باب ظن وأخواتها
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- يوسف الشيخ محمد البقاعي
- الناشر
- دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
- الطبعة
- -
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
: هذا باب الأفعال الداخلة بعد استيفاء فاعلها على المبتدأ والخير، فتنصبهما مفعولين1: [أفعال القلوب] : أفعال هذا الباب نوعان: أحدهما أفعال القلوب، وإنما قيل لها ذلك لأن معانيها قائمة بالقلب، وليس كل قلبي ينصب المفعولين، بل القلبي ثلاثة أقسام: [الأفعال القلبية ثلاثة أقسام] : ما لا يتعدى بنفسه، نحو فكر وتفكر، وما يتعدى لواحد نحو عرف وفهم، وما يتعدى لاثنين وهو المراد، وينقسم أربعة أقسام:
[ما يتعدى لاثنين أربعة أقسام] : أحدها: ما يفيد في الخبر يقينا، وهو أربعة: وجد، وألفى، وتعلَّمْ، بمعنى اعلَمْ، ودرى، قال الله تعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ 1 ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ 2، وقال الشاعر3: [الطويل] 169- تعلَّمْ شفاء النفس قهر عدوها4
والأكثر وقوع هذا على "أن" وصلتها1، كقوله2: [الطويل]
170- فقلت تعلم أن للصيد غرة3.
= موطن الشاهد: "تعلم شفاء النفس قهر عدوها".
وجه الاستشهاد: مجيء "تعلم" فعلا قلبيا بمعنى "اعلم" مفيدا اليقين؛ وقد نُصِبَ به مفعولان اثنان؛ أصلهما مبتدأ أو خبر؛ ومثل هذا الشاهد قول الحارث بن ظالم المري: تعلم -أبيت اللعن- أني فاتك ... من اليوم أو من بعده بابن جعفر فقد سدت أن ومعمولاها مسد مفعولي "تعلم"؛ ومعلوم أن هذا الفعل، يندر أن ينصب مفعولين ظاهرين، وإنما تسد "أن" المؤكدة ومعمولاها مسد المفعولين لهذا الفعل، كما في الشاهد التالي.
وقوله1: [الطويل] 171- دريت الوفي العهد يا عُرْوَ فاغتبط2
والأكثر في هذا أن يتعدى بالباء، فإذا دخلت عليه الهمزة تعدى لآخر بنفسه1 نحو: ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ 2. والثاني: ما يفيد في الخبر رجحانا3، وهو خمسة: جعل، وحجا، وعدَّ، وهب، وزعم، نحو: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ 4، وقوله5: [البسيط] 172- قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة6
......................................................................... = وقد نصب صاحب المحكم البيت إلى أبي شنبل الأعرابي، ونسبه ثعلب في أماليه إلى أعرابي يقال له: القنان، وهو من شواهد: التصريح: 1/ 248، وابن عقيل: "125/ 2/ 38" والأشموني: "322/ 1/ 157" وهمع الهوامع: 1/ 148، والدرر اللوامع: 1/ 130، والعيني: 2/ 376 وشذور الذهب: "178/ 472" وليس في ديوان تميم بن أبي مقبل.
المفردات الغريبة: أحجو: أظن.
ألمت: نزلت.
ملمات: جمع ملمة وهي النازلة من نوازل الدهر.
المعنى: قد كنت أظن وأعتقد أن أبا عمرو أخا مخلصا، يوثق به، ويعتمد عليه في الملمات والشدائد؛ حتى نزلت بنا يوما حوادث مؤملة؛ فتبين لي غير ما كنت أظن فيه.
الإعراب: أحجو: فعل مضارع، والفاعل: أنا.
أبا: مفعول به أول، وهو مضاف.
عمرو: مضاف إليه.
أخا: مفعول به ثانٍ، وهو مضاف.
ثقة: مضاف إليه؛ ويجوز أن تكون "أخا" بالتنوين مفعولا ثانيا وثقه بالتنوين والنصب صفة لها.
حتى: حرف غاية وجر: ألمت: فعل ماضٍ، والتاء، للتأنيث.
ملمات: فاعل مرفوع.
موط الشاهد: "أحجو أبا عمرو أخا".
وجه الاستشهاد: استعمل فعل "أحجو" بمعنى أظن؛ فنصب به مفعولين؛ أحدهما: أبا عمرو، وثانيهما: أخا ثقة؛ وفعل حجا لا يتعدى إلى مفعولين إلا إذا كان قلبيا مفيدا الرجحان والظن.
فائدة 1: ذكر العيني أنه لم ينقل أحد من النحاة أن "حجا يحجو" ينصب مفعولين غير ابن مالك رحمه الله تعالى.
فائدة 2: يأتي فعل حجا بمعانٍ عدة؛ منها: الغلبة في المحاجاة؛ وذلك إذا ألقيت على مخاطبك كلمة يخالف لفظها معناها، وتسمى هذه الكلمة أحجية؛ ويأتي فعل "حجا" بمعنى "قصد"؛ نحو قول الأخطل:
حجونا بني النعمان إذ عصَّ ملكهم ... وقبل بني النعمان حاربنا عمرو
فحجونا بمعنى قصدنا.
وعص ملكهم: قوي واشتد.
ويأتي بمعنى أقام؛ نحو: "حجا محمد بمكة"؛ أي: أقام بها.
ويأتي بمعنى "رد" نحو: حجوت السائل؛ أي رددته.
ويأتي بمعنى "ساق" نحو: حجوت الإبل، أي سقتها.
ويأتي بمعنى "حفظ وكتم" نحو: حجوت الحديث؛ أي حفظته أو كتمته.
ويتضح من الأمثلة السابقة أن "حجا" لما يكون بمعنى غلب في المحاجاة، أو قصد، أو رد، أو ساق، أو كتم، أو حفظ؛ تتعدى إلى مفعول واحد.
وإذا كان بمعنى أقام في المكان، أو وقف؛ فإنه لا يتعدى بنفسه، وإنما يتعدى بحرف الجر.
وقوله1: [الطويل] 173- فلا تعدد المولى شريكك في الغنى2
وقوله1: [المتقارب] 174- وإلا فهبني امرأ هالكا2
وقوله1: [الخفيف] 175- زعمتني شيخا ولست بشيخ2
والأكثر في هذا وقوعه على أن وأن وصلتهما، نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ 1، وقال2: [الطويل] 176- وقد زعمت أني تغيرت بعدها3
والثالث: ما يَرِدُ بالوجهين1، والغالب كونه لليقين، وهو اثنان: رأى، وعلم، كقوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ 3، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات﴾ 4. والرابع: ما يَرِدُ بهما، والغالب كونه للرجحان، وهو ثلاثة: ظن، وحسب، وخال كقوله5: [الطويل] 177- ظننتك إن شبَّتْ لظى الحرب صاليا6
وكقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ 1، وكقوله الشاعر2: [الطويل]
178- وكنا حسبنا كل بيضاء شحمةً3 = المفردات الغريبة: شبَّت: اشتعلت واتَّقَدت وتأججت.
لظى الحرب: نارها وأوارها.
صاليا: داخلا فيها، وخائضا غمارها.
عردت: أحجمت وفرَّت، والتعريد: الفرار، أو سرعة الذهاب في الهزيمة.
المعنى: لقد ترجح أنك -إذا اضطرمت نيران الحرب وحمي وطيسها- تقتحهما وتخوض غمارها غير هياب ولا وجل؛ وإذا بك تفر وتنهزم مع المنهزمين.
الإعراب: ظننتك: فعل ماضٍ يفيد الرجحان، والتاء: فاعله، والكاف: مفعوله الأول.
إن: شرطية جازمة.
شبت: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث.
لظى: فاعل مرفوع، الحرب: مضاف إليه؛ وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه.
صاليا: مفعول به ثانٍ؛ لفعل "ظن" فعردت: الفاء عاطفة.
عردت: فعل ماضٍ وفاعل.
"فيمن": متعلق بـ "عرد".
كان فعل ماضٍ ناقص، واسمه: هو.
معردا: خبر كان؛ وجملة "كان مع معموليها": صلة "من" لا محل لها.
موطن الشاهد: "ظننتك صاليا".
وجه الاستشهاد: استعمل فعل "ظن" من الظن بمعنى الرجحان؛ ونصب به مفعولين؛ الأول: "الكاف" ضمير الخطاب، والثاني: صاليا.
وقوله1: [الطويل]
179- حسبتُ التقى والجودَ خيرَ تجارةٍ2 = فلما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا في الأعنة ضمرا سقيناهم كأسا سوقنا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا والشاهد من شواهد: التصريح: 1/ 249، ومغني اللبيب: "1078/ 833" والسيوطي: 314، والعيني: 2/ 382، وشرح التبريزي لديوان الحماسة "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد"، 1/ 150. المفردات الغريبة: وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة: كنا ظننا شيئا فوجدنا الأمر على خلاف ما كنا نظن، وهذه العبارة مأخوذة من المثل: "ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة".
جذام وحمير: قبيلتان من قبائل اليمن.
المعنى: كنا ظننا في قومنا -لما نعلمه من شجاعتهم ومقدرتهم الفائقة في الحرب- أنهم سيقهرون أعداءهم بمجرد اللقاء بهم، وأن أولئك الأعداء، سيهزمون حين يرون أنفسهم أمام شجعان لا قبل لهم بمنازلتهم؛ ولكننا وجدنا في الأعداء قدرة وصلابة وصمودا في المواجهة، وصبرا على النزال، لم يكن متوقعا؛ ولعل هذا البيت من خير ما قيل في إنصاف الخصوم.
الإعراب: كنا: فعل ماضٍ ناقص، واسمه، حسبنا: فعل ماضٍ يفيد الرجحان، و"نا" فاعل.
كل: مفعول به أول لـ "حسب" بيضاء: مضاف إليه.
شحمة: مفعول به ثانٍ.
لاقينا: فعل ماضٍ، وفاعل.
جذام: مفعول به.
وحميرا: معطوف على "جذام" وجملة "لاقينا ... " في محل جر بالإضافة.
موطن الشاهد: "حسبنا كل بيضاء شحمة".
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "حسب" القلبي بمعنى الرجحان ونصبه مفعولين اثنين؛ الأول: كل؛ والثاني: شحمة.
وكقوله1: [الطويل]
180- إخالك، إن لم تغضض الطرف، ذا هوى2 = تربعت الأشراف ثم تصيفت ... حساء البطاح وانتجعن المسايلا والشاهد من شواهد: التصريح: 1/ 249، وابن عقيل: "122/ 2/ 34"، والأشموني: "339/ 1/ 163" وهمع الهوامع: 1/ 149، والدرر اللوامع: 1/ 132، والعيني: 2/ 384، وديوان لبيد: 146. المفردات الغريبة: رباحا: أي ربحا.
ثاقلا: أي ميتا؛ لأن الجسم يثقل إذا فارقته الروح.
المعنى: لقد علمت وتيقنت أن تقوى الله تعالى، والجود بالمال وبالنفس -إذا اقتضى الأمر- أحسن تجارة، تعود على الإنسان بخير ربح، إذا مات وفارق هذه الدنيا؛ وذلك لأنه سيجد ما أعده الله له خيرا وأعظم أجرا.
الإعراب: حسب: فعل ماضٍ بمعنى "علم"، والتاء: فاعل.
التقى: مفعول به أول.
والجود: معطوف على المفعول الأول.
خير: مفعول به ثانٍ.
تجارة: مضاف إليه.
رباحا: تمييز منصوب.
إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان متعلق بجوابه.
ما: زائدة.
المرء: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ وهذا الفعل المحذوف ناقص محذوف الخبر؛ لأن مفسره "أصبح" فعل ناقص والجملة من "أصبح مع معموليها": في محل جر بالإضافة.
أصبح: فعل ماضٍ ناقص، واسمه: هو.
ثاقلا: خبر أصبح منصوب؛ وجملة "أصبح ثاقلا": مفسرة لا محل لها.
موطن الشاهد: "حسبت التقى ... خير".
وجه الاستشهاد: استعمال فعل "حسب" بمعنى علم القلبي، ونصبه مفعولين اثنين؛ الأول: التقى.
والثاني: خير؛ واستعمال "حسب" بهذا المعنى كثير شائع.
وقوله2: [المنسرح]
181- ما خلتني زلت بعدكم ضَمِنًا21 = المعنى: إني لأظنك -إن لم تصرف النظر عن الحسان ومفاتنهن- صاحب عشق وهيام؛ وعشقك وهيامك يجشمانك المصاعب، ويقودانك إلى ما لا تستطيع تحمله من تباريح الشوق والهوى.
الإعراب: إخالك: فعل مضارع "يفيد الرجحان"، والفاعل: أنا، والكاف: مفعوله الأول.
إن: شرطية جازمة: لم: جازمة نافية، تغضض: فعل مضارع مجزوم؛ وهو فعل الشرط، والفاعل: أنت.
الطرق: مفعول به.
ذا: "بمعنى صاحب": مفعول به ثانٍ لـ "إخالك" وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة؛ وجملةُ جوابِ الشرط محذوفةٌ؛ لدلالة ما قبل الشرط عليها.
هوى: مضاف إليه.
يسومك: فعل مضارع، والفاعل: هو، يعود على هوى؛ والكاف: مفعول به أول.
لـ "يسوم".
ما: اسم موصول، مفعول به ثانٍ لـ "يسوم" لا: نافية.
يستطاع: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل: هو، يعود إلى "ما"؛ وجملة "لا يستطاع من الوجد": صلة لـ "ما" لا محل لها، وجملة "يسومك ما لا يستطاع من الوجد": في محل جر صفة لـ "هوى".
"من الوجد": متعلق بمحذوف حال من "ما"؛ وهو الأفضل.
موطن الشاهد: "إخالك ذا هوى".
وجه الاستشهاد: استعمال مضارع "خال" وهو فعل قلبي يفيد الرجحان، وقد نصب بهذا الفعل مفعولان اثنان؛ وهما: كاف الخطاب، وذا.
واستعمال إخالك بهذا المعنى كثير شائع.
فائدة: القياس في همزة "إخالك" أن تكون مفتوحة في المضارع، نحو: خاف أخاف، ولكن العرب كسروا همزة المضارعة في هذا الفعل وحده باستثناء بني أسد؛ فهم يفتحونها على ما يقتضيه القياس فيقولون: أخالك، والوجهان جائزان باتفاق.
تنبيهان: الأول: ترد علم بمعنى عرف، وظن بمعنى اتهم، ورأى بمعنى الرأي، أي: المذهب، وحجا بمعنى قصد، فيتعدين إلى واحد نحو: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ 1 ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضنِينٍ﴾ 2 وتقول: "رأى أبو حنيفة حِلَّ كذا، ورأى الشافعي حرمته" و: "حجوت بيت الله"3.
وترد وجد بمعنى حزن أو حقد فلا يتعديان.
وتأتي هذه الأفعال وبقية أفعال الباب لمعانٍ أُخَر غير قلبية فلا تتعدى لمفعولين، وإنما لم يحترز عنها لأنها لم يشملها قولنا: "أفعال القلوب".
= مفعول به أول.
زلت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه.
"بعدكم": متعلق بـ "ضمنا" المفعول الثاني لـ "خال".
أشكو: فعل مضارع، والفاعل: أنا، وجملة "أشكو": في محل نصب خبر "زال".
حموة: مفعول به لـ "أشكوا".
الألم: مضاف إليه؛ ويجوز أن يكون "ضمنا" خبر "زال"، وجملة "أشكو": المفعول الثاني لـ "خال".
موطن الشاهد: "خلتني ضمنا".
وجه الاستشهاد: استعمال "خال" القلبي بمعنى الرجحان، وقد نصب هذا الفعل مفعولين اثنين؛ ياء المتكلم، وضمنا؛ كما أوضحنا في الإعراب؛ واستعمال خال بهذا المعنى كثير شائع كما أسلفنا.
الثاني: ألحقوا رأى الحلُمية1 برأي العلمية في التعدي لاثنين، كقوله2: [الوافر] 182- أراهم رفقتي حتى إذا ما3
ومصدرها الرؤيا، نحو: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ 1، ولا تختص الرؤيا بمصدر الحلمية، بل تقع مصدرا للبصرية، خلافا للحريري2 وابن مالك، بدليل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ 3، قال ابن عباس: هي رؤيا عين.
النوع الثاني: أفعال التصيير، كجعل، ورد، وترك، واتخذ، وتخذ، وصير، ووهب، قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ 4 ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ رأى؛ التي بمعنى "علم"؛ لما بينهما من تشابه؛ لأن الرؤيا إدراك بالحسن الباطن، كالعلم؛ ولهذا، نصب بالفعل مفعولين اثنين، كما بينا في الإعراب.
كُفَّارًا} 1 ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ 2 ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ 3، وقال الشاعر4: [الوافر] 183- تخذت غراز إثرهم دليلا5.
وقال1: [مشطور الرجز]
184- فصيروا مثل كعصف مأكولْ2 = جعل في هذا البيت.
غراز: مفعول به أول؛ وهو ممنوع من الصرف على إرادة البقعة؛ وهي مؤنثة.
إثرهم: ظرف متعلق بـ "تخذت" ومضاف إليه.
دليلا: مفعول به ثانٍ لـ "تخذت".
في الحجاز": متعلق بـ "فروا"؛ وفي هنا بمعنى "إلى".
ليعجزوني: اللام للتعليل، يعجزوني: فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد لام كي، وعلامة نصبه حذف النون، والواو: فاعل، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به؛ والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل جر بلام التعليل؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ "فر"؛ وتقدير الكلام: وفروا إلى الحجاز لإعجازهم إياي من اللحاق بهم.
موطن الشاهد: "تخذت غراز دليلا".
وجه الاستشهاد: مجيء "تخذ" فعلا دالا على التصيير، ونصبه مفعولين اثنين؛ الأول؛ غراز، والثاني: دليلا، كما أوضحنا في الإعراب.
وقالوا: "وَهَبَنِي الله فداك"1 وهذا ملازم للمضي.
[أحكام ظن وأخواتها من حيث الإعمال والإلغاء والتعليق] :
فصل: لهذه الأفعال ثلاثة أحكام:
أحدها: الإعمال، وهو الأصل، وهو واقع في الجميع2.
الثاني: الإلغاء، وهو: إبطال العمل لفظا ومحلا، لضعف العامل بتوسطه أو تأخره، كـ: "زيد ظننت قائم" و: "زيد قائم ظننت"3 قال4: [البسيط] = الإعراب: صيروا: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والواو: نائب فاعل؛ وهي المفعول الأول.
مثل: مفعول به ثانٍ لـ "صيروا".
كعصف: الكاف اسم بمعنى مثل، توكيد لـ "مثل" المذكورة؛ وعصف: مضاف إليه؛ أو الكاف زائدة، وعصف: مضاف إلى مثل؛ وقد فصل بين المتضايفين بالكاف؛ وهذا جائز.
موطن الشاهد: "صيروا مثل".
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "صير" بمعنى التحويل من حالة إلى حالة، فنصب مفعولين؛ "واو الجماعة" الذي ناب عن الفاعل بعد بناء الفعل للمجهول، و"مثل"، كما بينا في الإعراب.
185- وفي الأراجيز -خِلُت- اللؤمُ والخورُ1 وقال2: [الطويل] 186- هُمَا سَيِّدَانا يزعمان؛ وإنما3
وإلغاء المتأخر أقوى من إعماله1، والمتوسط بالعكس2، وقيل: هما في المتوسط بين المفعولين سواء.
الثالث: التعليق، وهو إبطال العمل لفظا لا محلا3؛ لمجيء ما له صدر = ويُروى قبله: وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجدي علينا غناهما والبيت رواه ابن السكيت في كتاب الألفاظ ثاني أربعة أبيات: 135، والبيت من شواهد: التصريح: 1/ 254، وهمع الهوامع: 1/ 153، والدرر اللوامع: 1/ 135 والعيني: 2/ 403، واللسان "يسر".
المفردات الغريبة: يزعمان: يظنان، أيسرت غنماهما: كثرت ألبانها ونسلها.
المعنى: لنا في قومنا شيخنا غنيان، قد طعنا في السن، لا يعود علينا من غناهما شيء، مع ذلك، فهما يظنان أنهما سيدانا وصاحبا الأمر والنهي فينا.
الإعراب: هما: مبتدأ.
سيدانا: خبر ومضاف إليه.
يزعمان: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، لأنه من الأفعال الخمسة، والألف في محل رفع فاعل.
وإنما: أداة حصر.
يسوداننا: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو: فاعل: و"نا" مفعول به.
إن: شرطية جازمة.
أيسرت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث.
وأيسرت: في محل جزم فعل الشرط.
غنماهما: فاعل "أيسر" مرفوع، وعلامة رفعه الألف، و"هما": مضاف إليه؛ وجواب الشرط محذوف لدلالة سياق الكلام عليه.
موطن الشاهد: "هما سيدانا يزعمان".
وجه الاستشهاد: إلغاء عمل فعل "يزعم" القلبي؛ لتأخره عن مفعوليه؛ فارتفعا على أصلهما؛ وأصلهما -كما هو معلوم- المبتدأ والخبر؛ وإلغاء عمل الفعل في حالة تأخره عن عامليه أكثر من أعماله، كما هو واضح في المتن.
الكلام بعده، وهو: لام الابتداء، نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ 1، ولام القسم، كقوله2: [الكامل] 187- ولقد علمت لتأتين منيتي3
وما النافية نحو: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ 1.
ولا وإن النافيتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر2، نحو: "علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو" و: "علمت إن زيد قائم".
= المعنى: لقد أيقنت أن منيتي ستأتيني وسألاقي الموت حتما، لأن الموت نازل لا محالة بكل إنسان، لا يفلت منه أحد، ولا تطيش سهامه.
الإعراب: ولقد: الواو حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف؛ والتقدير والله لقد علمت.
لقد: اللام واقعة في جواب القسم، قد: حرف تحقيق.
علمت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "علمت": جواب القسم، لا محل لها.
لتأتين: اللام واقعة في جواب قسم مقدر آخر، تأتين: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة.
منيتي: فاعل مرفوع، والياء مضاف إليه؛ وجملة "تأتين منيتي": سدت مسد مفعولي "علم" المعلق عن العمل بسبب لام القسم؛ هذا؛ ويجوز أن تكون اللام المقترنة بـ "قد" الموطئة للقسم تفيد التوكيد، واللام في لتأتين: واقعة في جواب القسم؛ وجملة "لتأتين"؛ جواب القسم، لا محل لها.
أن: حرف مشبه بالفعل.
المنايا: اسمه.
لا: نافية.
تطيش: فعل مضارع.
سهامها: فاعل ومضاف إليه؟ وجملة "لا تطيش سهامها": في محل رفع خبر "إن".
موطن الشاهد: "علمت لتأتين منيتي".
وجه الاستشهاد: مجيء فعل "علم" القلبي معلقا عن العمل؛ لوقوعه قبل لام جواب القسم؛ ولذا علق عن العمل في لفظ الجملة فقط؛ ولولا وجود لام القسم لنصب المفعولين؛ والتقدير: ولقد علمت منيتي آتية؛ بنصب "منيته" نصبا تقديريا، على أنه المفعول الأول، ونصب آتية نصبا ظاهرا على أنه المفعول الثاني؛ وقد ذكر صاحب شرح التصريح تعليقا حول جملة جواب القسم، وهل لها محل أو لا في مثل هذا الشاهد يفضل العودة إليه؛ وإلى حاشية الصبان معا لمعرفة مراده.
شرح التصريح: 1/ 255، وحاشية الصبان: 2/ 30.
والاستفهام، وله صورتان: إحداهما: أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة، نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُون﴾ 1. والثانية: أن يكون في الجملة اسم استفهام: عمدة كان، نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ 2، أو فضلة، نحو: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ 3.
لا يدخل الإلغاء والتعليق في أفعال التصيير] :
ولا يدخل الإلغاء ولا التعليق في شيء من أفعال التصيير1، ولا في قلبي جامد2، وهو اثنان: هب، وتعلم3، فإنهما يلزمان الأمر، وما عداهما من أفعال الباب متصرف إلا وهب، كما مر.
ولتصاريفهن ما لهن، تقول في الإعمال: "أظن زيدا قائما" و: "أنا ظانٌّ زيدا قائما"، وفي الإلغاء4: "زيد أظن قائم، وزيد قائم أظن، وزيد أنا ظانٌّ قائم، وزيد قائم أنا ظانٌّ" وفي التعليق: "أظن ما زيد قائم، وأنا ظانٌّ ما زيد قائم".
[الفرق بين الإلغاء والتعليق] :
[وقد تبين مما قدمناه أن الفرق بين الإلغاء والتعليق من وجهين] :
أحدهما: أن العامل الملغى لا عمل له البتة، والعامل المعلق له عمل في المحل، فيجوز: "علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره" بالنصب عطفا على المحل5.
قال3: [الطويل]
188- وما كانت أدري قبل عزة ما البكى ... ولا موجعات القلب حتى تولت12 = قسم، لكن هذا القسم مدلول عليه بنفس الفعل المعلق، وليس مدلولا عليه بشيء محذوف، كما زعم الكوفيون، وهذا مذهب المغاربة من النحويين، وممن ذهب إليه ابن عصفور.
واعلم أنه إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها جملة أو مفردا في معنى الجملة.
شرح التصريح: 1/ 257. فائدة: لا فرق في الاستفهام العمدة -من حيث التعليق- بين المبتدأ، أو الخبر، كما في قولك: علمت متى السفر؟، أو المضاف إليه المبتدأ، نحو: علمت أبو من زيد، أو خبرا كذلك؛ نحو: علمت صبيحة أي يوم سفرك.
انظر شرح التصريح: 1/ 256.
والثاني: أن سبب التعليق موجب، فلا يجوز: "ظننت ما زيدا قائما" وسبب الإلغاء مجوِّز1، فيجوز: "زيدًا ظننتُ قائما" و"زيدا قائما ظننت".
ولا يجوز إلغاء العامل المتقدم2، خلافا للكوفيين والأخفش، واستدلوا بقوله3: [البسيط]
189- أني رأيت ملاك الشيمة الأدب4
........................................................................ = محمد محيي الدين عبد الحميد": 3/ 147، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: 1146. وهي برواية "الأدبا".
المفردات الغريبة: كذاك: اسم الإشارة، يراد به مصدر الفعل المذكور بعده أي تأديبا مثل ذلك التأديب المعبر عنه في قوله: "أكنيه حين ... ". ملاك الشيء: قوامه الذي يملك به.
الشيمة.
الخلق، والجمع: الشيم.
المعنى: أدبت أدبا مثل ذلك الأدب العظيم؛ حتى من شيمتي وطبعي الإيمان بأن رأس الأخلاق، وملاك الفضائل الإنسانية هو الأدب.
الإعراب: كذاك: "الكاف" اسم بمعنى مثل، صفة لمحذوف واقع مفعولا مطلقا من "أدبت" الذي بعده، واسم الإشارة: مضاف إليه؛ أو الكاف: حرف جر، واسم الإشارة: اسم مجرور؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا لـ "أدبت"؛ والتقدير: أدبت تأديبا مثل هذا التأديب.
أدبت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل.
حتى: ابتدائية.
صار: فعل ماضٍ ناقص.
"من خلقي": متعلق بمحذوف خبر "صار" المقدم، والياء: مضاف إليه، أني: حرف مشبه واسمه وجدت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "وجدت" في محل رفع خبر "أن"؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل رفع اسم "صار".
ملاك: مبتدأ.
الشيمة: مضاف إليه.
الأدب: خبر مرفوع؛ وجملة "ملاك الشيمة الأدب": في محل نصب، سدت مسد مفعولي "وجد" على تقدير لام ابتداء، علقت هذا الفعل عن العمل في لفظ جزأي الجملة؛ والأصل: وجدت لملاك الشيمة الأدب؛ أو الجملة في محل نصب مفعولا ثانيا لفعل "وجد"؛ ومفعوله الأول: ضمير الشأن المحذوف؛ والتقدير: وجدته -أي الحال والشأن- ملاك الشيمة الأدب.
مواطن الشاهد: "وجدت ملاك الشيمة الأدب".
وجه الاستشهاد: إلغاء الفعل "وجد" مع تقدمه على معموليه؛ إذ لو أعمله؛ لنصب به "ملاك" و"الأدب" على أنهما مفعولان؛ ولكن رواية البيت برفعهما؛ وفي هذا الشاهد خلاف بين النحويين؛ فمذهب الكوفيون إلى أن ما جاء في هذا الشاهد وأمثاله من باب الإلغاء؛ لأن الإلغاء -عندهم- جائز مع تقدم العامل، كجوازه في التوسط والتأخر؛ والعلة في ذلك، أن أفعال القلوب ضعيفة عن بقية الأفعال المتعدية، وهذا الإلغاء أثر من آثار ضعفها.
وأما البصريون فخرجوا هذا الشاهد وأمثاله على ثلاثة احتمالات، ذكرها المؤلف في المتن بعد ذكر الشاهد التالي؛ ورأي الكوفيون أسلم من رأي البصريين في هذه المسألة؛ لأن الأصل؛ وإلا تصبح دلالة الشواهد غير موثوق بها ولا مطمأن إليها؛ لأن التأويل في كل كلام ممكن.
وانظر تفصيل هذه المسألة في شرح التصريح: 1/ 258، وشرح ابن عقيل: "ط.
دار الفكر": 1/ 342-344.
وقوله1: [البسيط] 190- وما إخال لدينا منك تنويل2
وأجيب بأن ذلك محتمل لثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون من التعليق بلام الابتداء المقدرة، والأصل: "لملاك" و: "للدينا" ثم حذفت وبقي التعليق.
والثاني: أن يكون من الإلغاء؛ لأن التوسط المبيح للإلغاء ليس التوسط بين المعمولين فقط، بل توسط العامل في الكلام مقتضٍ أيضا، نعم الإلغاء للتوسط بين المعمولين أقوى، والعامل هنا قد سبق بأني وبما النافية، ونظيره "متى ظننت زيدا قائما" فيجوز فيه الإلغاء.
والثالث: أن يكون من الإعمال على أن المفعول الأول محذوف، وهو ضمير الشأ،، والأصل: "وجدته" و: "إخاله" كما حذف في قولهم: "إن بك زيد مأخوذ".
[جواز حذف المفعولين اختصارا] :
فصل: ويجوز بالإجماع حذف المفعولين اختصارا1، أي: لدليل، نحو: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُون﴾ 2، وقوله3: [الطويل]
191- بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارا علي وتحسب4
أي: تزعمونهم شركائي1، وتحسب حبهم عارا علي.
[جواز حذف المفعولين اقتصارا] :
وأما حذفهما اقتصارا، أي: لغير دليل، فعن سيبويه والأخفش المنع مطلقا2، واختاره الناظم، وعن الأكثرين الإجازة مطلقا، لقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ = والشاهد من شواهد: التصريح: 1/ 259، وابن عقيل: "132/ 2/ 55"، والهمع: 1/ 152، والدرر اللوامع: 1/ 134 والمحتسب: 1/ 173، والمقرب: 21، والخزانة: 4/ 5 والعيني: 2/ 413، وحاشية يس على التصريح: 1/ 161. المفردات الغريبة: ترى حبهم: رأى هنا من الرأي بمعنى الاعتقاد، ويجوز أن تكون علمية.
عارا، العار: كل خصلة يلحقك بسببها عيب ومذمة؛ تقول: عيرته كذا، ولا يجوز عيرته بكذا.
على الأرجح؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين بنفسه.
تحسب: تظن.
المعنى: يا من يعيرني حب آل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -ويعيب علي ذلك، فبأي كتاب، تسترشد، أم بأية سنة ترى محبتي لهم منقصة ومذمة، أو تظن ذلك؟؟.
الإعراب: "بأي": متعلق بـ "ترى".
كتاب: مضاف إليه.
أم: حرف عطف.
"بأية": معطوف على الأول.
سنة: مضاف إليه.
ترى: فعل مضارع، والفاعل: أنت.
حبهم: مفعول به بأول لـ "ترى" ومضاف إليه.
عارا: مفعول به ثانٍ.
"علي": متعلق بـ "محذوف صفة من عار"؛ وهو الأفضل.
وتحسب: الواو عاطفة جملة على جملة.
تحسب: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنت.
ومفعولا "تحسب" محذوفان؛ لدلالة الكلام السابق عليهما؛ أو لدلالة مفعولي "ترى" عليهما تحديدا؛ والتقدير: وتحسب حبهم عارا علي.
موطن الشاهد: "تحسب".
وجه الاستشهاد: حذف مفعولي هذا العامل؛ لدلالة سابق الكلام عليهما، كما بينا في الإعراب، وحذف المفعولين اختصارا؛ لدليل يدل عليهما جائز بإجماع النحاة، كما في المتن.
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون} 1، ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ 2، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْء﴾ 3، وقولهم: "من يسمع يَخَلْ"4، وعن الأعلم5 يجوز في أعال الظن دون أفعال العلم6.
[حكم حذف أحد المفعولين اختصارا واقتصارا] : ويمنع بالإجماع حذف أحدهما اقتصارا، وأما اختصارا فمنعه1 ابن ملكون2 وأجازه الجمهور، كقوله3: [الكامل] 192- ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم4
[حكم الجملة بعد القول] :
تحكى الجملة الفعلية بعد القول1، وكذا الاسمية، وسليم2 يعلمونه فيها عمل ظن مطلقا، وعليه يروى قوله3: [الطويل]
193- تقول هزيز الريح مرت بأثأب4 = الإعراب: ولقد: الواو حرف قسم وجر؛ واللام مفيدة للتأكيد، وقد: حرف تحقيق.
نزلت: فعل وفاعل؛ وجملة "نزلت": جواب القسم المحذوف؛ والتقدير: والله لقد نزلت.
فلا: الفاء: تفريعية، لا: ناهية.
غيره: مفعول أول لفعل: تظن المجزوم بـ "لا" الناهية؛ والهاء مضاف إليه؛ والمفعول الثاني محذوف؛ لدلالة سياق الكلام عليه، والتقدير: فلا تظني غيره حاصلا، أو نحو ذلك.
"مني" و"بمنزلة": متعلقان بـ "نزلت"؛ وجملة لا تظني غيره": معترضة بين المجرور ومتعلقه.
موطن الشاهد: "فلا تظني غيره".
وجه الاستشهاد: حذف مفعول "ظن" الثاني اختصارا؛ لدلالة السياق عليه؛ وحكم هذا الحذف جائز عند الجمهور، خلافا لابن ملكون.
بالنصب، وقوله1: [الطويل]
194- إذا قلت أني آئبٌ أهل بلدة2 = وهو في وصف فرس، وهو من القصيدة، التي مطلعها: خليليَّ مُرَّا بي على أم جندب ... لنقضيَ حاجات الفؤاد المعذب وهو من شواهد: التصريح: 1/ 262، والعيني: 2/ 431، والمقرب: 64، وديوان امرئ القيس: 49.
المفردات الغريبة: شأوين: تثنية شأو، وهو الشوط والطلق.
عطفه: جانبه.
هزيز الريح: دويها عند هبوبها.
أثأب: اسم جنس جمعي؛ واحده أثأبة، وهي نوع من الشجر.
المعنى: يصف فرسه قائلا: إذا ما جرى هذا الفرس شوطين، وحمي السبق، وعرق، تظنه؛ لخفته وسرعة جريه- ريحا هبت على تلك الأشجار، فلعبت بها.
الإعراب: تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن" مرفوع، والفاعل: أنت.
هزيز: مفعول أول، لـ "تقول".
الريح: مضاف إليه.
مرت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي.
"بأثأب": متعلق بـ "مر"؛ وجملة "مرت": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ "تقول".
موطن الشاهد: "تقول".
وجه الاستشهاد: استعمل الشاعر فعل "تقول" بمعنى تظن من غير أن يتقدمه استفهام، ونصب به مفعولين؛ أحدهما: "هزيز" وثانيهما: جملة "مرت بأثأب"؛ والذين يجرونه هذا المجرى مطلقا من غير شروط بنو سليم فقط؛ وأما غيرهم، فيتقيدون بشروط ذكرها المؤلف في المتن.
[شروط إجراء القول مجرى الظن] :
بالفتح1، وغيرهم يشترط شروطا، وهي: كونه مضارعا، وسوى به السيرافي "قلت" بالخطاب، والكوفي "قل"، وإسناده للمخاطب، وكونه حالا، قاله الناظم، ورد بقوله2: [الكامل]
195- فمتى تقول الدار تجمعنا3 = المفردات الغريبة: قلت: معناها هنا ظننت.
آئب: راجع؛ اسم فاعل من آب يؤوب: إذا رجع، والعادة أن يرجع الإنسان من عمله آخر النهار، وفي أول الليل، وهذا، هو المراد هننا، الولية: "البرذعة" توضع تحت الرحل، أو ما يوضع تحتها.
بالهجر: نصف النهار عند اشتداد الحر، وأصله بتحريك الجيم، وسكنت للضرورة.
المعنى: إذا قدرت وظننت أني سأصل بلدة آخر النهار، لبعد مسافتها، أتيتها نصف النهار، عند اشتداد الحر، وذلك لسرعة بعيري ونجابته.
الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان مبني على السكون في محل نصب على الظرفية.
قلت: فعل وفاعل.
و"قلت" بمعنى ظننت.
أني: حرف مشبه بالفعل، و"الياء" اسمه.
آئب: خير "أن" مرفوع؛ وفاعل اسم الفاعل: ضمير مستتر فيه.
أهل: مفعول به لـ "آئب"؛ لإشرابه معنى واصل أو مدرك، وأهل: مضاف.
بلدة: مضاف إليه؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل نصب، سدت مسد مفعولي "قال" الذي جاء بمعنى "ظن"؛ وجملة؛ "قال وفاعله وما سد مسد مفعوليه": في محل جر بالإضافة.
وضعت: فعل وفاعل.
"وبها" و"عنه": متعلقان بـ "وضع".
الولية: مفعول به لـ "وضع".
"بالهجر": متعلق بـ "وضع".
موطن الشاهد: "قلت أني آئب".
وجه الاستشهاد: أجرى الشاعر فعل "قال" مجرى ظن، ولم يحك به الجملة بعده، بدليل فتح همزة "أني"، ولو قصد الحكاية؛ لكسر همزتها؛ ومعلوم أن همزة "أن" تفتح بعد ظن، ولما أُجرِيَ فعلُ "قال" مجراه، وحُمِل عليه؛ فُتِحت همزة "أن" بعده؛ ولو جاء "قال" على معناه غير متضمن معنى الظن؛ لكسرت همزة إن بعده، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّه﴾ .
والحق أن متى ظرف لتجمعنا لا لنقول، وكونه بعد استفهام بحرف أو باسم، سمع الكسائي: "أتقول للعميان عقلا"1 وقال2: [الطويل]
196- علام تقول الرمح يثقل عاتقي3 = 2/ 249، وجمل الزجاجي: 314، وشرح المفصل: 7/ 78، والخزانة: 1/ 423، والعيني: 2/ 434، وديوان عمر بن أبي ربيعة: 394. المفردات الغريبة: الرحيل: الارتحال ومفارقة ديار الأحبة.
دون بعد غد: أي قبل بعد الغد، وهذا يصدق باليوم وبالغد.
المعنى: إن فراق الأحبة ورحيلهم عنا، سيكون اليوم أو غدا.
فمتى تظن الدار تجمع شملنا، بعد هذا الفراق؟ الإعراب: متى: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بـ "تقول".
تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن" وفاعله: أنت.
الدار: مفعول به أول لـ "تقول".
تجمعنا: فعل مضارع، والفاعل: هي -يعود إلى الدار- و"نا" مفعول به؛ وجملة "تجمعنا": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ "تقول".
موطن الشاهد: "تقول الدار تجمعنا".
وجه الاستشهاد: استعمل فعل "تقول" بمعنى تظن، ونصب به مفعولين؛ أحدهما: الدار، والثاني: جملة "تجمعنا"؛ وأوضح أن الشاعر، لم يقصد به الحكاية؛ لأنه لو قصد الحكاية؛ لرفع "الدار" على الابتداء؛ ولكانت جملة "تجمعنا": في محل رفع خبر؛ ومن ثم كانت جملة "الدار تجمعنا": في محل نصب مقول القول.
فائدة: أعمل الشاعر "تقول" عمل تظن، مع أنها ليست للزمان الحاضر، بل هي للمستقبل؛ لأنه لم يستفهم عن ظنه في الحال أن الدار تجمعه مع أحبابه، بل الاستفهام عن وقوع ظنه؛ وهذا يقتضي إلا يكون واقعا في الحال؛ وإلا لم يستفهم عن وقته؛ ومع هذا، فالحق اشتراط كون "تقول" بمعنى تظن للزمان الحاضر، كما ذهب إليه ابن مالك.
قال سيبويه والأخفش: وكونهما متصلين1، فلو قلت: "أأنت تقول" فالحكاية، وخولفا2، فإن قدرت الضمير فاعلا بمحذوف والنصب بذلك المحذوف جاز اتفاقا، واغتفر الجميع الفصل بظرف أو مجرور أو معمول القول3.
= إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت وهو من قصيدة رواها أبو تمام في ديوان الحماسة؛ وهو من شواهد: التصريح: 1/ 263، والأشموني: "342/ 1/ 164" وهمع الهوامع: 1/ 157، والدرر اللوامع: 1/ 139 ومغني اللبيب: "248/ 191"، والسيوطي: 143 والعيني: 2/ 436. المفردات الغريبة: علام: مؤلفة من حرف واسم وهما "على" و"ما" ومثلها قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ، و: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ . تقول: تظن.
عاتقي: كاهلي، وهو ما بين المنكب والعنق.
أطعن: أضرب، من طعن بالرمح يطعن -من باب منع أو نصر، أما طعن فلان على فلان في سببه -مثلا- فمن باب فتح.
المعنى: على أي شيء، وبأي حجة، تظن الرمح يثقل كاهلي، ولم أحمل السلاح إذا أنا لم أطعن برمحي، ولم أضرب بسيفي، عند كر الخيل واحتدام القتال؟ الإعراب: علام حرف جر، وما: اسم استفهام؛ حذف ألفه؛ لاتصاله بحرف الجر؛ وهو في محل جر بحرف الجر؛ و"علام": متعلق بـ "تقول".
تقول: فعل مضارع "بمعنى تظن" مرفوع، والفاعل: أنت.
الرمح: مفعول به أول لـ "تقول".
يثقل: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو؛ وجملة "يثقل": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ "تقول".
عاتقي: مفعول به لـ "يثقل" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "تقول الرمح يثقل عاتقي".
وجه الاستشهاد: استعمل فعل "تقول" بمعنى "تظن" بعد اسم الاستفهام، ونصب به مفعولين؛ الأول: "الرمح" والثاني: جملة "يثقل عاتقي"، ودليل استعماله بمعنى الظن نصب "الرمح"؛ فلو كان بمعنى الحكاية؛ لرفع الرمح على أنه مبتدأ، وتكون جملة "يثقل عاتقي": الخبر، والجملة في محل نصب مقول القول؛ لأن القول، لا ينصب اسما مفردا، متى كان المقصود الحكاية؛ وإنما ينصب الجملة، أو ما يؤدي معنى الجملة.