ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسيباب الحكاية

الحكاية: إيراد لفظ المتكلم على حسب ما أورده في الكلام، والمحكي قسمان: مفرد وجملة، ويأتي الكلام في ذلك، إن شاء الله تعالى، والكلام هنا في الاستعلام بأي، وبمن، فإذا استفهمت بأي استفهام استثبات عن مذكور في كلام غيرك، وكان نكرة عاقلاً أو غير عاقل، أو معرفة جهل الاسم الدال عليها الذي ذكره من خاطبك، فلم تدر ما هو، ففي ذلك وجهان أحدهما وهو المختار الأفصح: أن يطابق المحكي إعرابًا وتذكيرًا، وإفرادًا، وفروعها فتقول لمن قال: قام رجل: (أي)، ورجلان: (أيان)، ورجال: أيون وامرأة: (أية)، وامرأتان: (أيتان)،,نساء: (أيات)، ويفتح في الجر والنصب كمسلمات، وذلك في الوصل والوقف، ولا يكون أيون، وأيين إلا لما جمع بالواو والياء والنون مما العقل له، أو لما صلح أن يوصف بذلك نحو: رجال، فإنك تقول: رجال مسلمون، والوجه الثاني: أن يطابق في الإعراب، وفي الإفراد أو التأنيث فقط فتقول: (أي) في قام رجل، أو رجلان أو رجال، وأية في قامت امرأة أو امرأتان، ونساء.
وهذان الوجهان بخلاف حالة (أي) في الاستفهام غير الاستثبات، فإن الأفصح أن تكون مفردة بغير تاء للمذكر والمؤنث في جميع الأحوال، ومن العرب من يثني ويجمع ويؤنث وهو قليل، لا يكاد يوجد إلا في الشعر.

والحركات الحلاقة (لأي) حركات إعراب نشأت من عوامله وقيل: ليست لإعراب، وإنما هي اتباع للفظ المتكلم؛ فهي بمنزلة (من) في موضع رفع بالابتداء، أو الخبر، ولا يبعد أن يكون مفعوله محلاً، وقد ذكر بعضهم إدخال حرف الجر، فيقول (بأي) وقياس مذهب البصريين أنك إذا قلت (أي) ارتفع على الابتداء وخبره الفعل المحذوف الدال عليه قول المخاطب: قام رجل؛ فالتقدير (أي قام)، وأجاز الكوفيون، رفعه بفعل مضمر قبله ولو أظهر لجاز، وإظهاره عندهم المختار في مثل: (اشترى أي أيا) حكاية لمن قال: اشترى رجل فرسًا، وإذا كانت، (أي)، منصوبة أو مجرورة حملت على فعل مضمر، ويجوز أن تأتي به على طريقة التأكيد، فتذكره متأخرًا، فتقول، أيا ضربت؟ وبأي مررت؟ وأجاز بعض أصحابنا أن تأتي به متقدمًا، ولا يقدمون العامل في الاستثبات إلا مع (أي) و (من) و (ما) من سائر أسماء الاستفهام، يقولون لمن قال: أكلت خبزًا: أكلت ما، ولمن قال: لقيت زيدًا: لقيت من، ولمن قال: ضربت رجلاً: ضربت أيا، ولا يقولون لمن قال: خرجت يوم الجمعة: خرجت متى؟ ولا لمن قال: سرت ضاحكًا: سرت كيف.
وسمعت الحكاية في (أين) في الاستثبات، قال بعضهم: وقد قيل له: إن في موضع كذا وكذا العشب والماء: أين إن العشب والماء، وفي كم معطوفة على غيرها حكى من كلامهم: قبضت عشرين، وكم استثباتًا لمن قال: قبضت عشرين وكذا وكذا، وشرط الاستثبات (بأي) ألا تكون مضافة، وأجاز بعضهم ترك الحكاية في (أي) ورفعها في جميع الأحوال على الابتداء والخبر، قال: لأنك لو أظهرت لقلت (أي) من ذكرت.

وإذا استثبت (بمن) في الوقف على الذي اسثبت عنه (بأي) ففيه وجهان أحدهما: ما عليه أكثر العرب من أنك تشبع الحركات في حالة الإفراد للمذكر فتقول: (منو) لمن قال: قام رجل (ومنا) لمن قال: لقيت رجلاً، و (منى) لمن قال: مررت برجل، وفي المؤنث الأفصح أن تقول (منه) بفتح النون وإسكان الهاء المبدلة من تاء التأنيث، وحكى منت بسكون النون والتاء، وقيل: الهاء في (منه) ليست للتأنيث، وإنما هي صورتها، ليحكى بها التأنيث، وفي التثنية: منان ومنين ومنتان ومنتين، وفي الجمع: منون ومنين ومنات، ففي التثنية حكيت الإعراب، والتثنية والتذكير والتأنيث وفي جمع من يعقل: حكيت الجمع والإعراب وفي جمع المؤنث حكيت التأنيث والجمع لا الإعراب، وأجاز يونسك الحكاية بمن في الوصل، وهو مذهب لبعض العرب، يثبت الزيادة في الوصل تقول: منو يا هذا، ومنا يا هذا، ومني يا هذا ولا ينون، وتقول في المؤنث في الرفع: منت يا فتى، وفي الجر والنصب منت يا فتى يشير إلى الحركة، ولا ينون وفي التثنية: منان ومنتان يا فتى؟ فيكسر النون ومنين ومنتين يا فتى، فتفتح النون، ومنات يا فتى، فتضم التاء في الرفع وتكسر التاء وتنون نصبًا وجرًا.

فأما: (منون أنتم) فوجه على هذه اللغة التي حكاها يونس عن بعض العرب، ويكون استثباتًا عن المعارف إذا جهلت كالاستثبات عن النكرات وهو قليل، ولشذوذ هذه اللغة، قال يونس لا يصدق بها كل أحد، وقال سيبويه: هو شاذ لا يعرف في كلام ولا شعر إنما سمع في هذا البيت وحده، ولم يسمع في غيره، ووجهه على ما حكاه يونس، والكسائي من أن بعض العرب، قال: ضرب من منا، فأعربه (فمنون) جمع من المعرب، وصار بمنزلة (أي) و (أي) لا يحذف منه العلامات وصلاً فكذلك (من) ووجه الكسائي على أنه من إجراء الوصل مجرى الوقف، ووجه أيضًا على أنه من لغة من يجعل الزيادة في مستأنف الاستفهام فيقول: منو أنت، ومنان أنتما، ومنون أنتم... وحكى الكسائي: ضرب غلام من منا، بإعراب (من) المضاف إليها بالجر، وتنوينها، وبترك الإعراب فيها وتسكينها فتقول: ضرب غلام من منا... وقال بعضهم: ضرب من منا حذفت من الأول الزيادة، وأثبتها في الثاني، ومن قال: من يا فتى، فالظهر أنه اتباع وقيل: هو معرب، فيجرى مجرى (أي) في الإعراب، ومن التزم دخول الباء في (أي) التزامها فيمن يقول: بمن.

والوجه الثاني: أن تلحق من واوًا رفعًا، وألفًا نصبًا، وياء جرًا، سواء كان الاستثبات عن مذكر، أم مؤنث مفرد، أم مثنى، أو مجموع فتقول: منو ومنا ومنى وأهل هذه اللغة كأنهم أرادوا أن يحكوا إعراب الاسم السابق فقط، فألحقوا هذه الواو والألف والياء دالة على الحالات، ولا يكون الاسم بها معربًا، ولا يوجد اسم مبني في الوصل، معرب في الوقف.
وقد ذهب بعض من صنف إلى أن عد فيما رفع بالواو، ونصب بالألف، وجر بالياء في الحكاية، ويحمل ذلك على التسامح، لأنها معربة بذلك حقيقة.
واختلفوا في هذه الحروف اللاحقة فذهب المبرد، وأبو علي، إلى أنها حروف زيدت أولاً، ولزمت عنها الحركات، وذهب السيرافي إلى أن الحكاية وقعت بالحركات، ثم اتسعت، فتولدت عنها الحروف، وذهب بعضهم إلى أنها عوض من لام العهد، إذ النكرة إذا أعيدت كانت باللام، وذهب بعضهم إلى أن الحروف بدل من التنوين، ولا يجدي هذا الخلاف كبير فائدة وقال بعضهم: هذه الحروف في النصب والجر غير موافقة للعامل (فمن) مبتدأ على كل حال، والتقدير من الذي تكلمت به، والصحيح أنها موافقة فالتقدير في (منو) من قام، وفي (منا) من ضربت، وفي (منى) من مررت، وأجاز ابن خروف هذين التخريجين، وقوى قول من يقدر عامل النصب والجر وفيه إضمار حرف الجر، ومن التزم إظهاره في (أي)، التزمه في (منى) فتقول: بمنى.
ومن فروع هذا الباب، أنه إذا اجتمع مذكر ومؤنث، ألحقت في الآخر فتقول: لمن قال: رأيت رجلاً وامرأة: من ومنه تسكن الأول لأنه وصل ولمن قال: رأيت امرأة ورجلاً: من ومنًا.
اتفق الإعراب لهذا أو اختلف، فتقول لمن

قال: ضرب رجل امرأة: من منه، وفي عكسه: من منا، وكذا لو اتفقا في الوحدة كما ذكرنا، أو اختلفا فتقول لمن قال: رأيت رجلاً وامرأتين: من ومنتين، ورجلاً ونساء: من ومنات، ولمن قال: رأيت امرأة ورجلين: من ومنين، ونساء ورجلاً: من ومنا.
وهل يجوز أن يغلب الذكر على الأنثى؛ فيثنى بصيغة المذكر فتقول لمن قال رأيت رجلاً وامرأة: منين كما تقول: ضربت أحمرين في رجل أحمر، وامرأة حمراء؛ فيه نظر.
وإذا سألت (بأي) يجرى على هذا القياس، فتقول لمن قال: رأيت رجلاً وامرأة: أيا وأية، ولمن قال: رأيت امرأةً ورجلاً: أيةً وأيًا تجرى كل واحد منهما على ما يقتضيه إعرابه، وقياسه؛ إذ الزوائد تثبت في الوصل بخلاف (من) اتفقا في الإعراب، أو الوحدة أو العقل، أو اختلفا.
تقول لمن قال: رأيت رجلاً وحمارًا: أيًا وأيًا، وهل يجوز فيه تغليب المذكر على المؤنث فيه الاحتمال السابق.
ولو خلطت سؤال (من) مع (أي)، وذلك في العاقل وغيره قلت في قول من قال: رأيت رجلاً وحمارًا (من) و (أيا)، وفي قول من قال: رأيت حمارًا ورجلاً: (أيا)، و (من) فتأتي بكل واحد منهما على القياس مفردًا كان أو مثنى.
وإن استفهمت (بأي) عن معرفة قلت في مررت بأخيك: (أي)

أخوك؟ وفي رأيت الرجلين: أي الرجلان؟ وفي رأيت الرجال: أي الرجال؟ بالرفع على الابتداء وخبره ولو قلت: أيان الرجلان، وأيون الرجال؟ وأية المرأة؟ وأيتان المرأتان؟ وأيات النساء؟ جاز، وكان حسنًا، والإفراد والتذكير في هذا كله أحسن من الجمع.

فصل: العلم العاقل

العلم العاقل إن تيقن نفي الاشتراك فيه لم يحك، فمن قال: جاء الفرزدق، لا يقال له من الفرزدق؟ لانتفاء الاشتراك فيه وإن لم يتيقن؛ فتميم لا تحكى، بل ترفع (من) بالابتداء، وما بعده الخبر أكان ما قبله في كلام المخاطب مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا تقول لمن قال: قام زيد: من زيد؟، ولمن قال: رأيت زيدًا، من زيد؟ ولمن قال مررت بزيد: من زيد؟... وأهل الحجاز منهم من يوافق بني تميم، ومنهم من يحكى بعد (من) حركة الاسم في كلام المخاطب فيقول في من قال: قام زيد: من زيد؟ ولمن قال: رأيت زيدًا: من زيدًا؟ وفي مررت بزيد: من زيد؟... ومذهب الجمهور أن (من) مبتدأ، وزيد خبره كانت حركته ضمة أو فتحة أو كسرة... واختلفوا في حالة الرفع؛ فقيل: الحركة في من زيد؟ حركة إعراب وقيل حركة حكاية وهو الصحيح.
وذهب الفارسي إلى أنك إذا قلت: من زيدًا، ومن زيد كانت من مرفوعة بالابتداء، وخبره جملة محذوفة، و (زيدًا) بعض تلك الجملة، والتقدير عنده: (من) ذكرته زيدًا، ولم يفصح بإعراب زيد، والظاهر أنه يريد أنه بدل من الضمير المنصوب الذي قدره في الجملة؛ إذ قدر (من) ذكرته زيدًا، وكذا في الجر: من مررت به زيد، غلا أن زيدًا لا يكون بعض تلك الجملة إلا إذا قدر أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه، لا أنه على تكرار العامل، أو يتجوز في

جعله بعضًا؛ إن كان العامل هو المكرر، وذهب كثير من الكوفيين إلى أن (من) محمولة على عامل مضمر يدل عليه العامل في الاسم المستفهم عنه، والواقع بعد (من) بدل منها فالتقدير: قام (من) وزيد بدل منه، وضربت (من) وزيدًا بدل منه، وبمن مررت وزيد بدل منه؛ فيقدر العامل قبل من في الحكاية على حد قول العرب: ضرب من منا.
ونقل عن الكوفيين طريقة أخرى زعموا: أن لا حكاية أصلاً فإذا قيل: رأيت زيدًا فقلت: من زيدا، فالأصل زيدًا من؟ لأن السؤال عن صفته أي رأيت زيدًا من، كما قلت المني حين قال: رأيت زيدًا القرشي، وكذلك من زيدًا، وكذلك من زيد؛ أي مررت بزيد من، وكذلك من زيد لمن قال: جاءني زيد، أي: جاءك زيد من؛ فالاسم محمول على فعل في كلام المستثبت من لفظ المخبر المتقدم، وزعموا أن العرب تقول: من زيدًا أبا القاسم وخرجوه على ما خرجوا عليه من زيدًا من أنهم حكوا الأول، لكن هو معرب على حسب العامل؛ كما قدمنا فقالوا: الأصل أبا القاسم زيدًا من كما سمع رأيت أبا القاسم، وقال أبو إسحاق: إذا قلت من زيدًا فإنما تريد من الذي تقول في خبره رأيت زيدًا... انتهى.
فإذا دخل حرف العطف على (من)، وحكيت اثنين أو أكثر مما يحكى على حدته، وكررت (من) جازت الحكاية فتقول لمن قال: ضربت زيدًا وعمرًا: من زيدًا ومن عمرًا، ولا يبطل دخول الواو على (من) الحكاية، فإن لم

تعطف على (من) وأدخلت عليها حرف العطف بطلت الحكاية فتقول: ومن زيد لمن قال: قام زيد، وضربت زيدًا، ومررت بزيد.

فصل

غير العلم من المعارف، إن كان مضمرًا فلا يحكى؛ إلا على قبح قاله سيبويه، وهو شاذ جدًا ليس مما يعمل عليه، ومنه قولهم: مع منين استثباتًا لمن قال: ذهب معهم، وقال الزجاجي: لو قال رأيته، ومررت به لم يجز، إلا أن يقول في الاستثبات: من هو، ولا يجوز غير ذلك، وإن كان غير مضمر، فإما أن يكون وصفًا منصوبًا أو غيره: إن كان غيره، لم تجز فيه الحكاية بل تقول: من صاحبك ومن هذا، ومن الرجال، ومن الزيدان؟ وأجاز يونس: فيه الحكاية؛ فتقول: من أخاك، ومن أخيك، لمن قال: رأيت أخاك، ومررت بأخيك، والمجمع عليه من الرواة حكاية العلم اسمًا وكنية ولقبًا في لغة الحجاز، وحكى الأخفش أن منهم من يحكي الاسم مطلقًا اسمًا كان أو وصفًا أو ما كان، من تمرتان جوابًا لمن قال: ما عندنا تمرتان.
وإن كان وصفًا منصوبًا أدخلت على (من) أل، وألحقت ياء النسب؛ فقلت المني؟، لمن قال: قام زيد القرشي، إذا لم يفهم القرشي، فاستثبت عنه

ويعرب، ويؤنث، ويثنى، ويجمع بالواو والنون، والألف والتاء، وتثبت هذه الزيادات في الوصل والوقف؛ فإن فهمت الصفة المنسوبة، ولم تفهم الموصوف به لم تحك بل تقول: من زيد القرشي إلا على لغة من يحكي العلم المتبع، وهو قليل، وسيأتي، وقيل إذا قيل: ضربت زيدًا قلت: المني تحمله على كلامه مرفوعًا ومنصوبًا، ومجرورًا، يصير هنا بمنزلة (أي) ويجري فيه الخلاف أهو إعراب أم لا، وكأنك قلت أهو القرشي، فنابت (من) عن حرف الاستفهام، وأدخلت عليها لام التعريف، وحرف النسب حكاية بما يوصف به ويضاف إليه، ويطابق في الإفراد والتذكير وفروعهما، إلا أن التثنية والجمع لم يتمكنا هنا، فأجرى العطف مجراهما، والظاهر أنه مخصوص بنسب من يعقل؛ لأن (من) لا تكون إلا له، ولم يذكر سيبويه خصوصًا ولا عمومًا... وقال المبرد: هو مختص بمن يعقل، وأما نسبة ما لا يعقل فالقياس بما لأنها له، فإذا قيل: رأيت الحمار، وأردت نسبته قلت: آلمائي؟ وآلماوي؟.
وقال مبرمان: إذا سألت عن نسب ما لا يعقل نحو: أعوج، ولا حق، وضمران قلت: آلمائي وآلماوي؛ لأنه لا يعقل، والسؤال عنه بما، وقال وإن نسبت الفرس إلى من يعقل نحو: التميمي قلت: آلمني.
وقال السيرافي: (من) إنما تقع على المنسوب، فإذا قال: رأيت الحمار فقال: آلمني فمعناه من الذي نسبت إليه قال: فإن نسبت إلى ما لا يعقل كالوحشي والبكي قلت: آلمائي وآلماوي، وقال أبو العلا إدريس: الظاهر عموم النسب

بآلمني العاقل، وغيره: لأن الأكثر في (من) أن يكون لمن يعقل، فغلبوا العاقل، وصار آلمني يحتمل النسب لمن يعقل، ولما لا يعقل، وقيل الأقيس: أن يدخل فيه (أي) لا (ما)، لأنها لغير العاقل، ولها حظ في الحكاية، فتقول: لمن قال: رأيت الحمار، الأيوى نسبت إلى (أي) انتهى.
ولم يسمع آلمائي وآلماوي، إنما قاله المبرد، ومبرمان بالقياس، وأطلق سيبويه القول: آلمني في النسب إلى بلد أو صفة، أو قبيلة أو أب، وخص السيرافي ذلك بالنسب إلى الأب والأم والقبيلة، وقال: لم يسمع ذلك في النسب إلى الصنعة والبلد.
ومن قال: عندي عشرون فقلت له: عشرون ماذا؟ فماذا استفهام مستأنف عن التمييز، وليس من باب الاستثبات عن التمييز؛ إذ لم يجز ذكره في كلام المخاطب، كما توهمه بعضهم، ولو صرح بالتمييز فقال: عشرون رجلاً لم يجز أن يقول: عشرون منا، فلو قلت: عشرون ما أو عشرون ماذا؟ جاز.
ولو قال: كان زيد منطلقًا، فاستفهمت عن منطلق لقلت: كان زيد أي شيء، ترفع (أيا) بالابتداء، وتضم خبره فالتقدير: (أي شيء هو) ولو قال: رأيت زيدًا، وأنت تعرف زيودًا كثيرة استفهمت عنه بالصفات فقلت: آلطويل أم القصير، آلقرشي أم الثقفي تحكيه على لفظه، كما نطق به، فإن أجابك عنه

كان الجواب على قدر السؤال، فيكون الطويل بالنصب، كما سألت: عن منصوب والمعنى رأيت الطويل، ويجوز الرفع (ومن) كأي لا تحكى في باب أي ومن قطع هنا فقال: ألقرشي أم الثقفي على خبر ابتداء أي: أهو القرشي، هذا إذا عرفت زيودًا بصفات مختلفة أو من أنساب شتى.
فإذا أتبع العلم بتأكيد، أو بدل، أو عطف بيان، أو بوصف لم يجعل مع الموصوف كشيء واحد فلا حكاية فمن قال: رأيت زيدًا نفسه، أو رأيت زيدًا أخاك، أو رأيت أبا حفص عمر، أو رأيت زيدًا الطويل؛ فتقول في الاستثبات من زيد نفسه، ومن زيدًا أخوك، ومن أبو حفص عمر، ومن زيدًا الطويل.
أو بوصف مجعول مع موصوفه كشيء واحد وذلك ابن مضاف إلى العلم فتحكى تقول: من زيد بن عمرو لمن قال: رأيت زيد بن عمرو وكذلك في الرفع والجر.
وذهب أبو علي إلى الحكاية في الوصف والموصوف مطلقًا، أو بعطف؛ فذهب يونس وجماعة إلى أن العطف مبطل للحكاية كغيره من التوابع، وذهب غيرهم إلى جواز ذلك، فإذا كانا من قبيل ما يحكى حكيت تقول لمن قال: رأيت زيدًا وعمرًا: من زيدًا وعمرًا؟؛ فإن كان أحدهما من قبيل ما يحكى،

والآخر ليس كذلك بنيت على المتقدم منهما، وأتبعته الآخر في الحكاية أو إبطالها، تقول لمن قال: رأيت زيدًا، وصاحب عمرو: من صاحب عمرو وزيد؟ بالرفع، ولمن قال: رأيت زيدًا ورجلاً: من زيدًا ورجلاً؟ ولمن قال: رأيت رجلا وزيدًا: من رجل وزيد؟ وقيل تقول: من زيدًا ومنًا؟ إذا أخرت النكرة؛ فإن قدمتها قلت: ومن ومن زيدًا، ولا يمنع هنا من منع في من زيدًا، ومن أخو عمرو لأنه اختلط بما يحكى، وقيل: إن كان أحدهما مما لا يحكى؛ فإن أعدت من حكيت العلم دون الثاني، وإن لم تعد لم تحك، وقيل تجوز الحكاية.
وقال سيبويه: وأما ناس فقاسوا فقالوا: تقول من أخو زيد وعمرو، ومن عمرًا وأخا زيد، فتتبع الكلام بعضه بعضًا.
قال سيبويه: وهذا حسن.
وإذا كان الاسم مفردًا مجردًا من التركيب لفظًا وتقديرًا، وليس اسمًا لجملة، ودخل عليه القول، فقيل: يجوز أن يحكي ومنه [يقال له إبراهيم] فإبراهيم مفعول صريح بيقال، وقيل لا يجوز وهو الصحيح، وتأولوا هذا فقيل: على حذف حرف النداء أي يقال له: يا إبراهيم، وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي

هذا إبراهيم أو هو إبراهيم وزعم الأعلم: أنه يرتفع على الإهمال إذا لم يتقدمه عامل يؤثر فيه؛ إذ القول لا يعمل في المفرد إلا إن تضمن معنى الجملة نحو: حق وباطل فتقول: قلت حقًا وقلت باطلاً.
ويحكى اللفظ المفرد المنسوب إليه حكم هو للفظه أو يجري بوجه الإعراب اسمًا للكلمة أو للفظ إن كان مما يعرف فإذا قال: ضربت زيدًا جاز أن تقول: زيدًا مفعول بالنصب حكاية وأن تقول زيدًا مفعول بالرفع، ولك أن تؤنث ما يعود على الكلمة باعتبارها، وأن يذكر باعتبار اللفظ والمعنى إن قال: قام من في الدار، فتقول: من موصول أو موصولة، وفي من زيد (من) جار أو جارة، وتقول: زيد ثلاثي واضرب فعل أمر، فيسند للفظ وتعرف زيدًا، ويبقى اضرب على بنائه وهذا الإسناد اللفظي يشترك فيه الاسم والفعل والحرف.

فصل

الاستفهام على ضروب: طلب المعرفة، وهو الاستفهام الذي لا يشوبه شيء، واستفهام على طريق التسوية نحو: سواء على أقمت أم قعدت، واستفهام على سبيل التقرير نحو: ألم أحسن إليك، ولا يكون إلا بالهمزة، واستفهام على سبيل الإنكار وهو الذي يتكلم فيه هذا الفصل، فنقول: لا يكون من أدوات الاستفهام إلا بالهمزة متقدمة ثابتة في المشهور من اللغات، وحكى أبو زيد عن الكلابين أنهم قالوا لمن قال: رأيت زيدًا: زيد إنيه، بحذف الهمزة لدلالة علامة الإنكار عليها، وقال أبو المضاء منهم أزيدًا إنيه، فأتى بالهمزة، وهذا الإنكار الذي تلحقه العلامة لا يكون إلا عن مذكور في كلام المخاطب، فلو أنكرت ابتداءً لم تأت بالعلامة قيل: وربما لحقت الاستفهام الذي لا يشوبه شيء من الإنكار، سئل أعرابي عن إخوته وعن نفسه؛ فقيل له أخبرني عن أخيك زيد فقال: «أزيد إنيه فوالله ما رأيت أحدًا أسكن فورًا، ولا أبعد غورًا، ولا آخذًا بدين حجة قد تقدم رأسها من زيد»، قال: فهذا استفهام محض ليس فيه إنكار البتة، ويحتمل عندي التأويل على الإنكار؛ فإنه من شهرة الأوصاف الجميلة بحيث لا ينبغي أن يسأل عنه؛ إذ هو معلوم الأوصاف، وهذا الإنكار على ضربين: أحدهما أن ينكر أن يكون الأمر على ما ذكره المتكلم، فإذا قال: قام زيد فقلت: أزيدنيه كنت منكرًا لصدور القيام من زيد، ومكذبًا له في الإخبار عن زيد بالقيام، ولا يكون إلا في الخبر.

والضرب الآخر: أن ينكر المخاطب كون رأيه على خلاف ما ذكر من مخاطبته؛ فهو يسفهه في الرأي الذي ذكره، ويتعين بحسب القرينة، ويكون في الخبر نحو: اضرب زيدًا إن أساء، فتقول: أزيدنيه أي كيف لا تضربه وهذه حاله، وفي غير الخبر نحو: أأضرب زيدًا، فتقول: أزيدنيه أي كيف لا تضربه، وصورة الإنكار واحدة.
وقال ابن أبي الربيع: الإنكار إما لبعد وقوع ذلك أو لأنه معلوم أو لكون الأمر في نفسك بعيدًا قبل الإخبار، وهذا شبيه بالإنكار، انتهى.
وإلحاق علامة الإنكار ليس بحتم بل غالبًا، فيجوز لمن قيل له: قام زيد أن يقول: أزيدنيه، وأن يقول: أقائم زيد، ونحوه مما يؤدي المعنى، ويكون إنكارًا عاريًا من حكاية لفظ المتكلم، ولا يلحق علامة إلا في الوقف: وهي مدة تجانس حركة ما تقف عليه فتقول في قام عمر: أعمروه؟ وفي ضربت عمرا: أعمراه؟ وفي مررت بحذام والحارث: أحذاميه، أو ألحارثيه.
فإن كان الآخر ساكنًا نحو: موسى والقاضي رفعًا وجرًا، فقيل يلحق موسى ألفًا والقاضي ياءً، وهما علامة الإنكار، فيلتقي ساكنان؛ فتحذف ألف موسى وياء القاضي، وقيل: وهو الصحيح إذا كان مثل موسى والقاضي فلا تلحق إلا إن، وتلحق الياء لإن، وهاء السكت فتقول: أموسى إنيه، والقاضي إنيه، وقالوا: أنا إنيه، ولو كان على القول الأول لقالوا: أأناه؟ وإن كان الساكن ياء إضافة في لغة من سكنها حذفت الياء، كما حذفت في

الندبة؛ فتقول في: قام غلامي: أغلاماه على قول من لا يلحق إن، ومن ألحق قال: أغلامي إنيه.
وإن كان الساكن تنوينًا، كانت العلامة ياء ساكنة يكسر لها التنوين فتقول في قام زيد: أزيدنيه، وفي أرأيت زيدًا: أزيدنيه، وفي مررت بزيد: أزيدنيه؛ فإن كان آخر الاسم قد حذف لأجل التنوين نحو: رام وعصا؛ فالقياس: أن يكسر التنوين؛ فيعود المحذوف لزوال موجب حذفه، وهو التقاء الساكنين فتقول: أعصانيه، وأرامينيه.
وقد يقال: حكمه حكم زيد إبقاء للحكاية فتقول: أعصنيه وأرامنيه، ويجوز أن تزيد (إن) في آخر الكلمة؛ فإن كان آخره غير تنوين زدت (إن) من غير تغيير، ولحقت النون العلامة وهي ساكنة: فيلتقي ساكنان فتكسر نون (إن) لالتقائهما، فيلزم أن تكون العلامة ياء، كما كانت في المنون الذي لم يزد بعده (إن) فتقول: أأحمدنيه.
وإن كان تنوينًا؛ فثلاثة أوجه أحدها: إقرار التنوين ساكنًا، وتحقيق همزة (إن) فتقول: أزيدإنيه.
والثاني: إدغام التنوين في نون (إن) بعد حذف الهمزة فتقول: أزيدنيه، وزعم ابن هشام، وابن أبي الربيع: أن الهمزة حذفت من (إن) ابتداءً، وأدغم التنوين في (إن)، وأقول: إنه نقلت حركة الهمزة إلى التنوين بعد حذفها فصار أزيدنيه، فأدغم النون التي هي للتنوين في نون (إن) كما قالوا في قوله تعالى: [لكنا هو الله ربي] أصله لكن أنا هو الله ربي، فعمل فيه ذلك وأدغم، وقيل ما حكاه أبو زيد من قولهم: أزيدنيه بتشديد النون لم يرد (إن) آخر الكلمة، وإنما ثقل التنوين على حد من وقف على الحرف بالتشديد نحو: سبسبا.
والثالث: نقل حركة الهمزة إلى التنوين بعد حذفها، فصار أزيدننيه بالفك من غير إدغام، وقد تدخل (إن) على ما يصح به المعنى، وإن لم يحك، ومن ذلك

قول بعض العرب، وقد قيل له: أتخرج إن أخصبت البادية؟ فقال: أأنإنيه لما خاطبه، فقال: أتخرج وفيه ضمير المخاطب مستكنًا فلا يبرز، فتلحقه (إن) أدخلها على أنا، ولم يحك كلام السائل، وصح به المعنى، والإنكار الذي أراده، وحكى الجرمي: أجلستاه في جلست رجع إلى الخطاب، كما رجع أأنإنيه إلى المتكلم، قال: وأجلستوه حين حكى حالة اللفظ، وقال سيبويه ومن قال: أذهبتوه قال أأناه يريد أنه تدخل المدة على أنا، وتأويل أبي على القالي على أنه حذف الألف الأولى خطأ بين؛ إذ ألف (أنا) لا تثبت في الوقف، ومن قال: أذهبتوه حكى فيه كلام المتكلم وهو في مثل هذا قليل وقياسه أن يقول: أأنت إنيه؟ لأن الضمير في ذهبت لا ينفصل وكان يكون كقولهم: أأنا إنيه حيث كان الضمير في يخرج لا ينفصل، وعلى هذا تقول في ضربته: أأناهوه، وفي ضربتها أأنا إياها إنيه ولا تقول: أهواه ولا أهياه.
والخلاف الذي في الاسم بعد (من) على قول من يحكي أهو معرب أو لا، جار أيضًا هنا، ومن قال: هو معرب، ولزم الإتيان بالجر فيلزم هنا أيضًا فيقول في: مررت بزيدك أبزيدنيه، وتلحق العلامة آخر الصفة، وآخر المعطوف فتقول في قام زيد الفاضل، وقام زيد وعمرو: أزيد الفاضلوه، وأزيد وعمرنيه، وفي ضرب زيد العاقل عمرا الخبيث: ضرب زيد العاقل عمرًا الخبيثاه.
والإنكار في القول، وفي أجزائه الضرورية من الاسم والفعل دون الحرف؛ إذ هو إنما يكون في الخبر نفسه، أو في نسبه جزء ما إلى غيره.

قيل ولا يبعد أن يكون في الحروف المفيدة معنى نحو: قام زيد ثم عمرو، وإذا أنكرت عليه المهلة، فالقياس يقتضي أن تقول: أثماه فيه نظر.
وإذا فصلت بين الهمزة وبين ما تريد أن تلحقه علامة الإنكار بنحو: أتقول أو بالظرف نحو: اليوم، فتقول لمن قال: قام أحمد أتقول أحمدًا، أو اليوم أحمد؟ لم تلحقه العلامة، فلو صرحت بالعامل في الذي تريد أن تلحقه العلامة جاز لحاقها؛ فتقول: لمن قال: ضربت زيدًا: أضربت زيدنيه، وزعم ابن الطراوة أن حرف الإنكار ما صرح معه بالعامل، وإذا قلت: ضربت زيدًا لم تقل إلا أزيدنيه، ولا يجوز: أضربت زيدنيه، إنما تقول أضربت زيدا، وقد نص سيبويه على جواز: أضربت عمراه، ولم يعتد بالعمل في عمرو فصلاً، وإذا فصلت، أو استفهمت غير منكر، أو متعجب، لم تلحق هذه العلامة، والهاء التي بعد العلامة هاء السكت.
التذكار قطع اللفظ عن تمام المقصود منه بسبب عدم ذكر تمامه في الحال، فيعرض للمتكلم توقف في بعض أجزائه، فجعلوا علمًا له في آخر الكلمة، ليتذكر عندها ما بعدها، ولا يقصد الوقف، فإن قصد لم تلحق العلامة ووقف عليه على ما أحكم في باب الوقف، ثم ما نقف عليه للتذكار إن كان متحركًا، كانت العلامة مدة تجانس الحركات نحو: قالا، ويقولوا، والعامي، ومنا في من ابنك، ومنى في من الرجل في لغة من فتح نون (من) مع ابن، وكسرها مع (أل).
وإن كان ساكنًا حرف مد ولين مكن مده واستغنى بذلك عن إلحاق العلامة،

وقيل تأتي بمدة التذكار فينحذف ما هو من نفس الكلمة؛ إذ حرف التذكار دخل لمعنى، أو حرف لين صحيحًا، فالعلامة ياء ساكنة تقول: هذا سيفنى، وقدى، وألى، واخشى، واسعوى، وكيى، ولوى في سيف، وقد، وأل، واخشى، واسعوا، وكي، ولو، ولا تلي هذه العلامة هاء السكت.

جارٍ التحميل