجَنَابَةِ) وَعَدَمُ نَزْعِهِ لِلْجَنَابَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّقْدِيرِ بِمُدَّةٍ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْخُفِّ فِيهِمَا) أَيْ عَدَمُ وُرُودِ التَّأْقِيتِ وَعَدَمُ النَّزْعِ لِلْجَنَابَةِ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ التَّأْقِيتُ وَيَجِبُ فِيهِ النَّزْعُ لِلْجَنَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُهُ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَذَاتِ وِلَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (مَتَى شَاءَ) أَيْ قَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِيُزِيلَ الْمَاءُ أَثَرَ التُّرَابِ ق ل. قَوْلُهُ: (وَقْتَ غَسْلُ عَلِيلِهِ) وَلَهُ تَقْدِيمُ التَّيَمُّمِ عَلَى الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ وَهُوَ أَوْلَى لِمَا ذُكِرَ ق ل. قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاتِرِ لِيَكْفِيَ مَا ذُكِرَ) أَيْ وَهُوَ الِاعْتِدَادُ بِالْمَسْحِ مَعَ عَدَمِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ، فَمَتَى أُخِذَتْ بِقَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ وَوَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ، وَغَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ عَنْ الْجَرِيحِ، وَمَسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ بِشَرْطِهِ صَحَّ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا اج.
وَقَالَ ع ش: الْأَوْلَى يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ مَسْحِ السَّاتِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا، نَعَمْ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِمْسَاكِ، لَكِنْ لَيْسَ الْكَلَامُ إلَّا فِي الْقَضَاءِ وَعَدَمِهِ.
وَقَوْلُهُ: لِيَكْفِيَ مَا ذُكِرَ أَيْ الْمَسْحُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ كَافٍ، وَإِنْ أُخِذَتْ مِنْ الصَّحِيحِ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَيُشْتَرَطُ فِي عَدَمِ الْقَضَاءِ فِي صُورَةِ الْمَسْحِ عَلَى السَّاتِرِ أَيْ وَكَانَ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ وَيَذْكُرُهُ عَقِبَ قَوْلِهِ: وَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاتِرِ لِيَكْفِيَ مَا ذُكِرَ مُقَدَّمٌ عَنْ مَحَلِّهِ وَحَيْثُ قَدَّمَهُ الشَّارِحُ، فَقَوْلُهُ لِيَكْفِيَ مَا ذُكِرَ أَيْ مَعَ عَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ لِيَصِحَّ كَلَامُهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَأْخُذَ إلَخْ) لَوْ قَالَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا كَمَا مَرَّ لَكَانَ أَوْلَى بَلْ هُوَ الصَّوَابُ، وَالتَّقْيِيدُ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ

مِنْهُ لِلِاسْتِمْسَاكِ، وَيَجِبُ غُسْلُ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَاعْتُبِرَ الْإِتْيَانُ فِيهَا بِأَقْصَى الْمُمْكِنِ (وَيَتَيَمَّمُ) وُجُوبًا لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ كُلُّ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ عَنْ جَابِرٍ فِي الْمَشْجُوجِ الَّذِي احْتَلَمَ وَاغْتَسَلَ فَدَخَلَ الْمَاءُ شَجَّتَهُ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ الْعُضْوِ الْعَلِيلِ، وَمَسْحُ السَّاتِرِ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ مَا تَحْتَ أَطْرَافِهِ مِنْ الصَّحِيحِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ.

وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّاتِرُ بِقَدْرِ الْعِلَّةِ فَقَطْ أَوْ بِأَزْيَدَ وَغَسَلَ الزَّائِدَ كُلَّهُ لَا يَجِبُ الْمَسْحُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِطْلَاقُهُمْ وُجُوبَ الْمَسْحِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ السَّاتِرَ يَأْخُذُ زِيَادَةً عَلَى مَحَلِّ الْعِلَّةِ، وَالْفَصْدُ كَالْجُرْحِ الَّذِي يُخَافُ مِنْ غَسْلِهِ مَا مَرَّ، فَيَتَيَمَّمُ لَهُ إنْ خَافَ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ، وَعِصَابَتُهُ كَاللَّصُوقِ، وَلِمَا بَيْنَ حَبَّاتِ الْجُدَرِيِّ حُكْمُ الْعُضْوِ الْجَرِيحِ إنْ خَافَ مِنْ غَسْلِهِ مَا مَرَّ

وَإِذَا ظَهَرَ دَمُ الْفَصَادَةِ مِنْ اللَّصُوقِ وَشَقَّ عَلَيْهِ نَزْعُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ مَسْحُهُ وَيُعْفَى عَنْ هَذَا الدَّمِ الْمُخْتَلِطِ بِالْمَاءِ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ عَلَى دَفْعِ مَفْسَدَةِ الْحَرَامِ كَوُجُوبِ تَنَحْنُحِ مُصَلِّي الْفَرْضِ حَيْثُ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ الْوَاجِبَةُ

وَإِذَا تَيَمَّمَ الَّذِي غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ عَنْ الْبَاقِي وَأَدَّى فَرِيضَةً لِفَرْضٍ ثَانٍ وَثَالِثٍ وَهَكَذَا، وَلَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ طَهَارَتِهِ الْأُولَى لَمْ يُعِدْ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ غَسْلًا لِمَا غَسَلَهُ، وَلَا مَسْحًا لِمَا مَسَحَهُ، وَالْمُحْدِثُ كَالْجُنُبِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ غَسْلِ مَا بَعْدَ عَلِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَوْ بَطَلَتْ طَهَارَةُ الْعَلِيلِ، وَطَهَارَةُ الْعَلِيلِ بَاقِيَةٌ؛ إذْ يَتَنَفَّلُ بِهَا، وَإِنَّمَا يُعِيدُ التَّيَمُّمَ

[حاشية البجيرمي]

لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِعَدَمِ الْإِعَادَةِ كَمَا يَأْتِي ق ل. قَوْلُهُ: (بِأَقْصَى الْمُمْكِنِ) لَا حَاجَةَ لِذِكْرِ الْأَقْصَى، بَلْ هُوَ مُضِرٌّ لِلْمُتَأَمِّلِ؛ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ لَيْسَ مَقُولًا بِالتَّشْكِيكِ.
اهـ. ق ل. بِزِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وُجُوبًا) عَائِدٌ لِيَمْسَحَ وَيَغْسِلَ وَيَتَيَمَّمَ بِدَلِيلِ الدَّلِيلِ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِهِ فَتَأَمَّلْ ق ل. قَوْلُهُ: (لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد إلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِلثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ التَّيَمُّمُ وَالْمَسْحُ وَالْغَسْلُ اهـ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَمْسَحُ) بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا مُطْلَقًا أَيْ أَخَذَتْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا أَمْ لَمْ تَأْخُذْ، مَعَ أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا إلَّا إذَا أَخَذَتْ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْخِطَابَاتِ الْوَاقِعَةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْغَالِبِ، وَالْغَالِبُ الْأَخْذُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَا تَحْتَ أَطْرَافِهِ) أَيْ السَّاتِرِ.

قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلُهُ وَمَسَحَ كُلَّ السَّاتِرِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لَا يَجِبُ) الْأَوْلَى لَمْ يَجِبْ لِيُطَابِقَ جَوَابَ لَوْ شَرَطَهَا فِي الْمُضِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَصْدُ) أَيْ وَمَحَلُّ الْفَصْدِ.
قَوْلُهُ: (وَعِصَابَتُهُ كَاللَّصُوقِ) فَيُقَالُ فِيهَا: يَجِبُ مَسْحُهَا بِالْمَاءِ بَدَلًا عَمَّا أَخَذَتْهُ حَيْثُ كَانَ بِقَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ، وَلَا قَضَاءَ إنْ وُضِعَ عَلَى طُهْرٍ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَلِمَا بَيْنَ) إلَخْ.
مَعْلُومٌ أَنَّ مَا بَيْنَ الْحَبَّاتِ صَحِيحٌ، لَكِنْ إذَا خَافَ مِنْ غَسْلِهِ مَحْذُورًا تَيَمَّمَ كَفَى التَّيَمُّمُ عَنْهُ وَعَنْ الْحَبَّاتِ، فَإِنْ وَضَعَ عَلَيْهِ سَاتِرًا مَسَحَهُ بِالْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَلِمَا بَيْنَ) إلَخْ أَيْ وَهُنَاكَ سَاتِرٌ؛ إذْ مَا لَا سَاتِرَ عَلَيْهِ سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (مِنْ اللَّصُوقِ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: مِنْ الْعِصَابَةِ.
قَوْلُهُ: (نَزَعَهُ) أَيْ اللَّصُوقَ.
قَوْلُهُ: (مَسَحَهُ) أَيْ اللَّصُوقَ.
قَوْلُهُ: (وَيُعْفَى عَنْ هَذَا الدَّمِ) وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَمِ حَلْقِ الرَّأْسِ إذَا اخْتَلَطَ بِأَجْنَبِيٍّ، وَهُوَ مَاءُ الْحَلْقِ الثَّانِي بِأَنَّ هَذَا مَاءُ طَهَارَةٍ فَاغْتُفِرَ بِخِلَافِ ذَاكَ.
قَوْلُهُ: (لِمَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ) وَهُوَ مَسْحُ اللَّصُوقِ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ بَيَانِيَّةٌ وَقَوْلُهُ عَلَى دَفْعِ مَفْسَدَةِ الْحَرَامِ وَهُوَ تَنْجِيسُ الْمَحَلِّ.
وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ خُولِفَ هُنَا احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ مَعَ أَنَّ جِنْسَ الدَّمِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا تَيَمَّمَ) أَيْ وَمَسَحَ السَّاتِرَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لِفَرْضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: تَيَمَّمَ الْأَوَّلُ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَمَنْ تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ آخَرَ وَلَمْ يُحْدِثْ لَمْ يُعِدْ غَسْلًا وَلَا مَسْحًا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُعِدْ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ) كَائِنٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُحْدِثُ إلَخْ) أَيْ ابْتِدَاءً الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ، أَنَّهُ أَحْدَثَ بَعْدَ فِعْلِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، إذْ هَذِهِ الصُّورَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَهَا فَتَأَمَّلْ.
وَفَصْلُهُ عَنْ الْجُنُبِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا لَعَلَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ الشَّارِحَ كَثِيرًا مَا يُرَاعِي مَتْنَ الْمِنْهَاجِ وَهُوَ يَحْكِي الْخِلَافَ.
قَوْلُهُ: (مَا بَعْدَ عَلِيلِهِ) وَكَذَا مَا قَبْلَهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الْمَنْهَجِ لِأَنَّهَا شَامِلَةٌ لِلْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَوَهَّمُ وُجُوبَ إعَادَتِهِ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ؛

لِضَعْفِهِ عَنْ أَدَاءِ فَرْضٍ ثَانٍ بِخِلَافِ مَنْ نَسِيَ لُمْعَةً فَإِنَّ طَهَارَةَ ذَلِكَ الْعُضْوِ لَمْ تَحْصُلْ.

وَإِذَا امْتَنَعَ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي عُضْوٍ مِنْ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ لِنَحْوِ مَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَاتِرٌ وَجَبَ التَّيَمُّمُ لِئَلَّا يَبْقَى مَوْضِعُ الْعِلَّةِ بِلَا طَهَارَةٍ، فَيُمِرُّ التُّرَابَ مَا أَمْكَنَ عَلَى مَوْضِعِ الْعِلَّةِ إنْ كَانَ بِمَحَلِّ التَّيَمُّمِ، وَيَجِبُ غَسْلُ الصَّحِيحِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: " أَنَّهُ غَسَلَ مَعَاطِفَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ ". قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ غَسَلَ مَا أَمْكَنَهُ وَتَوَضَّأَ وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، وَيَتَلَطَّفُ فِي غَسْلِ الصَّحِيحِ الْمُجَاوِرِ لِلْعَلِيلِ فَيَضَعُ خِرْقَةً

[حاشية البجيرمي]

لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي يَدَيْهِ وَتَيَمَّمَ لِفَرْضٍ آخَرَ وَلَمْ يُحْدِثْ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ يُعِيدُ مَسْحَ الرَّأْسِ وَغَسْلَ الرِّجْلَيْنِ مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يُعِيدُ التَّيَمُّمَ) مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، وَيَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ مُتَعَدِّدًا كَمَا إذَا كَانَ فِي وَجْهِهِ جِرَاحَةٌ وَفِي يَدَيْهِ، وَفِي رِجْلَيْهِ وَعَمَّتْ رَأْسُهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعُ تَيَمُّمَاتٍ، فَإِذَا أَرَادَ فَرْضًا آخَرَ تَيَمَّمَ تَيَمُّمًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّعَدُّدِ أَوَّلًا مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّرْتِيبُ الْآنَ سَاقِطٌ فَاحْفَظْهُ اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَنْ نَسِيَ لُمْعَةً) فَإِنَّهُ يَغْسِلُهَا وَيُعِيدُ غَسْلَ مَا بَعْدَهَا وَهَذَا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ غَسْلِ مَا بَعْدَ عَلِيلِهِ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا امْتَنَعَ وُجُوبُ إلَخْ) صَرِيحٌ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ أَوْ نَدْبِهِ، وَإِنْ حَصَلَ بِهِ ضَرَرٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَيْفُ يُجَامِعُ جَوَازُ الْمَاءِ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ وُجُوبِ قَوْلِهِ الْآتِي وَجَبَ التَّيَمُّمُ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَإِذَا امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ إلَخْ أَيْ حَرُمَ فَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ الْوُجُوبِ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ ق ل. وَانْظُرْ هَلْ يَحْرُمُ الِاسْتِعْمَالُ عِنْدَ خَوْفِ بُطْءِ الْبُرْءِ الْقِيَاسُ الْحُرْمَةُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِ م ر حَيْثُ قَالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمَهُ عِنْدَ غَلَبَةِ حُصُولِ الْمَحْذُورِ بِالطَّرِيقِ الشَّامِلِ لِبُطْءِ الْبُرْءِ.
اهـ. . قَوْلُهُ: (وَجَبَ التَّيَمُّمُ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِ الْمَنْهَجِ وَجَبَ تَيَمُّمٌ، وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمِنْهَاجِ كَالشَّارِحِ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَعَرَّفَ التَّيَمُّمَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ إشَارَةً لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يُمِرُّ التُّرَابَ عَلَى الْمَحَلِّ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالتَّيَمُّمِ إمْرَارَ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ) أَيْ مَوْضِعُ الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) عِبَارَةُ م ر لِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: احْتَلَمْت فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْت أَيْ خِفْت أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلِكَ فَتَيَمَّمْت وَصَلَّيْت بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْت بِأَصْحَابِك وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ الَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقُلْت: إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29] فَضَحِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» . اهـ قَالَ حَجّ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرٍو: صَلَّيْت صَرِيحٌ فِي تَقْرِيرِهِ عَلَى إمَامَتِهِ، فَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِ الْإِعَادَةِ أَشْكَلَ بِأَنَّ مَنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ أَوْ بِعَدَمِ لُزُومِهَا أَشْكَلَ بِأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لِلْبَرْدِ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ صِحَّةَ صَلَاتِهِ، وَأَمَّا صِحَّةُ صَلَاتِهِمْ خَلْفَهُ فَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ مُحْتَمِلَةٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ حَالَةَ الِاقْتِدَاءِ، فَجَازَ اقْتِدَاؤُهُمْ لِذَلِكَ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ أَصْلًا، وَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ الْعَاصِ يَعْرِفُ الْحُكْمَ، أَيْ أَنَّهُ أَخَّرَ الْأَمْرَ إلَى وُجُودِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: (وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) وَكَانَ جُنُبًا وَتَيَمَّمَ لِلْبَرْدِ وَصَلَّى إمَامًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ إلَّا بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ أَنَّ هُنَاكَ تَيَمُّمًا أَيْضًا، وَإِلَّا فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا تَيَمُّمَ أَصْلًا، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ؟ وَهَذَا تَيَمُّمٌ لِلْبَرْدِ أَيْ وَالْبَرْدُ كَالْمَرَضِ وَالْجُرْحِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَلَطَّفُ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولُ أَيْ يَتَرَفَّقُ.
وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي وَيَتَحَامَلُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَلَطَّفُ وُجُوبًا إنْ أَدَّى تَرْكُ التَّلَطُّفِ إلَى دُخُولِ الْمَاءِ إلَى الْجِرَاحَةِ.
وَقَدْ أَخْبَرَهُ الطَّبِيبُ بِضَرَرِ الْمَاءِ إذَا وَصَلَ إلَيْهَا كَمَا ذَكَرَهُ ع ش. فَإِنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ، وَأَمْكَنَهُ مَسُّ الْمَاءِ بِلَا إفَاضَةٍ وَجَبَ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا مَسْحُهُ بِالْمَاءِ فَلَا يَجِبُ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْغَسْلِ.
وَقَوْلُهُ: وَجَبَ أَيْ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَمِسُّهُ مَاءً بِلَا إفَاضَةٍ وَلَا يَكْفِي مَسْحُهُ بِالْمَاءِ، وَمَا قِيلَ

مَبْلُولَةً بِقُرْبِهِ، وَيَتَحَامَلُ عَلَيْهَا لِيَغْسِلَ بِالْمُتَقَاطِرِ مِنْهَا مَا حَوَالَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسِيلَ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ اسْتَعَانَ، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَفِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ يَقْضِي

وَلَوْ جُرِحَ عُضْوَا الْمُحْدِثِ أَوْ امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِيهِمَا لِغَيْرِ جِرَاحَةٍ فَيَجِبُ تَيَمُّمَانِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ التَّيَمُّمِ وَقْتَ غَسْلِ الْعَلِيلِ لِتَعَدُّدِ الْعَلِيلِ، وَكُلٌّ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ كَعُضْوٍ، فَإِنْ كَانَ فِي أَعْضَائِهِ الْأَرْبَعَةِ جِرَاحَةٌ، وَلَمْ تَعُمَّهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ تَيَمُّمَاتٍ: الْأَوَّلُ لِلْوَجْهِ، وَالثَّانِي لِلْيَدَيْنِ، وَالثَّالِثُ لِلرِّجْلَيْنِ، وَالرَّأْسُ يَكْفِي فِيهِ مَسْحُ مَا قَلَّ مِنْهُ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ عَمَّتْ الرَّأْسَ فَأَرْبَعَةٌ وَإِنْ عَمَّتْ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا فَتَيَمُّمٌ وَاحِدٌ عَنْ الْجَمِيعِ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِسُقُوطِ الْغُسْلِ

(وَيُصَلِّي) صَاحِبُ الْجَبِيرَةِ إذَا مَسَحَ عَلَيْهَا وَغَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ (وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ وَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ) لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْمَسْحِ عَلَى

[حاشية البجيرمي]

إنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: مَسْحُهُ بِمَاءٍ فَهُوَ خَطَأٌ وَتَحْرِيفٌ فِي عِبَارَةِ الْإِمَامِ السَّابِقَةِ، وَفَارَقَ الِاكْتِفَاءَ بِمَسْحِ الْجَبِيرَةِ عَنْهُ لِأَنَّ مَسْحَهَا بَدَلٌ عَنْ غَسْلِهِ وَمَا هُنَا أَصْلٌ، وَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ أَقْوَى.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَعَذَّرَ) أَيْ غَسْلُ الصَّحِيحِ وَلَا يَجِبُ نَزْعُ سَاتِرٍ خَفِيفٍ مِنْ نَزَعَهُ، وَإِلَّا وَجَبَ النَّزْعُ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ق ل.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ جُرِحَ عُضْوَا الْمُحْدِثِ) بِالتَّثْنِيَةِ أَصْلُهُ عُضْوَانِ لِلْمُحْدِثِ حُذِفَتْ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ وَاللَّامُ لِلتَّخْفِيفِ، وَالْأَلْفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، فَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالْأَلِفِ الْمَحْذُوفَةِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ عَلَى النِّيَابَةِ عَنْ الْفَاعِلِ لِجُرِحَ أَيْ: مَا تَقَدَّمَ إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ وَهُنَا فِيمَا إذَا كَانَتْ فِي عُضْوَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِمَا) أَيْ فِي بَعْضِهِمَا لَا فِي كُلِّهِمَا، وَإِلَّا وَجَبَ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ تَيَمُّمَانِ) هَذَا إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي بَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ عَمَّتِهِمَا، وَكَانَا غَيْرَ مُتَوَالِيَيْنِ كَالْوَجْهِ وَالرِّجْلِ، أَمَّا إذَا عَمَّتْهُمَا وَكَانَا مُتَوَالِيَيْنِ فَيَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (لِتَعَدُّدِ الْعَلِيلِ) كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ، وَكَذَا لَوْ عَمَّتْ الْوَجْهَ وَبَعْضَ الْيَدَيْنِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ مَتَى وَجَبَ التَّرْتِيبُ تَعَدَّدَ التَّيَمُّمُ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَكُلٌّ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إلَخْ) فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ تَيَمَّمَ عَنْ الْوَجْهِ قَبْلَ الِانْتِقَالِ إلَى يَدَيْهِ ثُمَّ تَيَمَّمَ عَنْ يَدَيْهِ قَبْلَ الِانْتِقَالِ لِمَسْحِ الرَّأْسِ اهـ ح ل. قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ إلَخْ) . فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَغَسَلَ صَحِيحَ الْوَجْهِ أَوَّلًا جَازَ تُوَالِي تَيَمُّمِهِمَا فَلِمَ لَا يَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ كَمَنْ عَمَّتْ الْجِرَاحَةُ أَعْضَاءَهُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّيَمُّمَ هُنَا فِي طُهْرٍ تَحَتَّمَ فِيهِ التَّرْتِيبُ فَلَوْ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ حَصَلَ تَطْهِيرُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ عَنْ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِسُقُوطِ الْغَسْلِ ز ي وَمِثْلُهُ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (فَأَرْبَعَةٌ) وَلَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنْ نِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا طَهَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَا تَكْرِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّارِحِ فَأَرْبَعَةٌ أَيْ فِي الطَّهَارَةِ الْأُولَى، فَلَوْ صَلَّى فَرْضًا، وَلَمْ يُحْدِثْ، وَأَرَادَ آخَرَ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِسُقُوطِ الْغَسْلِ) أَيْ وَغَسَلَ الصَّحِيحَ، فَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ أَكْبَرُ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَ مَحَالُّ الْعِلَّةِ وَتَعَدَّدَتْ الْجَبَائِرُ؛ إذْ لَا تَرْتِيبَ فِي طُهْرِهِ سم.
حَادِثَةٌ: تَقَعُ كَثِيرًا تَتَعَلَّقُ بِالْحِمَّصَةِ الَّتِي تُوضَعُ فِي الذِّرَاعِ مَثَلًا بَعْدَ الْكَيِّ.
وَحُكْمُهَا: أَنَّهُ إنْ قَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا فِي مُدَاوَاةِ الْجُرْحِ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا، فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهَا مَقَامَهَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَهَا، وَلَا يَضُرُّ انْتِفَاخُهَا فِي الْمَحَلِّ مَا دَامَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهَا، وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَاجَةِ يَجِبُ نَزْعُهَا، فَإِنْ تَرَكَهُ بِلَا عُذْرٍ ضَرَّ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ.
اهـ. ع ش فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ عَلَى م ر.

قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ وَضْعُهَا عَلَى طُهْرٍ) أَيْ كَامِلٍ مِنْ الْحَدَثَيْنِ كَالْخُفِّ لَا طُهْرِ الْعُضْوِ وَحْدَهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفُ عَلَى طُهْرٍ أَيْ: وَلَمْ يَسْهُلْ نَزْعُهَا وَكَانَتْ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، وَلَمْ تَأْخُذْ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ، فَعَدَمُ الْإِعَادَةِ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ أَرْبَعَةٍ.
فَإِنْ وُضِعَتْ عَلَى حَدَثٍ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ: مَا إذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ وَلَمْ تَأْخُذْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْجَبِيرَةَ إنْ كَانَتْ فِي أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِهَا فَإِنْ لَمْ تَأْخُذْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا فَلَا إعَادَةَ مُطْلَقًا، وَإِنْ أَخَذَتْ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا، وَإِنْ أَخَذَتْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ

الْخُفِّ لِلضَّرُورَةِ هُنَا، هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْجَبِيرَةُ عَلَى مَحَلِّ التَّيَمُّمِ، وَإِلَّا وَجَبَ الْقَضَاءُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: بِلَا خِلَافٍ لِنُقْصَانِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ جَمِيعًا، وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ كَالرَّافِعِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَالَ: وَإِطْلَاقُ الْجُمْهُورِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ انْتَهَى.
وَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَوْجَهُ لِمَا ذُكِرَ

وَإِنْ وَضَعَهَا عَلَى حَدَثٍ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ أَوْ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ وَجَبَ نَزْعُهَا إنْ أَمْكَنَ بِلَا ضَرَرٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى سَاتِرٍ، فَاشْتَرَطَ فِيهِ الْوَضْعَ عَلَى طُهْرٍ كَالْخُفِّ، فَإِنْ تَعَذَّرَ نَزْعُهُ وَمَسَحَ وَصَلَّى قَضَى لِفَوَاتِ شَرْطِ الْوَضْعِ عَلَى طَهَارَةٍ فَانْتَفَى نَهْجُهُ حِينَئِذٍ بِالْخُفِّ وَكَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إنْ أَمْكَنَهُ النَّزْعُ وَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ وَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ.

وَلَوْ تَيَمَّمَ عَنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ ثُمَّ أَحْدَثَ حَدَثًا أَصْغَرَ انْتَقَضَ طُهْرُهُ الْأَصْغَرُ لَا الْأَكْبَرُ، كَمَا لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ غُسْلِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ، وَيَسْتَمِرُّ تَيَمُّمُهُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ بِلَا مَانِعٍ، فَلَوْ وَجَدَ خَابِيَةَ مَاءٍ مُسَبَّلٍ تَيَمَّمَ، وَلَا يَجُوزُ الطُّهْرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا وُضِعَتْ لِشُرْبٍ نَظَرًا لِلْغَالِبِ وَلَمْ يَقْضِ صَلَاتَهُ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ بِحَضْرَةِ مَاءٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِعَطَشٍ وَصَلَّى بِهِ

وَلَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ أَوْ أَضَلَّهُ فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ بَعْدَ إمْعَانِ الطَّلَبِ

[حاشية البجيرمي]

لِلِاسْتِمْسَاكِ فَإِنْ وَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ، وَلَمْ يَسْهُلْ نَزْعُهَا فَلَا قَضَاءَ، وَإِلَّا بِأَنْ وَضَعَهَا عَلَى حَدَثٍ أَوْ سَهُلَ النَّزْعُ وَجَبَ الْقَضَاءُ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ: فَلَا تَعْدُو السِّتْرَ قَدْرَ الْعِلَّةِ ... أَوْ قَدْرَ الِاسْتِمْسَاكِ فِي الطَّهَارَةِ وَإِنْ يَزِدْ عَنْ قَدْرٍ فَأَعِدْ ... أَوْ مُطْلَقًا وَهُوَ بِوَجْهِ أَوْ يَدِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ.
لِأَنَّهُ أَيْ عَدَمَ الْإِعَادَةِ أَوْلَى إلَخْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَحَلِّ التَّيَمُّمِ) أَيْ فِي الْوَجْهِ أَوْ الْيَدَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لِنُقْصَانِ الْبَدَلِ) وَهُوَ التَّيَمُّمُ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَمُرُّ عَلَى جَمِيعِ الْعُضْوِ لِوُجُودِ السَّاتِرِ الْمَانِعِ مِنْ وُصُولِهِ: وَقَوْلُهُ: (وَالْمُبْدَلُ مِنْهُ) أَيْ: وَهُوَ الطُّهْرُ بِالْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ) أَيْ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ بَيْنَ كَوْنِ الْجَبِيرَةِ فِي أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ ضَعِيفٌ.
وَالْمُعْتَمَدُ التَّفْصِيلُ فَقَوْلُهُ وَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَوْجَهُ مُعْتَمَدٌ.
وَقَوْلُهُ: (لِمَا ذُكِرَ) أَيْ لِنَقْصِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَضَعَهَا عَلَى حَدَثٍ إلَخْ) مَفْهُومُ الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ) لَوْ قَالَ مِنْ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ أَوْ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ نَزْعُهَا إلَخْ) أَيْ إنْ أَخَذَتْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا أَوْ كَانَتْ بِأَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، وَإِنْ لَمْ تَأْخُذْ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ الْمَعْلُومَ مِنْ الْمَقَامِ، قَوْلُهُ: (لِفَوَاتِ شَرْطِ الْوَضْعِ) بِالْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ أَيْ: شَرْطٌ هُوَ الْوَضْعُ م د. وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِلْبَيَانِ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ الْبَيَانِيَّةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ كَخَاتَمِ حَدِيدٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إنْ أَمْكَنَهُ النَّزْعُ) أَيْ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْمَسْحِ أَيْ؛ لِأَنَّ وَاجِبَهُ الْغَسْلُ وَحِينَئِذٍ فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَفِي تَسْمِيَتِهِ قَضَاءً تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَصِحَّ حِينَئِذٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا قَالَ م د. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ صِحَّةُ التَّيَمُّمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَلَيْسَ مُرَادًا، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ وَجَبَ الْقَضَاءُ لِفَسَادِ تَيَمُّمِهِ حَيْثُ وَجَبَ النَّزْعُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ وَضْعُهَا عَلَى طُهْرٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَهَا عَلَى حَدَثٍ وَجَبَ الْقَضَاءُ أَيْضًا بِالْأَوْلَى.

قَوْلُهُ: (نَظَرًا لِلْغَالِبِ) عُلِمَ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ فِي الْمَنْعِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحْقِيقِ كَوْنِهِ لِلشُّرْبِ.
قَالَ م ر: وَأَمَّا الصَّهَارِيجُ الْمُسَبَّلَةُ لِلشُّرْبِ، فَالْوُضُوءُ مِنْهَا حَرَامٌ لِقَصْرِ الْوَاقِفِ لَهَا عَلَى الشُّرْبِ، أَوْ لِلِانْتِفَاعِ فَيَجُوزُ مِنْهَا الْوُضُوءُ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ شَكَّ فِيهَا اجْتَنَبَ الْوُضُوءَ مِنْهَا قَالَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْخَابِيَةِ وَالصِّهْرِيجِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ فِي الْخَوَابِي الِاقْتِصَارُ عَلَى الشُّرْبِ بِخِلَافِ الصَّهَارِيجِ، وَالْأَوْجَهُ تَحْكِيمُ الْعُرْفِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَّى بِهِ) أَيْ بِتَيَمُّمِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَسِيَ الْمَاءَ إلَخْ) الْمَاءُ لَيْسَ قَيْدًا بَلْ مِثْلُهُ إضْلَالُ ثَمَنِ الْمَاءِ وَنِسْيَانُ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ وَإِضْلَالُهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا الشَّارِحُ عَدَمَ الْإِعَادَةِ مُتَمِّمَةٌ، وَمُنَاسِبَةٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ فِي الْجَبِيرَةِ وَلَا إعَادَةَ وَمَا فِيهِ الْإِعَادَةُ فَهُوَ اسْتِطْرَادِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَضَلَّهُ فِيهِ) أَيْ تَسَبَّبَ فِي ضَيَاعِهِ فِيهِ، وَفِي الْمُخْتَارِ وَأَضَلَّهُ أَضَاعَهُ وَأَهْلَكَهُ.
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أَضْلَلْت بَعِيرِي إذَا

وَتَيَمَّمَ فِي الْحَالَيْنِ وَصَلَّى، ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي النِّسْيَانِ، وَوَجَدَهُ فِي الْإِضْلَالِ قَضَى لِأَنَّهُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، لَكِنَّهُ قَصَرَ فِي الْوُقُوفِ عَلَيْهِ فَيَقْضِي كَمَا لَوْ نَسِيَ سَاتِرَ الْعَوْرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ عُذْرٌ نَادِرٌ لَا يَدُومُ، وَلَوْ أَضَلَّ رَحْلَهُ فِي رِحَالٍ بِسَبَبِ ظُلْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَتَيَمَّمَ، وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَهُ، وَفِيهِ الْمَاءُ، فَإِنْ لَمْ يُمْعِنْ فِي الطَّلَبِ قَضَى لِتَقْصِيرِهِ، وَإِنْ أَمْعَنَ فِيهِ فَلَا قَضَاءَ؛ إذْ لَا مَاءَ مَعَهُ حَالَ التَّيَمُّمِ وَفَارَقَ إضْلَالَهُ فِي رَحْلِهِ بِأَنْ مُخَيَّمَ الرُّفْقَةِ أَوْسَعُ مِنْ مُخَيَّمِهِ فَلَا يُعَدُّ مُقَصِّرًا، وَلَوْ أَدْرَجَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِبِئْرٍ خَفِيَّةٍ هُنَاكَ، فَلَا إعَادَةَ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ لِإِضْلَالِهِ عَنْ الْقَافِلَةِ أَوْ عَنْ الْمَاءِ أَوْ لِغَصْبِ مَائِهِ فَلَا إعَادَةَ بِلَا خِلَافٍ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ

. فُرُوعٌ: لَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ لِغَرَضٍ كَتَبَرُّدِ وَتَنَظُّفِ وَتَحَيُّرِ مُجْتَهِدٍ لَمْ يَعْصِ لِلْعُذْرِ، أَوْ أَتْلَفَهُ عَبَثًا فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ عَصَى لِتَفْرِيطِهِ بِإِتْلَافِهِ مَاءً تَعَيَّنَ لِلطَّهَارَةِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا تَيَمَّمَ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ، وَهُوَ فَاقِدٌ لِلْمَاءِ، أَمَّا إذَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا يَعْصِي مِنْ حَيْثُ إتْلَافُ مَاءِ الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ يَعْصِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا غَرَضٍ، وَلَا

[حاشية البجيرمي]

ذَهَبَ مِنْك، وَضَلَلْت الْمَسْجِدَ وَالدَّارَ إذَا لَمْ تَعْرِفْ مَوْضِعَهُمَا، وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ مُقِيمٍ لَا يُهْتَدَى لَهُ، فَعَلَى هَذَا يُقْرَأُ رَحْلُهُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ مَا لَوْ أَضَلَّ رَحْلَهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ إمَّعَانِ الطَّلَبِ) فَيَقْضِي إذَا لَمْ يُمْعِنْ فِي الطَّلَبِ بِالْأَوْلَى ق ل. قَوْلُهُ: (لَكِنَّهُ قَصْرٌ فِي الْوُقُوفِ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا لَوْ أُدْرِجَ لَهُ مَاءٌ فِي رَحْلِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ أَوْ وَرِثَهُ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا تَيَمَّمَ بَعْدَ الطَّلَبِ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا مَعَهُ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ شَيْخُنَا.
وَقَوْلُهُ: لَكِنَّهُ قَصَّرَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِوُجُودِ الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا مَعَهُ.
وَنِسْبَتُهُ فِي إهْمَالِهِ حَتَّى نَسِيَهُ أَوْ أَضَلَّهُ إلَى تَقْصِيرِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (أَوْ حُكْمًا) أَيْ فِيمَا إذَا نَسِيَ ثَمَنَهُ أَوْ آلَتَهُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ نَسِيَ سَاتِرَ الْعَوْرَةِ) أَيْ فَصَلَّى عُرْيَانًا ثُمَّ تَذَكَّرَهَا وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ حَدِيثِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» كَمَا اسْتَثْنَى مِنْهُ غَرَامَةَ الْمُتْلَفِ.
اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (وَفِي الثَّانِيَةِ) أَيْ وَالشَّخْصُ فِي الثَّانِيَةِ عُذْرٌ نَادِرٌ أَيْ ذُو عُذْرٍ نَادِرٍ، وَالْعُذْرُ النَّادِرُ إذَا وَقَعَ لَا يَدُومُ.
وَحِينَئِذٍ تَجِبُ الْإِعَادَةُ بِخِلَافِ الْعُذْرِ الْعَامِّ إذَا وَقَعَ دَامَ فَلَا إعَادَةَ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ مُخَيَّمَ الرُّفْقَةِ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَمُخَيَّمُ الرُّفْقَةِ أَيْ خِيَامُهُمْ، وَالْخِيَامُ لَيْسَ قَيْدًا لِأَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ، وَفِيهِ أَنَّ مُخَيَّمَ بِمَعْنَى الْخِيَامِ لَمْ نَجِدْهُ فِي الْمِصْبَاحِ وَلَا فِي الْمُخْتَارِ وَلَا فِي الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (أَوْسَعَ مِنْ مُخَيَّمِهِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ اتَّسَعَ مُخَيَّمُهُ كَمَا فِي مُخَيَّمِ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ كَانَ كَمُخَيَّمِ الرُّفْقَةِ أَيْ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الِاتِّسَاعِ وَعَدَمِهِ الِاتِّسَاعُ بِالْفِعْلِ لَا الشَّأْنِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (لِإِضْلَالِهِ) بِأَنْ تَاهَ عَنْهَا.

قَوْلُهُ: (وَفُرُوعٌ) هِيَ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: إتْلَافُ الْمَاءِ.
الثَّانِي: التَّصَرُّفُ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ.
الثَّالِثُ: مُرُورُهُ بِهِ الرَّابِعُ: تَعَارُضُ حَاجَةِ الْعَطْشَانِ وَحَاجَةِ الْمَيِّتِ، وَالْمَاءُ تَرِكَةُ الْمَيِّتِ.
الْخَامِسُ: الْإِيصَاءُ، وَهَذِهِ الْفُرُوعُ مُنَاسِبَةٌ لِكَلَامِ الشَّارِحِ وَالْمَاتِنِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ جِهَةِ الْكَلَامِ عَلَى الْإِعَادَةِ تَارَةً وَعَدَمِ الْإِعَادَةِ تَارَةً أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (لَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ) هَذَا هُوَ الْفَرْعُ الْأَوَّلُ وَصُوَرُهُ سِتَّةٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُتْلِفَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ أَوْ لَا بِأَنْ كَانَ عَبَثًا وَلَا إعَادَةَ فِي الصُّوَرِ السِّتَّةِ وَيَعْصِي فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا، وَهِيَ مَا إذَا أَتْلَفَهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ عَبَثًا.
قَوْلُهُ: (فِي الْوَقْتِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ مَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْوَقْتِ كَمَا فِي م ر. وَقَوْلُهُ لِغَرَضٍ أَيْ دُنْيَوِيٍّ أَوْ دِينِيٍّ، وَمِثْلُ الْأَوَّلِ بِمِثَالَيْنِ وَهُمَا التَّبَرُّدُ وَالتَّنَظُّفُ، وَمِثْلُ الثَّانِي بِمِثَالٍ وَاحِدٍ وَهُوَ تَحَيُّرُ الْمُجْتَهِدِ أَيْ بِأَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَاءَانِ طَهُورُهُ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَحَيُّرِ مُجْتَهِدٍ) أَيْ فِي الْمَاءِ فَلَمْ يَدْرِ الطَّهُورَ مِنْ غَيْرِهِ فَأَتْلَفَ الْمَاءَيْنِ لِصِحَّةِ تَيَمُّمِهِ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ وُجُودِ مَاءٍ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (لِلْعُذْرِ) وَيُصَوَّرُ بِمَا إذَا كَانَ عَدَمُ التَّبَرُّدِ وَالتَّنَظُّفِ يَضُرُّهُ فَيُقَدِّمُهُمَا عَلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ بَدَلًا، وَهُوَ التَّيَمُّمُ تَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ عَبَثًا أَيْضًا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ مَتَى كَانَ عَبَثًا عَصَى سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ، فَقَوْلُهُ أَوْ بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْوَقْتِ الْوَاقِعِ بَعْدَ قَوْلِهِ عَبَثًا، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ الْوَقْتُ الْأَدَائِيُّ كَمَا يُعْلَمُ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ خُرُوجِهِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ)

إعَادَةٍ أَيْضًا لِمَا مَرَّ.
وَلَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ فِي الْوَقْتِ بِلَا حَاجَةٍ لَهُ وَلَا لِلْمُشْتَرِي أَوْ الْمُتَّهِبِ كَعَطَشٍ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا لِتَعَيُّنِهِ لِلطُّهْرِ، وَبِهَذَا فَارَقَ صِحَّةَ هِبَةِ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ، أَوْ دُيُونٌ فَوَهَبَ مَا يَمْلِكُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ، فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِرْدَادِهِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَقَضَى تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي فَوَّتَ الْمَاءَ فِي وَقْتِهَا لِتَقْصِيرِهِ دُونَ مَا سِوَاهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْمَاءَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا.
وَلَا يَقْضِي تِلْكَ الصَّلَاةَ بِتَيَمُّمٍ فِي الْوَقْتِ بَلْ يُؤَخِّرُ الْقَضَاءَ إلَى وُجُودِ الْمَاءِ أَوْ حَالَةٍ يَسْقُطُ الْفَرْضُ فِيهَا بِالتَّيَمُّمِ

وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ أَوْ الْمُشْتَرِي ثُمَّ تَيَمَّمَ وَصَلَّى فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، لِمَا سَلَفَ وَيَضْمَنُ الْمَاءَ الْمُشْتَرِي دُونَ الْمُتَّهِبِ؛ لِأَنَّ فَاسِدَ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ

[حاشية البجيرمي]

أَيْ لَا لِغَرَضٍ أَصْلًا بَلْ عَبَثًا، وَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ عَبَثًا فِي الْوَقْتِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا لِغَرَضٍ قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ يَعْصِي إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ وَهُوَ فَاقِدٌ لِلْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَاعَهُ إلَخْ) . حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا مَحْذُورَ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ بَعْدَ الْوَقْتِ لِاحْتِيَاجٍ، فَكَذَلِكَ، أَوْ بِلَا احْتِيَاجٍ فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ وَلَا تَيَمُّمُهُ مَا دَامَ قَادِرًا عَلَى اسْتِرْدَادِهِ وَهُوَ بَاقٍ، فَإِنْ تَلِفَ وَتَيَمَّمَ بَعْدَ تَلَفِهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ وَلَا قَضَاءَ، وَإِنْ عَجَزَ صَحَّ تَيَمُّمُهُ وَقَضَى الصَّلَاةَ الَّتِي فَوَّتَهُ أَيْ الْمَاءَ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ تَفْوِيتٌ لَهُ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ مَاءٍ مَثَلًا يَحْتَاجُ مِنْهَا لِلطَّهَارَةِ قَدْرَ رِطْلَيْنِ فَقَطْ بَاعَ الْخَمْسَةَ هَلْ يَأْتِي فِيهِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فَيَصِحُّ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَيَبْطُلُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، أَوْ لَا يَصِحُّ فِي الْجَمِيعِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ بِالثَّانِي نَظَرًا إلَى أَنَّ مَاءَ الطَّهَارَةِ لَا يَنْضَبِطُ.
وَقَالَ شَيْخُنَا بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ مَاءَ الطَّهَارَةِ مُنْضَبِطٌ اج م د. قَوْلُهُ: (كَعَطَشٍ) مِثَالٌ لِلْمَنْفِيِّ وَهُوَ الْحَاجَةُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ تَسْلِيمِهِ) فِيهِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الصِّحَّةِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الشَّارِحَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَنَى هَذِهِ الْعِلَّةَ عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ عَجَزَ فِيهِ عَنْ التَّسْلِيمِ يَكُونُ مَعْجُوزًا عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَالْعَجْزُ هُنَا شَرْعِيٌّ لَا حِسِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ التَّسْلِيمَ حِسًّا.
قَوْلُهُ: (وَبِهَذَا) أَيْ بِتَعَيُّنِهِ لِلطُّهْرِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ لَا يَتَعَيَّنُ لَهَا أَعْيَانُ مَالِهِ، وَالدُّيُونُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ بَلْ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَمِ اهـ. أَقُولُ: لَعَلَّ هَذَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ، أَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَتَتَعَلَّقُ بِهَا أَيْ بِالْأَعْيَانِ لِيُلَائِمَ قَوْلَهُمْ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ كَمَرْهُونٍ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَارَقَ) أَيْ عَدَمَ الصِّحَّةِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، وَلَا هِبَتُهُ فَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ) هَذَا صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ الَّتِي فَوَّتَهُ فِي وَقْتِهَا وَمَا بَعْدَهَا كَمَا هُوَ صَرِيحُ عَدَمِ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَوُجُوبِ الِاسْتِرْدَادِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكْفِيَ لِوُضُوءِ وَاحِدٍ فَقَطْ أَوْ أَكْثَرَ، وَوُجُودُهُ مَعَهُ عِنْدَ كُلِّ تَيَمُّمٍ سم.
قَوْلُهُ: (مَا قَدَرَ عَلَيْهِ) وَكَانَ فِي حَدِّ الْقُرْبِ، فَإِنْ كَانَ بِحَدٍّ الْبُعْدِ صَحَّ التَّيَمُّمُ وَلَا قَضَاءَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِرْدَادِهِ) وَالْحَالُ أَنَّهُ بَاقٍ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ أَتْلَفَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا) أَيْ وَقْتِ مَا سِوَاهَا كَأَنْ بَاعَهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مَثَلًا وَعَجَزَ عَنْ اسْتِرْدَادِهِ فِي عَشَرَةِ أَوْقَاتٍ مَثَلًا بَعْدَ هَذَا الظُّهْرِ الَّذِي بَاعَهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِهَذَا الظُّهْرِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ لِإِتْلَافِهِ الْمَاءَ الَّذِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الطُّهْرُ بِهِ، أَمَّا الْعَصْرُ الَّذِي بَعْدَهُ أَوْ الْمَغْرِبُ مَثَلًا فَيَتَيَمَّمُ، وَلَا يَقْضِيهَا مَا دَامَ عَاجِزًا عَنْ الِاسْتِرْدَادِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْضِي تِلْكَ الصَّلَاةَ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلَا يُؤَدِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ إلَخْ.
لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ خَارِجَ الْوَقْتِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُؤَدِّيهَا فِي الْوَقْتِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْقَضَاءِ مَعْنَاهُ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ، وَهُوَ الْأَدَاءُ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ إلَخْ) هَذَا مُحْتَرَزُ قَيْدٍ مَلْحُوظٍ عِنْدَ قَوْلِهِ قَبْلُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ.
تَقْدِيرُ هَذَا إذَا كَانَ بَاقِيًا وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَلَوْ أَتْلَفَ إلَخْ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ، وَوُجِدَ التَّعْبِيرُ بِهَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهِيَ أَظْهَرُ، أَوْ كَانَ يَقُولُ أَمَّا لَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ) أَيْ الْبَائِعُ أَوْ الْوَاهِبُ بِدَلِيلِ قَوْلِ ق ل. وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ وَلِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ: ثُمَّ تَيَمَّمَ وَصَلَّى.
اهـ. م د. لَكِنْ هَذَا لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ وَيَضْمَنُ الْمَاءَ، إذْ لَا مَعْنَى لِضَمَانِ الْمُشْتَرِي لِلْمَاءِ حَيْثُ كَانَ الْمُتْلِفُ هُوَ الْبَائِعَ كَمَا لَا يَخْفَى، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَيَكُونُ الْمُتْلِفُ غَيْرَ الْبَائِعِ قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
قَوْلُهُ: (لِمَا سَلَفَ) أَيْ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ، وَهُوَ فَاقِدٌ لِلْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَيَضْمَنُ الْمَاءَ الْمُشْتَرِي) أَيْ ضَمَانَ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ يَضْمَنُ ضَمَانَ

وَلَوْ مَرَّ بِمَاءٍ فِي الْوَقْتِ وَبَعُدَ عَنْهُ بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِمَا مَرَّ، وَلَوْ عَطِشُوا، وَلِمَيِّتٍ مَاءٌ شَرِبُوهُ وَيَمَّمُوهُ وَضَمِنُوهُ لِلْوَارِثِ بِقِيمَتِهِ لَا بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِثْلِيًّا إذَا كَانُوا بِبَرِّيَّةٍ لِلْمَاءِ فِيهَا قِيمَةٌ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى وَطَنِهِمْ وَلَا قِيمَةَ لَهُ فِيهِ، وَأَرَادَ الْوَارِثُ تَغْرِيمَهُمْ؛ إذْ لَوْ رَدُّوا الْمَاءَ لَكَانَ إسْقَاطًا لِلضَّمَانِ، فَإِنْ فَرَضَ الْغُرْمَ بِمَكَانِ الشُّرْبِ أَوْ بِمَكَانٍ آخَرَ لِلْمَاءِ فِيهِ قِيمَةٌ وَلَوْ دُونَ قِيمَتِهِ بِمَكَانِ الْمَشْرَبِ وَزَمَانِهِ غَرِمَ مِثْلَهُ كَسَائِرِ الْمِثْلِيَّاتِ

وَلَوْ أَوْصَى بِصَرْفِ مَاءٍ لِأَوْلَى النَّاسِ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْعَطْشَانِ الْمُحْتَرَمِ حِفْظًا لِمُهْجَتِهِ ثُمَّ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ، فَإِنْ مَاتَ اثْنَانِ وَوُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ مَوْتِهِمَا قُدِّمَ الْأَوَّلُ لِسَبْقِهِ فَإِنْ مَاتَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّابِقُ أَوْ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَهُمَا قُدِّمَ الْأَفْضَلُ لِأَقَلِّيَّتِهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى الرَّحْمَةِ لَا بِالْحُرِّيَّةِ وَالنَّسَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْوَارِثِ لَهُ كَالْكَفَنِ الْمُتَطَوَّعِ بِهِ ثُمَّ الْمُتَنَجِّسِ؛ لِأَنَّ طُهْرَهُ لَا بَدَلَ لَهُ ثُمَّ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِعَدَمِ خُلُوِّهِمَا عَنْ النَّجَسِ غَالِبًا وَلِغِلَظِ حَدَثِهِمَا، فَإِنْ اجْتَمَعَا

[حاشية البجيرمي]

الْمَغْصُوبِ أَيْ بِأَقْصَى الْمُقِيمِ فِي الْمُتَقَوِّمِ، وَبِالْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ، فَيَضْمَنُهُ هُنَا بِالْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مِثْلِيٌّ، وَمَحَلُّ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ الْمُتْلِفُ غَيْرَ الْبَائِعِ، وَإِلَّا صَارَ آخِذًا لِحَقِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَرَّ بِمَاءٍ إلَخْ) أَيْ عَلَى مَاءٍ.
هَذَا هُوَ الْفَرْعُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (وَبَعُدَ عَنْهُ) بِأَنْ صَارَ فَوْقَ حَدِّ الْقُرْبِ السَّابِقِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ، وَهُوَ فَاقِدٌ لِلْمَاءِ؛ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ وَيَطْلُبَ الْمَاءَ مِنْ الْمَحَلِّ الْبَعِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَطِشُوا) بِكَسْرِ الطَّاءِ، وَالْجَمْعُ لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (لَا بِمِثْلِهِ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ الْغُرْمُ بِمَحَلٍّ لَا قِيمَةَ لِلْمَاءِ فِيهِ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ بِمَحَلِّ الشُّرْبِ أَوْ بِمَحَلٍّ لَهُ فِيهِ قِيمَةٌ وَجَبَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ.
اهـ. ق ل. أَيْ: لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ إلَى مَحَلِّ التَّلَفِ كَأَرْضِ الْحِجَازِ مَئُونَةٌ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ بِمَحَلِّ التَّلَفِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر فِي بَابِ الْغَصْبِ، وَخَرَجَ بِعَطَشِهِمْ مَا لَوْ احْتَاجُوا لِلطَّهَارَةِ، وَلَوْ لِلصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ فَالْمَيِّتُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ كِفَايَتِهِ شَيْءٌ وَجَبَ حِفْظُهُ لِلْوَارِثِ وَيَتَيَمَّمُونَ، فَإِنْ تَطَهَّرُوا بِهِ أَثِمُوا وَضَمِنُوهُ لِلْوَارِثِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ مِثْلِيًّا) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ مِثْلِيٌّ، فَالْوَاوُ لِلْحَالِ، وَلَوْ وَصِيَّةً.
قَوْلُهُ: (بِبَرِّيَّةٍ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الثَّانِيَةِ نِسْبَةً إلَى الْبَرِّ، وَهُوَ مَا قَابَلَ الْبَحْرَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَجَعُوا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَانُوا بِبَرِيَّةٍ.
وَقَوْلُهُ: إذْ لَوْ رَدُّوا الْمَاءَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: لَا بِمِثْلِهِ أَوْ لِقَوْلِهِ: ضَمِنُوهُ بِقِيمَتِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَى وَطَنِهِمْ) لَيْسَ قَيْدًا، فَالْمُرَادُ رَجَعُوا إلَى مَحَلٍّ لَا قِيمَةَ لِلْمَاءِ قِيهِ.
قَوْلُهُ: (غَرِمَ) أَيْ الشَّارِبُ، وَالْمُنَاسِبُ غَرِمُوا.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مَئُونَةٌ، وَإِلَّا غَرِمَ الْقِيمَةَ بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ كَمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَوْصَى إلَخْ) هَذَا خَامِسُ الْفُرُوعِ، وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ مَا فِيهِ بِقَوْلِهِ: أَوْصِ لِأَوْلَى النَّاسِ بِالْمَا ... قَدَّمَا عَطْشَانَ ثُمَّ مَيِّتٍ قَدْ عُلِمَا يَلِيهِ ذُو نَجَاسَةٍ فَالنُّفَسَا ... فَحَائِضٌ فَجُنُبٌ لَا تَنْسَى فَمُحْدِثٌ فَإِنْ كَفَى هَذَا فَقَطْ ... قَدِّمْ عَلَى السِّوَى حُفِظْت مِنْ غَلَطِ وَقَوْلُهُ: (بِصَرْفٍ) أَيْ دَفْعٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ الْغُسْلَ.
وَعِبَارَةُ م ر ثُمَّ مَيِّتٌ، وَإِنْ احْتَاجَهُ الْحَيُّ لِطُهْرِهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ إمَامًا أَوْ تَعَيَّنَتْ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، إذْ غُسْلُ الْمَيِّتِ مُتَأَكِّدٌ لِعَدَمِ إمْكَانِ تَدَارُكِهِ مَعَ كَوْنِهِ خَاتِمَةَ أَمْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ تَدَارُكِهَا عَلَى قَبْرِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ ذَلِكَ إلَخْ جُزْءُ الْعِلَّةِ.
وَقَوْلُهُ: (مُتَأَكِّدٌ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغُسْلِ الْحَيِّ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَاتَ اثْنَانِ) أَيْ مُرَتَّبًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بِغَلَبَةِ الظَّنِّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: الْأَفْضَلُ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِأَفْضَلِيَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ: لَا بِالْحُرِّيَّةِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: بِغَلَبَةِ الظَّنِّ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ.
وَقَوْلُهُ: (وَنَحْوُ ذَلِكَ) أَيْ كَالسِّنِّ وَالذُّكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ فِي الشَّرَفِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْوَارِثِ) أَيْ لَفْظًا، وَأَمَّا قَبُولُهُ مَعْنًى، وَهُوَ عَدَمُ الرَّدِّ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْمُتَنَجِّسُ بَعْدَ الْمَيِّتِ) أَيْ سَوَاءٌ ذُو النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ وَغَيْرِهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ إذْ مَانِعُ النَّجَاسَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ تَقْدِيمِ نَحْوِ حَائِضٍ عَلَى جُنُبٍ إذْ مَانِعُ الْحَيْضِ زَائِدٌ عَلَى مَانِعِ الْجَنَابَةِ.
اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (فَإِنْ اجْتَمَعَا) أَيْ الْحَائِضُ

قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا، فَإِنْ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ الْجُنُبُ؛ لِأَنَّ حَدَثَهُ أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِ الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ، نَعَمْ إنْ كَفَى الْمُحْدِثَ دُونَهُ فَالْمُحْدِثُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ بِكَمَالِهِ دُونَ الْجُنُبِ.

(وَيَتَيَمَّمُ) الْمَعْذُورُ وُجُوبًا (لِكُلِّ فَرِيضَةٍ) فَلَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ لِكُلِّ فَرْضٍ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْهُ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ «بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ» ، فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ " وَلِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ وَمِثْلُ فَرْضِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ فَرْضُ الطَّوَافِ، وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ، فَيَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ بَيْنَ طَوَافَيْنِ مَفْرُوضَيْنِ، وَبَيْنَ طَوَافِ فَرْضٍ وَفَرْضِ صَلَاةٍ، وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَتِهَا عَلَى مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ؛ إذْ قِيلَ: إنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ

وَالصَّبِيُّ لَا يُؤَدِّي بِتَيَمُّمِهِ غَيْرَ فَرْضٍ كَالْبَالِغِ؛ لِأَنَّ مَا يُؤَدِّيهِ كَالْفَرْضِ فِي النِّيَّةِ وَغَيْرِهَا.
نَعَمْ لَوْ تَيَمَّمَ

[حاشية البجيرمي]

وَالنُّفَسَاءُ، وَكَانَ الْمُوَافِقُ لِلْعَرَبِيَّةِ: اجْتَمَعَتَا كَقَامَتَا وَقَعَدَتَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ.
وَقَوْلُهُ: قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا يَصِحُّ أَفْضَلُهُمَا، وَفُضْلَاهُمَا عَمَلًا بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ: وَمَا لِمَعْرِفَةٍ أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَةِ قَوْلُهُ: (نَعَمْ إنْ كَفَى إلَخْ) وَكَذَا لَوْ تَعَدَّدَ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ أَوْ الْمَيِّتُ فَمَنْ يَكْفِيهِ قُدِّمَ، وَكَذَا لَوْ كَفَى أَحَدُ الْمَيِّتَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَلَوْ كَانَ الْآخَرُ الَّذِي لَا يَكْفِيهِ أَفْضَلَ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُحْدِثِ اهـ.

قَوْلُهُ: (وَيَتَيَمَّمُ الْمَعْذُورُ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عُذْرُهُ حِسِّيًّا أَوْ شَرْعِيًّا، وَهَذَا شُرُوعٌ فِي الْبَحْثِ الْخَامِسِ مِنْ مَبَاحِثِ التَّيَمُّمِ وَهُوَ خِتَامُهَا.
قَوْلُهُ: (لِكُلِّ فَرِيضَةٍ) عَيْنِيَّةٍ، وَلَوْ مَنْذُورَةً مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْ إلَّا طَوْفَةً، وَلَوْ صَبِيًّا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: إذَا قُمْتُمْ فِي حُكْمِ النَّكِرَةِ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ، وَالْمَعْنَى إذَا وُجِدَ مِنْكُمْ قِيَامٌ، وَهَذَا يَصْدُقُ بِكُلِّ قِيَامٍ لِلصَّلَاةِ.
اهـ. عَزِيزِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ابْنِ عُمَرَ إلَخْ) أَيْ وَهُوَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَوْقِيفٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي التَّيَمُّمِ لِكُلِّ فَرْضٍ.
قَوْلُهُ: (فَرْضُ الطَّوَافِ) فَالطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ، فَإِذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَوْ الْوَدَاعِ صَلَّى بِهِ فَرْضًا أَيْ إنْ لَمْ يَطُفْ، وَإِذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ نَفْلِ طَوَافٍ صَلَّى بِهِ نَفْلًا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ طَوَافَيْنِ) كَطَوَافِ إفَاضَةٍ وَوَدَاعٍ، أَوْ طَوَافِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) أَيْ وَكَذَا غَيْرُهَا مِنْ الْفُرُوضِ.
فَرْعٌ: لَوْ تَيَمَّمَ لِلْخُطْبَةِ، وَخَطَبَ وَلَمْ يُصَلِّ بِمَحَلِّ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ لِمَحَلٍّ آخَرَ هَلْ لَهُ أَنْ يَخْطُبَ فِيهِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ؟ قَالَ سم: لَهُ أَنْ يَخْطُبَ إنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي الْمَحَلِّ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ فِي الْأَوَّلِ اهـ اج.
وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ ح ل أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَخْطُبَ فِي الْمَحَلِّ الْآخَرِ بِالتَّيَمُّمِ الَّذِي فَعَلَ بِهِ الْخُطْبَةَ الْأُولَى مُطْلَقًا قَالَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَيْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ، مَعَ أَنَّهُمَا فَرْضَانِ لِكَوْنِهِمَا فِي حُكْمِ شَيْءٍ وَاحِدٍ لِتَلَازُمِهِمَا، فَلَمَّا كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ صَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَاكْتُفِيَ لَهُمَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، بَلْ الظَّاهِرُ امْتِنَاعُ إفْرَادِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِتَيَمُّمٍ لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (إذْ قِيلَ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لَكِنَّهُ قِيلَ: إنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ، وَعِبَارَةُ م د: لَا وَجْهَ لِلْإِتْيَانِ بِإِذَا اهـ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ خَبَرَ أَنَّ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ قَدْ اُلْتُحِقَتْ بِفَرَائِضِ الْأَعْيَانِ، وَتَجْعَلُ إذْ عِلَّةً لِهَذَا الْخَبَرِ الْمُقَدَّرِ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ م ر وَنَصُّهَا: لِأَنَّ الْخُطْبَةَ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ قَدْ الْتَحَقَتْ بِفَرَائِضِ الْأَعْيَانِ لِمَا قِيلَ إلَخْ.

قَوْلُهُ: (وَالصَّبِيُّ لَا يُؤَدِّي بِتَيَمُّمِهِ غَيْرَ فَرْضٍ إلَخْ) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا صَلَاتَهُ بِالْفَرَائِضِ حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزُوهَا مِنْ قُعُودٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَوْ فَاتَهُمَا صَلَوَاتٌ، وَأَرَادَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ قَضَاءَ مَا فَاتَهُمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْجُنُونِ قَضَاهُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وَالْبُلُوغِ عَمَلًا بِالسُّنَّةِ فِيهِمَا، وَوَجَبَ

لِلْفَرْضِ ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يَصِلْ بِهِ الْفَرْضُ لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَفْلٌ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ جُعِلَ كَالْبَالِغِ فِي أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بِتَيَمُّمٍ فَرْضَيْنِ، وَلَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ إذَا بَلَغَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ احْتِيَاطٌ لِلْعِبَادَةِ فِي أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِلْفَرْضِ الثَّانِي، وَيَتَيَمَّمُ إذَا بَلَغَ.
وَهَذَا فِي غَايَةِ الِاحْتِيَاطِ وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ تَمْكِينُ الْحَائِضِ مِنْ الْوَطْءِ مِرَارًا وَجَمْعُهُ: بَيْنَ فَرْضٍ آخَرَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُمَا جَائِزَانِ، وَالنَّذْرُ كَفَرْضٍ عَيْنِيٍّ لِتَعَيُّنِهِ عَلَى النَّاذِرِ فَأَشْبَهَ الْمَكْتُوبَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَهُ مَعَ فَرِيضَةٍ أُخْرَى مُؤَدَّاةً كَانَتْ أَوْ مَقْضِيَّةً بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ.

وَلَوْ تَعَيَّنَ عَلَى ذِي حَدَثٍ أَكْبَرَ تَعَلُّمُ فَاتِحَةٍ أَوْ حَمْلُ مُصْحَفٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَحَائِضٍ انْقَطَعَ حَيْضُهَا، وَأَرَادَ الزَّوْجُ وَطْأَهَا، وَتَيَمَّمَ مَنْ ذُكِرَ لِفَرِيضَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ مَعَهَا، وَكَذَا لَهُ مَعَهَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ فَهِيَ كَالنَّفْلِ فِي جَوَازِ التَّرْكِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ الْقِيَامُ قِوَامَهَا لِعَدَمِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِيهَا، فَتَرْكُهُ يَمْحِي صُورَتَهَا

وَلَوْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الْجِنَازَةَ لِمَا ذُكِرَ.

[حاشية البجيرمي]

عَلَيْهِمَا التَّيَمُّمُ لِكُلِّ فَرْضٍ مَعَ وُقُوعِهِ نَفْلًا لَهُمَا لِلْعِلَّةِ السَّابِقَةِ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فِي النِّيَّةِ) أَيْ عِنْدَ شَيْخِنَا م ر ق ل. فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَغَيْرُهَا فَمُعْتَمَدٌ أَيْ غَيْرُ النِّيَّةِ كَالْقِيَامِ لِأَنَّ صَلَاتَهُ وَإِنْ وَقَعَتْ نَفْلًا لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا مِنْ قُعُودٍ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالْبَالِغِ.
قَوْلُهُ: (إذَا بَلَغَ) أَيْ إذَا شَرَعَ فِيهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَلَوْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا أَجْزَأَتْهُ لِأَنَّ فَرْضِيَّتَهَا طَارِئَةٌ.
اهـ. م ر. وَعِبَارَةُ ح ل: وَلَوْ تَيَمَّمَ الصَّبِيُّ لِلْفَرْضِ ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يُصَلِّ بِهِ الْفَرْضَ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ نَفْلٌ، فَلَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَنْ الْفَرْضِ، وَبِهَذَا فَارَقَ صِحَّةَ جَمْعِ الْأَصْلِيَّةِ مَعَ الْمُعَادَةِ.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ) أَيْ بِتَقْيِيدِ الْفَرِيضَةِ بِالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ وَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (مِرَارًا) أَيْ مَعَ أَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ مِنْ التَّمْكِينِ فَرْضٌ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا مَانِعٌ.
قَوْلُهُ: (وَجَمْعُهُ) أَيْ التَّمْكِينِ حَيْثُ لَمْ تَتَيَمَّمْ لَهُ ح ل. قَوْلُهُ: (بَيْنَ فَرْضٍ) عِبَارَةُ م ر وَجَمْعُهُ مَعَ فَرْضٍ إلَخْ.
وَهِيَ لِأَنَّ بَيْنَ الصَّوَابُ لَا تُضَافُ إلَّا لِمُتَعَدِّدٍ اهـ. وَيُشْتَرَطُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى التَّمْكِينِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ تَمْكِينَ الْحَلِيلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مُبْطِلٌ لِتَيَمُّمِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّمْكِينِ وَأَنَّ التَّمْكِينَ وَإِنْ تَكَرَّرَ يُعَدُّ شَيْئًا وَاحِدًا.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهَا نَوَتْ اسْتِبَاحَةَ فَرْضِ الصَّلَاةِ.
أَمَّا لَوْ نَوَتْ اسْتِبَاحَةَ تَمْكِينِ الْحَلِيلِ فَتُمَكِّنُهُ مِرَارًا وَلَا تُصَلِّي بِهِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا.
اهـ. ع ش قَالَ م ر. وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ جِمَاعُ أَهْلِهِ وَإِنْ عَلِمَ عَدَمَ الْمَاءِ وَقْتَ الصَّلَاةِ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ اهـ. أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ كَانَا مُسْتَنْجِيَيْنِ بِالْمَاءِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ جِمَاعُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ، وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ بُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَاءً فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْغُسْلِ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ غَسْلَ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا فَتَرَتْ شَهْوَتُهُ عَنْ جِمَاعٍ يُرِيدُهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِمَاعِ لَا لِمَا أَصَابَ بَدَنَهُ مِنْهُ أَوْ ثَوْبَهُ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ بَعْدَ الْجِمَاعِ، فَيَنْبَغِي حُرْمَتُهُ إذَا كَانَ الْجِمَاعُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَا قَبْلَهُ، فَلَا يَحْرُمُ لِعَدَمِ مُخَاطَبَتِهِ بِالصَّلَاةِ الْآنَ، وَهُوَ لَا يُكَلَّفُ تَحْصِيلَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا اهـ اط ف. قَوْلُهُ: (وَالنَّذْرُ) أَيْ لِلصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ دُونَ غَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَفَرْضِ الْعَيْنِ، فَلَوْ نَذَرَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ مَثَلًا وَسَجْدَةَ الشُّكْرِ، وَتِلَاوَةَ سُورَةٍ وَالْمُكْثَ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ لَهُ جَمْعُ الْجَمِيعِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ اهـ اج.
وَلَوْ نَذَرَ التَّرَاوِيحَ أَوْ الْوِتْرَ إحْدَى عَشْرَةَ أَوْ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ اكْتَفَى لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهَا تُسَمَّى صَلَاةً وَاحِدَةً مَنْذُورَةً وَإِنْ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ اهـ اط ف. وَمَحَلُّهُ فِي الْوِتْرِ وَالضُّحَى إنْ لَمْ يَنْذِرْ السَّلَامَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ س ل. وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ فِي التَّرَاوِيحِ الْمَنْذُورَةِ عَشْرُ تَيَمُّمَاتٍ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ حِينَئِذٍ كَصَلَاةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.

قَوْلُهُ: (كَحَائِضٍ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَتَمْكِينِ حَائِضٍ انْقَطَعَ حَيْضُهَا إلَخْ؛ لِأَنَّ التَّمْكِينَ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ عَلَيْهَا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَأَرَادَ الزَّوْجُ وَطْأَهَا) أَيْ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا حَيْثُ أَرَادَ الزَّوْجُ وَطْأَهَا، وَهَذَا مِثَالٌ لِلنَّحْوِ، وَفِيهِ أَنَّهُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَعَادَهُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ) أَيْ التَّعَلُّمَ وَمَا بَعْدَهُ أَيْ: وَالْفَرْضُ أَنَّهُ تَيَمَّمَ لِلْفَرِيضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ الْقِيَامُ

(وَيُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ) لِأَنَّ النَّوَافِلَ تَكْثُرُ فَيُؤَدِّي إيجَابُ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا إلَى التَّرْكِ أَوْ إلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ فَخَفَّفَ فِي أَمْرِهَا كَمَا خَفَّفَ بِتَرْكِ الْقِيَامِ فِيهَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَبِتَرْكِ الْقِبْلَةِ فِي السَّفَرِ.

وَلَوْ نَذَرَ إتْمَامَ كُلِّ صَلَاةٍ دَخَلَ فِيهَا فَلَهُ جَمْعُهَا مَعَ فَرْضٍ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهَا نَفْلٌ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ.

وَلَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ أَرَادَ إعَادَتَهَا جَمَاعَةً جَازَ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الْأُولَى، ثُمَّ كُلُّ صَلَاةٍ أَوْجَبْنَا فِي الْوَقْتِ، وَأَوْجَبْنَا إعَادَتَهَا كَمَرْبُوطٍ عَلَى خَشَبَةٍ فَفَرْضُهُ الثَّانِيَةُ، وَلَهُ أَنْ يُعِيدَهَا بِتَيَمُّمِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْأُولَى، وَإِنْ وَقَعَتْ نَفْلًا فَالْإِتْيَانُ بِهَا فَرْضٌ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَمَعَهُمَا بِتَيَمُّمٍ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فَرْضٌ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا كَالْمَنْسِيَّةِ فِي خَمْسٍ يَجُوزُ جَمْعُهُمَا بِتَيَمُّمٍ، وَإِنْ كَانَتْ فُرُوضًا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ بِالذَّاتِ وَاحِدَةٌ.

وَمَنْ نَسِيَ إحْدَى الْخَمْسِ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا كَفَاهُ لَهُنَّ تَيَمُّمٌ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ وَاحِدٌ وَمَا سِوَاهُ وَسِيلَةٌ لَهُ، فَلَوْ تَذَكَّرَ الْمَنْسِيَّةَ بَعْدُ لَمْ يَجِبْ إعَادَتُهَا كَمَا رَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ أَوْ نَسِيَ مُخْتَلِفَتَيْنِ

[حاشية البجيرمي]

فِيهَا) هَذَا وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ فَهِيَ كَالنَّفْلِ.
قَوْلُهُ: (قِوَامُهَا) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ أَيْ لَا تَقُومُ وَلَا تُوجَدُ إلَّا بِهِ.
قَوْلُهُ: (يَمْحِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ مَحَى إنْ قُلْت فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ.
﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد: 39] بِالْوَاوِ.
قُلْت: نَعَمْ هِيَ بَعْضُ لُغَاتِهَا فَفِي الصِّحَاحِ مَحَى لَوْحَهُ يَمْحُوهُ مَحْوًا وَيَمْحِيهِ مَحْيًا اهـ.

قَوْلُهُ: (مَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ) أَيْ وَالْجَنَائِزِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ النَّوَافِلَ إلَخْ) وَلِأَنَّهَا فِي حُكْمِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِرَكْعَةٍ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا مِائَةَ رَكْعَةٍ بِالنِّيَّةِ، وَبِالْعَكْسِ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ م د أَيْ: إذَا نَوَى أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى رَكْعَةٍ بِالنِّيَّةِ.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ابْتِدَاءَهَا نَفْلٌ) يَقْتَضِي أَنَّ انْتِهَاءَهَا فَرْضٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهَا كُلَّهَا نَفْلٌ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ فِيهَا الْإِتْمَامُ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَةِ الصَّلَاةِ، وَعِبَارَةُ م ر إذْ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ نَفْلٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ كَالْحَجِّ النَّفْلِ اهـ وَقَالَ ق ل بَلْ كُلُّهَا نَفْلٌ، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّ فَرْضَهُ الْأُولَى) أَيْ وَالثَّانِيَةُ نَفْلٌ أَيْ فَقَدْ جَمَعَ فِي تَيَمُّمِهِ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَافِلَةٍ.
فَإِنْ قُلْت: إذَا صَلَّى أَوَّلًا وَأَحْدَثَ، وَأَرَادَ أَنْ يُعِيدَ، وَقُلْتُمْ: إنَّهَا نَافِلَةٌ هَلْ يَكْفِي فِي نِيَّةِ التَّيَمُّمِ أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ؟ قُلْت: قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ مُحَاكَاةً لِلصُّورَةِ الْأُولَى اهـ اج.
قَوْلُهُ: (فَالْإِتْيَانُ بِهَا فَرْضٌ) أَيْ فَالتَّيَمُّمُ لِلْفَرْضِ لَا لِلنَّفْلِ، وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ الْأُولَى، وَإِنْ كَانَ الْإِتْيَانُ بِهَا فَرْضًا فَهِيَ وَاقِعَةٌ نَفْلًا، فَفِي الْعِبَارَةِ قَلْبٌ وَهَذَا أَيْ قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأُولَى إلَخْ.
جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا وَقَعَتْ صَلَاتُهُ الْأُولَى نَافِلَةً كَانَ مُتَيَمِّمًا لِنَفْلٍ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا.
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْأُولَى إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا) أَيْ الْفَرْضَ الَّذِي أَعَادَهُ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ.
وَعِبَارَةُ م ر بِأَنَّ هَذِهِ إلَخْ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَلْيُوبِيُّ: هَذَا الْجَوَابُ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ اهـ وَقَوْلُهُ: (هَذَا الْجَوَابُ) إلَخْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مَا قَبْلَهُ جَوَابٌ آخَرُ عَنْ سُؤَالٍ آخَرَ.
وَحَاصِلُ السُّؤَالِ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّتْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بِهَذَا التَّيَمُّمِ مَعَ أَنَّ الْأُولَى وَقَعَتْ نَفْلًا، وَالثَّانِيَةُ هِيَ الْفَرِيضَةُ.
وَلَا يَصِحُّ صَلَاةُ الْفَرْضِ بِالتَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْأُولَى وَإِنْ وَقَعَتْ نَفْلًا فَالْإِتْيَانُ بِهَا فَرْضٌ أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالتَّيَمُّمُ لِفَرْضٍ لَا لِنَفْلٍ فَصَحَّ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَهُوَ الثَّانِيَةُ بِهِ.
وَأَمَّا هَذَا الْجَوَابُ فَعَنْ السُّؤَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ النَّاشِئُ مِنْ جَوَابِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ.
وَحَاصِلُ هَذَا السُّؤَالِ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَرْضًا، فَكَيْفَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ؟ وَقَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أُجِيبُ إلَخْ.

قَوْلُهُ: (وَمِنْ نَسِيَ إحْدَى الْخَمْسِ إلَخْ) وَهَذِهِ مِنْ فُرُوعِ قَوْلِهِ: فَلَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ أَدَّى بِهِ فُرُوضًا عَدِيدَةً ظَاهِرًا تَوَصُّلًا لِذَلِكَ الْفَرْضِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْفَرْضَ وَاحِدٌ) وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بِالتَّيَمُّمِ لَوْ لَزِمَهُ إعَادَةُ الظُّهْرِ

وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهُمَا صَلَّى كُلًّا مِنْهُنَّ بِتَيَمُّمٍ أَوْ صَلَّى أَرْبَعًا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِتَيَمُّمٍ، وَأَرْبَعًا لَيْسَتْ مِنْهَا الَّتِي بَدَأَ بِهَا أَيْ: الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ بِتَيَمُّمٍ آخَرَ، فَيَبْرَأُ بِيَقِينٍ أَوْ نَسِيَ مِنْهُنَّ مُتَّفِقَتَيْنِ، أَوْ شَكَّ فِي اتِّفَاقِهِمَا، وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهُمَا، وَلَا تَكُونُ الْمُتَّفِقَتَانِ إلَّا مِنْ يَوْمَيْنِ فَيُصَلِّي الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ بِتَيَمُّمَيْنِ لِيَبْرَأَ بِيَقِينٍ.

تَتِمَّةٌ: عَلَى فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَهُمَا الْمَاءُ وَالتُّرَابُ كَمَحْبُوسٍ بِمَحَلٍّ لَيْسَ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ، يَلْزَمُهُ الْوَقْتُ، وَيُعِيدُ إذَا وَجَدَ أَحَدَهُمَا، وَإِنَّمَا يُعِيدُ بِالتَّيَمُّمِ فِي مَحَلٍّ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِعَادَةِ بِهِ فِي مَحَلٍّ لَا

[حاشية البجيرمي]

صَلَّاهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ نَسِيَ مُخْتَلِفَتَيْنِ) أَيْ فِي الِاسْمِ، وَإِنْ تَوَافَقَا عَدَدًا كَظُهْرٍ وَعَصْرٍ.
وَقَوْلُهُ: (صَلَّى كُلًّا مِنْهُنَّ) أَيْ الْخَمْسِ بِتَيَمُّمٍ أَيْ فَيُصَلِّي الْخَمْسَ بِخَمْسِ تَيَمُّمَاتٍ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ يَتَيَمَّمْنَ وَيَبْرَأُ بِيَقِينٍ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ الْقَاصِّ بِالتَّشْدِيدِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُصُّ الْقَصَصَ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ صَلَّى أَرْبَعًا إلَخْ هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ الْحَدَّادِ، وَاسْتَحْسَنَهَا الْأَصْحَابُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا أَدَقُّ مِنْ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى لِعَدَمِ إعَادَةِ الصَّلَوَاتِ فِيهَا بِخِلَافِ طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاصِّ فَإِنَّ فِيهَا الْإِعَادَةَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَيَبْرَأُ بِيَقِينٍ) وَوَجْهُ الْبَرَاءَةِ بِيَقِينٍ أَنَّ الْمَنْسِيَّتَيْنِ إمَّا الظُّهْرُ وَالصُّبْحُ، أَوْ إحْدَاهُمَا مَعَ إحْدَى الثَّلَاثِ الْأُخَرِ، أَوْ هُمَا مِنْ الثَّلَاثِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ صَلَّى كُلًّا مِنْهُمَا بِتَيَمُّمٍ، وَفِي ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ يَتَيَمَّمُ ثَلَاثَ تَيَمُّمَاتٍ وَيُصَلِّي بِكُلٍّ مِنْهَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ ضَابِطَهَا أَنْ يَتَيَمَّمَ بِعَدَدِ الْمَنْسِيِّ وَيُصَلِّيَ بِكُلِّ تَيَمُّمٍ عَدَدَ غَيْرِ الْمَنْسِيِّ مَعَ زِيَادَةِ صَلَاةٍ وَيَتْرُكَ الْمَبْدُوءَ بِهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَيُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ بِتَيَمُّمٍ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِتَيَمُّمٍ ثَانٍ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ بِآخَرَ، وَالضَّابِطُ فِي مَسْأَلَةِ الشَّارِحِ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِقَدْرِ الْمَنْسِيِّ وَيُصَلِّيَ بِعَدَدِ مَا يَبْقَى بَعْدَ ضَرْبِ الْمَنْسِيِّ فِي الْمَنْسِيِّ فِيهِ، وَزِيَادَةِ عَدَدِ الْمَنْسِيِّ عَلَى ذَلِكَ الْحَاصِلِ وَضَرْبِ الْمَنْسِيِّ فِي نَفْسِهِ وَإِسْقَاطِ الْحَاصِلِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَ، فَفِي مَسْأَلَتِنَا، وَهِيَ نِسْيَانُ صَلَاتَيْنِ تَضْرِبُ اثْنَيْنِ فِي خَمْسَةٍ يَحْصُلُ عَشَرَةٌ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ اثْنَيْنِ ثُمَّ تَضْرِبُهُمَا فِي نَفْسِهِمَا يَحْصُلُ أَرْبَعَةٌ، وَتُسْقِطُ هَذَا الْحَاصِلَ مِنْ ذَلِكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ اثْنَا عَشَرَ يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ، وَهِيَ عَدَدُ مَا يُصَلَّى.
اهـ. م ر.

[تَتِمَّةٌ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ]

قَوْلُهُ: (وَهُمَا الْمَاءُ وَالتُّرَابُ) لَوْ قَدَّمَ لَفْظَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ عَلَى الطَّهُورَيْنِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ صَنِيعَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا طَهُورَانِ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُمَا قَدْ يَكُونَانِ مُسْتَعْمَلَيْنِ أَوْ مُتَنَجِّسَيْنِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَعَلَى فَاقِدِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ الطَّهُورَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُصَلِّيَ) أَيْ، عِنْدَ يَأْسِهِ مِنْهُمَا وَلَوْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهِيَ صَلَاةٌ حَقِيقِيَّةٌ يَحْنَثُ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَيُبْطِلُهَا مَا يُبْطِلُ غَيْرَهَا وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا بِلَا عُذْرٍ، نَعَمْ تَبْطُلُ بِتَوَهُّمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُهُمَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْقُطُ فِيهِ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (الْفَرْضُ) أَيْ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ الْمُؤَقَّتَةُ وَلَوْ بِالنَّذْرِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَلَهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ مِنْهَا إلَّا نَحْوَ السُّورَةِ لِلْجُنُبِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَصْدُ الْقِرَاءَةِ فِي الْفَاتِحَةِ، وَلَا تَجُوزُ الْمَنْدُوبَاتُ فِيهَا كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَلَوْ فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ وَسُجُودِ السَّهْوِ إلَّا تَبَعًا لِإِمَامِهِ فِيهِمَا، وَدَخَلَ فِي الْفَرْضِ الْجُمُعَةُ فَتَلْزَمُهُ، وَإِنْ وَجَبَ إعَادَتُهَا ظُهْرًا، وَلَا يَتِمُّ بِهِ الْعَدَدُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ فَلَا يَجُوزُ قَضَاءُ فَائِتَةٍ تَذَكَّرَهَا وَإِنْ فَاتَتْ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
اهـ. ق ل. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا لِكَوْنِهِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَا فِيهِ أَوْ وَجَدَهُمَا، وَمَنَعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمَا مَانِعٌ مِنْ نَحْوِ عَطَشٍ فِي الْمَاءِ أَوْ نَدَاوَةٍ فِي التُّرَابِ مَانِعَةٍ مِنْ وُصُولِ الْغُبَارِ لِلْعُضْوِ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ بِنَحْوِ نَارٍ لَزِمَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ الْأَدَاءَ، وَيُعِيدَ، وَلَوْ جُمُعَةً فِي الْأَظْهَرِ، لَكِنَّهُ لَا يُحْسَبُ مِنْ الْأَرْبَعِينَ لِنَقْصِهِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَصَلَاتُهُ مُتَّصِفَةٌ بِالصِّحَّةِ فَتَبْطُلُ بِمَا يَبْطُلُ بِهِ غَيْرُهَا مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَلَوْ سَبَقَ الْحَدَثُ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ ضِيقُ الْوَقْتِ، بَلْ إنَّمَا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ مَا دَامَ يَرْجُو أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ، وَالثَّانِي تَجِبُ الصَّلَاةُ بِلَا إعَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ.
أَمَّا فَاقِدُ السُّتْرَةِ فَلَهُ التَّنَفُّلُ لِعَدَمِ لُزُومِ الْإِعَادَةِ لَهُ كَدَائِمِ الْحَدَثِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ الْمُنَافِي، وَمُرَادُهُ بِالْإِعَادَةِ هُنَا الْقَضَاءُ اهـ بِاخْتِصَارِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ أَيْ فَإِنْ أَمْكَنَهُ وَجَبَ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ فِي يَدَيْهِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَرَادَ التَّيَمُّمَ عَنْ جِرَاحَةِ

يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ، وَخَرَجَ بِالْفَرْضِ النَّفَلُ فَلَا يَفْعَلُ وَيَقْضِي وُجُوبًا مُتَيَمِّمٌ، وَلَوْ فِي سَفَرٍ لِبَرْدٍ لِنُدْرَةِ فَقْدِ مَا يُسَخِّنُ بِهِ الْمَاءَ أَوْ يُدَثِّرُ بِهِ أَعْضَاءَهُ، وَمُتَيَمِّمٌ لِفَقْدِ مَاءٍ بِمَحَلٍّ يَنْدُرُ فِيهِ فَقْدُهُ وَلَوْ مُسَافِرًا لِنُدْرَةِ فَقْدِهِ بِخِلَافِهِ بِمَحَلٍّ لَا يَنْدُرُ فِيهِ ذَلِكَ وَلَوْ مُقِيمًا، وَمُتَيَمِّمٌ لِعُذْرٍ كَفَقْدِ مَاءٍ وَجُرْحٍ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ كَآبِقٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْقَضَاءِ رُخْصَةٌ فَلَا يُنَاطُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ.

[حاشية البجيرمي]

الْيَدَيْنِ أَنَّهُ يُكَلَّفُ تَنْشِيفَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ قَبْلَ أَخْذِ التُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَهُ مَعَ بَلَلِ يَدَيْهِ صَارَ كَالتُّرَابِ الْمُنَدَّى الْمَأْخُوذِ مِنْ الْأَرْضِ فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ تَكْلِيفِهِ تَنْشِيفُ الْوَجْهِ مَا لَمْ يَقِفْ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ فَإِنْ وَقَفَ فِيهِ وَحَرَّكَ وَجْهَهُ لِأَخْذِ التُّرَابِ مِنْ الْهَوَاءِ فَلَا يُكَلَّفُ تَنْشِيفَهُ لِوُصُولِ التُّرَابِ إلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْوَجْهِ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَيُعِيدُ) مُرَادُهُ بِالْإِعَادَةِ مَا يَشْمَلُ الْقَضَاءَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ فِيهِ الْإِعَادَةُ، فَإِنَّ الْفَرْضَ هُوَ الْمُعَادُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ: كُلٌّ مِنْهُمَا فَرْضٌ وَهُوَ الْأَفْقَهُ، وَقِيلَ: الْأُولَى، وَقِيلَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَائِتَةَ بِتَيَمُّمِ الْأُولَى، فَإِنْ كَانَ الْفَرْضُ الْأُولَى أَوْ كُلًّا مِنْهُمَا صَحَّ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يُعِيدُ إلَخْ) هَذَا إنْ وَجَدَهُ خَارِجَ الْوَقْتِ.
أَمَّا إذَا وَجَدَ التُّرَابَ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ مُطْلَقًا اج.
أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ تَسْقُطُ بِهِ أَوْ لَا.
وَإِذَا لَمْ تَسْقُطْ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا أَيْضًا فِي مَحَلٍّ تَسْقُطُ بِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْفَرْضِ النَّفَلُ) فَلَا يَفْعَلُ سَوَاءٌ الْمُؤَقَّتُ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَلَا تَجُوزُ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ فَيُدْفَنُ الْمَيِّتُ بِلَا صَلَاةٍ، وَمِثْلُهُ قِرَاءَةُ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ بِقَصْدِهِ وَمُكْثُهُ بِالْمَسْجِدِ وَتَمْكِينُ الْحَلِيلِ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْهَا ق ل. قَوْلُهُ: (بِمَحَلِّ يَنْدُرُ فِيهِ) صَوَابُهُ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ؛ إذْ لَا قَضَاءَ فِيمَا إذَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ ق ل. وَقَوْلُهُ: صَوَابُهُ يَغْلِبُ الْمُرَادُ بِغَلَبَةِ وُجُودِ الْمَاءِ، وَفَقْدُهُ فِي وَقْتِ التَّحَرُّمِ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِبَعْضِ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ غَلَبَةَ الْوُجُودِ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مَثَلًا فِي السَّنَةِ، وَغَلَبَةَ الْفَقْدِ بِأَرْبَعَةٍ مَثَلًا، فَعَلَى الْمُعْتَمَدِ لَوْ كَانَ الْمَاءُ يَسْتَمِرُّ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا فِي الْوَادِي، وَفِي غَالِبِ السِّنِينَ يَفْقِدُ فِي شَهْرٍ، فَإِذَا تَيَمَّمَ شَخْصٌ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ وَصَلَّى بِهِ فِيهِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ يَوْمٌ فَقَطْ يَغْلِبُ فِيهِ فَقْدُ الْمَاءِ فِي أَكْثَرِ السِّنِينَ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا فِي السَّنَةِ بِتَمَامِهَا إلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَا قَضَاءَ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ فِيهِ، فَالْعِبْرَةُ بِالْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ بِالتَّيَمُّمِ، فَإِنْ كَانَ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِأَكْثَرِ أَوْقَاتِ السَّنَةِ وَجَبَ الْقَضَاءُ، وَإِنْ غَلَبَ الْفَقْدُ أَوْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَلَا قَضَاءَ م ر سم.
وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ وَالْحَفْنَاوِيُّ وَالْعَشْمَاوِيُّ، وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: وَالْعِبْرَةُ فِي سُقُوطِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ بِمَحَلِّهَا دُونَ مَحَلِّ التَّيَمُّمِ عَلَى الْأَوْجَهِ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ بِمَوْضِعٍ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ وَصَلَّى بِمَوْضِعٍ يَغْلِبُ فِيهِ الْعَدَمُ فَلَا قَضَاءَ، وَلَوْ انْعَكَسَ انْعَكَسَ الْحُكْمُ، وَالْعِبْرَةُ فِي مَحَلِّهَا بِمَحَلِّ تَحْرِيمِهَا.
قَوْلُهُ: (لَا يَنْدُرُ فِيهِ ذَلِكَ) بِأَنْ غَلَبَ فِيهِ الْفَقْدُ أَوْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ بِمَحَلٍّ يَنْدُرُ فِيهِ فَقْدُهُ أَيْ يَقِلُّ فِيهِ فَقْدُهُ بِأَنْ كَانَ الْغَالِبُ الْوُجُودَ وَحِينَئِذٍ، فَحَالَةُ الِاسْتِوَاءِ لَمْ تَدْخُلْ فِي هَذِهِ فَانْدَفَعَ مَا لِلْقَلْيُوبِيِّ هُنَا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ نُدْرَةَ فَقْدِ الْمَاءِ فِيهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ غَلَبَةُ وُجُودِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا لَا يَنْدُرُ فَقْدُهُ فَفِيهِ صُورَتَانِ: غَلَبَةُ الْفَقْدِ وَاسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: بِخِلَافِهِ أَيْ التَّيَمُّمِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَحَلِّ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ قَوْلُ حَجّ، وَاعْتَمَدَ م ر أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَحَلِّ الصَّلَاةِ وَبِتَحَرُّمِهَا أَيْضًا، وَلَوْ شَكَّ هَلْ الْمَحَلُّ الَّذِي صَلَّى بِهِ تَسْقُطُ بِهِ الصَّلَاةُ أَوْ لَا لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهَا.
اهـ. ح ل عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَمُتَيَمِّمٌ لِعُذْرٍ إلَخْ) هُوَ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْفَقْدِ بِخِلَافِهِ لِنَحْوِ مَرَضٍ وَعَطَشٍ، فَلَا يَصِحُّ حَتَّى يَتُوبَ فَرَاجِعْهُ ق ل. وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْ: فَقَدَ وَجُرِحَ، وَظَاهِرُهُ اسْتِوَاؤُهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ تَيَمُّمَهُ لِلْفَقْدِ صَحِيحٌ مَعَ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَلِلْحَرَجِ بَاطِلٌ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَفِي الْإِطْفِيحِيِّ مَا نَصُّهُ: وَجُرْحٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ إنْ فَقَدَ الْمَاءَ حِسًّا أَمَّا إذَا فَقَدَهُ شَرْعًا لِنَحْوِ مَرَضٍ وَحَرَجٍ وَعَطَشٍ فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يَتُوبَ

فَصْلٌ: فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ

[حاشية البجيرمي]

لِقُدْرَتِهِ عَلَى زَوَالِ مَانِعِهِ بِالتَّوْبَةِ اهـ وَقَرَّرَهُ ح ف. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عَدَمَ الْقَضَاءِ رُخْصَةٌ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ فَاقِدَ الْمَاءِ شَرْعًا الْعَاصِي بِسَفَرِهِ يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ مَا دَامَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ بِخِلَافِ الْفَاقِدِ حِسًّا الْعَاصِي فَيَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فِي الْمَكَانِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْفَقْدِ الْحِسِّيِّ عَزِيمَةٌ وَلِلشَّرْعِيِّ رُخْصَةٌ ح ل. وَلْيُنْظَرْ مَا وَجْهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ ضَابِطَ الرُّخْصَةِ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِمَا.
فَلْتُرَاجَعْ كُتُبُ الْأُصُولِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُنَاطُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ) . تَنْبِيهٌ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الرُّخْصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي أَنَّ فِعْلَ الرُّخْصَةِ مَتَى تَوَقَّفَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ نُظِرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإِنْ كَانَ تَعَاطِيهِ فِي نَفْسِهِ حَرَامًا امْتَنَعَ مَعَهُ فِعْلُ الرُّخْصَةِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ بِالسَّفَرِ وَالْمَعْصِيَةِ فِيهِ فَالْعَبْدُ الْآبِقُ وَالنَّاشِزَةُ وَالْمُسَافِرُ لِلْمَكْسِ، وَنَحْوِهِ عَاصٍ بِالسَّفَرِ فَالسَّفَرُ نَفْسُهُ مَعْصِيَةٌ وَالرُّخْصَةُ مَنُوطَةٌ بِهِ أَيْ مَعْرُوفَةٌ بِهِ وَمُعَلَّقَةٌ وَمُرَتَّبَةٌ عَلَيْهِ تَرَتُّبَ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، فَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّرَخُّصُ.
وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا فَشَرِبَ الْخَمْرَ فِي سَفَرِهِ فَهُوَ عَاصٍ فِيهِ أَيْ: مُرْتَكِبٌ الْمَعْصِيَةَ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ فَنَفْسُ السَّفَرِ لَيْسَ مَعْصِيَةً وَلَا آثِمًا بِهِ فَتُبَاحُ فِيهِ الرُّخَصُ؛ لِأَنَّهَا مَنُوطَةٌ بِالسَّفَرِ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ، وَلِهَذَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ بِخِلَافِ خُفِّ الْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ مَنُوطَةٌ بِاللُّبْسِ وَهُوَ لِلْمُحْرِمِ مَعْصِيَةٌ، وَفِي الْمَغْصُوبِ لَيْسَ مَعْصِيَةً لِذَاتِهِ أَيْ لِكَوْنِهِ لُبْسًا بَلْ لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَ اللُّبْسَ لَمْ تَزُلْ الْمَعْصِيَةُ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ اهـ مِنْ الْأَشْبَاهِ لِلسُّيُوطِيِّ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
فَقَوْلُهُ الرُّخْصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي أَيْ لَا يَكُونُ سَبَبُهَا الْمُجَوِّزُ لَهَا مَعْصِيَةً.
1 - خَاتِمَةٌ: التَّيَمُّمُ يُخَالِفُ الْوُضُوءَ فِي سَبْعٍ وَعِشْرِينَ صُورَةً لَا يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُهُ، وَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ، وَلَا يَجِبُ الْإِيصَالُ إلَى أُصُولِ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهُ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا لِمُحْتَاجٍ، وَلَا يَصِحُّ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَلَا قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَلَا لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَهُ فِيهِ، وَلَا لِمَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ إلَّا بَعْدَ زَوَالِهَا عَلَى النَّصِّ، وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَيَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَلَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَصَلَاتِهَا وَالْجِنَازَةُ كَالنَّفْلِ وَلَا يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ بِتَيَمُّمِ النَّافِلَةِ وَيُعِيدُ الْمُصَلِّي بِهِ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ، وَإِذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ صَلَاةً، فَرَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ إنْ كَانَتْ لَا يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِالتَّيَمُّمِ وَيُعِيدُ الْعَاصِي بِالسَّفَرِ لِفَقْدِ الْمَاءِ وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ إذَا كَانَ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُهُ لِلْعَطَشِ وَيُقَالُ لَهُ: إنْ ثَبَتَ اسْتَبَحْته، وَإِلَّا فَلَا.
كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا قَبْلَ التَّوْبَةِ، وَلَا يَمْسَحُ بِطَهَارَتِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إذَا كَانَ لِفَقْدِ الْمَاءِ، وَيَجِبُ فِيهِ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ إنْ لَمْ يُفَرِّقْهَا حَالَ الضَّرْبِ، وَيَجِبُ تَعْدَادُهُ بِحَسَبِ تَعْدَادِ الْأَعْضَاءِ الْمَفْرُوضَةِ الْمَجْرُوحَةِ فِي الْوُضُوءِ إذَا بَقِيَ مِنْهَا مَا يُغْسَلُ، وَيُسَنُّ تَعْدَادُهُ بِحَسَبِ تَعْدَادِ الْأَعْضَاءِ الْمَسْنُونَةِ أَيْضًا كَالْكَفَّيْنِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إذَا كَانَ بِمَحَلِّهِمَا عِلَّةٌ تَمْنَعُ مِنْ الْمَاءِ فَيَتَيَمَّمُ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ الْمَسْنُونِ إذَا كَانَ بِهِمَا عِلَّةٌ وَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ تَيَمَّمَ تَيَمُّمًا وَاجِبًا لِلْعِلَّةِ الَّتِي فِي الْكَفَّيْنِ.
وَيَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ وَبِرُؤْيَةِ الْمَاءِ بِلَا حَائِلٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَيُتَوَهَّمُ الْمَاءُ وَبِوِجْدَانِ ثَمَنِهِ، وَبِأَنْ يَسْمَعَ شَخْصًا يَقُولُ: عِنْدِي مَاءٌ اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الشِّهَابِ م ر عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ.

[فَصْلٌ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ]

ِ أَيْ فِي حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَسَيَأْتِي أَنَّ حُكْمَهَا الْوُجُوبُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُغَلَّظَةً أَوْ مُتَوَسِّطَةً أَوْ مُخَفَّفَةً، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْكَيْفِيَّةُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّجَاسَةِ الْوَصْفُ الْمُلَاقِي لِلْمَحَلِّ، سَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَيْنِيَّةً أَوْ حُكْمِيَّةً، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْأَعْيَانَ حَتَّى تَكُونَ قَاصِرَةً عَلَى النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِي بَيَانِ النَّجَاسَةِ وَإِزَالَتِهَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَقْصُودُ الْإِزَالَةُ وَمَا عَدَاهَا تَابِعٌ لَهَا كَمَا قَرَّرَهُ الْعَزِيزِيُّ.
وَقَالَ م د: إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْإِزَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهَا بَيَانُ النَّجَاسَةِ.
قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَإِزَالَتُهَا بِالْمَاءِ

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل