باب نواسخ الابتداء: كان وأخواتها:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- يوسف الشيخ محمد البقاعي
- الناشر
- دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
- الطبعة
- -
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
أحدها: أن لا يقترن اسمها بإن الزائدة1، كقوله2: [البسيط] 101- بني غدانة ما إن أنتم ذهب3
وأما رواية يعقوب1 "ذهبا" بالنصب فتخرج على أن إن نافية مؤكدة لـ "ما"، لا زائدة.
الثاني: أن لا ينتقض نفي خبرها بإلا2، فلذلك وجب الرفع في: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ 3 و: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ 4،.........
فأما قوله1: [الطويل] 102- وما الدهر إلا مَنْجَنونا بأهله ... وما صاحب الحاجات إلا معذبا2
فمن باب "ما زيد إلا سيرا"1، أي: إلا يسير سيرا، والتقدير: إلا يدور دوران منجنون، وإلا يعذب معذبا، أي: تعذيبا2.
ولأجل هذا الشرط أيضا وجب الرفع بعد "بل" و"لكن" في نحو: "ما زيد قائما بل قاعد" أو "لكن قاعد" على أنه خبر لمبتدأ محذوف، ولم يجز نصبه بالعطف لأنه موجب3.
الثالث: أن لا يتقدم الخبر4، كقولهم: "ما مسيء من أعتب"، وقوله5: [الطويل]
103- وما خُذُلٌ قومي فأخضع للعدى1 فأما قوله2: [البسيط] 104- إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر3
......................................................................... 1/ 95، 1/ 188، 1/ 208، وكتاب سيبويه: 1/ 29 والمقتضب: 1/ 191، ومجالس ثعلب: 113، والمقرب: 18، والخزانة: 2/ 130، ومغني اللبيب عدة مرات منها: "127/ 114"، والسيوطي: 84، 265، وديوان الفرزدق: 223.
المفردات الغريبة: أصبحوا: معناها هنا صاروا.
أعاد: رد نعمتهم: المراد البسط في السلطان.
قريش: قبيلة، منها الرسول صلى الله عليه وسلم وبنو أمية، قوم عمر بن عبد العزيز.
المعنى: أصبحت بنو أمية -وهم من قريش- وقد رد الله عليهم نعمة الخلافة وبسطة الملك وعزه؛ بتولي عمر بن عبد العزيز زمام الأمور، فهم قريش المقدمون على سائر قبائل العرب، والذين لا يماثلهم أحد من البشر؛ لأن منهم خير الخلق.
الإعراب: أصبحوا: فعل ماضٍ ناقص، والواو: اسمه: حرف تحقيق أعاد: فعل ماضٍ، الله "لفظ الجلالة": فاعل مرفوع.
نعمتهم: مفعول به لـ "أعاد"، وهو مضاف.
و"هم" مضاف إليه إذ: تعليلية، وفيها إعرابان: إما حرف مبني على السكون، لا محل له من الإعراب، وإما: ظرف مبني على السكون في محل نصب، والأول أفضل في هذا الشاهد.
هم: مبتدأ.
قريش: خبر.
وإذا: الواو عاطفة، إذ: تعليلية، كالأولى.
ما: نافية عاملة عمل ليس.
مثلهم: خبر "ما" تقدم على اسمها، وهو مضاف، و"هم" مضاف إليه.
بشر: اسم "ما" تأخر عن الخبر.
موطن الشاهد: "ما مثلهم بشر".
وجه الاستشهاد: إعمال "ما" عمل "ليس" مع تقدم خبرها على اسمها، وحكم هذا الإعمال الشذوذ عند سيبويه، وقال في بيت الفرزدق: لا يكاد يعرف، وقيل في تخريج هذا البيت: أراد الفرزدق وهو تميمي أن يتكلم بـ "ما" على لغة الحجازيين، لكنه لم يعرف شرطها عندهم فغلط، وفي هذا الكلام نظر؛ لأن العربي لا يطاوعه لسانه أن ينطق بغير لغته، كما قال سيبويه.
وقيل في تخريجه أيضا: بشر: خبر، ومثلهم: مبتدأ، ولكنه بني على الفتح؛ لإبهامه مع إضافته للمبني، وهو الضمير، والمبهم المضاف إلى مبني، ويجوز بناؤه وإعرابه، وقيل: "مثلهم" حال؛ لأن إضافة "مثل" لا تفيد التعريف، وهو في الأصل صفة لـ "بشر"، وصفة النكرة إذا تقدمت عليها، انتصبت على الحال.
وبشر: مبتدأ، والخبر: محذوف مقدم على المبتدأ لئلا يلزم تقديم الحال على عاملها الظرف، وهو ممتنع أو نادر، أي: "ما في الوجود بشر مثلهم" أي: مماثلا لهم، قاله المبرد.
ورد بأن حذف عامل الحال، إذا كان معنويا ممتنع.
وقيل: "مثلهم" ظرف زمان، تقديره: وإذ هم في زمان ما في مثل حالهم بشر.
وقيل: ظرف مكان، والتقدير: وإذ ما مكانهم بشر، أي: في مثل حالهم.
شرح التصريح: 1/ 198.
فقال سيبويه: شاذ، وقيل: غلط وإن الفرزدق لم يعرف شرطها عند الحجازيين1، وقيل: "مثلهم" مبتدأ؛ ولكنه بني لإبهامه مع إضافته للمبني، ونظيره: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُون﴾ 2، ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُم﴾ 3، فيمن فتحهما، وقيل: "مثلهم" حال، والخبر محذوف، أي: ما في الوجود بشر مثلهم.
الرابع: أن لا يتقدم معمول خبرها على اسمها، كقوله4: [الطويل]
105- وما كل من وافى منىً أنا عارف5
إلا إن كان المعمول ظرفا أو مجرورا فيجوز، كقوله1: [الطويل]
106- فما كل حين من توالي مواليا2.
المفردات الغريبة: تعرفها: تطلَّبْ معرفتها واسأل الناس عنها.
المنازل: جمع منزل، وهو المكان الذي ينزل فيه الناس عن رواحلهم؛ ليستريحوا من عناء السفر.
منى: مكان قريب من مكة، فيه منسك من مناسك الحج.
وفيه تنحر الهدايا.
المعنى: افتقد مزاحم محبوبتة في الحج، فسأل عنها، فقالوا له: سل عنها في منزال الحج من منى، فقال: ذلك غير مجدٍ؛ لأني لا أعرف جمع من وفد إلى منى حتى أسأله عنها.
الإعراب: قالوا: فعل ماضٍ، وفاعل: نعرفها: فعل أمر، والفاعل: أنت، و"ها": مفعول به.
المنازل: منصوب على نزع الخافض، وأعربه بعضهم مفعولا فيه، والأول أفضل.
و"من منى" متعلق بمحذوف حال من "المنازل" "ما" نافية، كل "على رواية النصب" مفعول به لـ "عارف" الآتي، وهو مضاف.
من: اسم موصول، مضاف إليه.
وافى: فعل ماضٍ، والفاعل: هو.
منى: مفعول به لـ "وافى"، وجملة "وافى منى": صلة للموصول، لا محل لها.
أنا: مبتدأ.
عارف: خبر المبتدأ، وعلى رواية "كل" بالرفع، فتكون "ما" عاملة عمل ليس، و"كل": اسمها، وجملة "أنا عارف": في محل نصب خبر "ما"، ويجوز أن تكون كل: مبتدأ وجملة "أنا عارف": خبرا، وعلى رواية الرفع "لا بد من تقدير رابط أو عائد بين المبتدأ، أو اسم "ما" وبين الخبر، وهذا العائد محذوف، والتقدير: ما كل من وافى منى أنا عارفه.
موطن الشاهد: "ما كل من وافى منى أنا عارف".
وجه الاستشهاد: إهمال "ما"، لتقدم معمول الخبر، وهو "كل" على المبتدأ، وهذا المعمول، ليس ظرفا ولا جارا ومجرورا، وأما على رواية الرفع في "كل" فتكون "ما" مهملة أيضا، أو عاملة كما بينا في الإعراب والعائد محذوف، والتقدير: أنا عارفه.
[إعمال لا عمل ليس وشروطه] :
وأما "لا" فإعمالها عمل ليس قليل1، ويشترط له الشروط السابقة، ما عدا الشرط الأول2، وأن يكون المعمولان نكرتين3، والغالب أن يكون خبرها محذوفا، حتى قيل بلزوم ذلك، كقوله4: [مجزوء الكامل]
107- فأنا ابن قيس لا براح5 الإعراب: "بأهبة": متعلق بـ "لذ" حزم مضاف إليه.
لذ: فعل أمر، والفاعل: أنت.
وإن: الواو: عاطفة على محذوف، إن: شرطية جازمة.
كنت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه آمنا: خبر "كنت" منصوب، وجملة "كنت وخبرها": فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه.
فما: الفاء تعليلية، ما: نافية عاملة عمل ليس.
كل: مفعول فيه منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ "موالٍ" الآتي، وهو مضاف.
حين: مضاف إليه.
من: اسم موصول، في محل رفع اسم "ما".
توالي: فعل مضارع، والفاعل، أنت، و"الجملة" صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: فما كل حين من تواليه.
مواليا: خبر "ما" النافية العاملة منصوب.
موطن الشاهد: "ما كل حين من توالي مواليا".
وجه الاستشهاد: إعمال "ما" مع تقدم معمول الخبر، وهو "كل حين"، والذي سوغ ذلك كون المعمول ظرفا، ومعلوم أن الظروف، والجار والمجرور يتسع فيها.
بقي من شروط عمل "ما" ألا تتكرر، لا بقصد تأكيد النفي، بل لنفي ما قبلها، نحو: ما ما العربي مقيم على الضيم؛ لأن نفي النفي إثبات، فتصبح "ما" بعيدة عن النفي، فإن قصد بالتكرار تأكيد النفي في الأولى لا إزالته صح الإعمال، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا.
والصحيح جواز ذكره، كقوله1: [الطويل]
108 تعزَّ فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وَزَرٌ مما قضى الله واقِيَا2
وإنما لم يشترط الشرط الأول لأن "إن" لا تزاد بعد "لا" أصلا.
= والبيت من كلمة لسعد بن مالك، يعرض فيها بالحارث بن عباد، فارس النعامة حين اعتزل الحرب التي نشبت بين بكر وتغلب ابني وائل، وهي الحرب المشهورة بحرب البسوس، وقبل البيت قوله: يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا والبيت الشاهد، من شواهد: التصريح: 1/ 199، والأشموني: "225/ 1/ 125"، وهمع الهوامع: 1/ 125 والدرر اللوامع: 1/ 97، وسيبويه: 1/ 28، 354، 357، والمقتضب: 4/ 360، والإنصاف: 367 وشرح المفصل: 1/ 108، وجمل الزجاجي: 242، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: 506، ومغني اللبيب: "433/ 315" "1067/ 825"، وشرح السيوطي: 208. المفردات الغريبة: صد: أعرض.
نيرانها: الضمير يعود على الحرب، وأراد من نكل عنها ولم يقتحم لظاها.
ابن قيس نسب نفسه إلى جده الأعلى.
لا براح: لا زوال ولا فرار.
المعنى: من امتنع عن اقتحام الحرب وتحمل ويلاتها، فأنا لا أمتنع؛ لأني ابن قيس المعروف بالشجاعة والنجدة والإقدام.
لا براح لي، ولا نكوص عن خوضها.
الإعراب من: اسم شرط جازم، في محل رفع مبتدأ.
صد: فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط.
"عن نيرانها": متعلق بـ "صد"، و"ها": مضاف إليه.
فأنا: الفاء رابطة لجواب الشرط، أنا: مبتدأ، ابن: خبر، وهو مضاف.
قيس: مضاف إليه.
لا: نافية تعمل عمل ليس.
براح: اسم "لا" مرفوع، والخبر محذوف، والتقدير: لا براح لي.
موطن الشاهد: "لا براح".
وجه الاستشهاد: إعمال "لا" عمل "ليس" فرفع بها الاسم "براح"، وحذف خبرها، وأما حكم حذف خبرها، فجائز باتفاق على الأغلب، كما في المتن.
[إعمال لات عمل ليس وشروطه] :
وأما "لات" فإن أصلها "لا" ثم زيدت التاء1، وعملها واجب، وله شرطان2: كون معموليها اسمي زمان، وحذف أحدهما، والغالب كونه المرفوع، نحو: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاص﴾ 3، أي: ليس الحين حين فرار، ومن القليل قراءة بعضهم المعنى: تسلَّ وتصبَّرْ على ما يصيبك من الكوارث والمصائب، فكل شيء إلى زوال.
ولا يبقى على وجه الأرض شيء، وليس هنالك ملجأ يقي الإنسان، ويحفظه مما قضاه الله وقدره.
الإعراب: تعزَّ: فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة، والفاعل أنت.
فلا: الفاء تعليلية، لا: نافية، تعمل عمل "ليس" شيء: اسمها مرفوع.
"على الأرض".
متعلق بـ "باقيا" الآتي، أو بمحذوف صفة لـ "شيء" باقيا: خبر "لا" منصوب.
ولا: الواو عاطفة، لا: نافية عاملة عمل ليس.
وزر: اسم "لا" مرفوع.
"مما": متعلق بـ "واقيا" الآتي.
قضى الله: فعل ماضٍ، وفاعل، و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها.
واقيا: خبر "لا" منصوب.
موطن الشاهد: "لا شيء..... باقيا، لا وزر......... واقيا".
وجه الاستشهاد: إعمال "لا" في الموضعين عمل "ليس" ومجيء اسمها وخبرها نكرتين، ومجيئهما مذكورين معا، وفي ذلك دلالة على جواز ذكر خبر "لا" العاملة عمل ليس خلافا للزجاج الذي يرى أن خبر "لا" لا يكون مذكورا أبدا.
فائدة: ذهب الأخفش إلى أن "لا" ليس لها عمل أصلا، لا في الاسم، ولا في الخبر، وأن ما بعدها "مبتدأ وخبر" والبيت الشاهد يبطل ما ذهب إليه.
برفع الحين، وأما قوله1: [الكامل] 109- يبغي جوارك حين لات مجير2
فارتفاع "مجير" على الابتداء، أو على الفاعلية، والتقدير: حين لات له مجير، أو يحصل له مجير، و"لات" مهملة، لعدم دخولها على الزمان، ومثله قوله1: [الخفيف]
110- لات هَنَّا ذكرى جُبَيرةَ2
إذ المبتدأ "ذكرى" وليس بزمان.
= حين لا يحصل مجير، أو: مجير: مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف، والتقدير: حين لات مجير له.
موطن الشاهد: "لات مجير".
وجه الاستشهاد: إهمال "لات"؛ لعدم دخولها على الزمان؛ لأن "لات" لا تعمل في غير الحين، أي: الزمن: ولا بد من حذف أحد معموليها، والغالب حذف اسمها، وحذف خبرها وبقاء اسمها قليل، وإلى هذا أشار الناظم.
"وما لـ "لات" في سوى حين عمل وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل".
فائدة: عمل "لات" عمل "ليس" بالشروط المذكورة، هو ما ذهب إليه سيبويه والجمهور، ونقل منع عمل "لات" عن الأخفش، وعليه: فالمرفوع الذي يليها.
مبتدأ حذف خبره، والمنصوب الذي يليها مفعول بفعل محذوف، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه والجمهور.
انظر حاشية الصبان: 1/ 255. وابن عقيل "ط.
دار الفكر": 1/ 250.
[إعمال إن عمل ليس على النادر] :
وأما "إن" فإعمالها نادر1، وهو لغة أهل العالية2، كقول بعضهم: "إن أحدٌ = الطائف: الذي يطرق ليلا، وأراد هنا خيالها الذي يطرقه عند النوم.
الأهوال: جمع هول، وهو الخوف.
المعنى: ليس هذا الوقت وقت تذكر جبيرة، أو تذكر ذلك الطائف الذي أزعجك، لما رأيته من عضبها.
الإعراب: لات: حرف نفي مهمل، لا عمل له، لعدم دخوله على زمان.
هنا: "ظرف مكان" متعلق بمحذوف خبر مقدم.
ذكرى: مبتدأ مؤخر.
جبيرة.
مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى مفعوله، ويجوز أن نعلق "هنا" بذكرى، ويكون الخبر محذوفا، والتقدير: ليت ذكرى جبيرة مقبولة، والأول أفضل.
أو: حرف عطف.
من: اسم موصول معطوف على جبيرة.
جاء: فعل ماضٍ، والفاعل: هو.
"منها": متعلق بـ "جاء".
"بطائف": متعلق بـ "جاء".
الأهوال: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "لات هنا ذكرى جبيرة".
وجه الاستشهاد: إهمال "لات" لأنها دخلت على غير زمان، كما أشار المصنف؛ لأن "هنا" إسم إشارة إلى المكان البعيد، ومعلوم أن "لات" النافية العاملة عمل "ليس" لا تعمل إلا في أسماء الزمان، ولهذا، فإن محاولة إعمالها في "هنا" وهي على أصلها غير جائزة لأنها لا تعمل في المصدر أو اسم المكان، ولهذا أهملت سواء أتعلقت "هنا" بـ "ذكرى" أو بمحذوف الخبر المقدم؛ لأن "ذكرى" على الوجهين مبتدأ مرفوع كما أعربنا.
- غير أن سيبويه والرضي وغيرهما من النحاة، ذهبوا إلى أن "هنا" التي تقع بعد "لات" في مثل هذا البيت ظرف زمان متعلق بخبرها المحذوف، وقد أضيف إلى ذكرى جبيرة، واسم "لات" محذوف، والتقدير: ليس الوقت وقت ذكرة جبيرة.
خيرا من أحد إلا بالعافية" وكقراءة سعيد1: "إِنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا أَمْثَالُكُمْ"2، وقول الشاعر3: [المنسرح] 111- إن هو مستوليًا على أحد4
[زيادة الباء في أخبار الحروف العاملة عمل ليس] :
وتزاد الباء بكثرة في خبر ليس"1/ "وما"2، نحو: ﴿أَلَيْسَ الْلهُ بِكَاْفً عَبْدَهُ﴾ 3، ... المعنى: ليس لهذا الرجل سلطان وولاية على أحد من الناس، إلا على أشد المجانين ضعفا.
الإعراب: إن: نافية عاملة عمل "ليس".
هو: اسمها مبني على الفتح في محل رفع.
مستوليا: خبر منصوب، "على أحد": متعلق بـ "مستوليا".
إلا أداة حصر، أو أداة استثناء مرفوع.
"على أضعف": جار ومجرور بدل بعض من كل من "على أحد"، أو نقول: "جار ومجرور" واقع موقع المستثنى من الجار والمجرور السابق.
المجانين: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "إن هو مستوليا".
وجه الاستشهاد: إعمال "إن" عمل "ليس" على مذهب الكوفيين، ومن وافقهم من البصريين، وفي البيت شاهد آخر على أن "إن" النافية" مثل "ما" في كونها، لا تختص بالنكرات، كما تختص بها "لا" حيث جاء اسم "إن ضميرا بارزا، كما هو واضح، كما يستفاد من الشاهد أن انتقاض النفي بـ "إلا" بعد الخبر، لا يقدح في العمل، ولا يبطله.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِل﴾ 1، وبقلة في خبر "لا"2 وكل ناسخ منفي، كقوله3: [الطويل]
112- وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغنٍ فتيلا عن سواد بن قاربِ4 = باتفاق وبكثرة، فهي تفيد تأكيد النفي، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ 88 سورة الغاشية، الآية: 32 وقوله جلت قدرته: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ 3 سورة آل عمران، الآية: 182. وقوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِين﴾ 6 سورة الأنعام، الآية: 53.
وقد ورد مثل ذلك في الشعر العربي، فمنه قول عمرو بن قميئة: رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فما بال من يرمَى وليس برامِ وقول الفرزدق: وليس كليبي إذا جن ليله ... إذا لم يجد ريح الأتان بنائم
وقوله1: [الطويل] = فأشهد أن الله لا شيء غيره ... وأنك مأمون على كل غائبِ وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يابن الأكرمين الأطايبِ فمرنا بما يأتيك يا خير مرسَل ... وإن كان فيما جئت شيب الذوائبِ وهو من شواهد: التصريح: 1/ 201، والأشموني: "216/ 1/ 23"، وابن عقيل "76/ 1/ 310" وهمع الهوامع: 1/ 127، 1/ 218 والدرر اللوامع: 1/ 101، 1/ 188، والعيني: 2/ 44، 3/ 417 ومغني اللبيب: "772" 548" "988/ 759". والسيوطي: 282. المفردات الغريبة: لا ذو شفاعة: لا صاحب شفاعة.
قتيلا: هو الخيط الدقيق الذي يكون في شق النواة.
المعنى: كن شفيعي -يا رسول الله- في اليوم الذي لا ينفعني فيه صاحب شفاعة نفعا ما، وذلك يوم القيامة.
الإعراب: كن: فعل أمر ناقص، خرج إلى معنى التوسل، والاستعطاف، واسمه: ضمير مستتر وجوبا، تقديره: أنت.
"لي": متعلق بقوله: "شفيعا" الآتي: شفيعا: خبر "كن" يوم متعلق بـ "شفيعا".
لا: نافية تعمل عمل "ليس" ذو اسمها مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه من الأسماء الستة.
شفاعة: مضاف إليه.
بمغنٍ: الباء حرف جر زائد، مغن: خبر "لا" منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الياء المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، منع منها حركة حرف الجر الزائد.
وفاعل "معين" ضمير مستتر يعود على "ذو" لأن "مغنٍ" اسم فاعل يأخذ فاعلا وينصب مفعولا.
فتيلا مفعول به، أو نائب مفعول مطلق.
"عن سواد" متعلق بـ "مغن".
ابن: صفة لـ "سواد".
قارب مضاف إليه.
موطن الشاهد: "بمغن".
وجه الاستشهاد: دخول الباء الزائدة على خبر "لا" النافية العاملة عمل "ليس"، وحكم دخولها على خبر "لا": الجواز مع القلة.
فائدة: ذهب بعضهم إلى أن الباء الزائدة، كما تدخل في خبر "لا" العاملة عمل "ليس" فهي تدخل شذوذا في خبر "لا" العاملة عمل "إن" كما في قولهم: "لا خير بخير بعده النار"، وهذا شرط أن لا تجعل الباء بمعنى "في" وإلا؛ أي: إذا جعلت بمعنى "في" كانت أصلية وشبه الجملة متعلق بالخبر المحذوف، ولا زيادة ولا شذوذ.
113- وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم........................1
وقوله1: [الطويل] 114- فلما دعاني لم يجدني بقعدَدِ2
وينذر في غير ذلك كخبر "إن" و"لكن" و"ليت" في قوله1: [الطويل] 115- فإنك مما أحدثَتْ بالمجرَِّب2 وجه الاستشهاد: زيادة "الباء" في المفعول الثاني لـ "يجد" المنفي بـ "لم"، ومعلوم أن "يجد" من أخوات "يظن"، التي ماضيها "ظن"، أي: هو من النواسخ، والنواسخ تدخل على المبتدأ أو الخبر، كما هو معلوم، فـ "قعدد" أصلها: خبر، فالزيادة داخلة على ما أصله خبر في الشاهد.
وقوله1: [الطويل]
116- ولكنَّ أجرًا لو فعلتِ بهيِّنِ2 موطن الشاهد: "بالمجرب".
وجه الاستشهاد: زيادة "الباء" في خبر "إن" وهو المجرب، وهذا نادر في اللغة، وزيادة "الباء" على جعل المجرب اسم فاعل، والمعنى كما أسلفنا فإنك الذي جرب ما أحدثته أم جندب.
هذا؛ وذهب بعض العلماء إلى جعل "المجرب" بفتح الراء المشددة اسم مكان من التجربة، وعلى هذا التخريج، تكون "الباء" حرف جر أصلي، ويكون الجار والمجرور: متعلقا بالخبر المحذوف، والتقدير: فإنك كائن بمكان التجربة.
وذهب آخرون: إلى أن "المجرب" اسم فاعل كما هي غير أن "الباء" حرف جر أصلي، وليست زائدة؛ لأنها تفيد هنا التشبيه، و"الجار المجرور": متعلق بالخبر المحذوف، كما في التخريج السابق، والتقدير: فإنك كائن مثل الشخص المجرب لها ولأفعالها.
وقوله1: [الطويل] 117- ألا ليت ذا العيش اللذيذ بدائم2
وإنما دخلت في خبر "أن" في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ 1، لما كان: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ في معنى "أو ليس الله".