باب المستثنى
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- يوسف الشيخ محمد البقاعي
- الناشر
- دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
- الطبعة
- -
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
: هذا باب المستثنى: [أدوات الاستثناء] : للاستثناء1 أدوات ثمانٍ: حرفان وهما: "إلا" عند الجميع، و: "حاشا"2 عند سيبويه، ويقال فيها: حاش وحشا.
وفعلان وهما: "ليس"1، و: "لا يكون".
ومترددان بين الفعلية والحرفية2، وهما: "خلا" عند الجميع، و: "عدا" عند غير سيبويه.
واسمان وهما: "غير" و: "سوى" بلغاتها، فإنه يقال: سِوىً كـ "رِضىً"، وسُوىً كـ "هُدىً"، وسَواء كـ "سماء"، وسِواء كـ "بناء"، وهي أغربها3.
= الثاني: ما ذهب إليه المازني والجرمي، والمبرد، والزجاج، والأخفش، وأبو زيد، والفراء، وأبو عمرو الشيباني، وكثير من المتأخرين، وهو عدها حرف جر -كثيرا- وما بعدها يكون مجرورا بها، واستعمالها -قليلا- فعلا متعديا جامدا فتنصب ما بعدها؛ فإذا استعملت حرفا، قيل: حاشاي من دون نون الوقاية، وإذا استعملت فعلا، قيل: حاشاني، ويعد هذا الفعل جامدا؛ لتضمنه معنى إلا؛ ولما جاء عمن يحتج بكلامهم نصب ما بعدها؛ وجره؛ ذهب أصحاب هذا المذهب إلى أنها حين تجر ما بعدها تكون حرف جر، وحين تنصب ما بعدها تكون فعلا.
الثالث: ما ذهب إليه الكوفيون، وهو أنها فعل دائما، تنصب ما بعدها، ولا تكون حرفا جارا، وحجتهم على ما ذهبوا إليه وكونها تتصرف، فتأتي حاشى وأحيانا: حاش؛ ومعلوم أن الحروف لا تتصرف؛ وإذا جاء بعدها اسم مجرور؛ فهو مجرور بحرف جر حذف، وبقي عمله؛ وفي كلامهم نظر؛ والأرجح، والأصح: ما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني؛ لعدم التأويل والتقدير: وانظر في تفصيل هذه المسألة: شرح التصريح: 1/ 346، والمغني: 164-166، والجني الداني، 558-568، وحاشية الصبان: 2/ 165-167، وابن عقيل: 1/ 491-493.
[أحوال الاسم الواقع بعد إلا وحكمه] : فإذا استثنى بـ "إلا" وكان الكلام غير تام، وهو الذي لم يذكر فيه المستثنى منه، فلا عمل لـ "إلا"، بل يكون الحكم عند وجودها مثله عند فقدها، ويسمى استثناء مفرغا، وشرطه: كون الكلام غير إيجاب1، وهو: النفي نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ 2، والنهي نحو: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ 3، ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ 4، والاستفهام الإنكاري نحو: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ
الْفَاسِقُونَ} 1، فأما قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ 2، فحمل "يأبى" على "لا يريد" لأنهما بمعنى.
وإن كان الكلام تاما: فإن كان موجبا3 وجب نصب المستثنى4، نحو:
﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ 1، وأما قوله2: [البسيط]
260- عافٍ تَغَيَّرَ إلا النؤْيُ والوَتَدُ3
فحمل "تغير" على "لم يبق على حاله" لأنهما بمعنى.
= هـ- إن الناصب فعل محذوف يقدر من معنى "إلا" مثل "أستثني"، وإلى هذا، ذهب الزجاج.
و إن الناصب هو مخالفة ما بعد إلا لما قبلها، ويحكى هذا عن الكسائي.
ز- إن الاسم المنصوب يقع اسما لـ "أن" -بتشديد النون- مؤكدة محذوفة وخبرها محذوف أيضا؛ وتقدير الكلام في "قام القوم إلا زيدا": قام القوم إلا أن زيدا لم يقم، وقد حكي هذا القول عن الكسائي؛ وهو تكلف ظاهر.
ح- إن "إلا" مركبة من "إن" المؤكدة ولا العاطفة، ثم خففت "إن" بحذف أحد نونيها، ثم أدغمت في "لا" فإذا انتصب ما بعدها، فذلك من أجل تغليب حكم "إن"، وإذا لم ينتصب فمن أجل تغليب حكم "لا" العاطفة؛ ونسب هذا القول إلى الفراء؛ وهو أشد تكلفا من سابقه.
انظر شرح التصريح: 1/ 349.
وإن كان الكلام غير موجب: فإن كان الاستثناء متصلا1 فالأرجح إتْباع المستثنى للمستثنى منه2: بَدَلَ بعضٍ عند البصريين، وعَطْفَ نَسَقٍ عند الكوفيين3 = من "منزل" الآتي؛ لأن الصفة إذا تقدمت على الموصوف؛ تنصب على الحال؛ ويجوز تقدم الحال على صاحبه؛ أو "منهم": متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في "بالصريمة"؛ وهذا الضمير عائد على منزل -وهذا متعين على مذهب الجمهور الذين لا يجوزون مجيء الحال من المبتدأ.
منزل: مبتدأ مؤخر.
خلق صفة لـ "منزل" مرفوع.
عافٍ: صفة ثانية مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين.
تغير: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، يعود إلى المنزل؛ وجملة "تغير": في محل رفع صفة ثالثة لـ "منزل" إلا: حرف استثناء النؤي: بدل من الضمير المستتر في تغير؛ وبدل المرفوع مرفوع مثله.
والوتد: الواو عاطفة، الوتد: اسم معطوف على النؤي مرفوع مثله.
موطن الشاهد: "إلا النؤي والوتد".
وجه الاستشهاد: ارتفاع "النؤي" على البدلية؛ لأن الكلام ليس تاما موجبا كما خرجه النحاة؛ بل هو منفي في المعنى؛ لكون "تغير"؛ وهو العامل في ضمير المستثنى منه؛ وهو المنزل في معنى عامل منفي؛ تقديره: "لم يبق حاله" كما بعدها مبتدأ محذوف الخبر؛ ومثله حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كل أمتي معافىً إلا المجاهرون"؛ والتقدير: ولكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون؛ وذهب العلماء إلى أن جملة "المبتدأ والخبر" الواقعة بعد "إلا" في محل نصب على الاستثناء؛ وقال ابن هشام: قد فات العلماء عد هذه الجملة في الجمل التي لها محل من الإعراب.
انظر في هذه المسألة: شرح التصريح: 1/ 349، وضياء السالك: 2/ 165.
نحو: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُم﴾ 1، ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ 2،
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ 1، والنصب عربي جيد، وقد قرئ به في السبع في: ﴿قَلِيلٌ﴾ و: ﴿امْرَأَتَكَ﴾ . وإذا تعذر البدل على اللفظ أبدل على الموضع2، نحو: "لا إله إلا الله"،
ونحو: "ما فيها من أحد إلا زيد" برفعهما، و: "ليس زيد بشيء إلا شيئا لا يعبأ به" بالنصب؛ لأن "لا" الجنسية لا تعمل في معرفة، ولا في موجب، ومن والباء الزائدتين كذلك، فإن قلت: "لا إله إلا الله واحد" فارفع أيضا؛ لِأنها لا تعمل في موجب.
ولا يترجح النصب على الإتباع لتأخر صفة المستثنى منه على المستثنى، نحو: "ما فيها رجل إلا أخوك صالح" خلافا للمازني1: = الضمير المستتر في خبر "لا"؛ والتقدير: لا إله لنا إلا الله؛ أو لا إله موجود إلا الله، ونحو ذلك؛ ويكون المعنى: "أن "لا" واسمها وخبرها" نفت جنس الآلهة، وأثبت "البدل" الله وحده؛ فظل الكلام دالا على التوحيد.
ب- "ما فيها أحد إلا زيد".
جاء المستثنى منه في هذا المثال "أحد" وهو نكرة منفية مجرورة بمن الزائدة لفظا؛ غير أنها مرفوعة المحل؛ لكونها مبتدأ خبره الجار والمجرور المتقدم عليها؛ فلو أننا أبدلنا "زيد" المعرفة بالعلمية، من أحد على لفظه -وهو الجر بمن- لكنا جعلنا زيدا "المعرفة" معمولا لـ "من" الزائدة العاملة في "أحد" "المبدل منه"؛ ومعلوم أن "من" الزائدة، لا تدخل إلا على النكرة، وكذلك جاء ما بعد إلا مثبتا؛ لأن ما قبلها منفي؛ ومعلوم أن "من" الزائدة لا تدخل إلا على المنفي؛ ولهذا، وذاك؛ امتنع الإتباع على اللفظ -لفظ المبدل منه- الذي هو أثر لـ "من" الزائدة، وجاز الإتباع على الموضع؛ وهو الرفع على الابتداء؛ لأن الابتداء، ليس أثرا لـ "من" الزائدة.
ج- "ليس زيد بشيء إلا شيئا لا بعبأ به".
جاء المستثنى منه "شيء" مجرورا بـ "من" الزائدة؛ لوقوعه خبرا لـ "ليس" فوقع نكرة منفية، و"شيئا" الذي نريد أن نبدله نكرة مثبتة؛ ولوقوعه بعد إلا المسبوقة بالنفي؛ فلو أبدلنا هنا على اللفظ؛ لجعلنا البدل معمولا للباء الزائدة؛ وهي لا تدخل إلا على النكرة المنفية؛ ولذا وجب البدل على الموضع -وهو النصب- الذي هو أثر ليس.
شرح التصريح: 1/ 351.
وإن كان الاستثناء منقطعا1: فإن لم يمكن تسليط العامل على المستثنى وجب النصب اتفاقا، نحو: "ما زاد هذا المال إلا ما نقص" إذ لا يقال زاد النقص، ومثله: "ما نفع زيد إلا ما ضر" إذ لا يقال نفع الضر.
وإن أمكن تسليطه فالحجازيون يوجبون النصب، وعليه قراءة السبعة: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ 2، وتميم ترجحه وتجيز الإتباع، كقوله3: [الراجز] = هذه الحالة راجعا على إتباع المستثنى للمستثنى منه، فلم يعط المستثنى في هذه الحالة حكم المستثنى المتقدم على المستثنى منه نفسه، ولم يعطَ حكم المستثنى المتأخر على المستثنى منه، وهذا الرأي هو ما حكاه الأثبات -ومنهم ابن هشام- عن المازني، وهو ما اختاره المبرد أيضا فيما ذكره ابن مالك في شرح كافيته؛ وثانيهما: أن لا يترجح نصب المستثنى في هذه الحالة، ولا يترجح إتباعه للمستثنى منه؛ بل يستوي الأمران؛ وأصحاب هذا الرأي، نظروا إلى الأمرين معا؛ أن المستثنى منه متقدم على المستثنى، وأن صفة المستثنى منه متأخرة عن المستثنى، فأعطوا كل واحد من الأمرين لمحة من النظر؛ فلما وجدوا كل واحد من هذين الأمرين يقتضي حكما يخالف الحكم الذي يقتضيه الآخر، أعطوا هذه الصورة حكما متوسطا، قال ابن مالك: "وعندي أن النصب والبدل عند ذلك مستويان؛ لأن لكل واحد منهما مرجحا".
شرح التصريح: 1/ 351-352.
261- وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس1
وحمل عليه الزمخشري1: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ 2. [وجوب نصب المستثنى إذا تقدم على المستثنى منه] : فصل: وإذا تقدم المستثنى على المستثنى منه وجب نصبه مطلقا3، كقوله4: 262- وما لِيَ إلا آل أحمد شيعةٌ ... وما لِيَ إلا مذهبَ الحق مذهبُ5
بعضهم يجيز غير النصب في المسبوق بنفي] :
وبعضهم يجيز غير النصب1 في المسبوق بالنفي، فيقول: "ما قام إلا زيد أحد" سمع يونس: "مالي إلا أبوك ناصر"، وقال2: [الطويل] = طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب ولم يلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب والشاهد من شواهد: التصريح: 1/ 355، وابن عقيل: "167/ 2/ 216"، والأشموني: "449/ 1/ 230" وهمع الهوامع: 1/ 225، والدرر اللوامع: 1/ 192، ومجالس ثعلب: 60، والأغاني: 5/ 119، والعيني: 3/ 111، والمقتضب: 4/ 398، والإنصاف: 275، والجمل: 238، وشرح المفصل: 2/ 79، والخزانة: 2/ 207 عرضا، وشذور الذهب: "124/ 345، 356" وقطر الندى: "109/ 335". المفردات الغريبة: طربت: من الطرب، وهو خفة تعتري القلب من لهو أو حزن أو نحوهما.
البيض: جمع بيضاء، وهي المرأة النقية اللون.
بنان، البنان: الأصابع أو أطرافها، والمفرد بنانة.
مخضب: مزين بالخضاب، وهو ما يختضب به كالحناء ونحوه.
شيعة: أنصار وأعوان.
مذهب الحق: طريقة وشرعة.
المعنى: ليس لي أعوان وأنصار -أعتمدهم في الملمات إلا آل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس لي طريق ومذهب أسلكه وأهتدي به إلا طريق الحق.
الإعراب: ما: نافية.
"لي": متعلق بمحذوف خبر مقدم.
إلا: حرف استثناء، لا محل له من الإعراب.
آل: مستثنى تقدم على المستثنى منه، منصوب، وهو مضاف.
أحمد: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل.
شيعة: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وهو المستثنى منه.
وما لي: الواو عاطفة، ما: نافية، "لي": متعلق بخبر مقدم محذوف.
إلا: حرف استثناء.
مذهب: مستثنى منصوب، تقدم على المستثنى منه، وهو مضاف.
الحق: مضاف إليه.
مذهب: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وهو المستثنى منه.
موطن الشاهد: "ما لي إلا آل أحمد، ما لي إلا مذهب الحق".
وجه الاستشهاد: تقدم المستثنى في الموضعين "آل، ومذهب" على المستثنى منه -كما بينا في الإعراب- ونصب المستثنى وجوبا؛ لأنه لو لم ينصب على الاستثناء؛ لأعرب بدلا؛ والبدل تابع، والتابع لا يجوز أن يتقدم على المتبوع، كما هو معلوم.
263- إذا لم يكن إلا النبيون شافع1 ووجهه أن العامل فُرِّغَ لما بعد "إلا" وأن المؤخر عام أريد به خاص؛ فَصَحَّ إبداله من المستثنى، لكنه بدل كُلٍّ، ونظيره في أن المتبوع أخر وصار تابعا "ما مررت بمثلك أحدٍ"2.
[تتكرر "إلا" لتوكيد ولغير توكيد] :
[حكم تكررها لتوكيد] :
فصل: وإذا تكررت "إلا" فإن كان التكرار للتوكيد، وذلك إذا تلت عاطفا1، أو تلاها اسم مماثل لما قبلها2، ألغيت؛ فالأول نحو: "ما جاء إلا زيد وإلا عمرو" فما بعد "إلا" الثانية معطوف بالواو على ما قبلها، و"إلا" زائدة للتوكيد3، والثاني كقوله:
.................... لا ... تمرر بهم إلا الفتى إلا العَلَا4
فـ: "الفتى" مستثنى من الضمير المجرور بالباء، والأرجح كونه تابعا له في جره5، ويجوز كونه منصوبا على الاستثناء، و: "العلا" بدل من الفتى بدل كل من كل؛ لِأنهما لمُسَمّىً واحد، و: "إلا" الثانية مؤكدة.
وقد اجتمع العطف والبدل في قوله6: [الرجز]
264- ما لك من شيخك إلا عملُهْ ... إلا رسيمُهُ وإلا رَمَلُهْ7
فـ: "رسيمه" بدل، و: "رمله" معطوف، و: "إلا" المقترنة بكل منهما مؤكدة.
[حكم تكرارها لغير توكيد] :
وإن كان التكرار لغير توكيد، وذلك في غير بابي العطف والبدل، فإن كان العامل الذي قبل "إلا" مفرغا تركته يؤثر في واحد من المستثنيات، ونصبت ما عدا ذلك الواحد، نحو: "ما قام إلا زيدٌ إلا عمرًا إلا بكرًا" رفعت الأول بالفعل على أنه فاعل، ونصبت الباقي، ولا يتعين الأول لتأثير العامل، بل يترجح، وتقول: "ما = "451/ 1/ 232"، وابن عقيل: "170/ 2/ 221"، والهمع: 1/ 227، والدرر: 1/ 193، والكتاب: 1/ 374، والمقرب: 35، والعيني: 3/ 117.
المفردات الغريبة: "شيخك": المشهور في هذه الكلمة أنها بالياء، وقيل هي "شنجك": الجمل؛ وأصلها التحريك وسكنت للضرورة.
الرسم: ضرب من سير الإبل البطيء.
الرمل: السير السريع، وفسر الأعلم "الرسيم": بالسعي بين الصفا والمروة، وفسر الرمل: بالطواف بالبيت.
المعنى: ليس لك من جملك مأرب إلا رسيمه ورمله؛ وكلاهما أنت في حاجة إليه؛ والرواية المشهورة "شيخك": والشيخ: الرجل المسن، وعلى هذه الرواية، يكون المراد: ليس لك مطمع في شيخك إلا الانتفاع منه بهذين العملين الجليلين؛ وهما السعي والهرولة بين الصفا والمروة.
وفي الطواف.
الإعراب: ما: نافية.
"لك": متعلق بخبر مقدم محذوف.
"من شنجك": متعلق بما تعلق به الأول، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه.
إلا: أداة استثناء ملغاة.
عمله: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و"الهاء": مضاف إليه.
إلا: حرف زائد يفيد التوكيد.
رسيمه: بدل من "عمله" بدل بعض من كل، وهو مضاف، و"الهاء": مضاف إليه.
وإلا: الواو عاطفة، إلا: حرف زائد يفيد التوكيد.
رمله: معطوف على "رسيم" مرفوع مثله، وهو مضاف، و"الهاء" مضاف إليه.
موطن الشاهد: "إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله".
وجه الاستشهاد: تكرار "إلا" مرتين في قوله: "إلا رسيمه" و"إلا رمله"؛ وفي الموضع الأول؛ كان ما بعدها بدلا مما قبلها، وفي الموضع الثاني؛ كان ما بعدها معطوفا على ما قبلها، وهما الموضعان اللذان تزاد فيهما "إلا"؛ وهي في هذين الموضعين ملغاة لا تفيد غير التوكيد.
رأيت إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا" فتنصب واحد منها بالفعل على أنه مفعول به، وتنصب البواقي بإلا على الاستثناء.
وإن كان العامل غير مفرغ، فإن تقدمت المستثنيات على المستثنى منه نصبت كلها1، نحو: "ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا أحدٌ" وإن تأخرت، فإن كان الكلام إيجابا نصبت أيضا كلها، نحو: "قاموا إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا".
وإن كان غير إيجاب أعطي واحد منها ما يعطاه لو انفرد، ونصب ما عداه، نحو: "ما قاموا إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا" لك في واحد منها الرفع راجحا والنصب مرجوحا ويتعين في الباقي النصب2، ولا يتعين الأول لجواز الوجهين، بل يترجح.
هذا حكم المستثنيات المكررة بالنظر إلى اللفظ3.
[حكم المستثنيات المتكررة بالنظر إلى المعنى] :
وأما بالنظر إلى المعنى فهو نوعان: ما لا يمكن استثناء بعضه من بعض، كـ: "زيد وعمرو وبكر"4 وما يمكن، نحو: "له عندي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحدا".
ففي النوع الأول: إن كان المستثنى الأول داخلا، وذلك إذا كان مستثنى من غير موجب، فما بعده داخل5، وإن كان خارجا، وذلك إن كان مستثنى من موجب، فما بعده خارج6.
وفي النوع الثاني1 اختلفوا، فقيل: الحكم كذلك، وإن الجميع مستثنى من أصل العدد2، وقال البصريون والكسائي: كل من الأعداد مستثنى مما يليه3، وهو الصحيح لأن الحمل على الأقرب متعين عند التردد، وقيل: المذهبان محتملان.
وعلى هذا فالمقر به في المثال ثلاثة على القول الأول، وسبعة على القول الثاني، ومحتمل لهما على الثالث، ولك في معرفة المتحصل على القول الثاني طريقتان، إحداهما: أن تسقط الأول وتجبر الباقي بالثاني وتسقط الثالث، وإن كان معك رابع فإنك تجبر به، وهكذا إلى الأخير4.
والثانية: أن تحط الآخر مما يليه، ثم باقيه مما يليه، وهكذا إلى الأول5.
= وانصب لتأخير، وجئْ بواحدِ ... منها كما لو كان دون زائدِ كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي ... وحكمها في القصد حكم الأولِ والمعنى: انصب المستثنيات كلها في حالة التأخير، إن كان الكلام موجبا؛ فإن كان تاما غير موجب؛ عوامل واحد منها بما كان يستحقه لو لم تتكرر "لا" فيبدل مما قبله؛ وهو المختار، أو ينصب -على قلة- نحو المثال الذي ذكره؛ فيجوز في "علي" الرفع على البدلية من امرؤ، والنصب على الاستثناء؛ وما يتكرر من المستثنيات، حكمه في المعنى حكم الأول، فيثبت له ما يثبت للأول من الدخول إن كان الكلام منفيا والخروج؛ إن كان موجبا كما أوضح المؤلف.
انظر شرح التصريح: 1/ 357، وضياء السالك: 2/ 175.
["غير" أصلها - والاستثناء بها] :
فصل: وأصل1 "غير" أن يوصف بها إما نكرة، نحو: ﴿صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ 2، أو معرفة كالنكرة3، نحو: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ 4، فإن موصوفها ﴿الَّذِينَ﴾ وهم جنس لا قوم بأعيانهم.
وقد تخرج عن الصفة وتضمن معنى: "إلا" فيستثنى بها اسم مجرور بإضافتها إليه، وتعرب هي بما يستحقه المستثنى بإلا في ذلك الكلام، فيجب نصبها5 في نحو: "قاموا غير زيد" و: "ما نفع هذا المال غير الضرر" عند الجميع، وفي نحو: "ما
فيها أحد غير حمار" عند الحجازيين، وعند الأكثر في نحو: "ما فيها غير زيد أحد"، ويترجح عند قوم في نحو هذا المثال، وعند تميم في نحو: "ما فيها أحد غير حمار"، ويضعف في نحو: "ما قاموا غير زيد" ويمتنع في نحو: "ما قام غير زيد".
[الاستثناء بـ "سوى"] :
فصل: والمستثنى1 بـ: "سوى" كالمستثنى بـ: "غير" في وجوب الخفض.
ثم قال الزجاجي1 وابن مالك.
سوى كغير معنى وإعرابا، ويؤيدهما حكاية الفراء: "أتاني سواك".
وقال سيبويه والجمهور: هي ظرف، بدليل وصل الموصول بها، كـ: "جاء الذي سواك" قالوا: ولا تخرج عن النصب على الظرفية إلا في الشعر، كقوله2: [الهزج]
265- ولم يبقَ سوى العدوا ... ن دِنَّاهُمْ كما دانوا3 = وجاءت مرفوعة على الفاعلية، كما في قول الآخر: ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا وجاءت اسما لـ "إن" في قول أحدهم: لديك كفيل بالمنى لمؤمِّلِ ... وإن سواك من يؤمِّلُهُ يشقَى وبعد هذا كله، يتضح لنا بطلان قولهم بعد تصرفها، ولزومها للظرفية وبناءً عليه يكون ما ذهب إليه الكوفيون، وارتضاه ابن مالك في هذه المسألة هو القول الأصوب لما بينا.
وانظر في هذه المسألة: ابن عقيل: 2/ 226، وحاشية الصبان: 2/ 158-159-160-161، وحاشية، يس على التصريح: 1/ 362، وهمع الهوامع: 1/ 201-202.
وقال الرماني1 والعكبري2: تستعمل ظرفا غالبا، وكغير قليلا، وإلى هذا أذهب.
= صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان عسى الأيام أن يرجعـ ... ـن قوما كالذي كانوا فلما صرح الشر ... وأمسى وهو عريان والشاهد من شواهد: التصريح: 1/ 362، وابن عقيل: "173/ 2/ 228" والهمع: 1/ 202، والدرر: 1/ 170، وأمالي القالي: 1/ 260، والخزانة: 2/ 57، والعيني: 3/ 122، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: 35.
المفردات الغريبة: العدوان: الظلم الصريح.
دناهم: جازيناهم وفعلنا بهم مثل ما فعلوا بنا.
المعنى: لما ظهر الشر، وانكشف كل شيء كان مستورا، ولم يبقَ من بني ذهل إلا العدوان الظاهر؛ جازيناهم، وفعلنا بهم مثلما فعلوا بنا، وكما تدين تدان.
الإعراب: لم: حرف جزم ونفي وقلب.
يبق: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة.
سوى: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف، وهو مضاف.
العدوان: مضاف إليه.
دنَّاهم: فعل ماضٍ، مبني على السكون؛ لاتصاله بـ "نا" الدالة على الفاعلين، و"نا": فاعل، و"هم": مفعول به.
كما: الكاف حرف جر، و"ما" حرف مصدري.
دانوا: فعل ماضٍ، والواو: فاعل؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بالكاف؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لمصدر، يقع مفعولا مطلقا؛ عامله "دناهم"؛ والتقدير: دنَّاهم دينًا مماثلا لدينهم إيانا؛ وجملة "دانوا": صلة للمصولو الحرفي، لا محل لها؛ وجملة "دناهم": جواب "لما" في بيت سابق، لا محل لها.
موطن الشاهد: "ولم يبق سوى العدوان".
وجه الاستشهاد: وقوع "سوى" فاعلا لـ "يبق"؛ وحكم مجيئها فاعلا الجواز لضرورة الشعر عند البصريين؛ وأما عند الكوفيين فجائز في سعة الكلام، ولم يخصوه بالشعر فقط كالبصريين؛ ومذهبهم في هذه المسألة أرجح؛ لورود الشواهد الكثيرة من الشعر والنثر معا عمن يحتج بكلامهم.
وانظر شرح التصريح: 1/ 362.
[الاستثناء بـ "ليس" و"لا يكون"] :
فصل: والمستثنى بـ: "ليس"، و: لا يكون" واجب النصب؛ لِأنه خبرهما، وفي الحديث: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السنَّ والظفرَ" 1 وتقول: "أتوني لا يكون زيدا".
واسمهما2 ضمير مستتر عائد على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، أو
البعض المدلول عليه بكله السابق، فتقدير: "قاموا ليس زيدا": ليس القائم، أو ليس بعضهم، وعلى الثاني فهو نظير: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ 1 بعد تقدم ذكر الأولاد2.
وجملتا الاستثناء3 في موضع نصب على الحال4، أو مستأنفتان فلا موضع لهما5.
[المستثنى بـ "خلا" و"عدا" وحكمه] :
فصل: وفي المستثنى بـ "خلا" و"عدا" وجهان: = عدا زيدا، وبالتالي: نكون قد أطلقنا لفظ البعض على الجميع إلا واحدا، وليس من المعهود هذا الإطلاق.
الثالث: أن الضمير يعود إلى مصدر الفعل السابق، بعد أن نقدر أن المستثنى، كان مضافا إلى مصدر مثله -وهذا رأي الكوفيين- ففي قولنا: "جاء القوم ليس زيدا"؛ التقدير: ليس المجيء مجيء زيد؛ واعترض على هذا الرأي باعتراضين؛ أولهما: أنه قد لا يكون في الكلام السابق فعل، ومر جوابه في الكلام على قول سيبويه، وثانيهما: أن فيه هذا التقدير مضافا محذوفا، لم يلفظ به في كلام قط.
وانظر في هذا المسألة: شرح التصريح: 1/ 362-363، والجني الداني: 495.
أحدهما: الجر على أنهما حرفا جر، وهو قليل، ولم يحفظه سيبويه في "عدا"، ومن شواهده قوله1: [الوافر] 266- أَبَحْنَا حيَّهُم قتلًا وأسرًا ... عدا الشمطاء والطفل الصغير2 وموضعهما نصب، فقيل: هو نصب عن تمام الكلام3، وقيل: لأنهما متعلقان بالفعل المذكور4.
والثاني: النصب على أنهما فعلان جامدان لوقوعهما موقع1 "إلا" وفاعلهما ضمير مستتر"، وفي مفسره وفي موضع الجملة البحث السابق.
وتدخل علهيما "ما" المصدرية2 فيتعين النصب؛ لِتعين الفعلية حينئذ، كقوله3: [الطويل]
267- ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل4
وقوله1: [الطويل] 268- تملُّ الندامى ما عداني فإنني2 ولهذا دخلت نون الوقاية، وموضع الموصول وصلته نصب: إما على الظرفية على حذف مضاف، أو على الحالية على التأويل باسم الفاعل3، فمعنى: "قاموا ما
عدا زيدا" قاموا وقت مجاوزتهم زيدا، أو مجاوزين زيدا، وقد يجران على تقدير "ما" زائدة1.
[المستثنى بـ "حاشا"] :
فصل: والمستثنى بـ: "حاشا" عند سيبويه مجرور لا غير، وسمع غيره النصب2، كقوله: "اللهم اغفر لي ولمن يسمع، حاشا الشيطانَ وأبا الأصبغ"3.
والكلام في موضعها جارة وناصبة وفي فاعلها كالكلام في أختيها.
ولا يجوز دخول "ما" عليها، خلافا لبعضهم4، ولا دخول "إلا" خلافا
للكسائي1.