ويقعان نكرتين موصوفتين مثال: (من) مررت بمن معجب لك وشرط الكسائي في كون من نكرة موصوفة أن تكون في موضع لا يقع فيه إلا النكرة نحو: رب من عالم صحبت، وذهب بعض أصحابنا إلى أنها لا تستعمل موصوفة إلا في حال تنكير، والصحيح أنه يصح أن تكون نكرة في موضع يسوغ فيه النكرة، والمعرفة، وفي موضع لا تسوغ فيه النكرة مثاله: قام من في الدار؛ فيجوز أن تكون (من) موصولاً، فتصفه بالمعرفة فتقول العاقل، ويجوز أن تكون نكرة، فيكون في الدار صفة لها، ويجوز أن تقول عاقل، فتصفه بالنكرة، ومثال «ما» نكرة موصوفة: مررت بما معجب لك، وفي البسيط: أنكر بعض النحويين أن تكون (من)، و (ما) نكرتين موصوفتين، ثم قال: ولا تستقل بوصفها إلا إذا كانت مفعولة نحو: مررت بمن صالح، وإذا كانت خبرًا عن مبهم نحو: هذا من أعرف فلا يكتفي بكونها مع وصفها خبرًا بل تأتي بشيء آخر يكون حالاً أو خبرًا نحو: هذا من أعرف منطلقًا أو هذا من أعرف
منطلق انتهى، وقال ابن مالك، ويوصف (بما) على رأي فأما قولهم «لأمر ما جدع قصير أنفه» فقيل: ما اسم صفة، والمشهور أنه حرف زائد منبهة على وصف مراد لائق بالمحل.
وقال ابن السيد: (ما) التي تجري مجرى الصفة منها ما يراد به التعظيم للشيء والتهويل نحو:
............. … لشيء ما يسود من يسود
ومنها ما يراد لتحقير كقولك: من سمعته يفخر بما أعطاك، وهل أعطيت إلا عطية، ومنها ما يراد به التنويع، لا تعظيم، ولا تحقير نحو: ضربت ضربًا ما أي نوعًا من الضرب، ومنه قول العرب: (افعلة آثرًا ما) (أي نوعًا من الإيثار)، «وآثرًا» مصدر جاء على فاعل، وقال ابن عصفور، في (افعلة آثرا ما): أن (ما)
فيه زائدة قال: ولا يستعمل صفة إلا إذا قصد بها التعظيم، وزعم الكسائي أن (من) تزاد، وجعل من ذلك: ............... … والأثرون من عددا و: يا شاة من قنص.......... …...............
أي والأثرون عددًا، (ويا شاة قنص)، ومذهب البصريين، والفراء أن (من) لاتزاد، (ومن) تقع على من يعقل من مفرد، ومثنى، ومجموع، كان موجودًا أو معدومًا متوهمًا، وقالت العرب: (أصبحت كمن لم يخلق)، فإن أردت بمن هنا المعدوم، فأجاز ذلك الفراء، ومنع من ذلك بشر المريسي.
وتقع (من) أيضًا على المنزل منزلة العاقل كقوله تعالى: [من لا يستجيب له إلى يوم القيامة] أطلق (من) على الأصنام، وعلى ما جاء منه شمول نحو: [ومنهم من يمشي على رجلين]، ومنهم شمل الإنسان والطائر، أو اقتران نحو: [ومنهم من يمشي على أربع]، ووقعت على ما لا يعقل، لاختلاطه بمن يعقل، فيما فصل بمن، وهو قوله تعالى: [كل دابة من ماء] إذ الدابة تقع على ما يدب من عاقل وغيره، وذهب قطرب، ومن وافقه إلى أن (من) تقع على آحاد ما لا يعقل، من غير اشتراط لما تقدم ذكره، و (ما) لما لا يعقل، وذهب أبو عبيدة، وابن درستويه، ومكي بن أبي طالب، ومن المتأخرين ابن خروف: إلى أنها تقع على آحاد من يعقل، وادعى ابن خروف: أنه مذهب سيبويه،
وقال ابن مالك: «ما» في الغالب لما لا يعقل، وزعم السهيلي: أنها لا تقع على أولي العلم، إلا بقرينة، وهي قرينة التعظيم والإبهام، فتقع عنده على الله تعالى، وزعم المعري في كتاب اللامع له أنه إذا كان لا تدرك حقيقته يجعل كالشيء المجهول، ويطلق عليه (ما) وجعل من ذلك: «سبحان ما سبح الرعد بحمده» وقال ابن مالك: إن (ما) تقع على ما لا يعقل مع من يعقل نحو: [ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة]، ولصفات من يعقل، وهذه عبارة الفارسي، وزعم أنها تقع على صفات من يعقل نحو: [والسماء وما بناها] (أي وبانيها)، ومثل ابن مالك هذا بقوله تعالى: [فانكحوا ما طاب لكم من النساء]، وعبر أصحابنا عن هذا بأنها تقع على أنواع من يعقل، ومثلوا بقوله تعالى: [ما طاب] وتفرد (ما) نكرة خالية من صفة، وصلة، وشرط، واستفهام، ومن ذلك على مذهب سيبويه (ما) في التعجب نحو: ما أحسن زيدًا، وفي قول غيره في نحو: غسلته غسلاً نعمًا، وانفرد أبو علي بإجازة أن تفرد (من) أيضًا نحو قوله:
............ … ونعم من هو في سر وإعلان
أي ونعم شخصًا.
وتقع (أي)، شرطية نحو: أيا تضرب أضرب، واستفهامية: أيهم أخوك، وتقول: أي رجل أخوك على وجهين أحدهما: خبر مخرجه المدح والتعجب، وذلك لا يحتاج إلى جواب، كأنك قلت: نهاية في الرجولية أخوك، والآخر أن يكون سؤالاً عن صفته، أضعيف أم قوي، أغني أم فقير، وصفة لنكرة مذكورة نحو: مررت برجل أي رجل فلا تكون إلا نكرة، وقد جاء حذف موصوفها في قول الشاعر:
إذا حارب الحجاج أي منافق …...........
(يريد منافقًا أي منافق)، وظاهر كلام ابن مالك جواز حذف موصوفها كهذا،
وهذا عند أصحابنا في غاية الندور وقالوا: فارقت (أي) سائر الصفات في أنه لا يجوز حذف موصوفها وإقامتها مقامه لا تقول: مررت بأي رجل وقال ابن مالك: تأتي حالاً وأنشد: ............... … فلله عينا حبتر أيما فتى بنصب أي، وأنشد أصحابنا بالرفع على أنه مبتدأ، وخبر حذف أحد جزئيه، ولم يذكر أصحابنا أن أيا تقع حالاً، ولا بد أن تكون مضافة لما يماثل الموصوف فلا يجوز: مررت برجل أي عالم؛ فإن ماثله معنى لا لفظًا، ألا يقدم على جوازه إلا بسماع، والأصل أن لا يوصف (بأي)، فلا يتوسع فيها بالقياس،
وإذا كانت شرطًا، أو استفهامًا، فقد يستغنى بمعنى الإضافة، إن علم ما تضاف إليه نحو: قوله تعالى: [أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى] أي أي الاسمين تدعو، وفي الحديث «من أبر يا رسول الله قال: أمك قال: ثم أي قال: أمك» أي ثم من أبر، وهي في الاستفهام والشرط بمنزلة كل مع النكرة، وبمنزلة بعض مع المعرفة، مثاله في الاستفهام والشرط بمنزلة كل مع النكرة، وبمنزلة بعض مع المعرفة، مثاله في الاستفهام مضافة إلى نكرة أي رجل أخوك، وأي رجلين أخواك، وأي رجال إخوتك، فيطابق الخبر ما تضاف إليه أي، ومثالها مضافة على معرفة أي الرجلين أحسن، وأي الرجال أخوك، أو أخواك، وأي الثلاثة أخوك أو أخواك، ومثالها في الشرط مضافة إلى نكرة أي رجل تضرب أضربه، وأي رجلين تضرب أضربهما، وأي رجال تضرب أضربهم، فيعود الضمير مطابقًا لما تضاف إليه أي، ومثالها مضافة إلى معرفة أي الرجل تضرب أضربه، ولا تقع أي في الشرط والاستفهام، إلا صدر كلام، فلا يتقدم عامل فيها، إلا الخافض، بشرط أن يكون متعلقًا بالفعل الذي يليها إلا في الاستفهام في الاستثبات؛ فإنه قد يتقدم عليها، فإذا قال قائل: ضربت رجلاً قلت إذا استثبته: أيا ضربت، وضربت أيا، وتضاف أي في الاستفهام إلى نكرة بلا شرط، وإلى معرفة بشرط إفهام تثنية نحو: أي الرجلين أفضل، أو أيهما أفضل أو جمع نحو: أي الرجال أفضل، أو أيهم أفضل، أو أجزاء نحو: أي الرجل أحسن، ولذلك تبدل منه، فتقول أوجهه أم عينه،
أو تكريرها عطفًا بالواو كقوله: ................... … أيى وأيك فارس الأحزاب وإضافتها إلى المفرد المعرفة جنسًا كالجمع نحو: أي الدينار دينارك، وأي البعير بعيرك، وكذلك المعطوف عليه بالواو نحو: أي زيد وعمرو، وجعفر قام، ولا يجوز أن يعطف على (أي) الاستفهامية غير اسم استفهام لا يجوز أن تقول أي القوم جاءك وزيد، غلا إن عطفت زيدًا على الضمير المستكن في جاء، ولا يجوز أي القوم وزيد جاء، إلا إن نويت تأخير (وزيد) بعد جاء، وجاء في الشعر حذف ثالث أي نحو قوله: تنظرت نصرًا والسماكين أيهما …............. ولا تقع (أي) نكرة موصوفة لا يجوز: مررت بأي معجب لك، وأجازه
الأخفش الموصول والصلة كجزأي اسم، ولهما الترتيب بتقديم الموصول وتأخير صلته عنه، ولا يفصل بينهما إلا بجملة الاعتراض كالقسم نحو: ذاك الذي وأبيك يصرف مالكًا …............ نص عليه بعض أصحابنا، ونص الفارسي في الأغفال، على أن الفصل بالاعتراض بين الصلة والموصول لا يجوز، وإن جاز ذلك بين المبتدأ والخبر، وانفصل أبو علي عن الاعتراض بينهما بالقسم بما يوقف عليه من كلامه، أو بمعمول الصلة نحو: جاءني الذي عمرا ضرب، وجاء الذي راكبًا أقبل، وبالنداء نحو:
وأنت الذي يا سعد بؤت بمشهد ….............
وقال ابن مالك: إن ولى النداء غير مخاطب، لم يجز إلا ضرورة نحو:
......... … نكن مثل من ياذئب يصطحبان
انتهى.
ولا فرق بين أن يلي مخاطبًا أو غيره، ولا يتبع الموصول لا بنعت، ولا توكيد، ولا بدل، ولا عطف، إلا بعد استيفاء الصلة، ومتعلقاتها فأما
لسنا كمن حلت إياد، دارها … تكريت.........
فمتأول على أن (من) أخذت صلتها، وإياد بدل استيفاء الصلة، وتكريت منصوب بمضمر تدل عليه الصلة تقديره: جعلت دارها تكريت.
ولا يجوز الفصل بين بعض ما هو من تمام الصلة ببعض أجنبي إلا ما شذ نحو: وأبغض من وضعت إلى فيه … لساني معشر......... فإلى متعلق بأبغض، وقد فصل به بين مطلوبي الصلة، وهو أجنبي منها، ولا يخبر عن الموصول، ولا يستثنى منه إلا بعد استيفاء متعلقات صلته لا يجوز جاءني الذي يكرم محسن زيدًا تريد الذي يكرم زيدًا محسن، ولا أفلح الذين صاموا إلا زيدًا رمضان (تريد أفلح الذين صاموا رمضان إلا زيدًا)، وقال ابن مالك، وقد تجيء صلة بعد موصولين، أو أكثر مشتركًا فيها نحو قوله: صل الذي والتي متا بآصرة …................ والقياس صل الذين فيغلب المذكر، ولم يمثل ابن مالك ما هو أكثر من موصولين قال: أو مدلولاً بها على ما حذف نحو قوله:
وعند الذي واللات عدنك إحنة …..........
أي وعند الذي عادك، واللات عدنك واللات عدنك.
فإن كان الموصول (أل) على مذهب من يقول: هو موصول فلا يجوز الفصل بين (أل) وصلته بشيء ألبتة، وجاء ما ظاهره تقديم معمول الصلة على (أل)، إذا كان الموصول، والمعمول مجرورين الموصول بمن، والمعمول بحرف جر نحو قوله تعالى: [إنى لكما لمن الناصحين] [إني لعملكم من القالين] [وكانوا فيه من الزاهدين] وفي التخريج ثلاثة مذاهب: فالمبرد يقدر أعني لكما، وأعني لعملكم، وأعني فيه، ويعبر عن هذا بالتبيين وأعني لا يتعدى بحرف جر، قال الأخفش الصغير: «والتبيين قول البصريين»، وقيل: بمحذوف تدل عليه الصلة (أي ناصح لكما)، وقال لعملكم، وزاهدين فيه، وقاله الجرمي، والمبرد، وابن السراج، وابن جني، وقيل: يتعلق
المجرور بالصلة نفسها، والظروف، والمجرورات يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرهما من الفضلات، فلو كان الموصول غير (أل) كالذي وشبهه، فلا يجوز تقديم شيء من معمولات صلته عليه سواء كان الموصول مجرورًا بمن، أو لم يكن، وكذا لو كان الموصول (أل) مجرورًا بغير (من) إلا إن جاء في شعر فيخرج على الحذف نحو: لا تظلموا مسورا فإنه لكم … من الذين وفوا في السر والعلن (أي واف لكم) وقول الآخر: ........ … وأعرض منهم عمن هجاني (أي وأعرض عمن هجاني منهم عمن هجاني، وقول الآخر: ........ … أبعلى هذا بالرحى المتقاعس أي تتقاعس بالرحى المتقاعس، وفي الغرة: يجيز الكوفي تقديم الجار والمجرور المتصل بالصلة على الموصول كقوله:
وعه أحلى الناس عندي مودة … وعزه عني المعرض المتجافي
انتهى.
ولا يجوز عند البصريين: حذف الموصول الاسمى؛ إلا إن جاء شيء منه في الشعر، وأجاز ذلك الكوفيون، والبغداديون، واختاره ابن مالك كما قال في قول حسان:
أمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء
(أي ومن يمدحه)، فحذف من لدلالة الموصول المتقدم عليه، ومنه عند ابن مالك قوله تعالى: [وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم] أي وبالذي أنزل إليكم، وفي الواضح: اتفق الكوفيون على أن «من» تحذف وتضمر على معنى الذي مع من وفي خاصة، فيقال: منا يقول ذلك ومنا لا يقولوه، وفينا يقول ذلك، وفينا لا يقولوه، واتفقوا على أن إضمار «من» مع «من» أقوى من إضمارها مع في، وأحالوا كلهم غيرنا يقول ذلك، وغيرنا لا يقول ذلك، وكذلك سائر المحال وقال:
فظلوا ومنهم دمعة سابق له … وآخر يثنى دمعة العين بالمهل
معناه من دمعه، وقال آخر:
لو قلت ما في قومها لم تيثم
يفضلها في حسب وميسم
معناه من يفضلها، وقال تعالى: [من الذين هادوا يحرفون الكلم] أي: من يحرفون.
وليس في كتاب سيبويه: إضمار من، واحتج الكوفيون بقوله تعالى: [وما منا إلا له مقام معلوم]، وحمله سيبويه وأصحابه على الصفة أي: وما منا أحد نحو: قولهم ما منا أحد إلا ينصفك، وأجاز الفراء أن منا يقول ذلك، وكان منا يقول ذلك، وظننت منا يقول ذلك، وكذلك فينا، وقال: من المضمر اسم الأداة ومنا خبر الأداة، وأبطل هذا هشام، وقال هشام: من قال: منا يقول ذلك نفسه، فجعل نفسه توكيدًا لمن أخطأ؛ لأن من محذوفة، لقيام من مقامها فهي لا تنعت،
ولا تؤكد، ولا ينسق عليها، ولا يترجم، وأجاز هشام أن يقطع منها فتقول: منا نقول ذلك ظريفًا على أن ظريفًا من (من) المضمرة ورد هذا أحمد بن يحيى وقال: إذا قطع من الاسم نعت وأكد ونسق عليه، وقد أضمرت ما مع ثم في قوله تعالى: [وإذا رأيت ثم رأيت] معناه ما ثم قال ابن مالك: ويجوز حذف صلة غير «أل» لدلالة المعنى نحو قوله:
أبيدوا الألى شبوا لظى الحرب وادرءوا … شذاها عن اللائى فهن لكم إما
أي عن اللائي لم يشبوها حذف لتقدم الصلة.
وقول الآخر:
نحن الأولى فاجمع جمو … عك ثم وجههم إلينا
أي: نحن الأولى عرفت، دل على هذه الصلة قوله: فاجمع جموعك.
وأما الموصول الحرفي، فإن كان (ما) أو (كى) أو (أن)، فلا يتقدم شيء من صلاتها عليها، ولا من معمول صلاتها إلا (كي)، فأجاز الكسائي: صحبتني العلمي كي تقرأ (أي كي تقرأ العلم) وإلا أن، فأجاز الفراء يعجبني
العلم أن تقرأ (أي تقرأ العلم)، ولا يجوز الفصل بين هذه الحروف، وبين شيء من مطلوبها إلا (ما)، فيجوز عجبت من ما زيدًا تضرب (أي من ما تضرب زيدًا) ولا يجوز حذف شيء من هذا الموصول الحرفي إلا (أن)، ففي حذفه خلاف، وتفصيل يذكر في نواصب الفعل إن شاء الله تعالى.
ولا يجوز حذف شيء من صلاتها قال ابن مالك: «إلا ومعمولها باق، وجعل من ذلك قول العرب: لا أفعل ذلك ما أن حراء مكانه (أي ما ثبت أن حراء) ومن ذلك: أما أنت منطلقًا انطلقت معك (أي أن كنت منطلقًا، وقول العرب: كل شيء مهه ما النساء وذكرهن «أي ما عدا النساء»، ويأتي الكلام على هذا في باب الاستثناء إن شاء الله تعالى.
[الجزء الثالث]