ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسيباب نوني التوكيد

هما خفيفة وثقيلة، والتأكيد بها أشد، قاله الخليل، وليست الخفيفة، مخففة منها، بل هي نون على حدتها خلافًا للكوفيين؛ إذ زعموا أنها مخففة منها، ومحلهما صيغة الأمر مبنيًا ومعربًا متصرفًا نحو اضربن، وليقومن زيد، وغير متصرف نحو: تعلمن بمعنى اعلم في المشهور، وهلمن في لغة من جعلها فعلا، ودخولها في أفعل التعجب، وفي الماضي شذوذًا نحو: أحسنن بزيد، وإما أدركن ذلك وصيغة النهي نحو: لا تضربن، والتحضيض نحو:

هلا تمنن بوعد غير مخلفة …............ والعرض: ألا تنزلن، والتمني نحو: فليتك يوم الملتقى ترينني …................. والاستفهام بالحرف نحو: هل تقومن، وأتقومن، وبعد أم المنطقعة نحو: «تخرج أم تقعدن» لتضمنها معنى الهمزة، وبالاسم نحو: ألا ليت شعري ما يقولن فوارس …..........

وكيف تقومن خلافا لمن منع ذلك إذا كان الاستفهام بالاسم، وهو مذهب ابن الطراوة، والمضارع المثبت المستقبل الواقع جواب قسم فتلتزم هي، واللام نحو: والله لتخرجن، فإن تعاقبا فشذوذ عند البصريين، وجائز عند الكوفيين، فإن فصل بين اللام والمضارع معموله، أو حرف تنفيس أو قد لم تدخل النون.
وبعد أداة الشرط، فإن كان بعدها (ما) مما هي شرط في الجزم بالأداة نحو: حيثما، أو زائدة، أو لم تكن نحو: من يثقفن منهم فليس بآيب ….......

فإن كان مما يجوز زيادتها كهي بعد إن وأي، أو نحوهما، فمذهب المبرد، والزجاج أنها إذ ذاك تلزم النون نحو قوله تعالى: [وإما ينسينك] ومذهب سيبويه أنك إن شئت جمعت بين (ما) والنون، وإن شئت اكتفيت بأحدهما فقلت إما تقم أقم، وإن تقومن أقم، فأما دخولها في الجزاء فقليل في الشعر نحو: ............ … متى ما يأتك الخير ينفعا وأما النفي بلا، أو بما، فمذهب الجمهور أنه لا يجوز أن تدخل في المضارع

المنفي بهما، وأجاز ابن جني ذلك، وأثبته ابن مالك، ومثل بقوله تعالى: [واتقوا فتنة لا تصيبن الذين]، وجاء في الشعر: قليلاً به ما يحمدنك وارث … والآية متأولة عند الجمهور، والذي في الشعر نادر أو ضرورة، وقد جاء في الشعر لحاقها، وقد فصل بين (لا) والفعل معمول نحو: فلا ذا نعيم يرتكن لنعيمه … أو بمفسر الفعل نحو: فلا الجارة الدنيا بها تلحينها ….........

وأما دخولها على المضارع المنفي بلم، فنص سيبويه على أن ذلك ضرورة وقال سيبويه: قد يقولون أقسمت لما لم تفعلن لأن ذا طلب، فصار كقولك: لا تفعلن كما أن قولك: أتخبرني فيه معنى افعل.
وأما التقليل المكفوف (بما) فقال سيبويه: زعم يونس أنهم يقولون: ربما تقولن ذلك وكثر ما تقولن ذلك، وإن شئت لم تقحم النون في هذا النحو فهو أكثر وأجود، انتهى، وأما: ......... … ترفعن ثوبي شمالات

فبعيد جدًا، ومن مواضع دخولها قولهم في مثل: (بجهد ما تبلغن) يقال على معنيين أحدهما أن تحمل شخصًا فعلاً ما فيأباه، فتقول له ذلك أي لا بد لك من فعله بمشقة.
والثاني أن تخبر بما يلقاه من المشقة في ذلك.
وقولهم: (بألم ما تختننه)، هو خطاب لامرأة أصله تختنين، ثم جيء بالنون الشديدة، ودخلت هاء السكت، والختن: القطع، وهو أيضًا الخفاض، ويقال هذا لمن يتألم بالفعل ويكرهه، ولا بد له منه وقولهم: في عضة ما ينبتن شكيرها ….........

العضة: شجر، وشكيرها: شوكها، وقيل: ورقها الصغار، ومعناه أن كبير الورق لا ينبت إلا من صغارها، يقال لمن يبتغي شيئًا، ويظهر أنه لا يريده أي ما ظهر من الصغار يدل على الكبار.
وقولهم: «بعين ما أرينك»، يقال لمن يخفى عنك أمرًا، أو حيلة أنت بصير بها، فنقول له ذلك: أي أنا أراك بعين بصيرة، وما الزائدة في هذه الأمثال على تأويل النفي أي: (ما تبلغن إلا بجهد) (وما تختنه إلا بألم) (وما ينبتن في عضة إلا شكيرها)، (وما أراك إلا بعين) و (ما) زائدة لازمة، ولا يقاس على هذه الأمثال، ولا تغير لو قلت: بألم تختنين بغير (ما)، والنون لم يجز أن تقوله إلا والختن حقيقة، ولا يجوز حذف (ما) من هذه الأمثال، وقال ابن مالك: يجوز، ومن غريب دخول النون وأشكاله، ما ذكره الفراء في المعاني: أنه يجب دخولها إذا كان المقسم عليه (لو) وجوابها، وقبلها إن رابطة مغنية عن اللام نحو: والله إن لو تكرمن عمرا لأكرمتك وتدخل أيضًا ضرورة في الواجب الخالي مما تقدم نحو: أنت تفعلن وفي اسم الفاعل نحو: أقائلن أحضروا الشهودا

لما كان في معنى: أتقول.

فصل

الذي تدخله النون وكان متفقا على إعرابه قبل دخولها فيه ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه مبني مطلقًا، فتحذف نون الرفع للبناء كما تحذف الضمة عند التجريد، وهو مذهب الأخفش، والزجاج، وأبي علي في الإيضاح.
والثاني: أنه معرب كحاله قبل أن تدخل عليه النون.
والثالث: التفصيل بين ما اتصل به ألف الاثنين أو واو الجمع أو ياء المخاطبة، فهو باق على إعرابه، وبين ما لم يتصل به شيء من ذلك فهو مبني نحو: هل تخرجن، والحركة التي قبل النون، ذهب قوم إلى أنها حركة بناء وقوم إلى أنها حركة عارضة لالتقاء الساكنين وهو نص سيبويه.
وفي الغرة: «فتحة ما قبل نون التوكيد في مثل: هل تضربن عند سيبويه، والمبرد، وابن السراج، والفارسي، فتحة بناء، وقيل فتحة التقاء الساكنين، وهو مقتضى قول السيرافي، ونسبه الزجاج إلى سيبويه، والصحيح القول الأول بدليل هل تضربن، ولم يلتق ساكنان، انتهى.
وإذا لقيت النون الساكنة همزة بعدها نحو: هل تكرمن من أباك وخففت الهمزة التخفيف القياسي بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها، فقيل لا يجوز.
وقال الفارسي: تحذف النون، وتجعل الهمزة بين بين، فيكون جعلها كذلك، كأنه سكون، فتحذف النون لذلك.
وإن كان قبل النون ياء تلي كسرة، وواو تلي ضمة نحو: يغزو، ونحو: ارمين، وابكين، فلغة لبعض العرف حذف هذه الياء فتقول: ارمن، وابكن،

ونسبها ابن مالك لفزارة، أو واو تلي ضمة نحو: يغزو، قلت: هل يغزون، فإن كان قبل ياء الضمير فتحة نحو: اخشين، فالجمهور على أنه لا يجوز حذف هذه الياء وأجاز ذلك الكوفيون، وحكى الفراء أنها لغة طيئ.
وإذا كان مضعفا نحو: رد لم تفكه تقول: ردن، ولا تقول: ارددن وإذا كان في آخر الفعل واو الجمع، أو ياء المخاطبة، فإن كان ما قبلهما من الحركة غير مجانس لهما ثبتت الواو والياء، وحركت الواو بالضم نحو اخشون زيدًا، والياء بالكسرة نحو: اخشين بكرًا.
وإن جانست حذفت الواو والياء نحو: لتخرجن يا رجال، ولتخرجن

يا هند ولا تقع بعد ألف الاثنين، ونون الإناث إلا الثقيلة وتكسر، وتفصل بين النون بألف نحو: اضربان، وقولهم: اخسأنان عني، وأجاز يونس، والكوفيون وقوع الخفيفة بعدهما فتقول: اضربان زيدًا، واضربنان عمرًا.
ولو كان بعد النون ما تدغم فيه نحو: إن تزوران نزركما، فلا يجوز الجمع بين الألف والنون الساكنة، نص على ذلك بعض النحاة، ويمكن أن يقال: يجوز إذا لقيت النون الخفيفة ساكنًا مطلقًا حذفت نحو: اضربا الرجل، واضربوا الرجل، واضربي الرجل وندر حذفها لغير ساكن نحو قوله: ............ … كما قيل قبل اليوم خالف تذكرا وإذا وقف عليها، وهي تلي فتحة أبدلت ألفا نحو: [لنسفعا] أو ضمة

أو كسرة، رد ما حذف بسببها من الواو والياء نحو: اضربوا، واضربي، ولتخرجون، ولتخرجين أصله: اضربن واضربن، ولتخرجن ولتخرجن، وأجاز يونس إبدالها بعد الضمة واوًا، وبعد الكسرة ياءً، كما أبدلوا بعد الفتحة ألفا فتقول في هل تدعن يا رجال: هل تدعوا، وفي هل تخرجن يا هند: هل تخرجي ولا ترد النون، وليست الواو والياء عنده ضميرين، بل هما بدلان من النون.
فإن وليت النون الخفيفة ألفًا، وجاء بعد النون ساكن، فلا يتصور ذلك إلا على مذهب يونس والكوفيين نحو: اضربان الغلام يا رجلان، واضربنان الغلام يا نسوة، فزعم يونس أنه تبدل النون همزة وتفتحها فتقول اضرباء الغلام يا رجلان، واضربناء الغلام يا نسوة.
قال سيبويه: وهذا لم تقله العرب قال: والقياس اضرب الغلام، واضربن الغلام بحذف النون لالتقاء الساكنين والألف لالتقائها مع الساكن الذي حذفت له النون، فيصير في اللفظ بغير ألف، وقال الزجاج: ينبغي أن تبدل الألف الثانية همزة ثم تسهل بين الألف والهمزة فيكون ذلك إشعارًا بأنها كانت ألفًا في الأصل فتقول على هذا: اضربا الغلام بإثبات الألف، وهمزة مسهلة بعدها يكون ذلك دالاً على إرادة النون الخفيفة، وقال سيبويه: وفتحوها يعني الهمزة ولم يكسروها للخفة.
وإذا وقفت على النون الخفيفة بعد ألف نحو: اضربان أو الألف التي بعد نون

الإناث نحو: اضربنان على مذهب يونس، ففي الغرة: تبدل من النون ألفًا؛ فاجتمع ألفان فهمزة الثانية فقلت: اضربناء، انتهى.
وقياسه في اضربنان: اضربناء، وقيل: تبدل من النون ألفا، وتمد مقدار ألفين، وكان ظهر لنا أن تبدل النون الخفيفة ألفا فيهما فتلتقي ألفان تقديرًا، فتحذف الأولى لالتقاء الساكنين فتقول: اضربا واضربنا، ونعتقد أن الألف فيهما هي المبدلة من نون التأكيد لا ألف الضمير في اضربان ولا الألف الفاصلة في (اضربنان).

جارٍ التحميل