باب نوني التوكيد 1
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- يوسف الشيخ محمد البقاعي
- الناشر
- دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
- الطبعة
- -
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
هذا باب نوني التوكيد.
[نونا التوكيد] :
لتوكيد الفعل نونان: ثقيلة، وخفيفة؛ نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا﴾ 2.
[توكيد الأمر] :
ويؤكد بهما الأمر مطلقا3، ولا يؤكد بهما الماضي مطلقا4.1
[حالات توكيد المضارع] : وأما المضارع؛ فله حالات: إحداها: أن يكون توكيده بهم واجبا، وذلك إذا كان: مثبتا، مستقبلا؛ جوابا لقسم غير مفصول من لامه بفاصل1؛ نحو: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ 2، ولا يجوز توكيده بهما إن كان منفيًّا؛ نحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ 3؛ إذ التقدير: لا تفتأ، وكان حالا؛ كقراءة ابن كثير4: ﴿لا أُُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ 5؛ وقول الشاعر6: [المتقارب]
476- يمينا لأُبْغِضَ كلَّ امرئٍ1 وكان مفصولا من اللام2؛ مثل: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ 3؛ ونحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ 4.
والثانية: أن يكون قريبا من الواجب؛ وذلك إذا كان شرطا؛ لأن المؤكدة بما 1؛ نحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ 2، ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾ 2، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ 4. ومن ترك توكيده؛ قوله5: [البسيط] 468- يا صاح إما تَجِدْنِي غير ذي جدة 63
وهو قليل؛ وقيل: يختص بالضرورة1.
الثالثة: أن يكون كثيرًا؛ وذلك إذا وقع بعد أداة طلب2؛ كقوله تعالى: = وهو من شواهد: التصريح: 2/ 204، والأشموني: "957/ 2/ 497"، والعيني: 4/ 339. المفردات الغريبة: جدة: غنى وسعة في المال.
الخلان: جمع خليل.
شيمي: طبيعتي وخلقي.
المعنى: يقول الشاعر لصاحبه؛ أو صديقه: إن كنت لست في سعة من المال، ولا أستطيع مساعدة إخواني بمالي؛ فلا أستطيع التخلي عنهم ونصرتهم بنفسي؛ لأن ذلك ليس من خلقي، ولا من شيمتي.
الإعراب: يا: حرف نداء.
صاح: منادى مرخم "صاحب".
إما: إن شرطية جازمة، ما: زائدة، لا محل لها.
تجدني: فعل الشرط مجزوم، علامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت، والنون للوقاية، والياء: في محل نصب مفعول به أول.
غير: مفعول به ثانٍ، لـ "تجد"، وهو مضاف.
ذي: مضاف إليه، وهو مضاف جدة: مضاف إليه.
فما: الفاء واقعة في جواب الشرط، ما: نافية مهملة، أو عاملة عمل ليس.
التخلي: مبتدأ، أو اسم "ما" النافية.
"عن الإخوان": متعلق بـ "التخلي".
"من شيمي": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، أو بخبر "ما" النافية؛ وجملة "ما التخلي ... ": في محل جزم جواب الشرط.
موطن الشاهد: "تجدني".
وجه الاستشهاد: عدم تأكيد فعل "تجدني" الواقع شرطا لـ "إن" الشرطية المؤكدة بـ "إما" الزائدة؛ وحكم عدم تأكيده هنا القلة، أو أنه ضرورة من ضرورات الشعر.
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ 1؛ وقول الشاعر2: [البسيط] 469- هلا تَمُنِّنْ بوعد غير مخلفة3
وقول الأخر1: [الطويل] 470- فليتك يوم الملتقى تَرَيِنَّنِي2 وقوله3: [الكامل] 471- أفبعد كندة تمدحنَّ قبيلا 4
الرابعة: أن يكون قليلا؛ وذلك بعد "لا" النافية، أو "ما" الزائدة التي لم تسبق بـ "إن"؛ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ 1؛ = وهو من شواهد: التصريح: 2/ 204، والأشموني: "951/ 2/ 495"، وسيبويه: 2/ 151، والخزانة: 4/ 558، والهمع: 2/ 87، والدرر: 2/ 96. المفردات الغريبة: فطيمة: تصغير فاطمة تصغير ترخيم.
حل: فعل أمر من حلأه عن الماء؛ أي: منعه وطرده وأصله حلئ، فقلبت الهمزة ياء؛ لسكونها إثر كسر، ثم حذفت تخفيفا.
كندة: اسم قبيلة امرئ القيس.
قبيلا: أي: قبيلة، ورخم للضرورة.
المعنى: إن محبوبته فاطمة، قالت له: تجنب المدح في شعرك؛ لأنه ليس هناك من يستحق المدح بعد قبيلتك.
الأعراب: قالت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث.
فطيمة: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
حل: فعل أمر مبني على حذف الياء؛ والفاعل: ضمير مستتر وجواب؛ تقديره: أنت.
شعرك: مفعول به منصوب، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه.
مدحه: منصوب على نزع الخافض؛ لأن التقدير: "حل شعرك بمدحه"، والهاء: في محل جر بالإضافة.
أفبعد: الهمزة حرف الاستفهام، والفاء عاطفة على محذوف؛ والتقدير: أتعتد بقبيل، فبعد كندة تمدحن.
و"بعد": متعلق بقوله "تمدحن"، وهو مضاف.
كندة: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لكونه ممنوعا من الصرف.
تمدحن: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ ونون التوكيد لا محل لها من الإعراب.
قبيلا: مفعول به منصوب؛ وهو مرخم قبيلة كما ذكرنا.
موطن الشاهد: "تمدحن".
وجه الاستشهاد: تأكيد الفعل المضارع "تمدح"؛ لوقوعه بعد همزة الاستفهام؛ وحكم هذا التأكيد الجواز.
فائدة: لم يذكر المؤلف أمثلة عن أنواع الطلب الأخرى، فمثال توكيد الفعل المضارع بعد لام الأمر؛ نحو: لتدرسن كثيرا؛ لتضمن النجاح، وبعد العرض: ألا تسافرنَّ، في رحلة ممتعة معنا؟ وبعد الدعاء: لا يبعدن أصدقائي المخلصون ضياء السالك: 3/ 39.
وكقولهم1: [الطويل] 472- وَمن عِضَةٍ ما يَنْبُتَنَّ شَكِيرُهَا2
وقال1: [الطويل] 473- قليلا به ما يحمدنك وارث2
الخامسة: أن يكون أقل؛ وذلك عرضا، وابن عقيل: "بعد "لم" وبعد أداة جزاء غير "إما"؛ كقوله1: [الرجز] 474- يحسبه الجاهل ما لم يعلما2
وكقوله1: [الكامل]
475- من نثقفنْ منهم فليس بآئب2 = للوقف، في محل جزم بـ "لم"؛ والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو؛ ونون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا، لا محل لها من الإعراب.
شيخا: مفعول به ثانٍ لـ "يحسب".
"على كرسيه": متعلق بمحذوف صفة لـ "شيخا"، وكرسي: مضاف، والهاء: مضاف إليه، معمما: صفة ثانية لـ "شيخا".
موطن الشاهد: "لم يعلما".
وجه الاستشهاد: توكيد الفعل المضارع "يعلم" بالنون الخفيفة المنقلبة ألفا بعد حرف النفي "لم"؛ وحكم هذا التوكيد أنه نادر ومثل هذا الشاهد قول بعض الأعراب: ألم تعلمنْ يا ربُّ أنْ رُبَّ دعوة ... دعوتك فيها مخلصا لو أجابها
[في حكم آخر المؤكد] :
اعلم أن هنا أصلين يستثنى من كل منهما مسألة:
الأصل الأول: أن آخر المؤكد يفتح1؛ تقول: "لتضربن" و"اضربن".
ويستثنى من ذلك أن يكون مسندا إلى ضمير ذي لين؛ فإنه يحرك آخره -حينئذ- بحركة تجانس ذلك اللين؛ كما نشرحه.
والأصل الثاني: أن ذلك اللين يجب حذفه؛ إن كان ياء أو واوا؛ تقول: "اضربُنَّ يا قوم" بضم الباء، و"اضربِنَّ يا هند" بكسرها؛ والأصل: اضربونَّ، واضربينَّ، ثم حذفت الواو والياء؛ لالتقاء الساكنين.
ويستثنى من ذلك أن يكون آخر الفعل ألفا؛ كـ "يخشى"؛ فإنك تحذف آخر الفعل، وتثبت الواو مضمومة، والياء مكسورة؛ فتقول: "يا قوم اخشوُنَّ" و"يا هند = واسمه: ضمير مستتر جوازا، تقديره: هو، يعود إلى اسم الشرط.
بآئب: الباء حرف جر زائد، آئب: اسم مجرور لظفا منصوب محلا على أنه خبر ليس؛ وجملة "ليس بآئب": في محل جزم جواب الشرط؛ وجملة "الشرط وجوابه": في محل رفع خبر المبتدأ "من".
موطن الشاهد: "نثقفن".
وجه الاسشهاد: تأكيد الفعل المضارع؛ كما مثل المصنف.
هذا، وقد اختلف في الفتحة، التي قبل نون التوكيد، المؤكد بها الفعل المضارع، فذهب المبرد والفارسي وابن السراج: إلى أن هذه الفتحة فتحة البناء، والفعل عندهما مبني على الفتح؛ وذلك لتركبه مع النون تركيب "خمسة عشر".
وذهب السيرافي، وسيبويه، والزجاج: إلى أن الفعل -مضارعا كان أو أمرا- مبني مع نون التوكيد على السكون؛ لأنه الأصل في البناء؛ ثم حرك آخر الفعل؛ للتخلص من التقاء الساكنين؛ وهما آخر الفعل والنون، وكانت الحركة هي الفتحة؛ لأنها أخف الحركات؛ وعلى هذا يقال في "لا تلعبن": مبني على سكون مقدر على آخره، منع من ظهوره الفتحة العارضة؛ لأجل التخلص من التقاء الساكنين، مع طلب التخفيف.
التصريح: 2/ 206. الهمع: 3/ 79.
اخشيِنَّ"1؛ فإنه أسند هذا الفعل إلى غير الواو والياء2 لم تحذف آخره؛ بل تقلبه ياء؛ فتقول: "لِيَخْشَين زيد"، و"لتخشيَنَّ يا زيد"، و"لتخشيَانِّ يا يزيدان" و"لتخشينَانِّ يا هندات"3.
[أحكام النون الخفيفة] : فصل: تنفرد النون الخفيفة بأربعة أحكام: أحدها: أنها لا تقع بعد الألف1؛ نحو: "قُومَا"، و"اقعدا"؛ لئلا يلتقي ساكنان2؛ وعن يونس3 والكوفيين إجازته4، ثم صرح الفارسي في الحجة5: بأن يونس يبقي النون ساكنة، ونظَّر ذلك، بقراءة نافع6: "ومحيايْ"7 وذكر
الناظم: أنه يكسر النون، وحمل على ذلك قراءة بعضهم: "فَدَمِّرَانِهَم تَدْمِيرًا"1، وجوزه في قراءة ابن ذكوان2: "وَلا تَتَّبِعَانِ"3؛ بتخفيف النون.
وأما الشديدة فتقع بعدها اتفاقا؛ ويجب كسرها؛ كقراءة باقي السبعة: ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ﴾ 3.
الثاني: أنها لا تؤكد الفعل المسند إلى نون الإناث؛ وذلك لأن الفعل المذكور، يجب أن يؤتى بعد فاعله بألف فاصلة بين النونين؛ قصدا للتخفيف؛ فيقال: "اضربنَانِّ"، وقد مضى أن الخفيفة لا تقع بعد الألف، ومن أجاز ذلك فيما تقدم؛ أجازه هنا بشرط كسرها.
الثالث: أنها تحذف قبل الساكن؛ كقوله1: [المنسرح]
476 - لا تهين الفقير عَلَّكَ أن تَرْ ... كَعَ يوما والدهر قد رفعه2
أصله: "لا تهينَنْ".
الرابع: أنها تعطى في الوقف حكم التنوين؛ فإن وقعت بعد فتحة؛ قلبت ألفا؛ كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ 1، ﴿وَلَيَكُونًا﴾ 2؛ وقول الشاعر3: [الطويل]
477- ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا4 = وما بعدها": في محل رفع خبر "لعل"؛ التقدير: لعلك راكع يوما؛ وهو الأفضل.
"يوما": متعلق بـ "تركع" منصوب.
والدهر: الواو حالية، الدهر: مبتدأ مرفوع.
قد: حرف تحقيق.
رفعه: فعل ماض، والفاعل: هو، والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به؛ وجملة "قد رفعه": في محل رفع خبر المبتدأ؛ وجملة "الدهر قد رفعه": في محل نصب على الحال.
موطن الشاهد: "لا تهين".
وجه الاستشهاد: حذف نون التوكيد الخفيفة؛ لتخلص من التقاء الساكنين؛ نون التوكيد، ولا الفقير؛ لأن ألف الوصل، لا حركة لها عند الوصل؛ والفتحة على آخر الفعل دليل على النون المحذوفة؛ وبقاء الياء آخر الفعل المضارع مع وجود الجازم دليل على أن الفعل مؤكد.