ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسيصفحات 1146-1185

اتفقوا على نصبها ما بعد المرفوع، فقال الجمهور: انتصابه على أنه خبر مشبه بالمفعول، وقال الفراء: انتصب تشبيهًا بالحال، وعن الكوفيين انتصب على الحال، واختلفوا في المرفوع، فذهب البصريون إلى أنه مرفوع بها، شبهت كان بالفعل الصحيح نحو: ضرب، فعمل عمله، وزعم الفراء أنه ارتفع لشبهه بالفاعل، وقال غيره من الكوفيين: أنه باق على رفعه الذي كان في الابتداء عليه، وكلها أفعال إلا ليس، وذهب ابن السراج، وابن شقير، والفارسي في أحد قوليه، وجماعة من أصحابه إلى أنها حرف، وذهب الجمهور إلى أنها فعل ووزنها فعل بكسر العين، فخففت، ولزم التخفيف، وكان قياسها إذا أسندت

لتاء المتكلم، أو المخاطب كسرها، وقد نقله الفراء والأكثر فتح اللام، وروى لست بضم اللام، وهو يدل على بنائها على فعل بضم العين كهيؤ، أو بفتحها فخففت شذوذًا وهذه الأفعال: كان، وأضحى، وأصبح، وأمسى، وظل، وبات، وصار، تعمل موجبة، ومنفية، وصلة (لما) الظرفية، وغير صلة وليس موضوعة للنفي، ودام صلة (لما) الظرفية المراد بها، وبصلتها التوقيت نحو: لا أكلمك ما دامت الشمس طالعة؛ أي زمان دوام الشمس طالعة، ولا يستعمل الدوام مكانها فيقال: لا أكلمك دوام الشمس طالعة، وزال وانفك، وبرح، وفتئ، وزاد بعض البغداديين: ونى، وزان ابن مالك «رام»، قيل وبمعنى صار آض، وعاد، وآل، ورجع، وحار، واستحال، وتحول، وارتد، وجاء في المثل وقعد.
وألحق قوم منهم الزمخشري، والجزولي، وابن عصفور،

وأبو البقاء: غدا وراح بمعنى صار، والفراء: أسحر، وأفجر، وأظهر، ولم يذكر على ذلك شاهدًا، وقيل يدخل في هذا الباب كل فعل يجيء المنصوب به بعد المرفوع لا يستغنى عنه تقول: قام زيد كريمًا، وذهب زيد متحدثًا، وعاش الفتى مجاهدًا في قومه، وذهب الكوفيون: إلى أن هذا وهذه إذا أريد بهما التقريب، والاسم الواقع بعدهما لا ثاني له في الوجود، نحو كيف أخاف الظلم، وهذا الخليفة قادمًا، وكيف أخاف البرد، وهذه الشمس طالعة، أو كان معه معبرًا به عن جنسه، لا عن واحد بعينه نحو: هذا الصياد أشقى الناس، وما كان من السباع غير مخوف، فهذا الأسد مخوفًا، كان ذلك من هذا الباب فيعربون، هذا تقريب، والمرفوع به اسم التقريب، والمنصوب خبر التقريب، وأجازوا التعريف في الخبر فيقولون: وهذا الخليفة القادم، وهذه الشمس الطالعة، واختلفوا في توسيط خبر التقريب، فأجازه الكسائي ومنعه الفراء، ويأتي الكلام في كل فعل تقدم إن شاء الله تعالى.
وتدخل الأفعال التي تثبت أنها من هذا الباب على المبتدأ الذي لا يلزم تصديره، احتراز من نحو: أسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، ولا يلزم حذفه احتراز من نحو: مررت بزيد العالم، وشبهه، مما قطع للرفع من المنعوت، ولا عدم التصرف، احتراز من «أيمن» في القسم، ومثل ابن مالك بقوله تعالى: ﴿طوبى لهم وحسن مئاب﴾، وقرئ «وحسن» بالنصب، عطفًا على طوبى،

أو الابتدائية لنفسه نحو: أقل رجل يقول ذلك، ومثل ابن مالك بقوله: «نؤلك أن تفعل» وليس بتمثيل صحيح، فقد دخل على نولك الناسخ قالوا: «ما كان نؤلك أن تفعل»، أو مصحوب لفظي، وهو المبتدأ بعد لولا، وبعد «إذا» الفجائية، أو معنوي مثل (ما) التعجبية، وفي نحو: لله درك، وما جرى مثلاً نحو: الكلاب على البقر، ولا أخبر عنه بجملة طلبية، وندر قوله: وكونى بالمكارم ذكريني …............. ومن المبتدأ الذي لا يدخل عليه النواسخ قولهم: خطيئة يوم لا ألقاك فيه، وخطيئة يوم لا أصيد فيه.

قال في النهاية: لأنه يتقدر بما يدخل عليه الناسخ؛ إذ المعنى: ما يوم لا أصيد فيه إلا خطأ، وما يوم لا ألقاك فيه إلا خطأ، ولم أر هذا النظم في شعر عربي، ولا شعر مولد، إلا في شعر البحتري قال: خطيئة ليلة تمضي ولما … يورقني خيال من سعاد أراد ما ليله لا يؤرقني فيها خيال سعاد إلا خطأ، وهذا شيء ذكره أبو علي في كتاب الشعر انتهى.
ومن ذلك المبتدأ الذي دخلت عليه لام المبتدأ نحو: لزيد قائم، وحسبك من قولهم: «حسبك ينم الناس» ويسمى المرفوع بعد هذه الأفعال اسمًا، وفاعلاً، والمنصوب خبرًا، ومفعولاً، والظاهر من كلام سيبويه أنه لا يكون لها إلا خبر واحد؛ وهو نص ابن درستويه، وقيل يجوز تعدده، وهو مبني على جواز تعدد خبر المبتدأ، والمنع أقوى؛ لأنها شبهت بضرب.
وتختص (دام)، والمنفي (بما) بعدم دخولها على مبتدأ ذي خبر مفرد طلبي نحو: أين، وكيف، ومتى، لا تقول: لا أصحبك أين ما دام زيد، ولا أين ما كان زيد، ولا متى ما صار القتال، ولا أين ما زال زيد، ولا كيف ما أصبح زيد، ويجوز: أين لم يكن زيد، وأين كان زيد، ومتى لم يصر القتال، وأين لم يزل زيد، ولا يجوز أين ليس زيد، خلافًا للأستاذ أبي علي، وفي النهاية: لا يجوز أين ما زال زيد عند البصريين؛ لأن خبر ما زال لا يتقدم عليها، وأجازه

الكوفيون، وذكر الحسين بن موسى الدينوري، وهو صاحب كتاب ثمار الصناعة أن قومًا أجازوا: كان زيد ما أحسنه، وكذلك إن وظننت.
قال: هو باطل.
وسميت هذه الأفعال نواقص؛ لكونها لا تكتفي بمرفوعها، وقيل سميت بذلك؛ لأنها لا تدل على الحدث، وكونها لا تدل على الحدث فلا تعمل في ظرف، ولا مجرور، وهو مذهب المبرد، وابن السراج، والفارسي، وابن جني، والجرجاني، وابن برهان، والأستاذ أبو علي، وهو ظاهر مذهب سيبويه.
والمشهور، والمتصور؛ أنها تدل على الحدث والزمان، وأن الحدث مسند إلى الجملة، وهل تنصبه فتقول: كان زيد قائمًا كونًا أجازه بعضهم، وبه قال

السيرافي، ومنعه الجمهور، وذهب ابن خروف إلى أنها مشتقة من مصادر لم يلفظ بها، والصحيح أن لها مصادر، وقد أعملتها العرب إعمال أفعالها قالوا: كونك مطيعًا مع الفقر خير من كونك عاصيًا مع الغني، وقال الشاعر: ......... … وكونك إياه عليك يسير وحكى أبو زيد مصدر فتئ مستعملاً، وحكى غيره: ظللت أفعل كذا ظلولاً، وبت أفعل كذا بيتوتة، واختلفوا هل تعمل في الظرف، والمجرور والحال، فقيل لا تعمل، وقيل تعمل، وينبغي أن يكون هذا الخلاف مرتبًا على دلالتها على الحدث أو لا تدل عليه.

فصل

كان وزنها: فعل بفتح العين خلافًا للكسائي، فيما نقل عنه أبو غانم المظفر بن أحمد أن وزنها فعل بضم العين، وتكون ناقصة ومنها التي يضمر فيها ضمير الشأن، خلافًا لأبي القاسم بن الأبرش، فإنه زعم أنها قسم برأسها، وخلافًا لمحمد بن مسعود بن الغزني من نحاة غزنة، فإنه ذكر في كتابه البديع، أنها من قسم التامة، وليست ناقصة، وأبطل في ذلك الكتاب على زعمه أنها من قسم الناقصة، وتامة بمعنى ثبت، وثبوت كل شيء بحسبه فمنه بمعنى الأزلية: كان الله ولا شيء معه، وبمعنى حدث: إذا كان الشتاء فأدفئوني ….........

وبمعنى حضر، ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة﴾ وبمعنى وقع: ما شاء الله كان قيل: وبمعنى أقام نحو قوله: كانوا وكنا فما ندري على مهل …......... ومتعدية بمعنى كفل: كنت الصبي [أي] كفلته، ومصدر هذه كيانة، وكنت الصوف [أي] غزلته، أضحى تامة بمعنى دخل في الضحى قال ............ … إذا السنة الشهباء أضحى جليدها وبمعنى أقام في الضحى، وأمسى وأصبح تامان دخل في المساء وفي الصباح قال تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾، وبمعنى الإقامة في المساء والصباح قال: حتى إذا الهيق أمسى شام أفرخه …............

(أي دخل في المساء)، أو أقام في المساء، وقالوا: إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبح: (أي مقيم في الصباح).
(ظل) تامة خلافًا للمهاباذي، وأبي محمد بن عبد العزيز بن زيدان، وأبي الحكم بن رختاط، حيث زعموا أ، ها لا تكون إلا ناقصة بمعنى طال، وبمعنى: أقام نهارًا، (بات) لازمة)؛ أي نزل ليلاً، وبمعنى: أقام ليلاً، ومتعدية قالوا: بات القوم: نزل بهم ليلاً، وهي متعدية بصيغة اللازمة وإذا كانت هذه الخمسة نواقص دلت على اتصاف الاسم بذلك الخبر في الأوقات التي تدل عليها صيغها، فإذا قلت: أصبح زيد عالمًا فمعناه اتصافه بالعلم في وقت الصباح، وتأتي هذه، وكان بمعنى صار وهي نواقص قال تعالى: ﴿وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا﴾ أي صارت وقال: أضحى يمزق أثوابي ويضربني …......... أي صار، وقال تعالى: ﴿فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾ أي صرتم وقال:

أمست خلاء وأمسى ألها احتملوا …............ (أي صارت) وقال تعالى: ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ أي صارت، خلافًا للكذة الأصفهاني، والمهاباذي، وقبلهما السيرافي فإنهم زعموا: أنها لا تكون بمعنى صار، وإنما تستعمل ناقصة؛ لاتصاف الموصوف بالصفة نهارًا، وقال أبو بكر: هو مشتق من الظل، وإنما تستعمل في الوقت الذي للشمس فيه ظل، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها، وقال هشام: هو بين الصباح والمساء.
زعم لكذة الأصفهاني: أن الظلول يخص به يوم واحد فلا يقال: ظل فلان عمره سفيهًا، وهو خطأ، وزعم الزمخشري: أن بات تأتي بمعنى صار قال ابن مالك: «وليس بصحيح»، (صار) متعدية بمعنى ضم، أو قطع، قال تعالى: ﴿فصرهن إليك﴾، وبمعنى انتقل، فيتعدى بإلى، قال تعالى: ﴿ألا إلى الله تصير الأمور﴾، وناقصة تدل على زمان الوجود دون زمان الماضين وتكون الصيرورة تارة في الذات نحو: صار الطعام عذرة، أو في العرض نحو: صار الفقير

غنيًا، ولا تستعمل زائدة خلافًا لقوم.
(ليس) زعم الكوفيون أنها تكون عاطفة في المفردات تقول: قام القوم ليس زيد، وضربت القوم ليس زيدًا، ومررت بالقوم ليس زيد، ولا يجوز هذا عند البصريين، وإذا دخلت إلا في خبرها، فلا تعمل ألبتة في لغة تميم، وتعمل في لغة الحجاز كحالها إذا لم تدخل إلا، وبناء الاسم ههنا شاذ كبنائه مع (ما) قال الشعر: قد سوأ الناس بابًا ليس بأس به … وأصبح الدهر ذو العرنين قد جدعا و (ليس) عند بعضهم للنفي مطلقًا، وذهب المبرد، وابن السراج، وابن درستويه، والصيمري إلى أنها قد تنفى في الاستقبال، ومنعه الزمخشري، فقال: ولا تقول ليس زيد قائمًا غدًا.
وفي الغرة: وقد منعوا من قولهم: ليس زيد قد ذهب، ولا قد يذهب لتضاد الحكم بين قد، وليس، وذهب الأستاذ أبو علي إلى أنها لنفي الحال في الجملة غير المقيدة بزمان، والمقيدة بزمان تنفيه على حسب القيد، وهو الصحيح

(دام) تامة بمعنى سكن.
ومنه: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد الدائم» وبمعنى بقى تقول: دام ملك فلان، وناقصة، فمذهب الفراء، أنها لا تتصرف فلا تستعمل إلا بلفظ الماضي، وكذا قال ابن الدهان، وكثير من المتأخرين، ولا يعرف ذلك البصريون، و (ما) الظرفية توصل بالماضي وبالمضارع، (زال) تامة متعدية، زال الشيء من الشيء مازه منه، ولازمه بمعنى ذهب، ومضارعها يزول وناقصة، ومضارعها المشهور: يزال، فوزن زال فعل بكسر العين، وحكى فيها يزيل، فوزنها فعل بفتح العين، فهي والتامة مختلفان في المادة تلك مركبة من زول، وهذه من زيل.
وزعم الفراء: أن الناقصة مغيرة من التامة، بنوها على فعل بكسر العين، بعد أن كانت مفتوحة فرقًا بين التمام والنقصان فعينها واو، وأجاز ابن خروف: أن تكون الناقصة من زاله يزيله إذا مازه عنه، وأجاز أبو علي في «زال» هذه التي مضارعها يزال: أن تكون تامة قياسًا، ولا يحفظ ذلك.

(انفك) تامة بمعنى انفصل، وخلص؛ وهو مطاوع لفك تقول: فك الخاتم وغيره: فصله، وفك الأسير: خلصه وهما متقاربان، وناقصة نحو قوله: ....... … وما انفكت الأمثال في الناس سائره (برح) تامة لازمة بمعنى: ذهب، أو ظهر، ومنه برح الخفاء فسر بذهب وبظهر.
(فتئ)، ويقال: فتأ وأفتأ ذكر ثلاثتها أبو زيد وفي المحكم: فتأ، وفتؤ، وما أفتأت تميمة (أي ما برحت) [وذكر الصاغاني في فتؤ: يفتؤ على وزن ظرف لغة في فتأ]، وذكر ابن مالك: أن فتئ، وفتأ، وأفتأ نواقص، ثم ذكر أن فتأ التي على وزن فعل بفتح العين تكون بمعنى سكن، أو أطفأ، وأما فتئ بكسر التاء؛ فلا أعلم أحدًا ذكر أنها تامة إلا الصاغاني، فإنه ذكر أنه في

نوادر الإعراب فئت عن الأمر فتأ (أي نسيته)، فتكون على هذا تامة، وهذه الأربعة شرط كونها نواقص أن تكون منفية بثابت النفي، فالنفي يكون بحرفه نحو: ما زال زيد محسنًا، وبـ «ليس» نحو: قولك: لست تنفك سعيدًا، وبغير نحو قوله: غير منفك أسير هوى …............ وبقلما: قلما يزال زيد يذكرك؛ معناه ما يزال، وما يقع بعد أبيت نحو: أبيت أزال مستغفرًا لله.
بمعنى لا أزال، وقول العرب: لا ينشأ أحد ببلد، فيزال يذكره: معناه إذا نشأ أحد ببلد لم يزل يذكره، وما (يعترينا) أحد فنزال نعينه ذكر هذا كله الفراء.
واحترزنا بقولنا بثابت النفي من نحو: ما يدخل على النفي من همزة التقريب نحو: ألست تزال تفعل [وألم تزل تفعل]؛ فإنه لا يجوز؛ فإن أردت مجرد الاستفهام عن النفي جاز، وأداة النفي مذكورة غالبًا، وينقاس الحذف في المضارع، جواب القسم، والحرف لا، وشذ في الماضي جواب القسم نحو قوله: لعمر أبي دهماء زالت عزيزة …..........

أي لا زالت، وقد يفصل بين حرف النفي والفعل نحو: ولا أراها تزال ظالمة …............ وقوله «فلا وأبي دهماء زالت عزيزة»: وقال الفراء: يجوز أن يقدم نفي زال على ظن وأخواتها فتقول: لا أظنك تزال تقول ذلك انتهى، والنهي والدعاء كالنفي نحو: لا يزال زيد محسنًا و: ............ … ولا زال منهلاً بجرعائك القطر

ومن ألحق ونى ورام بهذه الأربعة، كان حكمها عنده حكمها، ومضارع (ونى) ينى، وتكون تامة بمعنى فتر، ورام بمعنى حاول، ومضارعها يروم، وبمعنى تحول، ومضارعها يريم كمضارع الناقصة المرادفة لصار، وهذه التي شرط فيها النفي، والنهي، والدعاء، بلفظ لا يدل على ملازمة الصفة للموصوف؛ مذ كان قابلاً لها على حسب ما قبلها؛ فإن كان الموصوف قبلها متصلة الزمان دامت له كذلك نحو: ما زال زيد عالمًا، وإن كان قبلها في أوقات متفرقة دامت له كذلك نحو: ما زال زيد يعطي الدنانير.
ولا خلاف في أن معاني هذه الأفعال الأربعة متفقة إلا ما ذكره أبو علي عن بعض أهل النظر؛ أنه فصل بين زال، وبرح بأن برح لا تستعمل إلا أن يراد بها البراح من المكان، فيذكر المكان، أو يحذف للدلالة، قال أبو علي: وهذا لا يصح، وهذه الأفعال الأربعة لما كان معناها الإيجاب، لا حقيقة النفي، كانوا لا يجيزون النصب بعد الفاء في المضارع في الجواب، لا يقولون: ما زال زيد زائرك فيكرمك، واختلفوا في تلقي القسم بها، والصحيح جوازه، ومن منع جعل ما تلقى به فعلاً تامًا، لا ناقصًا، والمنصوب بعده حال.

وأما «آض» و «عاد»، فعدهما ابن مالك من أخوات كان الناقصة، وهما بمعنى صار، وكذا قال الأعلم في «عاد»، وأنشد شاهدًا على ذلك: وآض نهدًا كالحصان أجردا وقال آخر: تعد فيكم جز رالجزور رماحنا …............. ومن النحويين من لا يلحقهما بصار؛ إذ هما يتعديان بإلى، ويجعل المنصوب بعدهما حالاً، وأنشد ابن مالك على آل: ثم آلت لا تكلمنا …............... أي صارت: ويحتمل أن تكون آلت بمعنى حلفت، وعلى رجع:

قد يرجع المرء بعد المقت ذامقة …............ وعلى حار: ............... … يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع وعلى استحال: إن العداوة تستحيل مودة …................ وعلى تحول: ............... … لعل منايانا تحولن أبؤسا

وذكر في ارتد قوله تعالى: ﴿فارتد بصيرا﴾، وجاء في المثل قولهم: «ما جاءت حاجتك»، يروى بنصب التاء، ففي جاءت ضمير يعود على «ما» على معناها، وهو اسم جاءت؛ أي أية حاجة صارت حاجتك، و «حاجتك» الخبر، ويروى بضم التاء على أنها اسم جاءت، وما جاءت في موضع الخبر (أي أية حاجة صارت حاجتك)، ويقتصر بها على هذا المثل، وطرد بعضهم استعمالها لقوة الشبه بينها وبين صار، فجعل من ذلك: جاء البر قفيزين، وصاعين، والصحيح نصب ذلك على الحال، وقعد في قولهم: «شحذ شفرته حتى قعدت» ويورى «أرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة» أي صارت، وحيك الكسائي: «قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها» بمعنى صار، ويقتصر في قعد بمعنى صار، على مورد السماع وذهب الفراء إلى أنه يطرد، وجعل قعد بمعنى صار، وعلى ذلك خرج الزمخشري قوله تعالى: ﴿فتقعد مذموما مخذولا﴾ أي فتصير، وأما «غدا وارح»؛ فالصحيح أنهما ليسا من أفعال هذا الباب وقال ابن عصفور إذا استعملا تامين قلت: غدا زيد، وراح بكر أي دخلا في الغدو والرواح، أو مشيا في الغدو والرواح، وإذا استعملا ناقصين، جاز أن يكون فيهما

ضمير الشأن، وأن لا يكون، ودلا على اقتران مضمون الجملة بالزمان الذي اشتقا منه، وقد يكونان بمعنى صار انتهى، ويحتاج تقدير كونهما ناقصين إلى سماع من العرب والله أعلم.

فصل

الجملة المصدرة بماض لا تقع خبرًا لصار، ولا مكان بمعناها، ولا لدام، ولا لزال، وأخواتها، وهذا باتفاق لا تقول صار زيد علم، وتقع خبرًا لليس باتفاق، وتقييد ابن مالك ذلك بكون اسمها ضمير الشأن ليس بصحيح، ولباقي الأفعال المتفق على اطرادها نواقص من غير اشتراط (قد) لا ظاهرة، ولا مقدرة، خلافًا للكوفيين وقد كثر السماع بغير (قد) نظمًا ونثرًا في القرآن وغيره قال تعالى: ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله﴾ وقالت العرب «أصبحت نظرت على ذات التنانير».
وقال: ....... … وقد كانوا فأمسى الحي ساروا وقال: ثم أضحوا لعب الدهر بهم ….......... وتوسيط: أخبار هذه الأفعال واجب، وممتنع، وجائز.

فالواجب: ما قصد فيه حصر الاسم خلافًا لأبي الحسن فإنه يجيز: ليس إلا زيد قائمًا، وما كان إلا زيد قائمًا، وإن كان الأحسن تأخر الاسم نحو قوله تعالى: ﴿ما كان حجتهم إلا أن قالوا﴾ وكونه فيه ضمير يعود على الخبر نحو: كان [أخاك ابنه (تريد كان ابن أخيك أخاك)، أو مشبها له أو سمي في الخبر نحو: كان] في الدار ساكنها، وكون الخبر ضميرًا متصلاً نحو: كأنك زيد، وكون الخبر ظرفًا أو مجرورًا مسوغًا لجواز الابتداء بالنكرة نحو: كان في الدار رجل، وكان عندك امرأة، والممتنع ما قصد فيه حصر الخبر نحو: ما كان زيد إلا قائمًا، أو عرض لبس نحو: كان قبلك مولاك، كذا قال ابن عصفور، وتقدم في نقل ابن الحاج أن هذا اللبس لا يلتفت إليه.
وقد أجاز الزجاج في قوله تعالى: ﴿ما كان حجتهم إلا أن قالوا﴾ أنه جائز أن يكون «تلك» الاسم، و «دعواهم» الخبر والعكس وقال: لا خلاف في ذلك بين النحويين انتهى.
أو يكون الخبر مما يجب تقديمه نحو: متى كان القتال، وذلك لأن امتناع التوسط إنما يكون بسبب وجوب التقدم، وبسبب وجوب التأخر والجائز نحو: كان قائمًا زيد، هذا مذهب البصريين، وسواء أكان مشتقًا أم جامدًا، وإذا كان المشتق مما يتحمل الضمير تحمله وهو خبر، ولا يجيز الكوفيون هذا، بل أجاز الكسائي: كان قائمًا زيد، على أن في «كان» ضمير الشأن، و «قائمًا» خبر «كان» و «زيد» مرفوع بقائم، ولا يثنى قائم، ولا يجمع لرفعه الظاهر.

وأجاز الفراء ذلك، على أنه يكون (قائمًا) خبر «كان»، و «زيد» مرفوع بكان، وبقائم، ولا يثنى عنده ولا يجمع.
وأجاز هشام: كان قائمًا الزيدان، والزيدون على أن تجعل قائمًا خبرًا مقدمًا، والزيدان، والزيدون اسمًا، ولا يجيز ذلك البصريون غلا مع تثنية الخبر وجمعه.
وأما توسيط خبر ليس، فثابت من كلام العرب، فلا التفات لمن منع ذلك، وأما خبر «ما دام» فكذلك، ووهم ابن معط في منع توسيط خبر ما دام، ودعوى الفارسي، وابن الدهان، وابن عصفور وابن مالك: الإجماع على جواز توسيط خبر ليس ليست بصحيحة، بل ذكر الخلاف فيها ابن درستويه تشبيهًا (بما).
وتقديم الأخبار أيضًا واجب، وممتنع، وجائز.
فالواجب: أن يكون لازم الصدر، كأن يكون اسم استفهام نحو: أين كان زيد، والممتنع هو: ما وجب توسيطه، أو تأخيره.
والجائز نحو: قائمًا كان زيد؛ ففي قائم عند البصريين ضمير يعود على زيد، وأجاز الكسائي ذلك على الوجه، الذي أجازه في كان قائمًا زيد، وأجاز ذلك

الفراء كحاله إذا توسط، غلا أنه يثنى قائمًا ويجمعه، وأجاز البصريون، والكسائي تقديم الخبر في نحو: كنت حسنًا وجهك، فتقول: حسنًا وجهك كنت، [ومنعه الفراء إلا أن يجعل مكان الكاف الهاء فتقول: حسنًا وجهه كنت]، ويحتاج في جواز تقديم خبر كان إلى صار عليها في نحو: قائمًا كان زيد إلى سماع من العرب، ولم نجدهم ذكروا سماعًا في ذلك إلا ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾، وقد قيل: إن كنتم تامة.
واتفقوا على أنه لا يجوز تقديم الخبر على (ما) إذا كان غير لازم نحو ما كان وأخواتها، وعلى «ما دام»، وأما (زال) وأخواتها، فإذا دخل عليها (ما)، فمذهب الجمهور أنه لا يجوز أن يتقدم على (ما)، وإن دخل غيرها من حروف النفي جاز، وذهب الفراء إلى المنع مطلقًا بأي حرف كان النفي، وذهب الفراء إلى المنع مطلقًا بأي حرف كان النفي، وذهب ابن كيسان إلى جواز التقديم مطلقًا نفى بما أو بغيرها، وروى عن

الكسائي، والأخفش وقيل، وعن الكوفيين غير الفراء، وقال به النحاس، واختاره ابن خروف، وفي النقد لابن الحاج، وأما «ما زال» وأخواتها فقد نص النحاس في الكافي: أن تقديم خبر (ما زال) عليها جيد بالغ عند البصريين، وحكاه ابن خروف عن البصريين، والكسائي، وقال: خالف الفراء في ذلك، ونص دريود على أنه لا يجوز تقديم خبرها مع لم، ولن، وليس ذلك بمرضي انتهى.
فلو توسط الخبر بين «ما» و «زال» نحو: ما عالمًا زال زيد، فالأكثرون على الجواز، ومنع ذلك بعضهم، وأما توسيطه، بين «ما» و «دام» نحو قولك: ما طالعة دامت الشمس، فنص صاحب الإفصاح، وبدر الدين بن مالك، على أنه لا يجوز، والقياس يقتضي الجواز قياسًا على ما أجازوا من قولك: عجبت مما زيد تضرب، غلا إن ثبت أن دام لا يتصرف فيتجه المنع.
وأما تقديم خبر ليس عليها، فذهب جمهور الكوفيين، والمبرد، والزجاج، وابن السراج، والسيرافي، وأبو علي في الحلبيات، وابن عبد الوارث، والجرجاني، والسهيلي، وأكثر المتأخرين إلى أنه لا يجوز.

وذهب قدماء البصريين، والفراء، وأبو علي في المشهور، وابن برهان، والزمخشري، والأستاذ أبو علي إلى جواز ذلك، واختاره ابن عصفور.
وروى أيضًا عن السيرافي، واختلف في ذلك عن سيبويه، فنسب الجواز، والمنع إليه، وقال ابن جني في الخصائص عن المبرد خالف في ذلك البصريين، والكوفيين انتهى.
وإذا كان الخبر جملة، فمنهم من منع التقديم، والتوسيط مطلقًا كانت فعلية، أو اسمية رافعة ضمير الاسم، أو غير رافعة نحو: كان زيد مرب به عمرو، وكان زيد يقوم، وكان زيد أبوه قائم، ومنهم من أجاز قال ابن السراج: والقياس الجواز؛ وإن لم يسمع، ومنهم من منع؛ إن كان الفعل رفع ضمير الاسم، وأجاز في غير ذلك، وفي الغرة: الكوفي لا يجيز أبوه قائم كان زيد، ولا كان أبوه قائم زيد، ولا يتقدم على كان فعل ماض ولا مستقبل، وفي النهاية: «لا يجيز الكوفيون كان أبوه قائم زيد، ولا أبوه قائم كان زيد؛ لأن تقديم المضمر

على الظاهر غير جائز، والبصريون يجيزون ذلك، ولم يعثروا في ذلك على نص عربي، ولكن أجازوه من طريق القياس، وإن لم يرد به السماع، لأن المضمر في نية تأخير وإن تقدم انتهى.
وهذه التراكيب التي تتصور في نحو: كان زيد آكلاً طعامك، ملخصة من كلام أبي بكر أحمد بن الحسن بن شقير: كان آكلاً طعامك زيد، آكلاً طعامك كان زيد، كان زيد طعامك آكلاً، طعامك كان زيد آكلاً، طعامك كان آكلاً زيد، كان آكلاً زيد طعامك، زيد كان آكلاً طعامك، زيد آكلاً طعامك كان، كل هذا جائز من كل قول، كان طعامك آكلاً زيد، كان طعامك زيد آكلاً، جائزتان من نقل الكوفيين، وخطأ من قول البصريين، آكلاً كان زيد طعامك، زيد آكلاً كان طعامك، آكلاً زيد كان طعامك؛ الثلاث جائزة من قول البصريين، وخطأ من قول الكوفيين غلا على كلامين من قول الكسائي، طعامك آكلاً كان زيد، زيد طعامك آكلاً كان، طعامك آكلاً زيد كان، كل هذه الثلاث جائزة من قول البصريين والكسائي، وخطأ من قول الفراء، طعامك زيد آكلاً كان جائز من قول البصريين وخطأ من قول الكوفيين، آكلاً كان طعامك زيد، خطأ من كل قول انتهت تراكيب ابن شقير، وفيها كان طعامك آكلاً زيد، وأنها خطأ من قول البصريين، وقد أجازها ابن السراج، والفارسي، وتبعهما أبو بكر بن طلحة، وابن عصفور.
ومن قواعد البصريين لا يلي كان وأخواتها غير ظرف، وشبهه من معمول خبرها، ويشمل كل ما انتصب بالخبر من مفعول به، ومفعول من أجله، وحال، وغير ذلك إلا الظرف، والمجرور، ولا يختص هذا الفصل بكان وأخواتها، بل لا يلي عاملاً ما نصبه غيره أو رفعه تقول: جاء زيد راكبًا فرسك، ولو قلت جاء فرسك زيد

راكبًا لم يجز، ومثال جواز ذلك في الظرف كان عندك زيد مقيمًا، وكان عندك مقيمًا زيد، وكان بسيف زيد ضاربًا، وكان بسيف ضاربًا زيد، ويمنع أيضًا تقديم الخبر الجائز التقديم، تأخر مرفوعه نحو: كان زيد قائمًا أبوه، وكان زيد آكلاً أبوه طعامك [لا يجوز قائمًا كان زيد أبوه، ولا آكلاً كان زيد أبوه طعامك].
قال ابن مالك: ويقبحه تأخر منصوبه نحو: آكلاً كان زيد طعامك، فهذا قبيح ولا يمتنع انتهى، وتقدمت هذه المسألة في مسائل ابن شقير، وأنها جائزة على مذهب البصريين، ولم يذكر أنها قبيحة، وإذا ظهر الإعراب، واتحدا في التعريف، أو التنكير لم يمتنع تقديم الخبر نحو: كان أخاك زيد، وأخاك كان زيد، ولم يكن خيرًا منك أحد، وخيرًا منك لم يكن أحد، قالوا: فإن لم يظهر الإعراب، فالمتقدم هو الاسم، والمتأخر هو الخبر نحو: كان أخي صديقي، ولم يكن فتى أزكى منك، وقد أجاز الزجاج في قوله: ﴿فما زالت تلك دعواهم﴾ أن يكون (تلك) الاسم، و (دعواهم) الخبر، وعكسه، فجعل تلك الخبر، ودعواهم الاسم.

فصل

إذا اجتمع معرفتان فذهب المتقدمون، ومن المتأخرين أبو جعفر بن مضاء، وأبو بكر بن طاهر، والأستاذ أبو علي في إقرائه القديم، وابن خروف، وابن عصفور في شرح الجمل الصغير: إلى أن المتكلم بالخيار في جعل أيهما شاء الاسم، والآخر الخبر، وهو ظاهر كلام سيبويه، والفارسي، وتأول الشراح كلامهما.
وقالوا: إذا اجتمع معرفتان؛ فإن كانت إحداهما قائمة مقام الأخرى ومشبهة به، فالخبر ما تريد إثباته نحو: كانت عقوبتك عزلتك، وكان زيد زهيرًا، فالعزلة ثابتة، لا العقوبة، والتشبيه بزهير ثابت، ولو قلت كان عزلتك عقوبتك؛ فهو معاقب لا معزول، ولو قلت: كان زهير زيدًا، ثبت التشبيه لزهير بزيد، وإن كانت المعرفة هي الأخرى بنفسها، والمخاطب يعرفهما، والنسبة مجهولة جعلت أيهما شئت الاسم، والآخر الخبر نحو: كان زيد أخا عمرو، وكان أخو عمرو زيدًا، ومعرفته إياهما الواحد بالعيان، والآخر بالسماع، هذا إذا استويا في رتبة التعريف، إلا إن كان أحدهما أن، أو أن المصدريتان فالاختيار: جعلهما الاسم، والآخر الخبر، ولذلك قرأ كثر القراء: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا﴾ بنصب جواب قومه، وزعم ابن الطراوة: أنه لا يجوز في نحو:

فما كان جواب قومه، إلا أن يكون الخبر (جواب قومه)؛ لأنه يلي الناقصة فهو في خبر النفي، وإنما ينفي ويوجب الخبر، وأما الاسم فلا يوجب ولا ينفي، ولكن يوجب له، وينفي عنه، وما ذهب إليه مردود بالسماع، وإن لم يستويا في رتبة التعريف كان الاختيار جعل الأعرف منهما الاسم، والآخر الخبر نحو: كان زيد صاحب الدار إلا المشار؛ فإنه يجعل الاسم وغيره من المعارف الخبر.
فنقول: كان هذا أخاك، ولا يجوز عكس هذا إلا مع المضمرات، فإن الأفصح تقديمه قالوا: هأنذا، ويجوز هذا أنا، وهذا أنت، وفي تقرير الإخبار عن المضمر بالمشار، وعكسه إشكال، وأي نسبة بينهما يجهلها المخاطب، حتى يصح هذا الإخبار، وإن كانت النسبة معلومة، أو مجهولة، لم يجز التركيب؛ وإن كان يعرف أحدهما، ويجهل الآخر، فالمعروف الاسم، والمجهول الخبر نحو: كان عمرو أخا بكر، إذا كان يعرف أخا بكر، ويجهل كونه عمرًا.
وقال بعض النحاة: «إذا كان أحد الاسمين أعم من الآخر، فالأعم هو الخبر نحو: كان زيد صديقي إذا كان له أصدقاء غيره، ولا يجوز على هذا: كان صديقي زيدًا، وقال أبو بكر بن الصائغ في قوله: أردت قصيرات الحجال ولم أرد … قصار الخطا شر النساء البحاتر

إن البحاتر هو المبتدأ، وشر النساء الخبر؛ لأنه أعم منه وسلم له ابن السيد هذا، وأنه الوجه، والأصل، وأجاز العكس، وقال ابن أبي العافية: إذا كان المبتدأ والخبر معرفتين، فالذي يصح أن يقدر جوابًا لمن يسأل عنه هو الخبر، فإذا قلت: زيد القائم؛ فإن جعلته جوابًا لمن قال: من زيد، فالخبر القائم؛ وإن جعلته جوابًا لمن قال: من القائم؛ فالخبر زيد على ذلك القصد... انتهى.
وزعم ابن الطراوة: أن الذي لا تريد إثباته، تجعله الاسم، والذي تريد إثباته تجعله الخبر نحو قوله: فكان مضلي من هديت برشده …............. أثبت الهداية لنفسه، ولو عكس أثبت الإضلال، وهذا الذي زعم ليس على إطلاقه، إنما يتصور إذا قام الخبر مقام الأول، أو كان مشبهًا به، أما إذا كان نفس المبتدأ في المعنى؛ فإن المعنى واحد نحو: كان أخو عمرو زيدًا، وكان زيد أخا عمرو، وضمير النكرة؛ وإن كان معرفة يعامل في باب الإخبار معاملة النكرة إذا اجتمعت المعرفة وجاء في الشعر: أسكران كان ابن المراغة …............ ففي (كان) ضمير سكران، وقد أخب رعنه بابن المراغة، وهو معرفة، والفصيح في الكلام: أسكران كان ابن المراغة بنصب سكران، ورفع ابن المراغة، هذا قول

سيبويه، واستدلاله به على أن اسم كان نكرة، والخبر معرفة، وزعم المبرد: أن اسم كان ضمير فيها، والضمير معرفة فهو عنده فصيح، ومن النحويين من زعم: أن ضمائر النكرات نكرة، وإن اجتمع نكرتان، ولكل منهما مسوغ، جاز جعل أيهما شئت الاسم، والآخر الخبر نحو: كان رجل تميمي صاحبًا لعمرو، أو لأحدهما مسوغ، ولا للآخر، فذو التسويغ الاسم، والآخر الخبر نحو: كان رجل صالح واقفًا، ولا يجوز: كان واقف رجلاً صالحًا، وإن اجتمع معرفة ونكرة، فالمعرفة الاسم والنكرة الخبر نحو: كان زيد قائمًا، ولا يعكس إلا في الشعر، وإذا كانت النكرة لها مسوغ، وبينت المعنى على الإخبار عن المعرفة بالنكرة كان مقلوبًا نحو: أكان قائم زيدًا، إذا أردت أن المعنى أكان زيد قائمًا، وإن بينت المعنى على الإخبار عن النكرة بالمعرفة لم يكن مقلوبًا نحو: أكان قائم زيدًا، تريد: أكان قائم من القائمين زيدًا، أو القلب للضرورة جائز باتفاق، وإنما الخلاف في جوازه في الكلام.
وقال ابن مالك: وقد يخبر هنا، وفي باب «إن» بمعرفة عن نكرة اختيارًا قال: بشرط الفائدة، وكون النكرة غير صفة محضة فمن ذلك: .......... … يكون مزاجها عسل وماء

و: .... … ولا يك موقف منك الوداعا و: وإن حراما أن أسب مجاشعًا …....... وأجاز سيبويه: إن قريبًا [منك] زيد، وروى هارون القارئ عن

الأعمش أنه قرأ: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ بنصب صلاتهم، ورفع مكاء وتصدية.

فصل

الخبر المنفي حقيقة إذا قصد إيجابه، اقترن بإلا، سواء أكان الخبر لمبتدأ، أم لكان أم ثانيًا لظن، أم ثالثًا لأعلم نحو: ما زيد إلا عالم، وما كان زيد إلا عالمًا، وما ظننت زيدًا إلا عالمًا، وما أعلمت زيدًا عمرًا إلا فاضلاً، وسواء أكان النفي بحرف كما مثلنا، أو بفعل النفي نحو: ليس زيد غلا عالمًا بالنصب، وهذه لغة أهل الحجاز في خبر ليس، إذا أوجب بإلا، كخبر كان إذا أوجب بها، ولغة تميم الرفع أجروا ليس مجرى (ما) إذا أوجب خبرها بإلا، حكى سيبويه، «ليس الطيب إلا المسك» بالرفع، وقد جهل الفارسي هذه اللغة، فتأول ما حكى سيبويه بتأويلات مصادمة للنص، وكذلك تأوله أبو نزار ملك النحاة، ورد عليه ذلك ابن الجليس المصري، فلو دخل على حرف النفي، أو فعله همزة التقرير لم تدخل إلا، وإذا كان الخبر مشتقًا من زال وأخواتها فقلت: ما كان زيد زائلاً ضاحكًا جاز، فلو أدخلت عليه (إلا) نحو: ما كان زيد إلا زائلاً ضاحكًا، أو جعلت زائلاً صفة لاسم قبله فقلت: ما كان زيد رجلاً زائلاً ضاحكًا لم يجز، ولو كان الخبر لا يستعمل (إلا) في النفي نحو: ما كان مثلك أحدًا لم يجز دخول إلا عليه، وما امتنع دخول (إلا) عليه، لم تدخل الباء عليه، فلا يجوز: ما زال زيد بقائم ولا يكون له جواب بالفاء فينصب.

وقال في البسيط: ولا يكون اسمها نكرة، وأجاز الكسائي وهشام: «ما يزال أحد يذكرك»، ونحوها من المستقبل، وانفرد هشام بإجازتها مع الماضي نحو: ما زال أحد يذكرك، ومنعها الفراء فيهما، ويكثر مجيء اسم ليس، وكان بعد نفي، ولو نكرة محضة نحو قوله: كم قد رأيت وليس شيء باقيًا …......... وقوله: إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى ….......... وقوله: فلو كان حي ناجيًا لوجدته ….......

وقال ابن مالك: ويجوز اقتران خبر ليس، وكان بعد نفي بالواو قال الفراء: يجوز أن تقول: ليس أحد غلا وهو هكذا، وقال: ......... لم يكن … سراج لنا إلا ووجهك أنور وقال ابن مالك أيضًا: وربما شبهت الجملة الخبرية في هذا الباب بالحالية، فوليت الواو مطلقًا، وما ذهب إليه اتبع فيه الأخفش، ولا يجوز ذلك عندنا، وما استدلوا به لا حجة فيه.
وقال ابن مالك أيضًا: ويجوز الاقتصار على اسم ليس دون قرينة وأنشد: ......... … فأما الجود منك فليس جود وقال آخر:

يئستم وخلتم أنه ليس ناصر …............ وهذا يتخرج على حذف الخبر، ولا يكون عند أصحابنا إلا في الضرورة، وذلك أنه لا يجوز عندهم حذف الاسم، ولا حذف الخبر لا اقتصارًا، ولا اختصارًا، إلا أنه قد يرد حذف الخبر في الشعر، وليس يختص حذفه بليس، بل قد سمع في غيرها نحو: فإن قصدوا لمر الحق فاقصد … وإن جازوا فجر حتى يصيروا أي تبعًا لك، ومن النحويين من أجاز حذف الخبر اختصارًا، تقول في جواب من قال: أكنت غنيًا؟ كنت، وتقول أكاد زيد يقوم؟ فتقول: قد كاد.
وكثر النحاة ذهبوا: إلى أن «كان» تقتضي الانقطاع كسائر الأفعال الماضية، وذهب بعضهم إلى أنها لا تقتضيه، وجعل من ذلك مثل قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾؛ «أي لم يزل» والذي تلقفناه من أفواه الشيوخ: أن كان تدل على الزمان الماضي المنقطع كغيرها من الفعل الماضي.
وينقاس زيادة كان بين (ما)، وفعل التعجب نحو: ما كان أحسن

زيدًا، وسمعت زيادتها في قولهم: فلم يوجد كان أفضل منهم، وأونبى كان آدم؟ وبين النعت والمنعوت، وبين المتعاطفين، وبين نعم ومرفوعها، وحكى سيبويه «إن من أفضلهم كان زيدًا» على زيادة كان، وزعم المبرد، والرماني أن (زيدًا) اسم إن، واسم كان مضمر فيها، (ومن أفضلهم) خبر كان، وكان واسمها وخبرها في موضع خبر إن، وهذا خطأ محض لجعل خبر (إن) جملة مفصولاً بها بينها، وبين اسمها، وهذا لا يجيزه أحد.
وإذا زيدت كان، فهي فارغة من الفاعل قاله الفارسي، وقال

جارٍ التحميل