ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسيصفحات 391-400

ابن مالك: ويطرد الاستغناء بتصغير أحد المترادفين إن جمعهما أصل واحد مثال ذلك: جليس بمعنى مجالس قال: فيجوز في تصغير جليس: مجيلس، وفي تصغير مجالس: جليس، وهذا الذي ذكره لم أره لغيره، فينبغي التوقف فيه حتى ينقله أئمة العربية المستقريون للسان العربي.
وقد يكون للاسم تصغيران قياسي، وشاذ قالوا في تصغير: صبية: صبية وهو القياس؛ لأنه جمع قلة، وجمع القلة يصغر على لفظه، وقالوا في الشعر: أصيبية، وليس بالقياس، قال الفراء: رجعوا إلى جمع أصيبية، وإن لم ينطق به في الكلام.
وقال ابن هشام: وإنما قالوا في الجمع غلمة كـ «صبية» وقد قالوا: أصيبية ولم يقولوا: أغيلمة، واستغنوا بصبية وغلمة عن أصبية وأغلمة، وصغروا صبية، ولم يصغروا أغلمة، والرجوع في هذا كله إلى السماع، انتهى.

ولا يصغر من الأسماء المتوغلة في البناء إلا أسماء الإشارة غير المكانية و «الذي»، و «التي» من الموصولات، وتثنيتها وجمعها وعمرويه، فإن الصحيح أنه لم تعرب قط، وتقدم كيفية تصغيره فتقول: في ذا: ذيا، وفي تا: تيا، وفي التثنية: ذيان، وتيان، وفي الجمع بالياء في الألى: أليا، وألياء في ألاء، ولها من الأحكام ما لها حالة التكبير.
ومذهب المبرد: أن أصل همزة «ألاء» (ياء)، قلبت همزة، وعند الزجاج أصلها ألف قلبت همزة، وعند الفارسي الهمزة أصل ليست منقلبة من ياء، ولا ألف، بل ذلك مما فاؤه ولامه همزة كأشياء قيل: وهو الصحيح، وتقول في الذي والتي: اللذيا واللتيا بفتح لامهما وقد تضم.

وقال ابن خالويه: أجمع النحويون على فتح اللام في اللتيا إلا الأخفش؛ فإنه أجاز اللتيا بالضم، وفي التثنية: اللذيان، واللتيان وفي جمع اللذيا على مذهب سيبويه: اللذيون، واللذين، وعلى مذهب الأخفش، والمبرد، اللذيون، واللذيين كالمقصور ومنشأ الخلاف من خلافهما في التثنية، فسيبويه يقول: حذفت ألف «اللذيا» حين ثنوا حذفًا للتخفيف، وللفرق بين تثنية غير المتمكن، والمتمكن، فالحذف ليس لالتقاء الساكنين، والأخفش يقدرها ثم يحذفها لالتقاء الساكنين، ولم ينقل عن العرب شيء يستند إليه في جمع اللذيا، وقالوا في جمع اللتيا: اللتيات.
وأما «اللاتي» فمذهب سيبويه وظاهر كلامه: أن العرب لا تصغر اللاتي.
قال سيبويه: استغنوا بجمع الواحد المحقر السالم إذا قلت: اللتيات،

وأجاز الأخفش تحقير اللاتي فقال: اللويتا، واللائي فقال: اللويا، وأجاز غيره تحقير اللائي فقال: اللويا، واللائين فقال: اللويون، وهذا جار على مذهب الأخفش، إذ أجاز تصغير اللائي غير مهموز، وزعم المازني أن تصغير اللاتي: اللتيا، واللائي: اللييا، والصحيح أنه لا يجوز تصغير اللائي، ولا اللاى، واللاتي، ولا اللواتي استغناءً بجمع اللتيا عن ذلك، وهذا مذهب سيبويه، وتصغير هذه الأسماء لا يقتضيه قياس، فينبغي أن لا يتعدى فيه مورد السماع.
وما حكاه الأخفش في الأوسط: من أنهم قالوا في تصغير اللاتي: اللويتيا، فلعل هذا مما جاء قليلاً كـ «وذر» و «ودع».
وفي الغرة: قال الفراء: لم يسمع في تصغير الذين: اللذيين بالياء وقال الكسائي من قال اللذ، واللت، وصغر، فوجه الكلام أن تسكن الذال، والتاء تقول: الليذ والليت، أدخل ياء مشددة بين اللام والذال والتاء، وقال الفراء: يلزمه أن يقول: في الاثنين: الليذان قال: ولم يفعله.
وقال الفراء: إذا صغرت اللواتي رددتها إلى الأصل، فقلت: اللتياتي، فإذا صغرتها على جهتها قلت: اللوياتي، ولو صغرتها على همزتها قلت: اللويائي قال بعضهم: وأحب إلي من هذين أن أقول: اللوياوات، انتهى.

وإذا صغرت «مهوأنا» فالقياس حذف الميم وأحد المضعفين فتقول: «هويئن» كما تقول في مطمئن، ومقشعر، وقيل «مهين» بحذف الهمزة، وإحدى النونين، وانقلاب الواو ياء، وإدغام ياء التصغير فيها، وإن شئت قلت: «مهيون» كما قلت في أسود (أسود).
وتقول في «هندلع» في قول ابن السراج: هنيدل حذفت العين؛ لأنها آخر الكلمة، وهي عنده خماسية، وغيره يقول: هديلع بحذف النون، ولا يثبت هذا الوزن في الأصول.
وفي «عفرية»: «عفيرية» وحكى بعض العرب: عفيرة شبهها بألف التأنيث التي في حبارى، وتقول إذا بنيت من الرمى اسمًا على وزن: سرداح: رمياء، وإذا صغرته فقال المبرد: تقول: رميى ولا يجوز أن تحذف منه شيئًا، ومثل هذا في كتاب سيبويه تقول في تصغير «عدوى»: «عديى»، ولا يجئ الحذف، لأنك لو حذفت لصار تصغيرًا بلا تصغير، وتقول في بردرايا: «بريدر» بحذف ثلاث الزوائد، وفي حولايا: حويلى، وتقدم الخلاف في

تصغير «حولاى» وجرجرايا.
وفي «أموى» منسوب إلى أمية: أميى، وفي «ألندد»، في مذهب سيبويه: «أليد» بتشديد الدال، وفي مذهب المبرد «أليدد» بفك الدالين كحال تكبيره.
وفي «مطايا» علم مذكر «مطى» على تقديرين مختلفين هما في قبائل علمًا: الخليل يقول: قبيئل، ولك أن تعوض فتقول قبيئيل، ويونس: قبيل، فعلى قول الخليل تحذف الألف التي قبل الياء، وعلى قول يونس تحذف الياء التي بين الألفين، لأنهما كالهمزة من قبائل، وجوز الفارسي الوجهين.
وفي «مصران» علمًا لمذكر في مذهب أبي الحسن: مصيرين، والصحيح:

مصيران وقبل أن يكون علمًا لا تصغره على لفظه، بل ترده إلى جمع قلته الذي هو أفعله، فتقول: أميصره، واختلف في وزنه فمذهب أبي الحسن أنه «مفعل» من صار يصير وأن جمعه: مصران على سبيل الشذوذ، ومذهب الفارسي أنه فعيل وجمعه مصران مقيس.
وفي «روية» مسهلاً من الهمز: رؤية مهموزًا، أو الواو أصل: روية.
وفي «خطايا» علمًا لمذكر «خطيئ» ترد الهمزة كما تقول في «منسأة»: «منيسئة» بالهمز، وفي آجرة: آجيرة، بتشديد الراء، ولا تعوض، ولو حذفت الراء الواحدة وقلبت الألف واوًا قلت: أويجرة، وجاز التعويض فتقول أويجيرة، وفي «أسكرجة» وهي فارسية عربت قال الفارسي: «أسيكرة» بحذف الجيم، وعلى التعويض «أسيكيرة»، وكذا قياس التكسير إن اضطر إليه، وقياس ما ذكره سيبويه في «إبراهيم» سكيرجة.
انتهى.

وتقول في «قوصرة» و «دوخلة»: دويخلة، وقويصرة، وقويصيرة، ودويخيلة، وفي «سفرجلة» «سفرلة» و «سفيرجلة» قال الفراء: و «سفيرجلة» بسكون الجيم أشبه بمذاهب العرب من تحريكها.
وتقول في بناء اسم من المطي على فعائل: «مطاء» وتكسيره على مطايا وتصغيره: مطي هذا مذهب الخليل، ويونس، وقال المازني: تهمز فيهما فتقول: مطيء ومطاء، وفي «حمارة»: «حميرة» بتشديد الراء ولا يفك، وفي «طمر» خلاف مذهب لا يفك، ومذهب الفراء يفك، فتقول: طميرر.
وفي «ثمانية» «ثمينية» تحذف ألفه، وتبقى الياء، و «ثمينة» تحذف الياء، وتبقى الألف، وهو رديء.

وإذا صغرت ثلاثون، وثمانون، وجداران اسم رجل قلت في مذهب سيبويه: ثليثون، وثمينون، وجديران، وفي مذهب المبرد: ثليثون، وثمينون بقلب الألف ياء، وإدغام ياء التصغير فيها.
وإذا صغرت: أبا بكر، وأم بكر، وهما كنيتان، فمذهب الفراء تصغير الثاني فتقول: أبو بكير، وأم بكير، وسواء كانت الكنية لعاقل أم غير عاقل، وقياس البصريين تصغير الأب والأم فتقول: أبي بكر، وأميمة بكر؛ لأن الأول هو الذي يجمع، ويثني ويوصف، وإن لم يكونا كنيتين، فلا خلاف أنه لا يصغر إلا الأول، ومما شذوا في تصغيره: مغرب، وعشية، وعشى، وأصلان وليلة، وإنسان، وغلمة، وصبية، ورجل قالوا: مغيربان، وعشيشية، وعشيان، وأصيلان، وأصيلال، ولييلية وأنيسيان، وأغيلمة، وأصيبية، ورويجل.
وتصغير الترخيم بحذف الزوائد كانت لإلحاق أو لغيره، فالثلاثي الأصول يرد إلى فعيل، فتقول في المزيد للإلحاق نحو: ضفندد، وخفيدد: ضفيد، وخفيد، وفي المزيد لغير إلحاق نحو: منطلق: طليق، ومستخرج، خريج، والرباعي الأصول يرد إلى «فعيعل» فتقول في نحل: زعفران: «زعيفر»

وهو جائز عندنا في العلم وغيره خلافًا للفراء، وثعلب، وقيل خلافًا للكوفيين؛ فإنه مختص عندهم بالعلم.
ويشهد لمجيز ذلك في غير العلم قولهم: «جاء بأم الربيق على أريق» هو تصغير أورق، زعمت العرب أنه من قول رجل رأى الغول على جمل أورق، ولما صغره أبدل من واوه همزة، وقولهم: (يجرى بليق ويذم) هو تصغير أبلق، وقد استدلوا أيضًا بقولهم في مثل: «عرف حميق جمله» قالوا تصغير أحمق.
وإذا صغرت هذا التصغير مؤنثًا نحو: غلاب، وسعاد، وزينب ألحقت التاء، أو مذكرًا بها فلا، أو صغرت صفة مؤنث نحو: طالق، وحائض، وناقة ضامر، لم تلحقه التاء، وإبراهيم، وإسماعيل، تقول فيهما: بريه، وسميع اتفاقًا، وإن وقع الخلاف في تصغيرهما غير الترخيم فقال المبرد: أبيره، وأسيمع، إذ الهمزة عنده محكوم بأصالتها، وقال سيبويه بريهيم، وسميعيل؛ إذ الهمزة عنده زائدة، وهو صحيح الذي سمعه أبو زيد، وغيره من العرب.

جارٍ التحميل