أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالكباب النداء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب النداء

عن هذه الطبعة
عَلَم
جمال الدين ابن هشام
الكتاب
أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
المؤلف
عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
المحقق
يوسف الشيخ محمد البقاعي
الناشر
دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة
-
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

... بسم الله الرحمن الرحيم [هذا باب النداء] : وفيه فصول1:

الفصل الأول: الأحرف التي ينادى بها وأحكامها: في الأحرف التي ينبه بها المنادى، وأحكامها: وهذه الأحرف ثمانية: الهمزة1.
وأي2 مقصورتين، وممدوتين3 ويا4............................

وأيا1، وهيا2، ووا3.
فالهمزة المقصورة للقريب إلا إن نزل منزلة البعيد، فله بقية الأحراف كما أنها للبعيد الحقيقي.
وأعمها "يا" فإنها تدخل على كل نداء، وتتعين في نداء اسم الله تعالى، وفي4

باب الاستغاثة، نحو: "بالله للمسلمين"، وتتعين هي أو "وا" في باب الندبة، و"وا" أكثر استعمالا، منها في ذلك الباب، وإنما تدخل "يا" إذا أمن اللبس؛ كقوله1: [البسيط] 430- وقمت فيه بأمر الله يا عمرا2

[جواز حذف حرف النداء] : ويجوز حذف الحرف1؛ نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ 2، ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ 3، ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ 4، إلا في ثماني مسائل: المندوب نحو: "يا عمرا"، والمستغاث؛ نحو: "يالله"، والمنادى البعيد؛ لأن المراد فيهن إطالة الصوت، والحذف ينافيه، واسم الجنس غير المعين5؛ كقول الأعمى: "يا رجلا خذ بيدي"، والمضمر6؛ ونداؤه شاذ، ويأتي على صيغتي المنصوب والمرفوع؛ كقول بعضهم: "يا إياك قد كفيتك"7........

وقول الآخر1: [الرجز] . 431- يا أبجر بن أبجر يا أنتا2

واسم الله تعالى إذا لم يعوض في آخره الميم المشددة، وأجازه بعضهم وعليه قول أمية بن الصلت1: [الطويل] . 432- رضيت بك اللهم ربًّا فلن أرى ... أدين إلها غيرك الله ثانيا2

واسم الإشارة، واسم الجنس لمعين1" خلافا للكوفيين فيهما2، واحتجوا بقوله3: [الطويل] . 433- بمثلك هذا لوعة وغرام4

وقولهم: "أطرِقْ كَرَا"1، و"افتدِ مخنوقُ"2، و"أصبِحْ ليلُ"3، وذلك عند = المفردات الغريبة: هملت العين: فاض دمعها وسال.
لوعة؛ اللوعة: حرقة في القلب من ألم الحب والهوى أو الحزن.
غرام: ولوع وشدة رغبة.
المعني: كلما بكى وانهمر دمعه -عند تذكر المحبوبة -قال له صاحبه: يا هذا، إنك شديد الحب لها والغرام بها؛ وهو لا يستطيع أن يعمل له شيئا يخفف من لوعته.
الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه مبني على السكون في حل نصب على الظرفية الزمانية.
هملت: فعل ماض، والتاء للتأنيث.
عيني: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قيل الياء، والياء في محل جر مضاف إليه؛ وجملة "هملت عيني": في محل جر بالإضافة "لها": متعلق بـ "همل".
قال: فعل ماضٍ.
صاحبي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل الياء، والياء في محل جر مضاف إليه؛ وجملة "قال صاحبي": لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب شرط غير جازم.
"بمثلك": متعلق بمحذوف خبر مقدم، و"مثل" مضاف والكاف مضاف إليه.
هذا: ها: للتنبيه، و"إذا" اسم إشارة منادى بحرف نداء محذوف؛ والتقدير: يا هذا؛ و"جملة النداء" اعتراضية، لا محل لها.
لوعة: مبتدأ مؤخر مرفوع.
وغرام: الواو عاطفة، غرام: اسم معطوف على مرفوع؛ فهو مرفوع مثله؛ وجملة "بمثلك لوعة وغرام": مقول القول في محل نصب مفعول به.
موطن الشاهد: "هذا".
وجه الاستشهاد: نادى الشاعر اسم الإشارة وحذف حرف النداء؛ على مذهب الكوفيين؛ الذين أجازوا حذف حرف النداء اسم إشارة؛ ومثل هذا البيت قول الشاعر: ذا، ارعواء، فليس بعد اشتغال الرأ ... س شيبا إلى الصبا من سبيل فالشاعر أراد يا هذا ارعوا رعواء؛ فحذف حرف النداء.

البصريين، ضرورة وشذوذ.
الفصل الثاني: أقسام المنادى وأحكامه: المنادى على أربعة أقسام: أحدها: ما يجب فيه أن يبنى على ما يرفع به لو كان معربا1؛ وهو ما اجتمع فيه أمران: أحدهما: التعريف؛ سواء كان ذلك التعريف سابقا على النداء؛ نحو: "يا زيد"2، أو عارضا في النداء بسبب القصد والإقبال؛ نحو: "يا رجل" تريد به معينا3.
والثاني: الإفراد، ونعني به ألا يكون مضافا ولا شبيها به؛ فيدخل في ذلك المركب المزجي4، والمثني، والمجموع5؛ نحو: "يا معدي كرب" و"يا

زيدان"، و"يا زيدون" و"يا رجلان"، و"يا مسلمون"، و"يا هندان".
وما كان مبنيا قبل النداء؛ كـ "سيبويه" و"حذام" في لغة أهل الحجاز قدرت فيه الضمة، ويظهر أثر ذلك في تابعه، فتقول: "يا سيبويه العالِمَُ" برفع "العالم" ونصبه1، كما تفعل في تابع ما تجدد بناؤه؛ نحو: "يا زيد الفاضل" والمحكي كالمبني2؛ تقول: "يا تأبط شرًّا المقدامُ" أو "المقدامَ".
الثاني: ما يجب نصبه؛ وهو ثلاثة أنواع: أحدها: النكرة غير المقصودة3؛ كقول الواعظ: "يا غفلا والموت يطلبه"4 وقول الأعمى: "يا رجلا خذ بيدي"، وقول الشاعر5: [الطويل] .

434- فيا راكبا إما عرضت فبلغنْ1

وعن المازني1 أنه أحال وجود هذا القسم2.
الثاني: المضاف3؛ سواء كانت الإضافة محضة؛ نحو: "ربنا اغفر لنا" أوغير محضة؛ نحو: "يا حسن الوجه"؛ عن ثعلب4 إجازة الضم في غير المحضة5.
الثالث: الشبيه بالمضاف؛ وهو: ما اتصل به شيء؛ من تمام معناه6؛ نحو:

"يا حسنا وجهه" و"يا طالعا جبلا"، و"يا رفيقا بالعباد"، و"يا ثلاثة وثلاثين"؛ فيمن سميته بذلك1، ويمتنع إدخال "يا" على "ثلاثين"2؛ خلافا لبعضهم؛ إن ناديت جماعة هذه عدتها، فإن كانت غير معينة نصبتهما أيضا3، وإن كانت معينة؛ ضممت الأول، وعرفت الثاني بـ "أل"، ونصبته، أو رفعته، إلا إن أعيدت معه "يا"، فيجب ضمه؛ وتجريده من "أل"4، ومنع ابن خروف5 إعادة "يا" وتخيره في إلحاق "أل" مردود6: والثالث: ما يجوز ضمه وفتحه؛ وهو نوعان: أحدهما: أن يكون علما مفردا موصوفا بابن متصل به مضاف إلى علم7، نحو: "يا زيد بن سعيد"8، والمختار عند البصريين -غير المبرد- الفتح، ومنه

قوله1: [الرجز] 435- يا حَكَمَُ بن المنذر بن الجارود2

ويتعين الضم في نحو: "يا رجلُ ابنَ عمرو"، و"يا زيدُ ابنَ أخينا"؛ لانتفاء علمية المنادى في الأولى، وعلمية المضاف إليه في الثانية، وفي نحو: "يا زيدُ الفاضلَ ابن عمرو"؛ لوجود الفضل، وفي نحو: "يا زيد الفاضل"؛ لأن الصفة غير "ابن"، ولم يشترط ذلك1 الكوفيون، وأنشدوا2: [الوافر] . 436- بأجود منك يا عمرَُ الجوادا3

بفتح "عمر"، والوصف بابنة؛ كالوصف بابن؛ نحو: "يا هندَُ ابنة عمرو"، ولا أثر للوصف ببنت؛ فنحو: "يا هندُ بنتَ عمرو" واجب الضم1.
الثاني: أن يكرر2 مضافا؛ نحو: "يا سعدَُ سعدَ الأوس"؛ فالثاني واجب النصب؛ والوجهان في الأول؛ فإن ضممته3 فالثاني بيان، أو بدل أو بإضمار "يا" أو أعني4، وإن فتحته؛ فقال سيبويه: مضاف لما بعد الثاني، والثاني مقحم بينهما.

وقال المبرد: مضاف لمحذوف مماثل لما أضيف إلي الثاني1، وقال الفراء: الاسمان مضافان للمذكور2، وقال بعضهم: الاسمان مركبان تركيب خمسة عشر ثم أضيفا3.
الرابع: ما يجوز ضمه ونصبه؛ وهو المنادى المستحق للضم إذا اضطر الشاعر إلى تنوينه؛ كقوله4: [الوافر] . 437- سلام الله يا مطر عليها5

وقوله1: [الوافر] . 438- أبعدا حل في شعبي غريبا2 = وهو من شواهد: التصريح: 2/ 171، والأشموني: "875/ 2/ 448"، وابن عقيل: "307/ 2 262"، والشذور: "53/ 113" وسيبويه: 1/ 313، والمقتضب: 4/ 214، 224 ومجالس ثعلب: 92، 239، 542، والأغاني: 14/ 61، والجمل للزجاجي: 166، وأمالي الزجاجي: 81، والمحتسب: 2/ 93، وأمالي ابن الشجري: 1/ 341، والإنصاف: 311، والخزانة: 1/ 294، والهمع: 2/ 80، والدرر: 2/ 105، والعيني: 1/ 108، 4/ 211، والمغني: "643/ 449"، والسيوطي: 260، وديوان الأحوص: 137. المعنى: واضح.
الإعراب: سلام: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف.
الله: "لفظ الجلالة" مضاف إليه مجرور.
يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب.
مطر: منادى مفرد علم مبني على الضم، في محل نصب على النداء، ونُوِّنَ للضرورة الشعرية.
"عليها": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ "سلام"؛ أو متعلق بـ "سلام" ويكون الخبر محذوفا؛ والتقدير: سلام الله عليها حاصل أو كائن مثلا.
وليس: الواو عاطفة، ليس: فعل ماضٍ ناقص.
"عليك": متعلق بالخبر المقدم المحذوف.
يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب.
مطر: منادى مبني على الضم في محل نصب على النداء؛ وجملة "يا مطر": اعتراضية، لا محل لها.
السلام: اسم ليس مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
مواطن الشاهد: "يا مطر عليها".
وجه الاستشهاد: مجيء "مطرا" الأول منونا؛ لضرورة الشعر؛ وهو مفرد علم واجب البناء على الضم؛ كما هو معلوم؛ وحكم تنوينه الجواز للضرورة الشعرية.

واختار الخليل وسيبويه الضم، وأبو عمرو1 وعيسى2 النصب، ووافق الناظم والأعلم سيبويه في العلم، وأبا عمرو وعيسى في اسم الجنس3.
[لا يجوز نداء ما فيه"أل"] : فصل: ولا يجوز نداء ما فيه "أل"4 إلا في أربع صور: إحداها: اسم الله تعالى5، أجمعوا على ذلك؛ تقول: "يا الله" بإثبات الألفين، و"يَللَّه" بحذفهما، و"يالله" بحذف الثانية فقط، والأكثر أن يحذف حرف النداء، ويعوض عنه الميم المشددة؛ فتقول: "اللهم" وقد يجمع بينهما في الضرورة النادرة؛ كقوله6: [الرجز] . 439- أقول يا اللهم يا اللهما7

الثانية: الجمل المحكية؛ نحو: "يا المنطلق زيد"؛ فيمن سمي بذلك، نصَّ 1/ 155، وأمالي ابن الشجري: 2/ 103، والإنصاف: 341، واللسان "أله".
المفردات الغريبة: جدث: حادث طارئ من مكاره الدنيا.
ألما: نزل.
المعنى: إذا نزل بي حادث من حوادث الدهر، وطرأ علي ما أحتاج فيه إلى المعونة، ألجأ إلى الله وأناديه، فإنه جلت قدرته هو المعين وحده.
الإعراب: إني: إن حرف مشبه بالفعل، والياء: في محل نصب اسمه.
إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
ما: زائد، لا محل لها.
حدث: فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ وجملة "الفعل المحذوف وفاعله": في محل جبر بالإضافة.
ألما: فعل ماض، والألف: للإطلاق، والفاعل: شمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو؛ وجملة "ألما" تفسيرية، لا محل لها.
أقول: فعل مضارع مرفوع والفاعل: أنا؛ وجملة "أقول": جواب شرط غير جازم، لا محل لها.
وجملة "الشرط وجوابه": في محل رفع خبر "إن".
يا اللهم: "يا" حرف نداء، اللهم: الله "لفظ الجلالة": منادى مبني على الضم في محل نصب على النداء.
والميم: حرف أصلها عوض عن "يا" عند حذفها، وقد جمع هنا بينهما ضرورة؛ و"جملة النداء": في محل نصب مفعول به، مقول القول.
يا اللهم: مثل الأولى.
موطن الشاهد: "يا اللهم".
وجه الاستشهاد: الجمع في "يا اللهم" بين حرف النداء، والميم المشددة؛ التي تأتي عوضا عن حرف النداء، وحكم هذا الجمع شاذ أو نادر؛ لأنه جمع بين العوض والمعوض عنه.
هذا: وقد تحذف "أل" من اللهم؛ فيقال: "لاهم" وتكون كلمة "لاه" هي المنادى المبني على الضم؛ وهو كثير في الشعر؛ ومنه قول القائل: لاهُمَّ إن العبد يَمْـ ... ـنعُ رحله فامنع رحالك وقد تخرج اللهم عن النداء المحض؛ فتستعمل على وجهين: أ- أن تذكر تمكينا للجواب؛ كأن يقال: هل أنت مسافر؟ فتقول: اللهم نعم أو لا.
ب- أن تدل على الندرة؛ نحو: سأزورك اللهم إذا لم تدعني؛ وهي حينئذ منادى صورة فتعرب كإعرابه.
لتصريح: 2/ 172. الأشموني: 2/ 450.

على ذلك سيبويه، وزاد عليه المبرد ما سمي به من موصول مبدوء بأل1؛ نحو: الذي والتي، وصوبه الناظم. الثالثة: اسم الجنس المشبه به؛ كقولك: "يا الخليفة هيفة" نص على ذلك ابن سعدان2.
الرابعة: ضرورة الشعر؛ كقوله3: 440- عباس يا الملك المتوج والذي4 ولا يجوز ذلك في النثر؛ خلافا للبغداديين.3

الفصل الثالث: في أقسام تابع المنادى المبني وأحكامه1: وأقسامه أربعة: أحدها: ما يجب نصبه مراعاة لمحل المنادى؛ وهو ما اجتمع فيه أمران: أحدهما: أن يكون نعتا2 أو بيانا أو توكيدا.
ثانيهما: أن يكون مضافا مجردا من "أل"3؛ نحو: "يا زيد صاحب عمرو".

و "يا زيدُ أبا عبد الله"، و"يا تميمُ كلَّهم، أو كلكم"1.
والثاني: ما يجب رفعه مراعاة للفظ المنادى؛ وهو نعت "أي" و"أية"2 ونعت اسم الإشارة؛ إذا كان اسم الإشارة وصلة لندائه؛ نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ 3، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ 4، وقولك "يا هذا الرجل"5، إن كان المراد أوَّلا نداء الرجل؛

ولا يوصف اسم الإشارة أبدا إلا بما فيه أل، ولا توصف أي وأية في هذا الباب إلا بما فيه "أل"، أو باسم الإشارة، نحو: "يا أيهذا الرجل"1.
والثالث: ما يجوز رفعه ونصبه؛ وهو نوعان: أحدهما: النعت المضاف المقرون بـ "أل"2؛ نحو: "يا زيدُ الحسنَُ الوجه"3.
والثاني: ما كان مفردا من نعت، أو بيان، أو توكيد، أو كان معطوفا مقرونا بـ "أل"؛ نحو: "يا زيد الحسنُ" و"الحسنَ" و"يا غلام بشر" و"بشرا" و"يا تميم = عطف بيان عليه، أو بدلا منه، واعترض ابن عصفور: بأن النعت يشترط فيه أن يكون مشتقا، أو مؤولا بالمشتق، وأن عطف البيان، ينبغي أن يكون جامدا، كما يشترط فيه أن يكون أعرف من المبين؛ في حين لا تكون الصفة أعرف من الموصوف فإذا قيل هذا الاسم صفة تضمن ذلك أنه مشتق أو في قوة المشتق، وأنه مساوٍ للموصوف لا أعرف منه؛ وإذا قيل: هذا الاسم عطف بيان؛ تضمن أنه جامد وأنه أعرف من المبين؛ فكيف يصح في الاسم الواحد أن يكون صفة، وأن يكون عطف بيان؛ وكل منهما يقتضي نقيض ما يقتضيه الآخر من وجهين.
ورُدَّ على ابن عصفور بأن عطف البيان لا يشترط فيه أن يكون أعرف؛ لأنه مخالف لقول سيبوبه في "يا هذا ذا الجمَّة"؛ وأما الوجه الآخر: فإذا قدر صفة، جعل مؤولا بالمشتق، وإن قدر عطف بيان؛ فهو جامد على ظاهره، واللام على تقدير الصفة؛ للعهد، وعلي تقدير البيان؛ لتعريف الحضور أي للجنس.

أجمعون" و"أجمعين"، وقال الله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرُ﴾ 1؛ قرأه السبعة بالنصب، واختاره أبو عمرو وعيسى، وقُرِئَ بالرفع؛ واختاره الخليل، وسيبويه، وقدروا2 النصب بالعطف على ﴿فَضْلًا﴾ 3 من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ ، وقال المبرد: إن كانت "أل" للتعريف مثلها في "الطير"؛ فالمختار النصب4، أو لغيره مثلها في "اليسع"؛: فالمختار الرفع5.
والرابع: ما يعطى تابعًا ما يستحقه إذا كان منادى مستقلا؛ وهو البدل والمنسوق المجرد من "أل"؛ وذلك لأن البدل في نية تكرار العامل، والعاطف كالنائب عن العامل؛ تقول: "يا زيدُ بِشْرُ" بالضم، وكذلك "يا زيدُ وبِشْرُ"، وتقول: "يا زيد أبا عبد الله"، وكذلك: "يا زيد وأبا عبد الله" وهكذا حكمهما مع المنادى المنصوب.
الفصل الرابع: في المنادى المضاف للياء: وهو أربعة أقسام:

أحدها: ما فيه لغة واحدة؛ وهو المعتل؛ فإن ياءه واجبة الثبوت والفتح1؛ نحو: "يا فتاي"، و"يا قاضي"2.
والثاني: ما فيه لغتان؛ وهو الوصف المشبه للفعل3؛ فإن ياءه ثابتة لا غير، وهي إما مفتوحة أو ساكنة؛ نحو: "يا مكرمي" و"يا ضاربي".
الثالث: ما فيه ست لغات؛ وهو ما عدا ذلك4، وليس أَبًا ولا أمًّا؛ نحو: "يا غلامي"، فالأكثر حذف الياء والاكتفاء بالكسرة؛ نحو: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ 5، ثم ثبوتها ساكنة نحو: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُم﴾ 6، أو مفتوحة؛ نحو: ﴿يَا عِبَادِيَ

الَّذِينَ أَسْرَفُوا} 1، ثم قلب الكسرة فتحة والياء ألفا: ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ 2، وأجاز الأخفش حذف الألف والاجتزاء بالفتحة؛ كقوله3: [الوافر] 441- بلهفَ ولا بليت ولا لَوَ انِّي4

أصله: بقولي: يا لَهْفَا؛ ومنهم من يكتفي من الإضافة بنيتها، ويضم الاسم كما تضم المفردات، وإنما يفعل ذلك، فيما يكثر فيه، أن لا ينادى إلا مضافا؛ كقول بعضهم.
"يا أمي لا تفعلي"، وقراءة آخر: ﴿رَبُّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ 1. الرابع: ما فيه عشر لغات؛ وهو الأب والأم؛ ففيهما مع اللغات الست: أن تعوّض تاء التأنيث عن ياء المتكلم؛ وتكسرها؛ وهو الأكثر؛ أو تفتحها وهو الأقيس؛ أو تضمها على التشبيه؛ بنحو: ثبة وهبة؛ وهو شاذ، وقد قرئ بهن2، وربما جمع = الفتح، والفاعل: هو؛ وجملة "فات مني": صلة للموصول، لا محل لها.
"مني": متعلق بـ "فات".
بلهف: الباء حرف جر، والمجرور محذوف؛ والتقدير: بقولي يا لهف.
وبقولي: متعلق بـ "راجع".
لهف: منادى بحرف نداء محذوف؛ والتقدير: يا لهف، وجملة "النداء": في محل نصب للقول المحذوف المجرور بالباء.. ولا: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي.
بليت: الباء حرف جرن "ليت" قصد لفظه؛ فهو مجرور بالباء.
ولا: الواو عاطفة، لا زائدة؛ لتأكيد النفي.
لو أني: قصد لفظه معطوف على: "لا بليت".
موطن الشاهد: "بلهف".
وجه الاستشهاد: مجيء "لهف" منادى بحرف نداء محذوف؛ وهو مضاف إلى ياء المتكلم؛ المنقلبة ألفًا المحذوفة؛ والفتحة دليل عليها؛ والأصل يا لهفي.
وقيل: أن "لهف" مجرور بالباء على الحكاية، وكذا ما بعده، لا على النداء؛ ولا شاهد فيه حينئذ؛ والأول أفضل.
وانظر حاشية الصبان: 3/ 155.

بين التاء والألف، فقيل: "يا أبتا"1، و"يا أمتا" وهو كقوله: أقول يا اللهم يا اللهما2.
وسبيل ذلك الشعر؛ ولا يجز تعويض تاء التأنيث عن ياء المتكلم إلا في النداء؛ فلا يجوز "جاءني أبت"، ولا: "رأيت أمَّت".
والدليل على أن التاء في "يا أبت"، و"يا أمت" عوض من الياء أنهما لا يكادان يجتمعان، وعلى أنهما للتأنيث؛ أنه يجوز إبدالها في الوقف هاء3.

[حكم المنادى المضاف إلى مضاف إلى الياء] : فصل: وإذا كان المنادى مضافًا إلى مضاف إلى الياء؛ فالياء ثابتة لا غير1؛ كقولك: "يا ابن أخي"، و"يا ابن خالي" إلا إن كان "ابن أمِّ" أو "ابن عمِّ"؛ فالأكثر الاجتزاء بالكسرة عن الياء؛ أو أن يفتحا للتركيب المزجي2؛ وقد قُرئ: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ 3؛ بالوجهين، ولا يكادون يثبتون الياء والألف إلا في الضرورة؛ كقوله4: [الخفيف]

442- يا ابن أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نفسي1 وقال2: [الرجز] 443- يا ابنة عمَّا لا تلُومِي واهجعي3

......................................................................... = وهذا البيت من قصيدة مشهورة مطلعها: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... على ذنبا كله لم أصنع وهو من شواهد: التصريح: 2/ 179، والأشموني: "889/ 2/ 457"، وسيبويه: 1/ 318، ونوادر أبي زيد: 19، والمقتضب: 4/ 252، والمحتسب: 2/ 238، والجمل: 172، وشرح المفصل: 12/ 12،13، والعيني: 4/ 224، والهمع: 2/ 54، والدرر: 2/ 70. المفردات الغريبة: لا تلومي: من اللوم؛ وهو كثرة العتاب.
واهجعي: من الهجوع، وهو الرقاد بالليل؛ والمراد: ترك ما هي فيه من لوم وتعنيف.
حجاب مسمعي: كناية عن الأذن.
المعنى: دعي واتركي لومي وعتابي يا ابنة عمي، وخذي نفسك بالراحة ونامي؛ فإن لومك هذا لا يصل إلى سمعي، ولا استمع له.
وكانت كثيرة اللوم له؛ لكبره وضعفه ولا سيما وقت النوم والراحة.
الإعراب: يا: حرف نداء، لا محل له.
ابنة: منادى مضاف منصوب، وهو مضاف عما: عم مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفا منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وعم مضاف، وياء المتكلم المنقلبة ألفا في محل جر بالإضافة.
لا: ناهية لا محل لها من الإعراب.
تلومي: فعل مضارع مجزوم بـ "لا"الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والياء: في محل رفع فاعل.
واهجعي: الواو عاطفة، واهجعي: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة، والياء: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.
موطن الشاهد: "يا ابنة عما".
وجه الاستشهاد: إثبات الألف المنقلبة عن ياء المتكلم للضرورة.

فصول الكتاب · 60 فصل · 375 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك · 375 صفحة
باب شرح الكلامباب المعرب والمبنيالباب الأول: الأسماء الستة وشروط إعرابهاالباب الثالث: إعراب جمع المذكر السالم وما ألحق بهالباب الرابع: إعراب الجمع بالألف والتاء الزائدتينالباب الخامس: إعراب الاسم الذي لا ينصرفالباب السادس: إعراب الأفعال الخمسةالباب السابع: إعراب الفعل المضارع المعتل الآخرباب النكرة والمعرفةباب العَلَمباب اسم الإشارةباب الموصولباب المعرفة بالأداةباب المبتدأ والخبر
باب نواسخ الابتداء: كان وأخواتها:
باب أفعال المقاربة
باب الأحرف المشبهة بالفعل
باب لا العاملة عمل إن
باب ظن وأخواتها
باب الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل
باب الفاعل
باب النائب عن الفاعلباب الاشتغالباب اللازم والمتعديباب التنازع في العملباب المفعول المطلقباب المفعول لهباب المفعول فيهباب المفعول معهباب المستثنى
باب الحال
باب التمييز
باب حروف الجر
باب الإضافة1
باب إعمال المصدر واسم المصدرباب إعمال اسم الفاعلباب إعمال اسم المفعولباب أبنية مصادر الثلاثيباب مصدر غير الثلاثيباب أبنية أسماء الفاعلين والصفات المشبهات بهاباب أبنية أسماء المفعولينباب إعمال الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي إلى واحدباب التعجبباب نعم وبئسباب أفعل التفضيلباب النعتباب التوكيد
باب عطف البيان1
باب عطف النسقباب البدلباب النداءباب في أسماء لازمت النداء1باب الاستغاثة 1باب الندبةباب الترخيمباب المنصوب على الاختصاصباب التحذيرباب الإغراء 1باب أسماء الأصوات 1باب نوني التوكيد 1
جارٍ التحميل