ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسيصفحات 1735-1762

اكتالوا على الناس» أي من الناس، وبمعنى الباء كقوله تعالى: «حقيق علي أن لا أقول» أي بألا أقول، وزعم الكوفيون والقتبي أنها تكون بمعنى اللام وأنشدوا قول الراعي: رعته أشهرا وخلا عليها … فطار الني فيها واستغارا أي خلالها، وذكر ابن مالك أنها تأتي للتعليل قال كقوله تعالى: «ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم» انتهى، وهذا كله تأوله المخالف، وقد جاء حذف (على) في الشعر نحو قوله: ......... … وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني يريد لقضى علي، وأجاز أبو الحسن حذفها في الكلام، ونصب ما بعدها مفعولاً به، وجعل من ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس: «لأقعدن لهم صراطك المستقيم».

ونص سيبويه على أن (عن) و (على) لا تزادان، وتقدم قول ابن مالك في (عن) أنها تزاد عوضًا، وقال: تزاد (على) وأنشد: أبى الله إلا أن سرحة مالك … على كل أفنان العضاة تروق قال: زاد على، لأن راق متعدية مثل أعجب تقول: راقني حسن الجارية، وقال تزاد عوضا وأنشد: إن الكريم وأبيك يعتمل … إن لم يجد يومًا على من يتكل وتبع في ذلك ابن جني: قال ابن جني: أراد إن لم يجد يومًا من يتكل عليه فحذف عليه، وزاد (على) قبل (من) عوضًا.
انتهى.
وما استدلوا به على الباء، و (عن)، و (على)، تزاد عوضًا لم يقم عليه دليل، وقد ذكرنا في الشرح تأويل ذلك على أحسن وجه، ولم يكف ابن مالك أن

استدل بشيء محتمل مخالف لنص سيبويه حتى قال: ويجوز عندي أن يعامل بهذه المعاملة (من) واللام و (إلى) وفي قياسًا على (عن)، و (على)، و (الباء) فيقال: عرفت ممن عجبت، ولمن قلت، وإلى من أويت، وفي من رغبت والأصل: عرفت من عجبت منه، ومن قلت له، ومن أويت إليه، ومن رغبت فيه، فحذف ما بعد (من)، وزيد ما قبلها عوضًا انتهى ما قاله، وما أجازه ليس بصحيح، ولو استدل بشيء لا يحتمل التأويل لكان من القلة بحيث لا يقاس عليه.
(رب): عند البصريين حرف جر، وعند الكوفيين، وابن الطراوة: اسم وفي الإفصاح: قال الفراء، وجماعة من الكوفيين: إن (رب) اسم معمولة لجوابها كـ (إذا)، أو حين في الظروف، وتقدمت عندهم لاقتضائها الجواب، وهي مبنية قالوا: وقد يبتدأ بها فيقال: رب رجل أفضل من عمرو، ويقال: رب ضربة ضربت، ورب يوم سرت، بتقدير الظرف، ورب رجل ضربت مفعول، ورب رجل قام مبتدأ كما يكون ذلك في كم، انتهى.
ومذهب البصريين أنها للتقليل، قال أصحابنا في جنس الشيء، أو في نظيره.
وزعم صاحب كتاب العين أنها للتكثير، ولم يذكر أنها تجيء للتقليل، ونسب ابن خروف هذا المذهب إلى سيبويه، وذهب الكوفيون، والفارسي في كتاب الحروف له: أنها تكون تقليلاً وتكثيرًا، وذهب بعضهم إلى أنها للتكثير في موضع المباهاة والافتخار.

وذهب بعضهم إلى أنها لم توضع لتقليل، ولا لتكثير، بل ذلك مستفاد من سياق الكلام، وهذا الذي نختاره من المذاهب، وفي البسيط: ذهب البصريون إلى أنها للتقليل كالخليل، وسيبويه، وعيسى بن عمر، ويونس، وأبي زيد، وأبي عمرو بن العلاء، والأخفش، والمازني، والجرمي، والمبرد، والزجاج، وابن السراج، والزجاجي، والفارسي، والسيرافي، والرماني وابن جني، وجملة الكوفيين كالكسائي والفراء وهشام، وابن سعدان ولا مخالف لهؤلاء إلا صاحب العين، فإنه صرح بكونها للتكثير دون التقليل، وفي الإفصاح وقيل: إنها للتكثير، وقال به جماعة منهم صاحب العين، وابن درستويه، وقال ابن الباذش، وابن طاهر هي لمبهم العدد فيكون تقليلاً، وتكثيرًا، وقال أبو نصر الفارابي في كتاب الحروف له: أكثر ما تكون للتقليل.

ورب عندنا ثلاثية الوضع، وعرض التصرف فيها خلافًا لابن فضال، إذ زعم أنها ثنائية الوضع فقياسها أن تكون ساكنة كـ (هل)، و (بل)، وإن فتح الباء مع تخفيفها ودون التاء ضرورة لا لغة، ولغاتها: رب، ورب، وربت، وربتا، ورب، وربت، ورب، وربت، ورب، ورب.
وزعم ابن فضال: أن فتح الراء نقله أبو حاتم، وأنه في جميع ذلك شاذ، ومجرور (رب) نكرة، وضمير، ولا يجر معرفًا بأل، وأجاز ذلك بعضهم وأنشد: ربما الجامل المؤبل فيهم ….................. بخفض الجامل وصفته، فالنكرة تكون معربة، ومبنية، كقوله: ألا رب من تغشه لك ناصح ….............

وتجر مضافًا إلى ضمير مجرورها معطوفًا عليه بالواو، ويقاس على ذلك وفاقًا للأخفش نحو: رب رجل وأخيه يقولان ذلك، ويقاس على ما سمع من ذلك، وشذ رب أبيه ورب أخيه، ورب واحد أمه، ولا يجوز الفصل بينها وبين النكرة، وأجاز علي بن المبارك الأحمر: الفصل بينهما بالقسم فتقول: رب والله رجل صالح لقيته، ووهم ابن عصفور في نسبته جواز الفصل بالقسم لخلف الأحمر، وغره شهرة خلف الأحمر، وجاء في الشعر الفصل بينهما بالجار والمجرور ولا يقاس عليه نحو قوله: رب في الناس موسر كعديم …................ ونحو قوله: يا رب عنا غمرة جلاها وقول زيد الخيل: ويندب شماح بن عمرو ورهطه … ويا رب منهم دارع وهو أشوس

واختلفوا في وصف مجرورها النكرة، فذهب الأخفش، والفراء، والزجاج، وأبو الوليد الوقش، وابن طاهر، وابن خروف، إلى أنه لا يلزم وصفه، وهو ظاهر كلام سيبويه.
وذهب ابن السراج، والفارسي، والعبدي، وأكثر المتأخرين منهم الأستاذ أبو علي، وفي البسيط: أنه رأى للبصريين إلى أنه يلزم وصف مجرورها، واختلف النقل عن المبرد، وأكثر وقوعها صدرا، وجاءت خبرًا لإن في قوله: أماوى إني رب واحد أمه … أخذت فلا قتل لدي ولا أسر وخبرًا لأن المخففة من الثقيلة كقوله: تيقنت أن رب امرئ خيل خائنا … أمين وخوان يخال أمينا وجوابًا لـ (لو) وهو غريب في قوله: ولو علم الأقوام كيف خلفتهم … لـ (رب) مفد في القبور وحامد

وليس مجرورها، دائما في موضع نصب خلافًا للزجاج، ومن وافقه، بل يحكم على موضعها بالرفع والنصب على حسب العامل بعدها، ويجوز فيه الاشتغال إذا كان العامل قد عمل في ضميره، أو سببه نصبًا لفظًا، أو محلاً، و (رب) زائدة في الإعراب لا في المعنى وفاقًا للأخفش، والجرمي، ويجوز العطف على موضع مجرورها إن رفعًا فرفع، وإن نصبًا فنصب كما قال امرئ القيس: وسن كسنيق سناء وسنما … ذعرت بمدلاج الهجير نهوض وقال أبو بكر عاصم بن أيوب البطليوسي: من جعل سنمًا للبقرة عطفه على موضع: وسن، لأنه في موضع المفعول بـ (ذعرت) تقول: ذعرت بهذا الفرس ثورًا، وبقرة، وهو بعيد عند بعض النحويين أن يجعل لـ (رب) موضع من الإعراب، ومذهب أكثر النحويين منهم المبرد، والفارسي أن العامل يجب أن يكون ماضيًا، وذهب ابن السراج إلى أنه يجوز أن يكون حالاً، ومنع أن يكون مستقبلاً، والصحيح أن العامل يكون ماضيًا في الأكثر، ويجوز أن يكون حالاً ومستقبلاً ومما جاء مستقبلا قول جحدر:

فإن أهلك ف (رب) فتى سيبكى … علي مهذب رخص البنان وقال الكسائي: العرب لا تكاد توقع (رب) على أمر مستقبل، وهذا قليل في كلامهم، وإنما يوقعونها عن الماضي، ثم استعذب عن قوله تعالى: «ربما يود» ثم قال ومع هذا يحسن أن يقال في الكلام: إذا رأيت الرجل يفعل ما يخاف عليه منه: ربما يندم، وربما يتمنى أن لا يكون فعل، وهذا كلام عربي حسن، ومثله قال الفراء والمبرد.
انتهى.
ومن التزم المعنى في العامل تأول ما ظاهر خلافه، وهذا كله مبني على أن (رب) يتعلق، وفي ذلك خلاف، وذهب الجمهور إلى أنها تتعلق بالعامل، وذهب الرماني، وابن طاهر، إلى أنها لا تتعلق، واختلف من قال: إنها تتعلق في حذف ما يتعلق به فذهب الخليل، وسيبويه إلى أن حذفه للعلم به نادر، وذهب الفارسي إلى أن حذفه كثير، وتبعه الجزولي، وذهب لكذة الأصبهاني إلى أنه لا يجوز حذفه ألبتة، ولحن ما روى من ذلك.
وذهب بعضهم إلى أنه يلزم حذفه، لأنه معلوم كما حذف في تالله، وبسم الله، وفصل بعض أصحابنا فقال: إذا كان ثم ما يدل على العامل، ولم تقم الصفة مقامه، فإن شئت حذفته، وإن شئت أظهرته، وإذا كانت الصفة تقوم مقامه فلا يجوز إظهار العامل مثال ذلك: أن تسمع إنسانًا يقول: ما لقيت رجلاً عالمًا فتقول:

رب رجل عالم لقيت فلك ألا تذكر لقيت، وتكتفي برب رجل عالم جوابًا له.
وإذا كان ذلك ابتداء فلا بد من إظهار الفعل، لأنك لو حذفته لم يعلمه سامعك، ومثل ما لا يظهر الفعل فيه، لأن الصفة تقوم مقامه قولك: رب رجل يفهم هذه المسألة لمن قال لك: قد فهمتها، والتقدير: رب رجل يفهم هذه المسألة وجدت، فمثل هذا لا يظهر، فتخلص في الحذف خمسة أقوال: الوجوب، والمنع، والندور، والكثرة، والتفصيل، والمفرد بعد (رب) في معنى جميع، إلا إذا حصرته قرينة في واحد نحو قوله: ألا رب مولود وليس له أب …............ ويكثر وقوعها صدر جواب شرط مصحبوة بـ (يا) نحو قوله: فإن أمس مكروبًا فيا رب قينة …...............

وغير مصحوبة بـ (يا) نحو قوله: فإن أهلك فرب فتى سيبكي …......... وقد يصحبها (يا) في غير ذلك نحو: يا رب رجل عالم لقيته، و (يا) تنبيه ويجوز أن يلتقي القسم بالجملة التي هي صدرها مع اللام نحو: والله لرب رجل عالم صحبته، ووصف مجرورها كوصف غيره من الأسماء، فتوصف بالمفرد وبالجملة الفعلية، والاسمية نفيًا وإثباتًا، وأكثر ما تكون المثبتة مصدرة بماض، وتجيء بالمضارع وبالمفتتح بحرف التنفيس، وأكثر ما يأتي الفعل الذي يتعلق به ماضيًا، وقد يكون (لو) وجوابها نحو: رب رجل صالح لو لقيته لخدمته، ومنفيًا بـ (لن)، ولا يتقدم عليها ما يتعلق به، لا يجوز: لقيت رب رجل عالم، ويتقدم (ألا) الاستفتاحية نحو قوله: ألا رب يوم صالح قد شهدته …............... وتضمر بعد الفاء في جواب الشرط نحو قوله: وإن أهلك فذي حنق لظاه …............ أي فرب ذي حنق، وفي غير الجواب نحو قوله:

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ….......... في رواية من خفض (مثلك) وبعد (بل) نحو قوله: بل بلد ذي صعد وأضباب وزعم بعض النحويين أن الخفض هو بالفاء، و (بل) لنيابتهما مناب (رب)، وتقدم الكلام في واو (رب)، وأن مذهب المبرد، والكوفيين: أن الجر بها نفسها لا بإضمار (رب) بعدها، وبـ (رب) مضمرة بعد الواو، وهو مذهب البصريين، وقد جاء الجر بها مضمرة بعد ثم حكاه صاحب الكوفي، ودون حرف نحو قوله: رسم دار وقفت في طلله …..........

وواو (رب) هي في الأصل حرف عطف، ولذلك لا تدخل عليها (واو) العطف، إذ هي جواب لسؤال ملفوظ به أو مقدر.
والضمير المجرور بـ (رب) مبهم، وليس جره بقليل ولا شاذ خلافًا لزاعم ذلك، ومذهب الفارسي وكثير من النحاة أنه معرفة، وجرى مجرى النكرة في دخول (رب) عليه لما أشبهها في أنه غير معين.
وذهب بعض النحويين إلى أنه نكرة، وهو اختيار الزمخشري، وابن عصفور، وهو لازم التفسير بنكرة منصوبة غير مفصولة بينها وبين الضمير بشيء، وجاء جره في الشعر في قوله: ............ … وربه عطبا أنقذت من عطبه كأنه نوى (من)، وهو شاذ لا يجوز في الكلام، ومن قال: يوصف مجرور «رب» النكرة لا يقول ذلك في تمييز «ربه رجلاً» و «ربه رجلا» أفخم وأمدح من رب رجل، وهذا الضمير عند البصريين يجب أن يكون مفردًا مذكرًا على كل حال سواء أكان التمييز مفردًا أو مثنى أو مجموعًا مذكرًا، أم مؤنثًا، وقال الشاعر: ربه فتية دعوت إلى ما … يورث المجد دائبًا فأجابوا

وحكى الكوفيون مطابقة الضمير للتمييز نحو: «ربه رجلا» وربها امرأة، وربهما رجلين، وربهم رجالاً، وربهن نساء.
وزعم ابن أبي الربيع: أن حذف ما تتعلق به (رب) لازم الحذف، وقوله: ............. … ربه عطبًا أنقذت من عطبه وربه فتية دعوة …............. يدل على ذكر الفعل الذي يتعلق به، والعامل في التمييز الهاء أشبهت (عشرين)، وتجيء (ما) زائدة بعد (رب) الجارة النكرة نحو قوله: ربما ضربة بسيف صقيل …............... وكافة، فتهيئها لمجيء الفعل الماضي نحو قوله: ربما أوفيت في علم …............ والمضارع نحو قوله تعالى: «ربما يود»، وقوله: ربما تكره النفوس من الأمر …............

والكوفيون وابن السراج جعلوا (ربما يود) على إضمار كان، ولا يجوز على مذهب سيبويه، وقال ابن يسعون في قوله تعالى: «ربما يود»: قد تكون (ما) نكرة موصوفة؛ «أي رب ود يوده الذين كفروا»، والمضارع بعد (ربما) يجوز عند كثير من النحاة أن يكون مستقبلاً، وزعم جماعة أنه لا يكون إلا ماضيًا، فيتأول المضارع بماض، وزعم المبرد أنه يجوز أن يلي (ربما) الجملة الابتدائية كما قال: .................. … ربما ظاعن بها ومقيم فتصير نحو: إنما إن جاءت الجملة فعلية كانت (ما) مهيئة وإن كانت اسمية كانت كافة، ومذهب سيبويه أن (ربما) إذا لم يكن بعدها مجرور تكون (ما) مهيئة فلا تليها إلا الجملة الفعلية المصدرة، بماضٍ لفظًا، ومعنى يلي ربما نحو: ربما ضربت زيدًا ولا يجوز: ربما زيدًا ضربت إلا في شعر، وربما حذف الفعل بعدها.

قال في النهاية: ويجوز حذف الفعل بعد (ربما)، لأن (رب) قد كفت عن العمل، فصارت داخلة على الجملة، فالحذف واقع عليها لا على المفرد، يقول القائل: أزرت زيدًا؟ فتقول: ربما؛ أي ربما زرت، فطول الكلام بالتركيب عوض من الفعل المحذوف، ولم يحضرني في ذلك شعر للعرب، ولكني وجدت في شعر أبي تمام: عسى وطن يدونو بهم ولعلما … وإن تعتب الأيام فبهم فربما أي فـ (ربما) بشرت أو إعادتهم انتهى.
ويجوز لحاق (التاء) لها تقول: ربتما قام زيد، وإذا وقفت على ما لحقته التاء، فالوقف بالتاء؛ لأنها ليست تعقب الإعراب، فهي كتاء قامت، وبعض النحاة وقف بقلب التاء هاء، وهو مما أجازه الكسائي؛ لأن قبلها فتحة كـ (تاء) شجرة.
(منذ ومذ) المحذوفة منها إذا جرتا مذهب الجمهور أنهما حرفان، وتقدم الكلام فيهما في الظرف، وفي النهاية: قالوا (مذ) و (منذ) حرفان، وفي هذا نظر إذ قالوا أصل مذ: منذ حتى لو صغر (مذ) اسم رجل قالوا فيه: منيذ، ولو جمعوه لقالوا: أمناذ ويلزم على قولهم: أن تكون (أن) المخففة من أن وإن حرفان، وأن (رب) باعتبار لغاتها عشرة أحرف، وأن يكون ددًا ودد، ودد ثلاثة أسماء، ولا يدعى أن أصل (مذ): منذ إلا بعد تقدم العلم، أن المحذوف من (مذ) العين، وأنها نون، وقد استدل لذلك بالتوافق في أكثر الحروف وفي المعنى.
وتقول بعض العرب: (مذ) بضم الذال، وتقرر أن الكلمة الثنائية اللازمة البناء لا تحرك نحو: (من) و (إن) فلولا أنهم نحوا بها أصلاً ما حركوها.

وما هذه الضمة إلا عودًا للأصل، كما قالوا: ذهبتم الآن، فضموا ميم الكلمة، وذهب بعض المتأخرين: إلى أن المحذوف من (مذ) لام الكلمة، فلو سميت به لقلت في تصغيره: مذي، وفي تكسيره أمذاء انتهى.
(عدا وخلا) في الاستثناء تقدم الكلام عليهما فيه، وصح الجر بهما عن العرب.
(متى) تكون ظرفًا وشرطًا، واستفهامًا، وقال أبو سعيد السكري: (متى) بمعنى (من)، ولم ينسبها لهذيل ونسبها بعضهم لبعض، وأنشد أبو سعيد: ............ ثم ترفعت … متى لجج.......... ......... … متى أقطارها.......... أي من لجج ومن أقطارها.
[وقال] ابن مالك: هي في لغة هذيل حرف جر قال: ومن كلامهم: أخرجها متى كمه: أي من كمه، ونقل بعضهم أن (متى) تكون بمعنى (وسط) فتجر ما بعدها، وحكى: وضعها متى كمه أي وسط كمه، ويحتمل أن يكون متى لجج، ومتى أقطارها أن تكون بمعنى وسط، فيكون ظرفًا مكانيًا.

(بله): تقدم الكلام عليها في آخر باب الاستثناء والجر بعدها هو المجمع على سماعه من لسان العرب في نحو قوله: بله الأكف كأنها لم تخلق واختلفوا فيها، ومذهب الأخفش: أنها حرف جر بمعنى (من)، والرباعي حتى، وحاشا، وأيمن، ولعل، وهذه بسائط، ولولا وهي مركبة من لو، ولا.
(حتى): لها حكم في العطف تذكر فيه، وحكم إذا انتصب الفعل بعدها، وتقدم ذكره في نواصب المضارع، وحكم إذا جاء بعدها المبتدأ والخبر، وحكم في حروف الجر، وهو ما نحن بصدده فمذهب البصريين أنها بنفسها حرف جر.
وقال الفراء: تخفض لنيابتها عن (إلى) كواو القسم، وواو (رب) للنيابة عن الباء، ورب، وربما أظهروا إلى بعدها في بعض المواضع قالوا: جاء الخبر حتى إلينا، جمعوا بينهما على تقدير إلغاء أحدهما انتهى.
والاسم الصريح الجاري بعدها بالنسبة إلى ما يجوز فيه من الإعراب، إما أن يقع بعده ما يصلح خبرًا أو لا، إن لم يقع، فإما أن يتقدم ما يصلح أن يكون ما بعد حتى غاية له أو لا يتقدم، إن لم يتقدم نحو: العجب حتى الخز يلبس زيد، فأجاز الجر فيه الكسائي والفراء، ومنعه البصريون.
وإن تقدم ما يصلح أن يكون غاية له، فإما أن يكون جزاء لما قبلها أو لا، إن لم يكن فالجر نحو: نمت الليل حتى الصباح، وإن كان جزاء واختفت به قرينة تدل

على أنه غير داخل في حكم ما قبله فالجر نحو: صمت الأيام حتى يوم الفطر، أو لم يختف فالجر، ويجوز التشريك بالعطف فيتبع، والعطف لغة ضعيفة، ويتعين العطف إذا اقترنت به قرينة تدل عليه نحو: ضربت القوم حتى زيدًا أيضًا، ولا يجيز البصريون رفعه على الابتداء والخبر محذوف، وأجازه بعض الكوفيين.
وإن وقع بعد الاسم ما يصلح أن يكون خبرًا فإما أن يكون اسمًا مفردًا، فيتعين أن يكون (حتى) حرف ابتداء نحو: ضربت القوم حتى زيد مضروب، أو ظرفًا، أو مجرورًا، فيجوز الابتداء والجر، والعطف نحو: القوم عندك حتى زيد عندك، والقوم في الدار حتى زيد فيها، أو جملة اسمية، وما بعدها شريك في المعنى، فتلك الأوجه نحو: ضربت القوم حتى زيد أبوه مضروب، وأجاز الكوفيون الجر في: ضربت القوم حتى زيد فتركت، ومنعه البصريون وإن ساوى ما قبله في كونه غير شريك، أو جملة فعلية وهو غير شريك فالرفع بالابتداء، والحمل على إضمار فعل يفسره ما بعد حتى نحو: ضربت القوم حتى زيدًا ضربت أخاه، أو شريك والفعل عامل في ضمير الاسم الذي قبل حتى فالجر والعطف نحو: ضربت القوم حتى زيد ضربتهم، أو في ضمير ما بعد حتى فالابتداء، والجملة خبره، وحمله على إضمار فعل يفسره الفعل بعده، والجر والعطف نحو: ضربت القوم حتى زيد ضربته، وزعم بعض شيوخ الأندلس: أن الخفض والعطف في هذه المسألة لا يجوزان، وزعم الكوفيون: أنه لا يجوز الجر في ضربت القوم حتى زيد ضربته إلا أن تقول فضربته، وأجاز الجر فيها وفي المسألة قبلها البصريون.

قال أصحابنا: إذا جرت (حتى) لا يكون ما بعدها إلا داخلاً فيما قبلها نحو ضربت القوم حتى زيد، فتكون انتهاء الغاية به، إلا أن تدل قرينة على خلاف ذلك.
وزعم ابن مالك أنه قد يكون انتهاء الغاية عنده لا به، وزعم أن سيبويه، والفراء، أشارا إلى ذلك.
وحكى عن ثعلب أن (حتى) للغاية، والغاية تخرج وتدخل يقال: ضربت القوم حتى زيد، فيكون مرة مضروبًا، وغير مضروب، وقال مثله (صاحب الذخائر)، وفي الإفصاح: اختلف الناس فيما بعد حتى إذا كانت جارة هل تدخل فيما قبلها أم لا، فذهب المبرد.
وأبو بكر، وأبو على أنه داخل على كل حال، وقال الفراء، والرماني: تدخل ما لم يكن غير جزء نحو قولهم: إنه لينام حتى الصباح.
وصرح سيبويه: أن ما بعدها داخل فيما قبلها، ولا بد لكنه مثل بما هو

بعض مما قبله قال: واتفقوا على أنها إذا عطفت دخل ما بعدها فيما قبلها، وأنها لا يعطف بها إلا حيث يجر ولا يلزم العكس، وعلى أنه إذا لم يكن ما قبلها ما يعطف عليه لم يجز إلا الجر نحو: «حتى مطلع الفجر» و «حتى حين» وقال ابن مالك: ولا يلزم أن يكون يعني مجرور حتى آخر جزء أو ملاقي آخر جزء، خلافًا للزمخشري واستدل بقوله: عينت ليلة فما زلت حتى … نصفها راجيًا فعدت يئوسا وهذا الذي نقله عن الزمخشري هو قول أصحابنا، وهو أنه لا بد أن يكون آخر جزء من الشيء نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أو ملاقي آخر جزء نحو: سرت النهار حتى الليل، ولو قلت: أكلت السمكة حتى وسطها، وسرت النهار حتى نصفه لم يجز ذلك، بل إذا أردت المعنى أتيت بـ (إلى) فقلت: أكلت السمكة إلى وسطها، وسرت النهار إلى نصفه، فـ (إلى) في استعمالها لانتهاء الغاية أقعد من (حتى)، لأنها تدخل على كل ما جعلته انتهاء غاية.
وسواء أن يكون آخر جزء من الشيء، أو ملاقيًا آخر جزء أو لا يكون، وما استدل به ابن مالك لا حجة فيه لما بيناه في شرح كتابه التسهيل، ولا يكون المجرور بحتى ضميرًا هذا مذهب سيبويه، وأجاز الكوفيون، والمبرد جرها الضمير فتجره متكلمًا، ومخاطبًا، وغائبًا، قياسًا على قوله:

.......... … فتى حتاك يا ابن أبي زياد وهذا عند البصريين ضرورة، وقولهم حتى حرف ابتداء ليس المعنى أنه يجب أن يكون بعدها المبتدأ والخبر، بل المعنى على الصلاحية، فـ (متى) كان بعدها المبتدأ، والخبر، أو جملة فعلية مصدرة بماض نحو قوله تعالى: «حتى عفوا»، أو بمضارع مرفوع أطلق عليها حرف ابتداء، وإبدال الحاء عينًا لغة هذيلية، قرأ عبد الله بن مسعود: «ليسجننه حتى حين» وإمالة ألف حتى لغة يمنية.
(حاشا): ثبت عن العرب أنها تنصب، وتجر، وتقدم الكلام عليها في باب الاستثناء.
(أيمن): الجمهور على أنها اسم، فعند سيبويه اسم مفرد، وألفه ألف وصل، وعند الفراء جمع يمين، فالهمزة همزة قطع، وشذ الزجاج، والرماني، فذهب إلى أن (أيمن) حرف جر.
(لعل): لغة عقيل الجر بها، وتقدم ذكر ذلك في باب إن.
(لولا): الامتناعية إذا جاء بعدها ضمير، فيكون ضمير رفع منفصلاً كقوله تعالى: «لولا أنتم لكنا مؤمنين»، والخلاف في رافعه كالخلاف في الاسم

الظاهر ويجوز أن يأتي بعدها ضمير الجر، وأنكر ذلك المبرد، وقال الأستاذ أبو علي: اتفق أئمة الكوفيين والبصريين كالخليل، وسيبويه، والكسائي، والفراء على رواية (لولاك) عن العرب، فإنكار المبرد هذيان.
انتهى.
ومذهب سيبويه أن الضمير مجرور الموضع، ومذهب الأخفش والكوفيين أنه مرفوع الموضع، استعير ضمير الجر لضمير الرفع، كما عكسوا في «ما أنا كانت» و «لا أنت كأنا»، إذا قلنا في الضمير في (لولاك) مجرور، فذكر بعضهم أنها لا تتعلق بشيء وقال بعضهم: تتعلق بفعل واجب الإضمار، فإذا قلت لولاي لكان كذا، فالتقدير: لولا حضرت، فألزقت ما بعدها بالفعل على معناه من امتناع الشيء، ولا يجوز أن يعمل فيه الجواب، لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها، وكأنه لما رأى أن (لولا) إذا ارتفع ما بعدها كان الخبر واجب الإضمار جعل الفعل الذي يتعلق به (لولا) إذا ارتفع ما بعدها كان الخبر واجب الإضمار جعل الفعل الذي يتعلق به (لولا) واجب الإضمار، ونص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف حرف الجر، وإبقاء عمله إلا إذا عوض منه، إلا في باب القسم على ما قرروه فيه، ويأتي إن شاء الله تعالى.
وتقدم في باب (كم) قول من قال: إن الخفض هو على إضمار (من) والخلاف فيه، وجعلوا قول العرب: «خير عافاك الله» جواب كيف أصبحت من الشاذ الذي لا يقاس عليه، وعند أصحابنا أن قوله: ....... لست مدرك ما مضى … ولا سابقًا شيئًا.......

من باب العطف على التوهم، والعطف على التوهم لا ينقاس، وكذلك لا يقاس على قوله: ألا رجل جزاه الله خيرًا …............... يريد ألا من رجل وعند ابن مالك: يقاس على هذا، وعلى الذي قبله، وقال ابن مالك: ويجر بغير (رب) أيضًا محذوفًا في جواب ما تضمن مثله نحو: زيد في جواب من قال: بمن مررت؟ وبلى زيد في من قال: ما مررت بأحدٍ وهل مررت بأحدٍ، وفي معطوف على ما تضمنه بحرف متصل نحو قوله: .......... … وللطير مجرى والجنوب مصارع أو منفصل (بلا) نحو قوله: ما لمحب جلد أن يهجرا … ولا حبيب رأفة فيجبرا

أو بلو نحو: متى عذتم بنا ولو فئة منا …............. وحكى الأخفش في المسائل أنه يقال: جيء بزيد وعمرو، ولو كليهما، وأجاز في كليهما الجر على تقدير: ولو بكليهما، والنصب بإضمار ناصب، والرفع بإضمار رافع، أو في مقرون بعد ما تضمنه بالهمزة يقال: مررت بزيد فتقول: أزيد ابن عمرو، أو (هلا) يقال: تصدقت بدرهم فتقول: هلا دينار؛ وحكى هذه والتي قبلها الأخفش في المسائل قال: وهذا كثير أو (إن)، أو الفاء الجزائيتين نحو: مررت برجل إن لا صالح فطالح على تقدير: إن لا أمر بصالح، فقد مررت بطالح حكاه يونس، وأجاز: امرر بأيهم هو أفضل إن زيد وإن عمرو، وعلى معنى: إن مررت بزيد، وإن مررت بعمرو، وقال سيبويه: وهو قبيح، وجعل سيبويه إضمار الباء بعد إن، لتضمن ما قبلها إياها، أسهل من إضمار (رب) بعد الواو، فعلم بذلك اطراده عندهم قال ابن مالك: ويقاس على جميعها، خلافًا للفراء في جواب نحو: بمن مررت، فإنه لا يجيز زيد بالجر، بل بالباء.
وجميع هذه المسائل التي ذكر ابن مالك: أنه يجوز الجر فيها على إضمار الحرف ينبغي أن يتثبت في القياس عليها، وقال: وقد يجر بغير ما ذكر كقوله:

................ … حتى تبذخ فارتقى الأعلام و: ................ … أشارت كليب بالأكف الأصابع و: ............ …....... وأما خلة فثمان أي إلى الأعلام، وإلى كليب، وإما لخلة.
وفي البسيط: فأما من قال: مررت بزيد، فتقول في الاستثبات إذا حذفت الفعل: أبزيد؟ ولا يجوز غيره، وهو مخالف لما قرره ابن مالك من جواز: أزيد بن عمرو؟ ولمن قال: مررت بزيد، فتحذف حرف الجر بعد الهمزة.

وقال العرب: لاه أبوك يريدون: لله أبوك حذف لام الجر وأل، وهو شاذ لا يقاس عليه ثم قالوا: لهي أبوك، قلبوا، وأبدلوا من الألف ياء كما قالوا: في قلب قفا: قوف، ووجه: جاه، والفتح للبناء كأين، فصارت اللام في لهي لام الكلمة، ولا يلزم في القلب أن يكون المقلوب على مثال المقلوب منه، وزعم ابن ولاد: أن قولهم: «لاه أبوك» محذوف من إلاه ثم قالوا: لهي أبوك قلب، وشبهت الألف الزائدة بالمنقلبة عن الأصل، وزعم المبرد أن المحذوف لام التعريف، ولام الأصل والباقية لام (الجر)، وقد نص سيبويه على أن هذه اللام الباقية هي الأصلية، وأن المحذوف لام الجر ولام التعريف، وقد استدل سيبويه ببناء لهي.
وإنما بني لتضمنه معنى حرف الجر، ولا يجوز الفصل بين حرف الجر ومجروره، وقد سمع شيء من الفصل، وذلك في ضرورة الشعر نحو قوله: ............... … وليس إلى منها النزول سبيل أي إلى النزول منها، وقوله: إن عمرًا لا خير في اليوم عمرو …............. وقوله: ............... … ألا رب منهم من يعيش بمالكا

وقوله: ............... … واقطع بالخرق الهبوع المراجم أي لا خير في عمرو اليوم، وألا رب من يعيش منهم، وأقطع الخرق بالهبوع، ومن أقبح الفصل قول الشاعر: وأسعدنه ربنا لا تشقه … ولا على النار تسلط رقه أراد ولا تسلط النار على رقه، وندر في النثر الفصل بين الباء ومجرورها بالقسم، حكى الكسائي: اشتريته والله بدرهم.

جارٍ التحميل