باب الحال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- يوسف الشيخ محمد البقاعي
- الناشر
- دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
- الطبعة
- -
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
هذا باب الحال1:
[الحال نوعان] :
الحال نوعان: موكد2، وستأتي.
تعريف الحال المؤسسة:
ومؤسسة3، وهي: وصف4، فضلة5، مذكور لبيان الهيئة، كـ: "جئت
راكبا" و: "ضربته مكتوفا" و: "لقيته راكبين"1.
وخرج بذكر الوصف نحو: "القهقرى" في: "رجعت القهقرى"2.
وبذكر الفضلة الخبر في نحو: "زيد ضاحك" وبالباقي التمييز في نحو: "لله دره فارسا" والنعت في نحو: "جاءني رجل راكب" فإن ذكر التمييز لبيان جنس المتعجب منه، وذكر النعت لتخصيص المنعوت، وإنما وقع بيان الهيئة بهما ضمنا لا قصدا.
وقال الناظم:
الحال وصف فضلة منتصب ... مُفهَمُ في حال كذا ...
فالوصف: جنس يشمل الخبر والنعت والحال، وفضلة: مخرج للخبر، ومنتصب.
مخرج لنعتي المرفوع والمخفوض، كـ: "جاءني رجل راكب" و: "مررت برجل راكب" ومفهم في حال كذا: مخرج لنعت المنصوب كـ: "رأيت رجلا راكبا" فإنه إنما سيق لتقييد المنعوت؛ فهو لا يفهم في حال كذا بطريق القصد، وإنما أفهمه بطريق اللزوم.
وفي هذا الحد نظر؛ لأن النصب حكم، والحكم فرع التصور، والتصور متوقف على الحد، فجاء الدور.
[أوصاف الحال] :
فصل: للحال3 أربعة أوصاف:
أحدهما: أن تكون منتقلة1 لا ثابتة، وذلك غالب، لا لازم، كـ: "جاء زيد ضاحكا".
وتقع وصفا ثابتا2 في ثلاث مسائل:
إحداها: أن تكون مؤكدة3، نحو: "زيد أبوك عطوفا" و: ﴿يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ 4.
الثانية: أن يدل عاملها على تجدد صاحبها5، نحو: خلق الله الزرافة يديها
أطول من رجليها" فـ: "يديها": بدل بعض، و: "أطول": حال ملازمة.
الثالثة: نحو: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْط﴾ 1، ونحو: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ 2، ولا ضابط لذلك، بل هو موقوف على السماع، ووهم ابن الناظم فمثل بمفصلا في الآية للحال التي تجدد صاحبها.
الثاني: أن تكون مشتقة لا جامدة3، وذلك أيضا غالب، لا لازم.
وتقع جامدة مؤولة بالمشتق في ثلاث مسائل:
إحداها: أن تدل على تشبيه، نحو: "كر زيد أسدا" و: "بدت الجارية قمرا، وتثنت غصنا" أي: شجاعا ومضيئة ومعتدلة4، وقالوا: "وقع المصطرعان عِدْلَي = وحدوثه.
وخلق هو العامل في الحال وفي صاحبها، وجعل ابن الناظم من هذا النوع، ما كان الدال على التجدد هو العامل أيضا، لكن المتجدد والمحدث وصف من أوصاف صاحبها، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ وذلك بأنه أراد بالكتاب اللفظ المقروء، لا الصفة النفسية، ولا مانع من القول بتجدده؛ بدليل وصفه بالإنزال، ولا يتجه الوهم إلا إذا أريد أن الإنزال يدل على تجدد المنزل وحدوثه وقت الإنزال والمصنف لم يعتبره هنا منه؛ وحجته: أن "الكتاب" الذي هو صاحب الحال قديم فلا يمكن أن يكون متجددا حادثا.
التصريح: 1/ 368، ومعنى اللبيب: 605.
عير"1 أي: مصطحبين اصطحاب عدلي حمار حين سقوطهما.
الثانية: أن تدل على مفاعلة2، نحو: "بعته يدا بيد"3 أي: متقابضين، و: "كلمته فاه إلى في" أي: متشافهين4.
الثالثة: أن تدل على ترتيب، كـ: "ادخلوا رجلا رجلا" أي: مترتبين5.
وتقع جامدة غير مؤولة بالمشتق في سبع مسائل، وهي:
أن تكون موصوفة1، نحو: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ 2، ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ 3، وتسمى حالا موطئة4.
أو دالة على سعر، نحو: "بعته مُدًّا بكذا"5.
أو عدد، نحو: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ 6.
أو طور واقع فيه تفضيل، نحو: "هذا بسرا أطيب منه رطبا"7.
أو تكون نوعا لصاحبها، نحو: "هذا مالك ذهبا".
أو فرعا، نحو: "هذا حديدك خاتما" و: ﴿تَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ 1.
أو أصلا له، نحو: "هذا خاتمك حديدا"، و: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ 2.
تنبيه: أكثر هذه الأنواع وقوعا مسألة التسعير، والمسائل الثلاث الأول، وإلى ذلك يشير قوله3:
ويكثر الجمود في سعر، وفي ... مُبدِي تأوُّلٍ بلا تكلف
ويفهم منه أنها تقع جامدة في مواضع أخر بقلة، وأنها لا تؤول بالمشتق كما لا تؤول الواقعة في التسعر، وقد بينتها كلها.
وزعم ابنه أن الجميع مؤول بالمشتق4، وهو تكلف، وإنما قلنا به في الثلاث الأول؛ لأن اللفظ فيها مراد به غير معناه الحقيقي؛ فالتأويل فيها واجب.
الثالث: أن تكون نكرة لا معرفة5، وذلك لازم6؛ فإن وردت بلفظ المعرفة
ولت بنكرة، قالوا: "جاء وحده"1 أي: منفردا و: "رجع عوده على بدئه"2، أي:
عائدا، و: "ادخلوا الأول فالأول"1، أي: مترتبين، و: "جاؤوا الجماء الغفير"2، أي: جميعا، و: "أرسلها العراك"3، أي: معتركة.
الرابع: أن تكون نفس صاحبها في المعنى1، فلذلك جاز: "جاء زيد ضاحكا" وامتنع: "جاء زيد ضحكا"2.
وقد جاءت مصادر أحوالا، بقلة في المعارف، كـ: "جاء وحده"، و: "أرسلها العراك"3.
وبكثرة في النكرات4، كـ: "طلع بغتة"، و: "جاء ركضا"، و: "قتلته صبرا"، وذلك على التأويل بالوصف5، أي: مباغتا، وراكضا، ومصبورا، أي: محبوسا.
ومع كثرة ذلك فقال الجمهور: لا ينقاس مطلقا، وقاسه المبرد فيما كان نوعا من العامل1، فأجاز: "جاء زيد سرعة" ومنع: "جاء زيد ضحكا"، وقاسه الناظم وابنه بعد "أما" نحو2: "أما علما فعالم" أي: مهما يذكر شخص في حال علم فالمذكور عالم3، وبعد خبر شبه به مبتدؤه، كـ: "زيد زهير شعرا" أو قرن هو بأل الدال على الكمال، نحو: "أنت الرجل علما".
[أصل صاحب الحال أن يكون معرفة ويأتي نكرة بمسوغ] :
فصل: وأصل صاحب الحال التعريف ويقع نكرة بمسوغ4، كأن يتقدم = وما ذهب إليه سيبويه والجمهور أفضل من ذلك كله؛ وإلى هذا أشار الناظم: ومصدر منكَّر حالا يقعْ ... بكثرة كبغتةً زيدٌ طلعْ والمعنى يقع المصدر النكرة حالا بكثرة؛ وذلك على خلاف الأصل؛ لأن الحال وصف، يدل على معنى صاحبه؛ والمصدر لا دلالة له على صاحب المعنى؛ وذلك مثل: زيد طلع بغتة؛ فبغتة مصدر نكرة؛ وهو منصوب على الحال، على النحو الذي فصل؛ وأما الذي سهل هذه المخالفة، فحمله على الإخبارية في مثل محمد عدل، والصفة في مثل: هذا ماء غور، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا وانظر في هذه المسألة: همع الهوامع: 1/ 238، والأشموني: 1/ 245-246، وشرح التصريح: 1/ 374-375.
عليه الحال1، نحو: "في الدار جالسا رجل"، وقوله2: [مجزوء الوافر] 269- لِمَيَّة موحِشًا طَلَلُ3
أو يكون مخصوصا إما بوصف، كقراءة بعضهم: "وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقًا"1، وقول الشاعر2: [البسيط] 270- نَجَّيت يا رب نوحا واستجبت له ... في فُلُكٍ ماخِرٍ في اليم مشحونا3
وليس منه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ 1، خلافا للناظم وابنه، أو بإضافة، نحو: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ 2، أو بمعمول، نحو: "عجبت من ضرب أخوك شديد"3 أو مسبوقا بنفي، نحو: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ 4، أو نهي نحو:
لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا1 وقوله1: [الكامل] 271- لا يركنَنْ أحد إلى الإحجامِ ... يوم الوغى متخوفا لحمام23
أو استفهام، كقوله1: [البسيط] 272- يا صاح هل حم عيش باقيا فترى2
[قد يقع نكرة بغير مسوغ] :
وقد يقع1 نكرة بغير مسوغ، كقولهم: "عليه مائة بيضا"2، وفي الحديث: "وصلى وراءه رجال قياما"3.
[للحال مع صاحبها ثلاث حالات] :
فصل: وللحال مع صاحبها ثلاث حالات:
إحداها: وهي الأصل: أن يجوز فيها أن تتأخر عنه وأن تتقدم عليه، كـ: "جاء زيد ضاحكا"، و: "ضربت اللص مكتوفا" فلك في: "ضاحكا" و: "مكتوفا" أن تقدمها على المرفوع والمنصوب.
الثانية: أن تتأخر عنه1 وجوبا، وذلك كأن تكون محصورة، نحو: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ 2، أو يكون صاحبها مجرورا3: إما بحرف جر غير زائد، كـ: "مررت بهند جالسة"، وخالف في هذه الفارسي وابن جني وابن
كيسان1؛ فأجازوا التقديم، قال الناظم: وهو الصحيح؛ لوروده كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ 2، وقول الشاعر3: [الطويل] 273- تسليت طرا عنكم بعد بينكم4
والحق أن البيت ضرورة، وأن ﴿كَافةً﴾ حال من الكاف1، والتاء للمبالغة، لا للتأنيث2، ويلزمه تقديم الحال المحصورة، وتعدي "أرسل" باللام، والأول = بـ "عن"؛ وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور؛ وحكم تقدمه الجواز كما أسلفنا -على رأي الفارسي ومن تبعه- وأما الجمهور، فلا يجيزون ذلك، ورد عليه ابن مالك في ألفيته: وسبق حال ما بحرف جر قد ... أبوا، ولا أمنعه؛ فقد ورد وقد بينا القول في ذلك من قبل، وأثبت ابن مالك في شرح التسهيل التقديم، بقوله: "وجواز التقديم هو الصحيح؛ لِوروده في الفصيح؛ لِقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ فـ "كافة" -على هذا- حال من "الناس"، المجرور باللام، وقد تقدم الحال على صاحبه "المجرور"؛ وأما الأمثلة الشعر العربي فكثيرة؛ منها قول عبد الرحمن بن حسان: إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلًا عليه شديدُ فـ "كهلا" حال من "الهاء" المجرور محلا بـ "على" في قوله: "عليه" وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور.
بحرف جر أصلي.
ومنها قول عروة بن حزام، أو كثير، ونسب إلى المجنون: لئن كان برد الماء هيمان صاديا ... إلي حبيبا إنها لحبيب فـ "هيمان، وصاديا" حالان من "الياء" المجرور محلا بـ "إلى" في قوله: "إلي"؛ وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور بحرف جر أصلي، كما هو واضح.
وحملوا على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ فأعربوا "على قميصه": جارا ومجرورا متعلقا بمحذوف حال من دم" المجرور بالباء؛ وفي هذا تقدم للحال؛ كما هو واضح؛ وأما الزمخشري فأعرب "على قميصه" في محل نصب على الظرفية، وكأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم كذب، وأعرب هذا الإعراب فرارا من تقديم الحال على صاحبها المجرور، وخالفه العلماء في ذلك.
حاشية يس على التصريح: 1/ 379 وحاشية الصبان: 2/ 177-178.
ممتنع، والثاني خلاف الأكثر1.
وإما بإضافته2، كـ: "أعجبني وجهها مسفرة".
وإنما تجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف بعضه كهذا المثال، وكقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ 3، ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ 4، أو كبعضه نحو: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ 5، أو عاملا في الحال، نحو: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ 6، و: "أعجبني انطلاقك منفردا" و: "هذا
شارب السويق ملتوتا"1.
الثالثة: أن تتقدم عليه وجوبا، كما إذا كان صاحبها محصورا2، نحو: "ما جاء راكبا إلا زيد".
[للحال مع عاملها ثلاث حالات] : فصل: وللحال مع عاملها ثلاث حالات أيضا1: إحداها: وهي الأصل: أن يجوز فيها أن تتأخر عنه وأن تتقدم عليه، وإنما يكون ذلك إذا كان العامل: فعلا متصرفا2، كـ: "جاء زيدٌ راكبا"، أو صفة تشبه الفعل المتصرف3، كـ: "زيد منطلق مسرعا"، فلك في: "راكبا" و: "مسرعا" أن تقدمها على: "جاء" وعلى: "منطلق"، كما قال الله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ 4، وقالت العرب: "شتى تؤوب الحلبة"5، أي: متفرقين يرجع الحالبون، وقال الشاعر:
نجوت وهذا تحملين طليق1
فـ: "تحملين" في موضع نصب على الحال، وعاملها: "طليق" وهو صفة مشبهة.
الثانية: أن تتقدم عليه وجوبا، كما إذا كان لها صدر الكلام، نحو: "كيف جاء زيد"؟
الثالثة: أن تتأخر عنه وجوبا، وذلك في ست مسائل2: وهي أن يكون العامل فعلا جامدا، نحو: "ما أحسنه مقبلا"3، أو صفة تشبه الفعل الجامد، وهو اسم التفضيل، نحو: "هذا أفصح الناس خطيبا"4، أو مصدرا مقدرا بالفعل وحرف مصدري، نحو: "أعجبني اعتكاف أخيك صائما"5، أو اسم فعل، نحو: "نزال = يقولونه عندما يريدون أن يعبروا عن اختلاف الناس في الأخلاق مع أن أصلهم واحد.
فشتى: جمع "شتيت"؛ أي: متفرق، تؤوب: ترجع، الحلبة: جمع حالب، وأصله: أن أصحاب الإبل والبقر وسائر النعم عندما يريدون أن يردوا الماء ليسقوا نعمهم، يردون مجتمعين وعندما يريدون أن يحلبوا ماشيتهم يحلبونها متفرقين، فيحلب كل واحد منهم ماشيته على حدة.
انظر شرح التصريح: 1/ 381. موطن الشاهد: "شتى تؤوب الحلبة".
وجه الاستشهاد: وقوع "شتى" حالا من "الحلبة" وقد تقدمت على عاملها "تؤوب؛ وهو فعل متصرف؛ وحكم تقدم الحال -هنا- الجواز".
مسرعا"، أو لفظا مضمَّنا معنى الفعل دون حروفه، نحو: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ 1، وقوله2: [الطويل] 274- كأن قلوب الطير رطبا ويابسا3
وقولك: "ليت هندا مقيمة عندنا" أو عاملا آخر عرض له مانع، نحو: "لأصبر محتسبا" و: "لأعتكفن صائما" فإن ما في حيز لام الابتداء ولام القسم لا يتقدم عليهما1.
ويستثنى من أفعل التفضيل ما كان عاملا في حالين لاسمين متحدي المعنى أو مختلفين، وأحدهما مفضل على الآخر؛ فإنه يجب تقديم حال الفاضل، كـ: "هذا بسرا أطيب منه رطبا"، وقولك: "زيد مفردا أنفع من عمرو مُعَانًا"2.
ويستثنى من المضمن معنى الفعل دون حروفه: أن يكون ظرفا أو مجرورا مخبرا بهما، فيجوز بقلة توسط الحال بين المخبر عنه والمخبر به، كقوله3: [الطويل] = على "العناب": مرفوع مثله.
البالي: صفة للحشف مرفوع بضمة مقدرة على الياء؛ منع من ظهورها الثقل.
موطن الشاهد: "رطبا ويابسا".
وجه الاستشهاد: وقوع "رطبا ويابسا" حالين من "قلوب الطير" والعامل في الحالين، وصاحبهما "كأن" ومعناه أشبه؛ فهو متضمن معنى الفعل من دون حروفه؛ ولا يجوز تقديم الحال على عاملها في مثل هذا.
فائدة: يجوز في الضمير العائد إلى جمع التكسير التذكير والتأنيث؛ ولهذا جاز مجيء "ربطا ويابسا" بالتذكير.
275- بنا عاذ عوف وهو بادي ذلة ... لديكم.....................1 وكقراءة بعضهم: "مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةً لِذُكُورِنَا"2، وكقراءة
الحسن1: "وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ"2، وهو قول الأخفش، وتبعه الناظم.
والحق أن البيت ضرورة، وأن: "خالصة"3 و: "مطويات" معمولان لصلة: "ما"، ولـ: "قبضته"، وأن "السموات" عطف على ضمير مستتر في: "قبضته" لأنها = أبو رزين، وعكرمة، وابن يعمر، وأبو حيوة وغيرهم.
انظر: معاني القرآن: 1/ 358، والقرطبي: 7/ 96، ومجمع البيان: 2/ 372، والبحر المحيط: 4/ 231. موطن الشاهد: "خالصةً".
وجه الاستشهاد: مجيء "خالصة" -على هذه القراءة- حالا من الضمير المنتقل إلى الجار والمجرور؛ وهو "لذكورنا" وقد تقدمت على عاملها، وتوسطت بين المخبر عنه؛ وهو "ما" الموصولة، والخبر؛ وهو "لذكورنا" و"ما" واقعة على الأجنة؛ وحكم مجيء الحال هنا الجواز بقلة.
بمعنى مقبوضتِهِ، لا مبتدأ، و: "بيمينه" معمول الحال، لا عاملها1.
[جواز تعدد الحال لمفرد وغيره] :
فصل: ولشبه الحال بالخبر2 والنعت3 جاز أن تتعدد، لمفرد، وغيره4، فالأول كقوله5: [الطويل]
276- عليَّ إذا ما جئت ليلى بخفيةٍ ... زيارة بيت الله رَجلانَ حافِيا6
وليس منه نحو: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ 1.
والثاني: إن اتَّحَد لفظه ومعناه ثني أو جمع2، نحو: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ 3، الأصل دائبة ودائبا، ونحو: "وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ = المعنى: ينذر الشاعر ويوجب على نفسه، إذا ما وصل إلى محبوبته ليلى، ولم يشعر به أحد من الناس، أن يزور بيت الله ماشيا غير منتعل.
الإعراب: "علي": متعلق بمحذوف خبر مقدم.
إذا: ظرف متضمن معنى الشرط، مبني على السكون، في محل نصب على الظرفية الزمانية.
ما: زائدة: زرت: فعل ماضٍ، وفاعل.
ليلى: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره؛ للتعذر.
"بخفية": متعلق بـ "زرت"؛ وجواب إذا محذوف يدل عليه سياق الكلام؛ وجملة "إذا وشرطها وجوابها": اعتراضية، لا محل لها؛ اعترضت بين الخبر المقدم ومبتدئه المؤخر.
زيارة: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف.
بيت: مضاف إليه، وهو مضاف.
الله: "لفظ الجلالة" مضاف إليه.
رجلان: حال من "ياء المتكلم" في قوله: "علي"، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
حافيا: حال ثانية من "ياء المتكلم" أيضا.
موطن الشاهد: "رجلان حافيا".
وجه الاستشهاد: تعدد الحال "رجلان" و"حافيا" وصاحبهما واحد؛ وهو "ياء المتكلم" المجرورة محلا بـ "على"؛ ويجوز أن يكون صاحبهما فاعل الزيارة المحذوف؛ والتقدير: زيارتي بيت الله.
وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ"1، وإن اختلف فُرِّقَ بغير عطف2، كـ: "لقيته مُصْعِدًا منحدرا"، ويقدر الأول للثاني وبالعكس، قال3: [الوافر] 277- عهدت سعاد ذات هوى معنى4
وقد تأتي على الترتيب إن أمن اللبس1، كقوله2: [الطويل]
278- خرجت بها أمشي تجر وراءنا3 = الكسرة المقدرة على الألف المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها التعذر.
معنى: حال من "تاء المتكلم" في قوله: "عهدت" السابق.
فزدت: الفاء عاطفة، زدت: فعل ماضٍٍ وفاعل.
وعاد: الواو عاطفة.
عاد: فعل ماضٍٍ بمعنى "صار" مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب.
سلوانا: خبر "عاد" الذي بمعنى صار تقدم على اسمه؛ وهو منصوب.
هواها: اسم "عاد" الذي بمعنى "صار" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر؛ وهوى: مضاف، وضمير الغائبة العائد إلى سعاد مضاف إليه؛ ويجوز أن نعرب عاد: فعل ماضٍٍ تام، وسلونا: حال تقدمت على الفاعل، وهواها: فاعل مرفوع مضاف إليه؛ وهو الأفضل.
موطن الشاهد: "ذات هوى معنَّى".
وجه الاستشهاد: مجيء الحالين "ذات" و"معنى" على عكس ترتيب صاحبيهما؛ فقد جعل أول الحالين -وهو ذات- لثاني الاسمين، وهو سعاد؛ ليتصل بصاحبه؛ وأما قول "معنى" فصاحبه تاء المتكلم في قوله: "عهدت"؛ وحكم مجيء الحالين على عكس ترتيب صاحبيهما هو الأكثر؛ بخلاف ما لو أتى بهما على ترتيب صاحبيها؛ فإنه يلزم عليه الفصل بين كل حال وصاحبها بأجنبي.
ومنع الفارسي وجماعة1 النوع الأول، فقدروا نحو قوله: "حافيا" صفة أو حالا من ضمير "رجلان" وسلموا الجواز إذا كان العامل اسم التفضيل2، نحو: "هذا بسرا أطيب منه رطبا"3.
= وهو من معلقة امرئ القيس المشهورة والتي كثر الاستشهاد بأبياتها، وهو من شواهد: التصريح: 1/ 378، والهمع: 1/ 244، والدرر: 1/ 201، والمغني: "966/ 734" وشرح شواهد الشافية للبغدادي: 286. المفردات الغريبة: مرط: كساء من صوف أو خز.
مرحل: معلم فيه خطوط.
المعنى: خرجت بمحبوبتي من خدرها ماشيا -وهي تجر على أثر أقدامنا- ذيل كسائها؛ لتخفي أثرينا عن الناس، فلا يعلم بنا أحد.
الإعراب: خرجت: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل.
"بها": متعلق بـ "خرج".
أمشي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره للثقل، والفاعل: أنا؛ وجملة "تمشي": في محل نصب على الحال من الفاعل؛ الذي هو تاء المتكلم.
تجر: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، والفاعل: هي؛ وجملة "تجر": في محل نصب على الحال من ضمير الغائبة في قوله "بها".
"على أثرينا": متعلق بـ "تجر"؛ وأَثَرَيْ: مجرور وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى، و"نا": ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
ذيل: مفعول به منصوب، وهو مضاف.
مرط: مضاف إليه مجرور.
مرحل: صفة لـ "مرط" مجرورة.
موطن الشاهد: "أمشي تجر".
وجه الاستشهاد: وقوع الجملتين "أمشي" و"تجر" في محل نصب على الحال، غير أن صاحب كل واحد غير الآخر؛ فجاء الحالان على ترتيب الصاحبين؛ الأول للأول، والثاني للثاني؛ لأمن اللبس؛ لأن "أمشي" مذكر، و"تجر" مؤنث؛ ومعلوم أن الحال يطابق صاحبه في التذكير والتأنيث.
[الحال مؤسسة ومؤكدة] :
فصل: الحال ضربان:
مؤسِّسَة، وهي: التي لا يستفاد معناها بدونها، كـ "جاء زيد راكبا" وقد مضت.
ومؤكدة1: إما لعاملها لفظا ومعنى، نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ 2، وقوله3: [البسيط]
279- أصخ مصيخا لمن أبدى نصيحته4 = إذا وقعت بعد "إما" أن تردف بأخرى معادا معها "إما" أو "أو" كقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ وقول الشاعر: وقد شفني ألا يزال يروعني ... خيالك إما طارقا أو مغاديا وإفرادها بعد إما ممنوع في النثر والنظم وبعد "لا" نادر، تقول: لا راغبا ولا راهبا فتكرر، وقد تفرد كقوله: قهرت العدى لا مستعينا بعصبة ... ولكنْ بأنواع الخدائع والمكرِ همع الهوامع: 1/ 245.
أو معنى فقط نحو: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ 1، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ 2. = المفردات الغريبة: أصخ: استمع، وهو أمر من الإصاخة، بمعنى الاستماع.
أبدى: أظهر وأعلن نصيحته.
النصيحة: الإرشاد إلى الخير.
توقي: مصدر توقى الأمر، إذا تحفظ من الوقوع فيه وتحرز عن إتيانه.
المعنى: استمع وأحسن الاستماع والإنصات لمن ينصحك بإخلاص، ولا تهمل النصيحة، والتزم وقاية نفسك وحفظها من خلط الجد والاجتهاد، باللهو والعبث.
الإعراب: أصخ: فعل أمر، والفاعل: أنت.
مصيخا: حال من الضمير المستتر في "أصخ".
"لمن": متعلق بـ "أصخ"؛ و"من": اسم موصول في محل جر بحرف الجر.
أبدى: فعل ماضٍٍ مبني على الفتح المقدر على الألف، منع من ظهوره التعذر، وفاعله: هو.
نصيحته: مفعول به لـ "أبدى" منصوب، وهو مضاف، و"الهاء": في محل جر بالإضافة؛ وجملة "أبدى نصيحته": صلة للموصول، لا محل لها.
والزم: الواو عاطفة، الزم: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل: أنت.
توقي: مفعول به لـ "الزم"، وهو مضاف.
خلط: مضاف إليه مجرور؛ من إضافة المصدر إلى مفعوله، وخلط مضاف.
الجد: مضاف إليه؛ من إضافة المصدر إلى مفعوله كسابقه.
"باللعب": متعلق بـ "خلط".
موطن الشاهد: "مصيخا".
وجه الاستشهاد: مجيء "مصيخا" حالا مؤكدة من ضمير "أصخ"؛ وهي موافقة لهذا العامل لفظا ومعنى؛ مع كون مادة الحال وعامله واحدة؛ ومعلوم أن الفراء والمبرد والسهيلي ينكرون مجيء الحال مؤكدة لعاملها ويزعمون أنها لا تكون إلا مؤسِّسة؛ أي دالة على معنى لم يستفد من عاملها، ويؤولون كل ما ظنه الجمهور مؤكدة، ويردونه إلى المؤسسة، وقد أولوا -هنا- أصخ بمعنى استمع، ومصيخا بمعنى مستمعا في انتباه وحرص، وفي قولهم تكلف ظاهر، والصواب ما ذهب إليه الجمهور.
وإما لصاحبها1، نحو: ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ 2. وإما لمضمون3 جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدتين، كـ: "زيد أبوك عطوفا" وهذه الحال واجبة التأخير عن الجملة المذكورة، وهي معمولة لمحذوف وجوبا تقديره أحقه4 ونحوه.
[وقوع الحال مفردا وشبه جملة] :
فصل: تقع الحال اسما مفردا كما مضى.
وظرفا كـ: "رأيت الهلال بين السحاب" وجارا ومجرورا نحو: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ 1، ويتعلقان بمستقر أو استقر محذوفين وجوبا2.
وجملة بثلاثة شروط:
[وقوع الحال جملة بثلاثة شروط] :
أحدها: كونها خبرية، وغلط من قال في قوله3: [السريع]
280- اطلبْ ولا تَضْجَرَ مِنْ مَطْلَبِ4
إن "لا" ناهية والواو للحال، والصواب أنها عاطفة مثل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ 1. = تضجر: فعل مضارع منصوب بأن المصدرية المضمرة بعد واو المعية، وعلامة نصبه الفتحة الظهرة.
"من مطلب": متعلق بـ "لا تضجر".
فآفة: الفاء تفريعية، آفة: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف.
الطالب: مضاف إليه.
أن: حرف مصدري ونصب.
يضجرا: فعل مضارع منصوب بـ "أن" المصدرية، والفاعل: هو، والألف للإطلاق؛ والمصدر المؤول من "أن المصدرية وما دخلت عليه": في محل رفع خبر المبتدأ "آفة"؛ والتقدير: فآفة الطالب الضجر.
موطن الشاهد: "ولا تضجرا".
وجه الاستشهاد: بيان خطأ من أعرب الواو في قوله: "ولا تضجرا" حالية؛ لأنه يشترط في جملة الحال أن تكون خبرية، وهذه إنشائية؛ والذي ذهب إلى أنها حالية الأمين المحلي -كما ذكره ابن هشام في المغني؛ حيث عد "لا": ناهية، والواو التي قبلها للحال، وتضجرا: فعل مضارع مجزوم بـ "لا" الناهية؛ وأصله ولا تضجرن بنون التوكيد الخفيفة، فحذفت نون التوكيد الخفيفة، وبقيت الفتحة قبلها؛ لتدل عليها؛ وعلى هذا تكون الجملة في محل نصب على الحال؛ غير أن الصواب ما ذهبنا إليه في الإعراب.
انظر في هذه المسألة، وفي أوجه إعراب الشاهد: مغني اللبيب: 763، وشرح التصريح: 1/ 389، وهمع الهوامع: 1/ 245. فائدة: الجملة الشرطية في قولهم: "لأمدحن المخلص إن أصاب أو أخطأ" واقعة في محل نصب على الحال -مع أنها إنشائية، مشتملة على علامة استقبال؛ حرف الشرط "إن" فالمسوغ -عند النحاة- أنها شرطية لفظا لا معنى؛ لأن التقدير: لأمدحنه على أي حال.
فائدة: على تقدير الواو عاطفة -على رأي ابن هشام- في الشاهد السابق؛ فلها تخريجان: الأول: أن تكون عاطفة مصدرا يسبك من أن والفعل على مصدر متوهم من الأمر السابق؛ أي: ليكن منك طلب وعدم ضجر.
الثاني: أن تكون عاطفة جملة على جملة؛ وعلى الوجه الأول: فالفتحة في "تضجر" فتحة إعراب، ولا: نافية وعلى الثاني: فالفتحة فتحة بناء للتركيب؛ والأصل: ولا تضجرن بنون التوكيد الخفيفة؛ فحذفت للضرورة، ولا: ناهية.
الثاني: أن تكون غير مصدرة بدليل استقبال، وغلط من أعرب ﴿سَيَهْدِينِ﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ 1 حالا.
الثالث: أن تكون مرتبطة، إما بالواو والضمير، نحو: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ 2، أو بالضمير فقط، نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ 3، أي: متعادين، أو بالواو فقط، نحو: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ 4.
[وجوب الواو قبل "قد" داخلة على المضارع] :
وتجب الواو قبل "قد"5 داخلة على المضارع، نحو: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد
تَعْلَمُونَ} 1.
[امتناع الواو في سبع صور] :
وتمتنع في سبع صور:
إحداها: الواقعة بعد عاطف2، نحو: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ 3. = لها بصاحب الحال، هو الواو، كما في الآية الكريمة ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ﴾ ولكن لا يشترط في الجملة المضارعية أن تقترن بقد وأن تسبقها الواو، فقد وردت الجملة المضارعية المثبتة حالا من غير "قد" و"الواو" معا في أفصح الكلام؛ حيث قال جل شأنه: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ ؛ وهنا لا بد من ربطها بصاحب الحال بضمير يرجع منها إليه.
وأما الموضع الثاني الذي يجب فيه "الواو" جملة الحال التي ليس فيها ضمير يعود منها على صاحب الحال؛ نحو: "أقبل الأمير والشمس طالعة"، وكقوله تبارك وتعالى: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ . وأما بالنسبة إلى الفعل الماضي المثبت الواقعة جملته حالا، فقد اختلف النحاة في حكم اقترانه بـ "قد"؛ فذهب الكوفيون والأخفش من البصريين إلى الجواز؛ متى كان معه ضمير يعود على صاحب الحال -سواء أكان مع الضمير واو أم لم يكن- فإن لم يكن معه ضمير، يعود إلى صاحب الحال -بأن كان الرابط هو الواو وحدها- وجب اقترانه بقد وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز مجيء الماضي المثبت حالا إلا إذا اقترن بـ "قد" سواء أكان الرابط، هو الضمير وحده، أم كان الرابط هو الواو وحدها، أم كان الرابط هو الواو والضمير معا؛ فإن وجدت "قد" في اللفظ، فالأمر ظاهر، وإن لم توجد وجب تقديرها واختار ابن مالك وأبو حيان مذهب الكوفيين في هذه المسألة، وهو الأرجح.
وانظر في هذه المسألة: همع الهوامع: 1/ 246، والمغني: 229-833، ورصف المباني: 417-418، والتصريح: 1/ 391.