باب التنازع في العمل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- يوسف الشيخ محمد البقاعي
- الناشر
- دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
- الطبعة
- -
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
هذا باب التنازع1 في العمل، ويسمى أيضا باب الإعمال:
[معنى التنازع] وحقيقته:
أن يتقدم فعلان2 متصرفان، أو اسمان يشبهانهما3، أو فعل متصرف واسم يشبهه، ويتأخر عنهما معمول غير سببي مرفوع4، وهو مطلوب لكل منهما من حيث المعنى5.
مثال الفعلين: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ 6، ومثال الاسمين قوله7: [الطويل]
238- عهدت مغيثا مغنيا من أجرته1 ومثال المختلفَيْن: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ 2.
وقد تتنازع ثلاثة، وقد يكون المتنازع فيه متعددا، وفي الحديث: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين" 1 فتنازع ثلاثة في اثنين ظرف ومصدر.
[امتناع وقوع التنازع بين حرفين] : وقد علم مما ذكرته أن التنازع لا يقع بين حرفين1، ولا بين حرف وغيره، ولا بين جامدين2، ولا بين جامد وغيره3، وعن المبرد إجازته في فعلي التعجب، نحو: "ما أحسن وأجمل زيدا"، و: "أحسن به وأجمل بعمرو"4، ولا في معمول متقدم5، نحو: "أيهم ضربت وأكرمت"، أو: "شتمته" خلافا لبعضهم6، ولا في معمول متوسط نحو: "ضربت زيدا وأكرمت" خلافا للفارسي، ولا في نحو7: [الطويل] 239- فهيهات هيهات العقيقُ ومَن به8
خلافا له وللجرجاني1؛ لأن الطالب للمعمول إنما هو الأول، وأما الثاني فلم يؤتَ به للإسناد، بل لمجرد التقوية، فلا فاعل له، ولهذا قال2: [الطويل]
240- أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس3 = والعيني: 3/ 7، 4/ 311، والمقرب: 26، وشرح المفصل: 4/ 35، والخصائص: 3/ 42، والنقائض لأبي عبيدة: 632، وقطر الندى: "114/ 347"، وديوان جرير: 479. المفردات الغريبة: هيهات: اسم فعل ماضٍ بمعنى بعد.
العقيق: مكان بالحجاز.
خل: خليل وصديق.
نواصله: نصله من المواصلة والوصال.
المعنى: بعد عنا كثيرا ذلك الموضع ومن يقطن به من الأحباب والأصدقاء، وبعد الصديق الذي كنا نأنس به، ويصلنا ونصله.
الإعراب: هيهات: اسم فعل ماضٍ بمعنى بعد.
هيهات: توكيد للأول.
العقيق: فاعل "هيهات" الأول.
و"هيهات" الثاني لا فاعل له؛ لأنه إنما أتى به لتقوية معنى البعد المسند إلى العقيق.
ومن: الواو عاطفة، من: اسم موصول معطوف على العقيق في محل رفع.
"به": متعلق بمحذوف صلة الاسم الموصول.
وهيهات: الواو عاطفة.
هيهات: اسم فعل ماضٍ.
خل: فاعل هيهات الأخير مرفوع.
"بالعقيق": متعلق بمحذوف صفة لـ "خل".
نواصله: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: نحن، والهاء: مفعول به.
موطن الشاهد: "هيهات هيهات العقيق".
وجه الاستشهاد: استشهد بهذا البيت على عدم وجود التنازع؛ لأن "هيهات" الثاني توكيد لاسم الفعل الأول؛ والأول: هو العامل، وجيء بالثاني؛ لتقوية الأول وتوكيده، حيث أكد به البعد، ومن -هنا- ندرك أن المعمول ليس مطلوبا لهما معا، وإنما هو مطلوب في المعنى للأول ليس غير.
ولو كان من التنازع لقال: "أتاك أتوك" أو: "أتوك أتاك"، ولا في نحو1: [الطويل]
241- وعزة ممطول معنّىً غَرِيمُهَا2 = وهو من شواهد: التصريح: 1/ 318، والأشموني: "406/ 1/ 201"، والهمع: 2/ 111، 125، والدرر: 2/ 145، 158، وأمالي ابن الشجري: 1/ 243، والخزانة: 2/ 353، والعيني: 3/ 9. المفردات الغريبة: البغلة: أنثى البغال، والواحد بغل.
المعنى: يخاطب الشاعر نفسه، وهو ملاحق من قبل خصومه: أين أذهب؟! وإلى أي مكان أنجو ببغلتي؟! وقد كان خصومي يلحقون بي، وما علي إلا أن أقف حيث أنا، وليكن ما يكون؛ وهذا المعنى الأرجح لهذا البيت.
الإعراب: أتاك: فعل ماضٍ، والكاف: مفعول به.
أتاك: توكيد لـ "أتاك" الأول غير عامل في "الكاف" المتصلة به؛ وإنما جيء بها؛ ليوافق لفظ الأول.
"اللاحقون: فاعل مرفوع لـ "أتى" الأول.
احبس: فعل أمر مبني على السكون، لا محل له من الإعراب، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين؛ والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت.
احبس: توكيد للفعل الأول، لا محل له من الإعراب، ولا يقدر له فاعل، ولا مفعول.
موطن الشاهد: "أتاك أتاك اللاحقون".
وجه الاستشهاد: استشهد بهذا البيت على عدم وجود التنازع في هذه الصورة -كما في البيت السابق- لأن العامل هو الأول، وجيء بالثاني؛ لمجرد تأكيد الأول وتقويته ليس غير.
بل: "غريمها" مبتدأ، و"ممطول" و"معنَّى" خبران، أو: "ممطول" خبر، و: "معنَّى" صفة له، أو حال من ضميره.
ولا يمتنع التنازع في نحو: "زيد ضرب وأكرم أخاه" لأن السببي منصوب1.
= المعنى: إن كل مدين وفَّى بما عليه من دين لصاحب الدين، غير عزة؛ فإنها مماطل غريمها ولا توفيه حقه؛ ويريد أنه تبخل على محبها، ولا تصله أو تنوله مراده.
الإعراب: قضى: فعل ماضٍ.
كل: فاعل مرفوع.
ذي: مضاف إليه وهو مضاف.
دين مضاف إليه ثانٍ.
فوفى: الفاء عاطفة.
وفى: فعل ماضٍ، والفاعل: هو.
غريمه: مفعول به، والهاء: مضاف إليه.
وعزة: الواو حالية.
عزة: مبتدأ مرفوع.
ممطول: خبر أول مرفوع لـ "غريمها" المبتدأ الثاني المؤخر.
معَنّى: خبر ثانٍ لـ "غريمها".
غريمها: مبتدأ مؤخر مرفوع، و"ها": مضاف إليه.
وجملة المبتدأ الثاني وخبره": في محل رفع خبر المبتدأ الأول: "عزة"؛ وجملة "عزة ممطول معنَّى غريمها": في محل نصب على الحال.
موطن الشاهد: "وعزة ممطول معنى غريمها".
وجه الاستشهاد: استشهد المؤلف بهذا البيت؛ ليبين أن لا تنازع فيه: "وعزة ممطول معنى غريمها" وإن كان من حيث الظاهر، يقتضي كل من "ممطول" و"معنى" يطلبان "غريمها" على أنه نائب فاعل؛ لأن شرط التنازع عند ابن مالك وابن هشام ألا يكون المتنازع فيه سببيا مرفوعا، ولو جعل من باب التنازع، كان "غريمها" سببيا؛ لأنه اسم ظاهر مضاف إلى ضمير عزة، وهو مرفوع؛ لأنه نائب فاعل حينئذ، ولذا خرجه المؤلف في المتن، كما أعربناه.
[جواز إعمال أحد المتنازعين اتفاقا] :
فصل: إذا تنازع العاملان جاز إعمال أيهما شئت باتفاق1، واختار الكوفيون الأول لسبقه، والبصريون الأخير لقربه2.
فإن أعملنا الأول في المتنازع فيه أعملنا الأخير في ضميره، نحو: "قام وقعدا، أو وضربتهما، أو مررت بهما، أخواك"، وبعضهم يجيز حذف غير المرفوع؛ لأنه فضلة، كقوله3: [الكامل]
242- بعكاظَ يُعشِي الناظريـ ... ـن إذا هم لمحوا شعاعُهْ4
ولنا أن في حذفه تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، والبيت ضرورة.
وإن أعملنا الثاني، فإن احتاج الأول لمرفوع فالبصريون يضمرونه؛ لامتناع حذف العمدة، ولأن الإضمار قبل الذكر قد جاء في غير هذا الباب نحو: "رُبَّهُ رَجُلا" و: "نعم رجلا" وفي الباب نحو: "ضربوني وضربت قومك" حكاه سيبويه، وقال الشاعر1: [الطويل]
243- جفوني ولم أجف الأخلاء، إنني2 = البصر ليلا.
والمراد -هنا- ضعف البصر مطلقا.
لمحوا: من اللمح؛ وهو سرعة إبصار الشيء.
شعاعه: ضوءه وبريقه.
المعنى: تصف الشاعرة سلاح قومها؛ فإنه حين عرض بعكاظ، كان؛ لشدة بريقه ولمعانه يضر بصر المبصرين إذا ما نظروا إليه بسرعة.
الإعراب: "بعكاظ": متعلق بـ "مجمع" في البيت السابق؛ وعكاظ: ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.
يعشي: فعل مضارع مرفوع.
الناظرين: مفعول به منصوب.
إذا: ظرفية متضمنة معنى الشرط، في محل نصب على الظرفية الزمانية.
هم: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ وهو الأفضل.
وقد أعرب العيني "إذا" فجائية، و"هم" مبتدأ، وجملة "لمحوا": خبره.
وأما على ما ذهبنا إليه في الإعراب؛ فجملة "لمحوا": تفسيرية، لا محل لها.
شعاعه: شعاع: فاعل يعشي مرفوع، وهو مضاف، والهاء، مضاف إليه.
موطن الشاهد: "يعشي ... لمحوا شعاعه".
وجه الاستشهاد: تنازع كل من "يعشي" و"لمحوا" العمل في "شعاعه" وقد أعمل الأول ورفع "شعاعه" على أنه فاعله، وأعمل الثاني في ضميره؛ فنصبه على أنه مفعول به، ثم حذف؛ لأنه فضلة؛ ولو ذكره لقال: إذا هم لمحوه شعاعه؛ وهذا الحذف؛ يأتي لضرورة الشعر -عند البصريين- الذين يعملون المتأخر لقربه؛ بينما هو جائز عند الكوفيين الذين يعملون العامل الأول؛ لتقدمه.
والكسائي وهشام والسهيلي1 يوجبون الحذف2، تمسكا بظاهر قوله3: [الطويل]
244- تعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال ... 4 = المعنى: هجرني الأصدقاء وقطعوا مودتي وصلتي، وتتبعوا عوراتي، ولم يقوموا بواجب الصداقة؛ من البر والوفاء.
أما أنا: فلم أقابلهم بالمثل؛ لأني أهمل وأترك ما ليس بحسن من أفعال أصدقائي.
الإعراب: جفوني: فعل ماضٍ، والواو: فاعل، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به.
ولم أجف: حرف جازم، وفعل مضارع مجزوم، والفاعل: أنا.
الأخلاء: مفعول به منصوب.
إنني: حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب اسم "إن".
"لغير": متعلق بـ "مهمل" الآتي.
جميل: مضاف إليه.
"من خليلي": متعلق بمحذوف صفة من "جميل"، والياء: مضاف إليه.
مهمل: خبر "إن" مرفوع، والتقدير: إنني مهمل لغير جميل حاصل من خليلي.
موطن الشاهد: "جفوني ولم أجف الأخلاء".
وجه الاستشهاد: إعمال العامل الثاني "لم أجف" في المعمول المتأخر "الأخلاء"، فنصبه على أنه مفعول به؛ وأعمل العامل الأول، "جفوني" في ضميره "واو الجماعة"؛ ولزم -على هذا- عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهو جائز في هذا الباب؛ لأن المرفوع لا بد من ذكره في مثل هذا الشاهد.
إذ لم يقل: "تعفقوا" ولا: "أرادوا".
والفراء يقول: إن استوى العاملان في طلب المرفوع فالعمل لهما، نحو: "قام وقعد أخواك" وإن اختلفا أضمرته مؤخرا، كـ: "ضربني وضربت زيدا هو".
وإن احتاج الأول لمنصوب لفظا أو محلا، فإن أوقع حذفه في لبس أو كان العامل من باب: "كان" أو من باب: "ظن" وجب إضمار المعمول مؤخرا، نحو: "استعنت واستعان علي زيد به1 وكنت وكان زيد صديقا إياه، وظنَّني وظننت زيدا قائما إياه"، وقيل: في باب: "ظن" و: "كان" يضمر مقدما، وقيل: يظهر، وقيل: يحذف، وهو الصحيح؛ لأنه حذف لدليل.
= اصطيادها رجال بالنبال، وكلاب صيد، فغلبتهم، وفرَّت، ولم يتمكنوا من اصطيادها؛ لسرعتها التي يشبه سرعة فرسه بها.
الإعراب: تعفق: فعل ماضٍ.
"بالأرطى": متعلق بـ "تعفق".
"لها": متعلق بـ "تعفق" أيضا.
وأرادها: الواو عاطفة.
وأرادها: فعل ماضٍ؛ و"ها" مفعول به.
رجال: فاعل مرفوع.
فبذت: الفاء عاطفة، بذت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث؛ والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي، يعود إلى البقرة.
نبلهم: مفعول به منصوب، و"هم": في محل جر بالإضافة، و"هم" يعود إلى الصيادين.
وكليب: الواو عاطفة، كليب: اسم معطوف على رجال الواقع فاعلا لـ "أراد" مرفوع.
موطن الشاهد: "تعفق ... وأرادها رجال".
وجه الاستشهاد: تقدم العاملان: "تعفق"، و"أدارها"، وتأخر المعمول "رجال" وقد أعمل العامل الثاني: "أرادها" ورفع "رجال" فاعلا له.
وأعمل الأول "تعفق" في ضميره، وحذفه -مع أنه فاعل- على رأي الكسائي ومن معه، فرارا من الإضمار قبل الذكر؛ ويجوز القول: إن في "تعفق" ضميرا مستترا، يعود إلى "رجال"، وهو وإن كان جمعا، فهو في تأويل المفرد، فصح استتار ضميره مفردا.
انظر في هذه المسألة حاشية الصبان: 2/ 102، وشرح التصريح: 1/ 321، وضياء السالك: 2/ 106.
وإن كان العامل من غير بابي: "كان" و: "ظن" وجب حذف المنصوب1، كـ: "ضربت وضربني زيد"، وقيل: يجوز إضماره، كقوله2: [الطويل] 245- إذا كانت ترضيه ويرضيك صاحب3 وهذا ضرورة عند الجمهور.
مسألة1: إذا احتاج العامل المهمل إلى ضمير، وكان ذلك الضمير خبرا عن اسم، وكان ذلك الاسم مخالفا في الإفراد والتذكير أو غيرهما للاسم المفسر له، وهو المتنازع فيه، وجب العدول إلى الإظهار، نحو: "أظن ويظنانني أخا الزيدين أخوين".
وذلك لأن الأصل: "أظن ويظنني الزيدين أخوين" فأظن: يطلب "الزيدين أخوين" مفعولين، و: "يظنني" يطلب "الزيدين" فاعلا، و: "أخوين" مفعولا؛ فأعلمنا الأول، فنصبنا الاسمين، وهما: "الزيدين أخوين" وأضمرنا في الثاني ضمير: "الزيدين" وهو الألف، وبقي علينا المفعول الثاني يحتاج إلى إضماره، وهو خبر عن ياء المتكلم، والياء مخالفة لأخوين الذي هو مفسر للضمير الذي يؤتى به، فإن الياء للمفرد، و: "الأخوين" تثنية، فدار الأمر بين إضماره مفردا ليوافق المخبر عنه، وبين إضماره مثنى ليوافق المفسر، وفي كل منهما محذور، فوجب العدول إلى الإظهار، فقلنا: "أخا" فوافق المخبر عنه، ولم يضره مخالفته لـ: "أخوين"؛ لأنه اسم ظاهر لا يحتاج لما يفسره2، هذا تقرير ما قالوا.
ولم يظهر لي فساد دعوى التنازع في الأخوين؛ لأن: "يظنني" لا يطلبه؛ لِكونه مثنى والمفعول الأول مفرد.
وعن الكوفيين أنهم أجازوا فيه وجهين: حذفه، وإضماره1 على وفق المخبر عنه.