الحال لغة تذكر وتؤنث، واصطلاحًا عبارة عن اسم منصوب تبين هيئة صاحبها صالحة لجواب كيف، وزعم ابن مالك أنها قد تجر بياء زائدة، وما استدل به لا حجة فيه، والغالب فيها أن تكون مشتقة نحو: جاء زيد راكبًا.
ومن مجيئها غير مشتقة قوله تعالى: ﴿فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا﴾، ويغني عن اشتقاقه وصفه نحو: ﴿فتمثل لها بشرا سويا﴾، أو تقدير مضاف قبله، ومنه قول العرب: «وقع المصطرعان عدلى عير» أي مثل عدلى عير.
أو دلالته على مفاعلة نحو: كلمته فاه إلى في، أي مشافهة، وبعته يدًا بيد؛ أي مناجزة، وبعته رأسًا برأس؛ أي مماثلة، ولا بد في هذا من ذكر الجار والمجرور.
أو سعر نحو: بعت الشاء [شاة ودرهمًا، والبر قفيزًا بدرهم، والدار ذراعًا بدرهم، ويجوز رفع شاة]، ودرهم، وقفيز بدرهم، وذراع بدرهم مبتدأ محذوفًا منه الصفة تقديره منها.
فأما قولهم: بعته ربح الدرهم درهم، فيجب الرفع، والجملة حال: وكذا بعته داري الذراعان بدرهم، وأجاز بعض الكوفيين نصب الربح، والدرهم ونصب الربح، ورفع الدرهم.
أو دلالته على ترتيب نحو: ادخلوا رجلاً رجلاً، وأول أول أي مرتبين، وعلمته الحساب بابا بابًا أي مفصلاً.
وفي نصب الثاني خلاف، ذهب الزجاج إلى أنه توكيد، وذهب ابن جني إلى أنه صفة للأول، وذهب الفارسي إلى أنه منصوب بالأول، والذي اختاره أنه وما قبله منصوبان بالعامل قبله؛ لأن مجموعهما هو الحال.
ولو ذهب ذاهب إلى أن نصبه إنما هو بالعطف على تقدير حذف الفاء، وأن المعنى بابًا فبابًا، وأول فأول، لكان مذهبًا حسنًا عاريًا عن التكلف.
وزعم أبو الحسن: أنه لا يجوز أن يدخل حرف العطف في شيء من هذه المكررات إلا الفاء، لا تقول: بينت له الحساب بابًا بابًا، ولا بابًا ثم بابًا قال: ولا تقول لثلاثة ولا لاثنين: «ادخلوا الأول فالأول».
أو دلالته على أصالة نحو: قوله تعالى: ﴿آسجد لمن خلقت طينا﴾.
وهذه جبتك خزًا، وخاتمك حديدًا، أو فرعية: هذا حديدك خاتمًا، أو نوع: هذا تمرك شهريزًا أو طور واقع فيه تفضيل: هذا رطبًا منه بسرًا.
وما تقدم من أن فاه إلى في منصوب على الحال؛ لأنه واقع موقع (مشافهًا)، وزعم الفارسي أنه حال نائبة مناب جاعلاً ثم حذف.
وصار العامل كلمته، وقال: هذا مذهب سيبويه، وذهب السيرافي إلى أنه اسم وضع موضع المصدر الموضوع موضع الحال، ومعناه كلمته مشافهة فوضع «فاه إلى في» موضع مشافهة، ومشافهة موضع مشافها.
وذهب الأخفش إلى أن أصله من فيه إلى في، فحذف حرف الجر، وذهب الكوفيون إلى أن أصله كلمته جاعلاً فاه إلى في.
وزعم المبرد: أن تقدير الأخفش لا يعقل؛ لأن الإنسان لا يتكلم من فم غيره، إنما يتكلم كل إنسان من في نفسه.
وقالت العرب: «كلمته فوه إلى في» وهو مبتدأ خبره ما بعده، وقال الفراء: أكثر كلام العرب فاه إلى في بالنصب، والرفع مقول صحيح، وفيما أشبهه هذا من قولهم: حاذيته ركبته إلى ركبتي، جاورته منزله إلى منزلي، وناضلته قوسه عن قوسي، والأكثر فيه ركبته، ومنزله، وقوسه بالرفع، وإذ كان نكرة، فالنصب المؤثر المختار، نحو: كلمته فما لفم، وحاذيته ركبة لركبة، وناضلته قوسًا عن قوس، ورفعه وهو نكرة، جائز على ضعف إذا جعلت اللام خبرًا لفم، وكذلك غيرها من الصفات، وإن وضعت الواو موضع الصفة، فقلت: كلمته فوه وفي، وحاذيته ركبته وركبتي، فالواو تعمل ما تعمل إلى، والنصب بعدها سائغ على إعمال المضمر.
انتهى.
ويعني بقوله: والنصب معها أي مع الواو، وفي الثاني سائغ على إعمال المضمر يعني جاعلاً فتقول: حاذيته ركبته وركبتي، وكلمته فاه وفي أي جاعلاً فاه، وجاعلاً ركبته.
وحكى ابن خروف: صارعته جبهته إلى جبهتي بالرفع والنصب، وذكر ابن مالك عن الفراء: جاورته بيته إلى بيتي، ويقتصر في هذا على مورد السماع
وهو ما حاكاه الفراء، وابن خروف، وأجاز هشام القياس على ذلك فتقول: ما شيته قدمي إلى قدمه، وكافحته وجهه إلى وجهي، ولو قدمت حرف الجر فقلت: كلمني عبد الله إلى في فوه، لم يجز النصب بإجماع من الكوفيين، وتقتضيه قاعدة قول سيبويه في أن (إلى في) تبين (كلك) بعد (سقيًا).
وتقديم (لك) على (سقيًا) لا يجوز، فينبغي ألا يجوز هذا، فلو قدمت فاه إلى في، على كلمته فقلت: فاه إلى في كلمت زيدًا، فأجازه سيبويه، وأكثر البصريين، واتفق الكوفيون على منعه، وتبعهم بعض البصريين فلو قلت: فوه إلى في كلمني عبد الله لم يجز ذلك عند أحد من الكوفيين، ولا أحفظه نصًا عن البصريين والقياس يقتضي الجواز.
وأما الانتقال فالحال على قسمين مبينة، ومؤكدة، فالمبنية لا بد أن تكون منتقلة نحو: جاء زيد راكبًا، أو مشبهة بالمنتقلة نحو قولك: خلق زيد أشهل وخلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها، وقوله:
فجاءت به سبط العظام كأنما …............
وحمل بعضهم هذا على التأكيد؛ لأنه في حكم المعمول بعد خلق، وبعد جاء بمعنى ولدته، وشرط المنتقلة عند هؤلاء أن تكون ممكنة، أن تكون وألا تكون.
وقال آخرون: لا يشترط فيها ذلك؛ لأنه لا يلزم أن يقيد الفعل تقييدًا، بل يفيد وضعًا في الاسم بخلاف المنتقلة، فإنها تفيد تخصيصًا في الفعل كالظرف، ولهذا قدرت بفي بخلاف هذا فتقول: مررت بزيد أكحل، ولقيته أسود تريد: لقيته بهذا الوصف، وعلى هذه الحال، وهذه جبتك خزًا، ودعوة الله سميعًا، والمؤكدة يجوز أن تكون غير منتقلة كقوله: ﴿وهو الحق مصدقًا﴾، وقد أنكر الفراء، وتبعه السهيلي وجود الحال المؤكدة، ويأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى.
ومذهب الجمهور اشتراط تنكير الحال، وأجاز يونس، والبغداديون أن تأتي معرفة نحو: جاء زيد الراكب، وأجاز الكوفيون أنه إذا كان فيها معنى الشرط جاز أن تأتي على صورة المعرفة، وهي مع ذلك نكرة فأجازوا أن تقول: عبد الله المحسن أفضل منه المسيء، وعبد الله عندنا الغني فأما الفقير فلا، وأنت زيدًا أشهر منك عمرًا، التقدير عبد الله إذا أحسن أفضل منه إذا أساء، وعبد الله عندنا إذا استغنى، فأما إذا افتقر فلا، وأنت إذا تسميت زيدًا أشهر منك إذا تسميت عمرًا، وأجازوا أيضًا عبد الله إياه أشهر منه إياها، كل واحد من المكنيين منصوب على الحال، ولا يجوز ذلك عندهم في مكنى المخاطب والمتكلم لا يقال: زيد إياي أشهر
منه إياك، وانتصاب المحسن وشبهه عند البصريين على خبر كان مضمرة، أي: إذا كان المحسن أفضل منه، إذا كان المسيء، وذا الرمة وغيلان من قوله: «لذو الرمة ذا الرمة أشهر منه غيلانًا» منصوبان على تقدير إذا سمي ذا الرمة أشهر منه إذا سمي غيلانًا.
وجاء من الحال مقرونًا به (أل):
أوردها العراك.......... …............
وادخلوا الأول فالأول، ومررت بهم الجماء الغفير.
وحكى القالي: الجماء الغفيرة بالتاء، وجماء غفيرة بالتاء أيضًا والتنوين، وليس من بناء جماء غير منونة، وإنما هو فعال كالجبان والقذاف، وهمزته مجهولة، وقالوا: جاءوا جماء غفيرًا، وجمًا غفيرًا، والمعنى واحد وهو عند سيبويه اسم موضع موضع المصدر؛ أي مررت جمومًا غفيرًا، وجعله غير سيبويه مصدرًا، والجماء الغفير: هي البيضة التي تجمع الرأس، وتضمه قاله الكسائي، وابن الأعرابي، ومذهب الأخفش، والمبرد أن هذه الأسماء ليست بأحوال في الحقيقة، إنما الأحوال هي العوامل الناصبة المضمرة، فبعض هؤلاء قدر تلك العوامل أفعالاً، وهو مذهب الفارسي، وبعضهم قدرها أسماء
مشتقة من تلك الأفعال، فيكون التقدير في أرسلها العراك تعترك أو معتركة.
وذهب ابن طاهر، وابن خروف، وجماعة إلى أنها ليست معمولة لعوامل مضمرة، بل هي واقعة موقع أسماء الفاعلين، منتصبة على الحال بنفسها مشتقة من ألفاظها، ومن معانيها.
وزعم ابن خروف أنه مذهب سيبويه، فيكون التقدير معتركة، وذهب ثعلب أن الجماء الغفير منتصب على المدح لا حال، وأجاز الجرمي نحو: مررت بإخوتك الجماء الغفير، وأجاز ابن الأنباري فيه الرفع نحو: مررت بإخوتك الجماء الغفير بالرفع على تقدير (هم)، وقال الكسائي: العرب تنصب الجماء الغفير في التمام وترفعه في النقصان قال:
كهولهم وطفلهم سواء … هم الجماء في القوم الغفير
وزعم ثعلب أن قولهم: (أوردها العراك) إنما انتصب العراك على أنه مفعول ثان لأوردها، وأما قولهم: أرسلها العراك، فهو عند الكوفيين مضمن أرسلها معنى أوردها فهو مفعول ثان لأوردها.
وزعم ابن الطراوة أن انتصاب (العراك) ليس على الحال.
بل على الصفة لمصدر محذوف أي الإرسال العراك، وكذا قال في هذه الأبواب.
وأما: ادخلوا الأول فالأول، (فأل) زائدة عند بعضهم، والمعنى ادخلوا مرتبين، وهذا ونحوه لا ينقاس عند البصريين ولذلك كانت قراءة من قرأ:
﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾، برفع (الأعز) فاعلاً ليخرجن مضارع خرج، ونصب (الأذل) على الحال شاذًا، وقياس قول الكوفيين جواز هذا، لأن الحال إذا كانت في معنى الشرط جاز أن تكون معرفة (بأل).
وذهب المبرد، والسيرافي إلى أن (أل) في قوله: الأول فالأول معرفة لا زائدة، وذهب يونس إلى أنه حال بنفسه، وهو معرفة، وحكى: أن العرب تقول: قام زيد أخاك، وهذا زيد سيد الناس، وذهب الأخفش إلى أنه ليس حالاً، بل انتصب على أنه مشبه بالمفعول، والتشبيه يكون في الفعل كما يكون في الصفات.
انتهى.
ومما خالفت فيه العرب القياس قولهم للمؤنثات: ادخلن الأول فالأول، والقياس ادخلن الأولى فالأولى، وإذا قيل: دخلوا الأول فالأول بالرفع كان بدلاً من الضمير، فلو قلت: ادخلوا الأول فالأول بالرفع، فليس بدلاً، بل على إضمار فعل، دلت عليه الأول تقديره ليدخل الأول فالأول.
والذي جاء من الحال بصورة الإضافة إلى معرفة مسموعًا: كلمته فاه إلى في، وتقدم الكلام عليه، وطلبته جهدي وطاقتي، ورجع عوده إلى بدئه، ومررت بزيد وحده، وتفرقوا أيادي سبا، ومررت بهم ثلاثتهم إلى العشرة، وقضهم بقضيضهم، فالتقدير: اجتهد جهدي وأطيق طاقتي، أو مجتهدًا جهدي، ومطيقًا طاقتي أو مجتهدًا ومطيقًا على اختلاف المذاهب السابقة.
ومذهب الكوفيين أن جهدي وطاقتي من قبيل المصادر المعنوية، التقدير: اجتهدت جهدي وأطقت طاقتي، ورجع عوده على بدئه عندهم منصوب على المصدر أي عاد عوده على بدئه، وأجاز بعضهم نصبه على المفعول إن رد عوده على بدئه، وأما عند أصحابنا فعلى الحال على التقديرات الثلاثة لاختلاف قائليها، وإذا انتصب على الحال لم يجز تقديم المجرور عليه؛ لأنه من صلبه، وإن كن عوده مفعولاً جاز، ويجوز رفع عوده فاعلاً برجع، أو مبتدأ خبره على بدئه، وعلى هذين يجوز تقديم (على بدئه) على (عوده).
وأما (وحده) فذهب الخليل وسيبويه إلى أنه اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال، كأنه قال: إيحادًا، وإيحادا موضع موحدًا، فمع الفعل المتعدي نحو: ضربت زيدًا وحده هو حال من الفاعل، أي ضربته في حال إيحادي له بالضرب.
ومذهب المبرد أنه حال من المفعول أي ضربته في حال أنه منفرد بالضرب، وذهب أبو بكر بن طلحة إلى أنه حال من المفعول ليس إلا؛ لأنهم إذا أرادوا الفاعل قالوا: مررت به وحده، كما قال:
والذئب أخشاه إن مررت به … وحدي.......
وذهب جماعة إلى أنه مصدر موضوع موضع الحال فمنهم من قال: مصدر على حذف حروف الزيادة أي إيحاده، ومنهم من قال مصدر لم يوضع له فعل.
وذهب يونس، وهشام، في أحد قوليه إلى أنه ينتصب انتصاب الظروف، فتجريه مجرى (عنده)، فجاء زيد وحده، تقديره: جاء زيد على وحده، ثم حذف الحرف، ونصب على الظرف.
وحكى من كلام العرب: «جلسا على وحديهما»، وإذا قلت: زيد وحده، فكأن التقدير: زيد موضع التفرد، وينبغي أن يكون مصدرًا.
حكى الأصمعي: وحد يحد، ويدل على انتصابه على الظرف قول العرب: زيد وحده فهذا خبر لا حال، وأجاز هشام في زيد وحده وجهًا آخر، وهو: أن يكون منصوبًا بفعل مضمر يخلفه (وحده)، كما قالت العرب: زيد إقبالاً وإدبارًا، قال هشام: ومثل زيد وحده في هذا المعنى: زيد أمره الأول، وقصته الأولى وحاله الأول، خلف هذا المنصوب الناصب كما خلف وحده وحد، ويسمى هذا منصوبًا على الخلاف للأول، وقال: لا يجوز (وحده زيد)، كما لا يجوز «إقبالاً وإدبارًا عبد الله»، وكذلك قصته الأولى سعد، وعلى أنه منصوب
على الظرف يجوز: وحده زيد، كما يجوز: عندك زيد، وأيادي سبا، يأتي الكلام عليها في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى.
وأما مررت بهم ثلاثتهم إلى العشرة، فلغة الحجاز نصب هذا على الحال، ومذهب سيبويه فيه كمذهبه في «وحده» أنه اسم موضوع موضع ثلث [الذي هو مصدر ثلثت، وثلث موضوع موضع مثلث]، وكذلك أربعتهم إلى عشرتهم.
وذهب يونس إلى أنه صفة في الأصل، فيكون حالاً مبنية، وذهب المبرد إلى أنه يقدر لفظًا من لفظ الثلاثة فعلاً فتقول: مررت بالقوم فثلثتهم.
وذهب غير هؤلاء إلى أنه ينتصب انتصاب الظرف كما ذهب إليه في زيد وحده، وحكى الكسائي: القوم خمستهم بالرفع على الخبر، وخمستهم بالنصب على الظرف، وليس بحال لامتناع (زيد جالسًا).
ولم يذكر سيبويه جاءا اثنيهما، وقد قاسه بعضهم على ثلاثتهم، ولا يؤكد العرب الحجازيون إلا بكلهم، وأجمعين لا بثلاثتهم إلى العشرة، وبنو تميم يجعلون ثلاثتهم إلى عشرتهم تابعًا لما قبله على سبيل التوكيد في الإعراب نحو: قام القوم ثلاثتهم، ورأيت القوم ثلاثتهم، ومررت بالقوم ثلاثتهم، وإذا أرادوا معنى الإنفراد بالفعل لم يقولوا: إلا وحدهم، نحو: مررت بالقوم وحدهم، والفرق بين النصب على الحال، أو على الظرف أنه فيه تقييد للفعل فلا يقع الفعل إلا بهم خاصة.
وإذا اتبعت جاز أن يكون الفعل خاصًا بهم، وجاز أن يكون شارك غيرهم، والمؤنث كالمذكر في النصب، وفي الإتباع تقول: قام النساء ثلاثتهن إلى عشرتهن على اللغتين.
وأما مركب العدد، فالصحيح جواز اللغتين فيه الحجازية على النصب، والتميمية على الإتباع، وفي انتصابه انتصاب ثلاثتهم خلاف، والصحيح كما قلنا الجواز تقول: جاءوا خمسة عشرهم، فتضيف، وجئن خمس عشرتهن، ويجوز ألا تضيف فتأتي بالتمييز، نحو: مررت بالقوم أحد عشر رجلاً، أو لا تأتي به نحو: مررت بالقوم أحد عشر، ومن قال ذلك قال: مررت بالقوم عشريهم أو عشرين رجلاً أو عشرين.
وأما قضهم بقضيضهم، فحكى سيبويه فيه الإتباع لما قبله على التوكيد، والنصب على الحال، وحكى له فعل قالوا: قضضت عليهم الخيل إذا جمعتها عليهم، ومعنى قضهم بقضيضهم منقضًا آخرهم على أولهم أي: أتوا في انقضاضهم، وهو كالجماء الغفير في أنه مأخوذ من الانقضاض لا مشتق من الصفة، وهو بمنزلة جهدك في أنه للفاعل، ويونس يجعله كالجماء وصفًا، فهو حال بنفسه والإضافة غير محضة، والمبرد يقدر الفعل، وقد يجيء المؤول بنكرة علمًا قالت العرب: جاءت الخيل بداد، وبداد، و (بداد) علم جنس، وجاز وقوعه علمًا لتأوله بمتبددة.
فصل
من مجيء المصدر موضع الحال على مذهب سيبويه، وجمهور البصريين قوله تعالى: ﴿ثم ادعهن يأتينك سعيا﴾ و ﴿ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية﴾ و ﴿وادعوه خوفًا وطمعًا﴾ و ﴿دعوتهم جهارا﴾ وقالت العرب: قتلته صبرًا، ولقيته فجاءة، ومفاجأة، وكفاحًا ومكافحة وعيانًا، وكلمته مشافهة، وأتيته ركضًا ومشيًا وعدوًا، وطلع بغتة، وأعطيته المال نقدًا، وأخذت ذلك عنه سماعًا وسمعًا، ووردت الماء التقاطًا، ومع كثرة ما ورد من ذلك فقيل: أجمع الكوفيون والبصريون على أنه لا يستعمل من هذه المصادر إلا ما استعملته العرب، ولا يقاس عليه غيره، فلا يجوز جاء زيد بكاء، ولا ضحك زيد بكاء، وإن اختلفوا في التخريج، وشذ المبرد فقال: يجوز القياس فقيل عنه مطلقًا، وقيل فيما هو نوع للفعل نحو: أتيته سرعة، وقال سيبويه: لا تقول: أتيته سرعة، ولا رجلة بل حيث سمع، وذهب الزجاج إلى مذهب سيبويه: لا تقول: أتيته سرعة، ولا رجلة بل حيث سمع، وذهب الزجاج إلى مذهب سيبويه، فيما دل عليه الفعل من بغتة، لكنه يقيس وذلك نحو: أتانا إسراعًا أي مسرعًا، وجريًا أي جاريًا، ولا يكون اسم فعل غير مصدر نحو: أتانا رجلة وسرعة، وجعل السيرافي هذا من باب جلست قعودًا فإذا قلت: زيد يأتي عدوًا فالمعنى: يأتي يعدو عدوًا، وكذلك: ﴿يأتينك سعيا﴾ أي يسعين إليك سعيًا.
ويقدر سيبويه هذه المصادر منصوبة بالفعل قبلها أحوالاً، أي دعوتهم مجاهرًا، وقتلته مصبورًا، وكذا باقيها.
وقال الكوفيون، والأخفش، والمبرد هي مفاعيل مطلقة فقال الكوفيون: منصوبة بالفعل الذي قبلها، وليست في موضع الحال؛ لأن معنى قتله صبره ومعنى أعطاه نقده.
وقال الأخفش، والمبرد: قبل كل مصدر فعل مقدر ذلك الفعل هو الحال، أي زيد طلع، يبغت بغتة، وقتلته أصبره صبرًا، وقيل: هي أحوال على حذف مضاف، أي ذا فجأة، وذا صبر، وقيل هي مصادر على حذف مضاف أي لقاء فجأة، وإتيان ركض، وسير عدو، ويقدر مضافًا محذوفًا من لفظ الفعل، ويقدر فيما جاء معرفة مما تقدم ذكره إرسال العراك، وطلب جهدك، ورجوع عوده، ومرور إيحادي له، ومجيء الجماء، ودخول الأول فالأول، وكلام فيه إلى في، فتنتصب هذه المعارف انتصاب المصادر على تقدير ذلك الحذف على ما يسوغ في المصادر من مجيئها معرفة ونكرة وقال ابن هشام، وهذا تقدير حسن سهل.
انتهى.
ومذهب سيبويه أن (أن والفعل) وإن قدر مصدرًا لا يجوز أن يقع حالاً، وذهب ابن جني إلى أنه يجوز أن يقع (أن والفعل) حالاً، كما يقع صريح المصدر قال ذلك في قول الشاعر:
وقالوا لها لا تنكحيه فإنه … لأول نصل أن يلاقى مجمعا
ولا يقتصر على السماع في ثلاثة أنواع.
الأول: قولهم: أنت الرجل علمًا فيجوز أن تقول: أنت الرجل أدبًا ونبلاً، والمعنى الكامل في حال علم، وحال أدب وحال نبل، وذهب ثعلب إلى أن المصدر ينتصب في مثل هذا هو مصدر مؤكد لا حال، ويتأول الرجل باسم فاعل مما جاء بعده فكأنه قال: أنت العالم علمًا، والمتأدب أدبًا، والنبيل نبلاً.
ويحتمل عندي أن يكون تمييزًا كأنه قال: أنت الكامل أدبًا أي أدبك، فحول إلى الرجل بمعنى الكامل، كما أجازوا في أرجل عبد الله [أن يرتفع عبد الله على الفاعلية بمعنى أكامل عبد الله]؛ لأنه لم يرد أن يستفهم عن عبد الله أرجل هو امرأة.
النوع الثاني قولهم: هو زهير شعرًا، وحاتم جودًا ويوسف حسنًا، والأحنف حلمًا، أي مثل زهير في حال شعر، وكذلك باقيها، والأظهر أن تكون تمييزًا؛ إذ هو على تقدير (مثل) محذوفة، و (مثل) يكون عنها التمييز نحو: على التمرة مثلها زبدًا.
ونصوا على التمييز في قولك: زيد القمر حسنًا، وثوبك السلق خضرة أي مثل القمر حسنًا.
النوع الثالث: قولك: أما علما فعالم تقول ذلك لمن يصف عندك شخصًا بعلم وغيره فتقول: كالمنكر عليه وصفه بغير العلم، والناصب لهذه الحال هو فعل الشرط المحذوف، وصاحب الحال هو المرفوع بفعل الشرط، والحال على هذا مؤكدة، والتقدير: مهما يكن من شيء، فالمذكور عالم في حال علم، فلو كان بعد الفاء ما لا يعمل ما بعده فيما قبله نحو: أما علمًا فلا علم له، وأما علما فإن له علمًا، وأما علمًا فهو ذو علم، فنصبه بفعل الشرط المقدر، ويتعين إذ ذاك نصب علمًا.
وقال سيبويه: «وقد يرفع في لغة تميم، والنصب في لغتها أحسن».
وتخصيصه الرفع في لغة تميم، دليل على أن غيرهم من العرب ينصب المنكر، ولا نص فيه على تعيين أن أهل الحجاز ينصبون.
وقال ابن مالك: وتلتزم أهل الحجاز النصب، فإن دخلت (أل) رفع بنو تميم فتقول: أما العلم فعالم، وهو عند أهل الحجاز يجوز فيه الرفع وهو الأكثر، وقد ينصبونه، والنصب في ذي (أل) على أنه مفعول من أجله مذهب سيبويه، وذهب الأخفش إلى أنه، والمنكر مفعول مطلق منصوب مؤكد في التعريف (بأل) والتنكير، والعامل فيه ما بعد الفاء إن لم يقترن به مانع، وإن اقترن بالعامل فعل الشرط، وذهب الكوفيون إلى أنه في النصب منكرًا، ومعرفًا (بأل) مفعول به، فيجيزون «أما العبيد فلا عبيد لك»، وإن كانوا عبيدًا بأعيانهم يجعلون هذا الباب
على إضمار فعل كأنه قال مهما تذكر العبيد، وهو عندهم فعل لا يظهر، وحكوا: أما البصرة فلا بصرة لك، وأما أباك فلا أب لك.
واختار هذا المذهب ابن مالك، وقال به السيرافي في قوله:
......... … سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا
قدره: مهما تذم الصبر، وروى الكسائي عن العرب، أما قريشًا فأنا أفضلها، ونص سيبويه على أن قولك: أما البصرة فلا بصرة لك لا يجوز فيه إلا الرفع، وأنه لا سبيل إلى النصب، وقال سيبويه بعد كلام: وزعم يونس أن قومًا من العرب يقولون: (أما العبيد فذو عبيد، وأما العبد فذو عبد)، يجرونه مجرى المصدر وهو قليل خبيث، وإنما وجهه وصوابه الرفع، وهو قول العرب، وأبي عمرو، ويونس، ولا أعلم الخليل خالفهما، وقد حملوه على المصدر فقال النحويون: أما العلم والعبيد فذو علم وذو عبيد، وهذا قبيح، ولو كانوا عبيدًا بأعيانهم لم يكن إلا رفعًا
وذهب الزجاج إلى أن قولهم: «أما العبيد» هو على حذف مضاف تقديره: أما ملك العبيد، وهو مفعول له، وذهب السيرافي إلى أنه من وضع الاسم موضع المصدر كأنه قال: أما العبيد فهو ذو عبيد، وقد منع سيبويه: أما قريضًا فأنا أفضلها بالنصب، وإن صحت حكاية الكسائي فذلك قليل، وتقديره: أما ذكرك قريشًا على إضمار المصدر وهو لا ينقاس، وأما قولهم: أما صديقًا فأنت صديق، فحال عند سيبويه مؤكدة، وانتصابها بفعل الشرط المحذوف أو بالصفة التي بعد الفاء، فإن قلت فليس بصديق فانتصابها على ذينك التقديرين، ومنع المبرد انتصابها بالصفة، وذهب الأخفش إلى أن انتصاب صديقًا بأن تكون مضمرة، فليس حالاً، بل خبر يكون، وقال سيبويه: وأما قول الناس: أما أن يكون عالمًا، فهو عالم، وأما أن يعلم شيئًا فهو عالم، فهذا يشبه أن يكون بمنزلة المصدر، كأنك قلت: أما علمًا وأما كينونة علم فأنت عالم.
انتهى.
و «أن يكون» في موضع رفع على الابتداء، أو في موضع نصب على المفعول له.
وفي الترشيح: زعم الأخفش أن ناسًا من العرب يقولون: أما العلم فما أعلمني على إضمار (به)، وقال فيه: إن اجتمع مصدر واسم فالمختار أن ينصب المصدر، ويرفع الاسم تقول: أما العلم والعبيد فأنت ذو علم وعبيد، وأما الحمق والمال فأنت ذو حمق ومال، تنصب المصدر على أصله، وترفع الاسم، وبعض النحويين يرى أن ينصب الاسم إذا تقدمه المصدر فيقول: أما العلم والعبيد فهو ذو علم وعبيد، فإن تقدم الاسم رفعوا المصدر فقالوا: أما العبيد والعلم فهو ذو عبيد وذو علم بالرفع، وهذا تفسير غير صواب، والقياس رفع الاسم ونصب المصدر.
وقد يجوز أن تقول: أما العبيد والعلم، وأما العلم والعبيد.
فأنت ذو علم وعبيد [فتنصب العبيد قدمت أو أخرت على لغة من نصبهم؛ فقال: أما العبيد فأنت ذو
عبيد]، وهو غير جيد في اللغة، ورأيت سيبويه يقول: ما كان من هذه المصادر نكرة فهو في موضع الحال، وكذلك أما عالمًا فلا علم عنده، وهذه لغة بني تميم؛ فإن أدخلوا الألف واللام رفعوا، وأهل الحجاز ينصبون هذا نكرة ومعرفة على أنه مفعول من أجله كأنه جواب من سأل لأي شيء هو زيد فقلت: أما الطعن فهو طعان، وكذلك النكرة والصفة تنصب على الحال تقول: أما صديقًا مصافيًا فهو صديق مصاف.
انتهى.
فصل
الغالب في ذي الحال أن تكون معرفة، وقد ذكر سيبويه الحال من النكرة كثيرًا قياسًا، وإن لم تكن بمنزلة الإتباع في القوة، والقياس قول يونس والخليل، وقد جاء من ذلك ألفاظ عن العرب.
وفي التسهيل: لا يكون صاحب الحال في الغالب نكرة ما لم يختص يعني بنعت نحو: مررت برجل تميمي راكبًا، وقال سيبويه: هذا غلام لك ذاهبًا، وفيه رد على من زعم أن ذلك لا يجوز إلا أن يكون نكرة موصوفة بوصفين أو تختص بإضافة نحو قوله تعالى: ﴿في أربعة أيام سواء للسائلين﴾.
أو بالعمل نحو: مررت بضارب هندًا قائمًا، والوجه في هذه المسائل الإتباع، أو يسبقه نفي نحو: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ أو شبه نفي وهو النهي نحو: لا تعتب على صديق غائبًا، والاستفهام نحو: هل وفاك رجل صاحبًا، أو يتقدم الحال: هذا قائما رجل، وفيها قائما رجل.
ويظهر من كلام سيبويه أن صاحب الحال في هذا هو المبتدأ وذهب قوم إلى أن الحال من الضمير المستكن في فيها، وزم ابن خروف أن الظرف والجار
والمجرور لا ضمير فيه عند سيبويه، والفراء إلا إذا تأخر، وأما إذا تقدم فلا ضمير فيه، والحال المتقدمة من النكرة قال سيبويه: أكثر ما تكون في الشعر، وأقل ما تكون في الكلام انتهى، ويجوز: فيها قائم رجل على البدل، وحكى الفراء: هذه خراسانية جارية بنصب خراسانية على الحال المتقدمة، وبرفعها على طريق البيان، يعني بدل جارية منها، أو تكون مقرونة بالواو نحو: ﴿أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها﴾، أو يكن الوصف به على خلاف الأصل نحو: مررت ببر قفيزًا بدرهم، ومررت بماء قعدة رجل انتهى.
ما في التسهيل من مجيء ذي الحال نكرة ممثلاً، وقد ذكرنا اقتباس سيبويه مجيئها من النكرة من غير اعتبار لما اعتبره ابن مالك.
والحال بالنسبة إلى التقديم، والتأخير عن صاحبها أقسام: ما يجب تأخيرها عنه، كإضافة العامل إلى صاحبها نحو: عرفت قيام هند ضاحكة، وما أحسن هندًا
متجردة، قد ذكرنا في باب التعجب خلافًا في الفصل بين فعل التعجب ومعموله بالحال، والصحيح المنع، وما يجب فيه التقديم كإضافته إلى ضمير ما لابس الحال نحو: جاء زائر هند أخوها، وكاقتران صاحبها بـ (إلا) على رأي نحو: ما جاء مسرعًا إلا زيد، حكمها حكم المفعول المحصور فيه الفاعل، وتقدم ذكر الخلاف فيه.
وذو الحال إن كان مجرورًا بحرف، فإما أن يكون زائدًا، أو غير زائد إن كان زائدًا جاز تقديمها على ذي الحال نحو: ما جاءني من أحد عاقلاً، فيجوز ما جاءني عاقلاً من أحد، وإن كان غير زائد نحو: مررت بهند ضاحكة، فمذهب البصريين أنه لا يجوز تقديمها مطلقًا، كان ذو الحال ظاهرًا، أو مضمرًا لا تقول: مررت ضاحكة بهند، وأجاز ذلك من المتأخرين ابن كيسان، والفارسي وابن برهان، وفصل الكوفيون، فقالوا: إن كان ذو الحال مضمرًا جاز تقديمها عليه نحو: مررت ضاحكة بك، وكذا إن [كان المضمرين أحدهما: مجرور بالحرف نحو: مسرعين مررت بك، ومررت مسرعين بك، وإن] كان مظهرًا، والحال فعل جاز تقديم الحال على المجرور نحو: مررت بهند تضحك، فيجوز: مررت تضحك بهند، وإن كان الحال اسمًا فلا يجوز تقديمها لا يجوز:
مررت ضاحكة بهند، وحكى ابن الأنباري: أن الاتفاق على منع ذلك، وأن التقديم خطأ.
وإن كان ذو الحال مجرورًا بالإضافة، فإما أن تكون الإضافة محضة، أو غير محضة، إن كانت غير محضة، فإما أن يكون المضاف إلى ذي الحلال عاملاً في ذي الحال نصبًا، أو لا، إن لم يكن فلا يجوز التقديم نحو: هذا قتيل هند ضاحكة، وإن كن نحو: هذا شارب السويق ملتويًا الآن أو غدًا.
فقال ابن مالك: جاز تقديم الحال على المضاف فتقول: هذا ملتويًا شارب السويق، وإن كانت محضة فإما أن يكون في تأويل رفع، أو نصب أو لا، إن كان فيجوز مجيء الحال منه نحو: يعجبني قيام زيد مسرعًا، وركوب الفرس عريانا، ولا يجوز تقديمها على العامل، وإن لم يكن في تأويل ذلك فلا يجوز مجيء الحال منه حو: ضربت غلام هند ضاحكة.
وسواء أكان جزءًا أم كجزء.
وقال ابن مالك: إن كان المضاف إليه جزءًا نحو قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا﴾، فـ (إخوانًا) حال من ضمير صدورهم، أو كجزء قال: نحو قوله تعالى: ﴿اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ فـ (حنيفًا) حال من إبراهيم قال: فلو كان غير جزء.
ولا كجزء لم يجز مجيء الحال من المجرور بالإضافة نحو: ضربت غلام هند جالسة، فهذا لا يجوز بلا خلاف.
انتهى.
وفيه الخلاف: أجاز بعض البصريين مجيء الحال من المضاف إليه الصريح.
وفي البديع: إن لم يكن المضاف إليه فاعلاً، ولا مفعولاً قلت الحال منه
كقولك: جاءني غلام هند ضاحكة، وإن كن ذو الحال مرفوعًا جاز تقديم الحال عليه نحو: جاء مسرعًا زيد، وسواء أخر عامله عن الحال نحو: مسرعًا جاء زيد، أم قدم نحو ما مثلنا به قبل.
ومنع بعض الكوفيين تقديمها إذا تأخر الفعل، وإن كان منصوبًا نحو: لقيت هندًا ضاحكة، فيجوز تقديمها على صاحبها نحو: لقيت ضاحكة هندًا، وقال الكوفيون: لا يجوز سواء أكانت الحال اسمًا كما مثلنا أم فعلاً نحو: لقيت هندًا تضحك، وبعضهم أجاز إذا كان فعلاً، فأجاز لقيت تضحك هندًا.
والعامل في الحال إن كان فعلا متصرفا، أو صفة تشبهه، ولا يتعلق به مانع تقديم جاز أن يتقدم الحال عليه، نحو: مسرعًا جاء زيد، وسواء أكان الحال اسمًا كقوله تعالى: ﴿خشعًا أبصارهم يخرجون﴾، أم مصدرًا كقوله:
فلأيا بلأى ما حملنا وليدنا …............
ومؤكدة، أم غير مؤكدة، وفي المؤكدة خلاف، كالخلاف في المصدر المؤكد هذا مذهب البصريين إلا الجرمي، فإنه لا يجيز تقديم الحال على عاملها المتصرف وإلا الأخفش، فإنه منع تقديمها في نحو: راكبًا زيد جاء، ومثال الصفة التي تشبه الفعل المتصرف، فنص سيبويه على جواز تقديمها على الفعل، وعلى الصفة
نحو: مسرعًا زيد راحل، وزيد مجردًا مضروب، وزيد موسرًا، أو معدمًا سمح، وذهب الكوفيون إلى تفصيل في ذلك فقالوا: إن كانت الحال من مرفوع ظاهر تأخرت، وتوسطت والرافع قبلها، ولا يتقدم على الرافع والمرفوع كليهما فلا يجوز عندهم: راكبًا جاء زيد، ويجوز التوسط نحو: جاء راكبًا زيد، وإن كانت من مرفوع مضمر جاز تقديمها، وتوسيطها، وتأخيرها، ولم يفرقوا بين الفعل وغيره، فيجوز: في الدار أنت قائمًا، وفي الدار قائمًا أنت، وقائمًا في الدار أنت، وجئت راكبًا، وراكبًا جئت.
وفي البسيط: منع التقديم عن الكسائي، والفراء مطلقًا سواء أكان ظاهرًا أم مضمرًا، وإن كانت من منصوب ظاهر، جاز تأخيرها، ولا يجوز تقديمها لا يقال: ضاحكة لقيت هندًا، ولا متوسطة لا تقول: لقيت ضاحكة هندًا، وإن كانت من منصوب مضمر جاز تقديمها نحو: ضاحكًا لقيتني هند، وإن كانت من مخفوض ظاهر فيجب التأخير، ولا يجوز التقديم، ولا التوسط لا يجوز: ضاحكة مررت بهند، ولا مررت ضاحكة بهند وإن كانت من مضمر جاز تقديمها أول الكلام، وتأخيرها نحو: ضاحكة مرت بي هند، ومرت بي هند ضاحكة، ولا يجوز توسيطها نحو: مرت ضاحكة بي هند.
ويجب تأخير الحال عن العامل إذا كانت في صلة (أل) نحو: الجائي مسرعًا زيد، أو في صلة حرف مصدري عامل نحو: يعجبني أن يقوم زيد مسرعًا أو كان مقرونًا بلام ابتداء متصلاً بها نحو: لأصبر محتسبًا أو بلام قسم متصلاً بها نحو لأقومن طائعًا، أو كان مصدرًا ينسبك بحرف مصدري، والفعل نحو: يعجبني
ركوب الفرس مسرجًا، فإن كان العامل في صلة غير (أل) نحو: جاءني الذي مسرعًا قام، أو في صلة حرف مصدري عامل نحول: عجبت مما مسرعًا نذهب، أو لا يتصل بلام الابتداء نحو: لمحتسبًا أصبر، ولا بلام القسم نحو: لـ «إلى زيد راغبًا أذهب» جاز تقديم الحال على عاملها، فإن كانت لام الابتداء في خبر (إن)، وبعده الحال جاز تقديمها عليه نحو: إن زيدًا مسرعًا لذاهب، وإن كانت الحال دخلت عليها الواو نحو: جاء زيد والشمس طالعة، فذكر أصحابنا أنه لا يجوز تقديمها على العامل، وإن كان متصرفًا فلا تقول: والشمس طالعة جاء زيد، وأجاز الكسائي، والفراء، وهشام: وأنت راكب تحسن، وأنت راكب حسنت؛ تريد: تحسن وأنت راكب، وحسنت، وأنت راكب، ونص ابن أصبغ على أنه لا يمتنع عند الجمهور تقديم الجملة الحالية التي معها الواو على العامل إذا كان فعلاً، ومنعه الفراء.
وذكر ابن مالك أنه إذا كان العامل نعتًا لا يجوز تقديم الحال عليه، ومثل بقوله: مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورًا سرجها، وأطلق فقال: لو كان العامل القوي نعتًا، لم يجر تقديمه يعني تقديم الحال فعلى هذا الإطلاق لا يجوز: مررت برجل ضاحكًا مسرع، وأنت تريد مسرعًا ضاحكًا، ولا نعلم خلافًا في جوازه، وجواز مثله نحو: مررت برجل مسرجًا يركب الفرس يريد: يركب الفرس مسرجًا.
و «يركب» هو نعت لرجل، وإنما امتنع ذلك في تمثيله من جهة عود الضمير متقدمًا على ما يفسره، إذ يصير التركيب: مررت برجل مكسورًا سرجها ذاهبة فرسه لا من جهة كون العامل نعتًا.
ومما يجب فيه تأخير الحال عن العامل، إذا كان العامل جامدًا ضمن معنى مشتق، ومثل ذلك ابن مالك بأما، وحرف التنبيه، واسم الإشارة، والترجي والتمني، والاستفهام المقصود به التعظيم، واسم الجنس المقصود به الكمال، والمشبه به.
انتهى.
أما (أما) فنسبة العمل إلهيا مجاز، وذلك نحو: أما علما فعالم، وأما صديقًا فصديق، وتقدم الكلام في ذلك، وما العامل في المصدر وفي الصفة، وزعم بعض النحاة أن (لولا) بمنزلة (أما) في تضمين الفعل، إذ يتضمن معنى يمتنع فتقول: لولا زيد قائمًا لكان كذا، وقالوا: لولا رأيتك مذهوبًا لكان كذا وهذا مبني على أن المرفوع بعد لولا فاعل، وهو رأي بعض الكوفيين، وأما على مذهب البصريين فهو مبتدأ وخبره محذوف، فإن صح مجيء الحال بعد (لولا) فالعامل فيها هو الخبر المحذوف.
وقد نقل أبو الحسن أن العرب لم تلفظ بحال المرفوع بعد لولا، وأما حرف التنبيه فنحو: هذا زيد قائمًا، فمذهب الجمهور أنه يجوز أن ينتصب قائمًا على الحال، والعامل فيه حرف التنبيه، وقال (ابن أبي العافية)، والسهيلي: لا يجوز أن يعمل حرف التنبيه في الحال، وأما اسم الإشارة فذهب الجمهور إلى أنه
يجوز أن ينتصب قائمًا باسم الإشارة، ووافقهم ابن أبي العافية، وقال السهيلي: لا يعمل اسم الإشارة، والناصب في مثل هذه المسألة فعل مضمر تدل عليه الجملة تقديره: انظر إليه قائمًا، وهذا كله على قول البصريين أن قائمًا حال، وتقدم قول الكوفيين في باب كان أن قائمًا يسمونه خبر التقريب.
وأجاز الكسائي أيضًا في نحو: هذا زيد قائمًا ما أجاز البصريون من أن (قائمًا) حال إما من اسم الإشارة، وإما من زيد، ولو وسطت قائمًا فقلت: هذا قائمًا زيد، فقال الكوفيون: انتصب على الحال إما من اسم الإشارة، وإما من زيد، وأجاز الكسائي نصبه على أنه خبر التقريب، واتفق الكوفيون، والبصريون على إحالة قائمًا هذا زيد، وقد جاء السماع بنظير هذا قائمًا زيد، وها قائمًا ذا زيد.
وأما حرف التمني والترجي، وهما (ليت ولعل) فنص الزمخشري على أنهما (وكأن) ينصبن الحال، والصحيح أن (ليت ولعل) لا يعملان في الحال، وفي (كأن) خلاف والصحيح أنها تعمل في الحال.
وأما الاستفهام المقصود به التعظيم، فقال ابن مالك هو نحو:
يا جارتي ما أنت جاره ….........
فـ (جارة) عنده منصوب على الحال، والعامل فيها (ما) الاستفهامية بما تضمنت من معنى التعظيم فكأنه قال: ما أعظمك جارة، وهذا تفسير معنى، وتفسير الإعراب أي عظيمة أنت في حال كونها جارة، وهذا الذي قاله ابن مالك قاله الفارسي في البيت، وأجاز أن يكون تمييزًا وبدأ به، ويدل على تعيين التمييز جواز دخول (من) عليه.
وأجازوا في البيت أن تكون (ما) نافية، وأنت اسمها، أو مبتدأ على ما تقدم من لغة الحجاز، وتميم في (ما)، ولم يأت بعد (ما) هذه التي تقتضي التعظيم ما يقطع بمجيء الحال، فلا ينبغي إثبات قاعدة كلية بمحتمل ظاهر فيه غير الحال.
وأما قول العرب: مالك قائمًا فـ (قائمًا) حال، والعامل فيه هو العامل في الجار والمجرور، وذهب الفراء إلى أنه ينتصب على معنى كان، وجوز كونه معرفة نحو: مالك الناظر في أمرنا، فينصب النكرة والمعرفة، و (ما) هذه استفهامية لا يراد بها التعظيم، وأما اسم الجنس المقصود به الكمال فنحو: أنت الرجل علما فتقدم الكلام عليه، وأن ثعلبًا ينصبه على المصدر، واختيارنا فيه أن يكون تمييزًا لا حالاً، وأما المشبه به، فتقدم الكلام فيه وجواز أن يكون تمييزًا لا حالاً.
ومما يجب فيه أيضًا تأخير الحال عن العامل أن يكون أفعل تفضيل نحو: هو أكفؤهم ناصرًا، أو مفهم تشبيه نحو: زيد مثلك شجاعا، وأجاز الكسائي: عبد الله طالعة الشمس، ومحمد منيرًا القمر وأبطل ذلك الفراء.
وتقول: أخوك معك معنا أخونا؛ التقدير: أخوك معك كأخينا معنا، فإذا أظهرت الكاف لم يجز الفراء، والكسائي، والبصريون تقديم الظرف عليها، لا يجيزون: أخوك معك معنا كأخينا ومثل ذلك درهمك درهم زيد موزونًا أي كدرهم زيد؛ فإن قدمت موزونًا جاز، فإن أظهرت الكاف لم يجز تقديم الحال عليها، إلا إن جعلته حالاً (لدرهمك)، فيجوز درهمك موزونًا كدرهم زيد.
انتهى.
واغتفر توسيط ذي التفضيل بين حالين، وكان القياس أن يتأخرا، ولا ينتصب الحالان مع أفعل التفضيل إلا لمختلفي الذات مختلفي الحال نحو: زيد مفردًا أنفع من عمرو معانا، أو متفقي الحال نحو: زيد مفردًا أنفع من عمرو مفردًا، أو متحدي الاذت مختلفي الحالين نحو: زيد قائمًا أخطب منه قاعدًا.
واختلف في العامل في هذين الحالين، فذهب المبرد، والزجاج، وابن السراج، والسيرافي، والفارسي في حلبياته إلى أنهما منصوبان على إضمار كان التامة صلة لـ (إذا) إن كانت الحالان على تقدير الحال، وصلة لـ (إذا) إن كانا مما تقدم.
وأجاز بعض أصحابنا تقدير كان الناقصة صلة لـ (إذا) أو لـ (إذ)، فإن تقدم الحال الأولى اسم إشارة نحو: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا، فقيل: العامل في (بسرًا) اسم الإشارة، وقيل حرف التنبيه، وذهب المازني، والفارسي في تذكرته، وابن كيسان، وابن جني، وابن خروف إلى أن أفعل التفضيل هو العامل في الحالين.
فـ (بسرًا) حال من الضمير المستكن في أطيب، و (رطبًا) حال من الضمير في منه، ونسب هذا إلى سيبويه، وهو الذي نختاره.
وتقول: مررت برجل أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون، ومررت بزيد أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون، ولا يجوز تأخير المنصوبين على الحال عن أفعل التفضيل.
ولا يجوز: تمر هذه النخلة أطيب منه بسرًا رطبًا، ولا تقديمهما على أفعل التفضيل، فلا يجوز تمر هذه النخلة بسرًا رطبًا أطيب منه، ولم يسمع ذلك من كلام العرب، وأجاز بعض أصحابنا تأخير الحالين عن أفعل التفضيل على شرط أن تلي أفعل التفضيل الحال الأولى مفضولاً بها، وبين المفضل عليه، وتلي الثانية المفضل عليه، فتقول: هذا أطيب بسرًا منه رطبًا، وزيد أشجع أعزل من بكر ذا سلاح، ويحتاج جواز هذا التركيب إلى سماع من العرب.
ولو اشترك المختلفان في وصف هو لأحدهما أكثر على كل حال، ارتفع الاسمان اللذان كانا انتصبا حالين فتقول: هذا بسر أطيب منه عنب،
فـ «بسر» خبر المبتدأ، وأطيب وما بعده جملة من مبتدأ وخبر في موضع الصفة لـ (بسر) و (أطيب) هو المبتدأ، و (عنب) خبره، وهو الاختيار لوقوع المبتدأ في محله، ويجوز أن يكون أطيب خبرًا مقدمًا، و (عنب) المبتدأ، وأجاز ابن مالك أن تجرى أداة التشبيه مجرى أفعل التفضيل، فتتوسط بين حالين فتعمل في أحدهما متأخرة، وفي الأخرى متقدمة وأنشد:
أنا فذاكهم جميعًا......... …..........
.......... … ونحن صعاليك أنتم ملوكا
يريد، ونحن في حال صعلكتنا مثلكم في حال ملككم فحذف مثلاً، وأقام المضاف إليه مقامه مضمنًا معناه، وأعمله بما فيه من معنى التشبيه، والصحيح أن نصب (فذا)، والصعاليك والحالان بعدهما هو على تقدير: إذا كنت فذًا، وإذا كنا صعاليك.
وإذا كان الجامد ظرفًا، أو مجرورًا، والحال اسم، أو ظرف، أو مجرور، والخبر إذ ذاك ظرف أو مجرور، فإن تقدمت الحال على الجملة بأسرها نحو: قائمًا زيد في الدار، أو قائمًا زيد عندك، أو في الدار زيد عندك، على أن يكون قائمًا حالاً،
وعندك الخبر فقال ابن طاهر: لم يختلفوا في امتناع قائمًا زيد في الدار، وليس بصحيح، فإن الأخفش أجاز في قولهم: فداء لك أن يكون (فداء) منصوبًا على الحال، والعامل فيه لك، وهو نظير قائمًا في الدار زيد، وأجاز ابن برهان: إذا كانت الحال ظرفًا، أو مجرورًا، والعامل فيها ظرف، أو مجرور التقدم قال في قوله تعالى: ﴿هنالك الولاية لله الحق﴾ (هنالك) ظرف في موضع حال، والولاية مبتدأ، والخبر لله، وهو عامل في هنالك التي هي الحال.
وإن توسطت الحال، فتارة تتوسط بين المبتدأ المتقدم، وخبره الظرف، أو الجار والمجرور المتوسط، وتارة تتوسط بين الخبر الذي هو ظرف أو مجرور وهو متقدم، والمبتدأ متأخر فمثال الثانية: في الدار عندك زيد، وعندك حال، وفي الدار قائمًا زيد، فلا خلاف في جواز ذلك.
ومثال الأولى: زيد قائمًا في الدار، وزيد عندك في الدار، على أن عندك هو الحال، فذهب جمهور البصريين إلى منع ذلك مطلقًا، وأجازه الفراء، والأخفش في أحد قوليه.
وسواء أكانت الحال ظرفًا، أو مجرورًا، أم اسمًا صريحًا، أو حالاً بالواو، نحو: زيد وماله كثير بالبصرة، وتجويز ابن برهان في ﴿هنالك الولاية لله الحق﴾ يقتضي بجهة الأولى جواز ذلك في التوسط إذا كانت الحال ظرفًا أو مجرورًا.
وأجاز الكوفيون التوسط إذا كانت من مضمر مرفوع، كما أجازوا التقدم، فيجيزون في «أنت في الدار قائمًا» أن تقول: في الدار قائمًا أنت، وأنت قائمًا في الدار، وقائمًا في الدار أنت، وقائمًا أنت في الدار، واختيار ابن مالك أنه إن كانت اسمًا صريحًا ضعف التوسط بقوة، [وإن كانت ظرفًا أو مجرورًا جاز التوسط بقوة].
ونقل الإجماع عن البصريين في منع: قائمًا زيد في الدار، وقائمًا في الدار زيد، وتحصل في هذه المسألة أقوال: الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، وتفصيل الكوفيين، وتفصيل ابن برهان، وتفصيل ابن مالك، وقيل ما أجازه ابن برهان في قوله: إن هنالك ظرف في موضع الحال، هو خلاف ما أجمع على منعه البصريون والكوفيون، وفي كتاب النقد لابن الحاج: زيد قائمًا في الدار أجازها أبو الحسن والكسائي، وأجازه الفراء في الشعر انتهى.
وإذا اجتمع في الجملة ظرف، أو مجرور واسم كل يصلح أن يكون خبرًا، فإما أن يتقدم الظرف والمجرور على الاسم أو يتأخر، إن تقدم نحو: في الدار زيد قائم، وأمامك بشر جالس، فاختار سيبويه، والكوفيون النصب في قائم وجالس على الحال، وإن لم يتقدم نحو: زيد في الدار قائم وعمرو أمامك جالس، فاختاروا الرفع، وقال المبرد: التقديم والتأخير في هذا واحد، وحكى ابن سلام: أن عيسى كان يلحن النابغة في قوله:
........ … في أنيابها السم ناقع ويقول: لا يجوز إلغاء الظرف متقدمًا، والعربي الباقي على سليقته، لا ينبغي ن يلحن، وإذا انتصب الاسم، فعلى الحال، والظرف والمجرور هو الخبر، وإذا ارتفع فعلى الخبر، والظرف والمجرور هو معمول للخبر، وأجاز بعضهم أن يكونا خبرين، ومنع ذلك بعضهم، فإن تكرر الظرف، أو الجار والمجرور فإما أن يختلفا، نحو: زيد في الدار جالس في صدرها، فقال الفراء: لا يجوز في جالس إلا النصب، وقال ابن كيسان: الرفع جائز، وهو مقتضى مذهب الكوفيين، وقال البصريون: الرفع والنصب جائز، وإن لم يختلفا فإما أن يكون التكرار بالضمير، أو بالظاهر، فإن كان بالضمير نحو: في الدار زيد قائم فيها، جاز الرفع والنصب عند البصريين، ولزم النصب عند الكوفيين، ووافقهم ابن الطراوة، وإن كان [بالظاهر فقياس مذهب الكوفيين أنه لا يجوز فيه إلا النصب كالتكرار بالضمير، وأجاز البصريون فيه الرفع والنصب، ووافقهم ابن الطراوة، فإن كان] الظروف والمجرور
ناقصين، ولا يصلحان للخبرية وجب جعل الاسم الخبر مع التكرار، ودونه نحو: فيك زيد راغب، وفيك زيد راغب فيك، وأجاز الكوفيون نصب راغب على الحال.
ولو اجتمع ظرفان تام وناقص، فبدأت بالتام، نحو: عبد الله في الدار بك واثقًا، وإن في الدار زيدًا بك واثقًا، جاز الرفع والنصب، وزعم ابن سعدان أن هذا لا يجوز، لأن (بك) في صلة واثق، قال: ولا يجوز إن فيك زيدًا راغب، وقال ابن كيسان الرفع الاختيار، وإن بدأت بالناقص أول الكلام فقلت: إن فيك زيدًا في الدار راغب، وإن فيك في الدار زيدًا راغب، أو بعد الاسم نحو: إن زيدًا فيك في الدار راغب جاز الرفع والنصب، ولا يجيز الكوفيون النصب، وإذا اجتمعا بعد المبتدأ، وتوسط بينهما اسم صالح للخبرية، وقدمت التام، وكان مع الناقص ذكر يعود على التام، فالجمهور يختارون نصب الاسم المتوسط، والفراء يوجب النصب، مثاله: زيد في الدار مفتتن بها، فالنصب على الحال والرفع على أنه خبر ثان، أو يكون في الدار متعلقًا بمفتتن، ومفتتن هو الخبر، فإن قدمت التام على المبتدأ، وأخرت الناقص نحو: في الدار زيد مفتتن بها.
جاز الرفع والنصب عند البصريين كالتي قبلها عندهم، وأوجب الكوفيون جميعًا النصب.
فإن قدمت الناقص على العامل فيه وعلى التام وأخرت التام عن المبتدأ نحو: زيد فيك راغب في الدار، فكالتي قبلها عند البصريين، وأوجب الكوفيون الرفع، فإن قدمت الظرفين معًا على المبتدأ وبدأت بالناقص، فالبصريون على ما تقدم وذلك
نحو: فيك راغبًا في الدار زيد، وقياس قول الكوفيين إيجاب النصب، وحكى النحاس عنهم إيجاب الرفع، فإن كان بدل الناقص مفعول للخبر، فقدمت المبتدأ، ثم الظرف التام ثم المفعول نحو: زيد في الدار طعامك آكل، وجب الرفع عند البصريين، وحكى ابن أصبغ عن الكسائي جواز النصب، وقال النحاس: أكثر النحويين يجيز الرفع والنصب، وقال ابن كيسان لا يجوز النصب.
فصل
إن اتحد عامل الحال وذو الحال، وتعددت هي نحو: جاء زيد مسرعًا ضاحكًا، ففي كونهما حالين خلاف، ذهب الفارسي، وجماعة إلى أنه لا يجوز أن يقضي العامل الواحد من الأحوال التي لذي حال واحدة أزيد من حال واحدة.
ويجعلون في نحو ذلك المثال أن يكون (ضاحكًا)، صفة (مسرعًا)، أو حالاً من الضمير المستكن في مسرعًا، وذهب أبو الفتح إلى جواز ذلك، فيقتضي أزيد من حال واحدة.
ويجوز أن يتعدد صاحبا الحال، متفقين في الإعراب والحال تجمع نحو: جاء زيد وعمرو مسرعين، أو مختلفين في الإعراب، والحال تجمع نحو: لقى زيد عمرًا ضاحكين، واتفق الكوفيون على إبطال، راكبين لقى زيد عمرًا، ولقى زيد راكبين عمرًا، ولقى راكبين زيد عمرًا.
وقياس مذهب البصريين جواز هذا كله، ولا يجوز عند الكوفيين لقيت مسرعين زيدًا، ولا مسرعين لقيت زيدًا، ويجوز عندهم مسرعين لقيتك، وراكبين لقيتني، ولا يجوز في قولهم: مر زيد مسرعين بسعد، ولا مر مسرعين زيد بسعد، ولا مسرعين مر زيد بسعد، ويجوز عندهم مسرعين مررت بك، ومررت مسرعين بك، ولا يجوز عند البصريين تقديم حال لمخفوض ظاهر، ولا مكني.
وهذه المسائل من فصل تقديم الحال على ذي الحال، وعلى عامله، ولا يجمع الحالان حتى يصلح انفراد كل وصف بالموصوف، فإن اختلفا في هذا المعنى لم يجمعا.
وأجاز الكسائي وهشام أن تجيء الحال مجموعة من مضاف، ومضاف إليه نحو: لقيت صاحب الناقة طليحين على أن (طليحين) حال لصاحب، والناقة، إذ هما معنيان كلاهما، والمختار عندنا أن ثم معطوفًا محذوفًا تقديره: صاحب الناقة والناقة، فطليحان حال من المتعاطفين.
وأجاز سيبويه: هذا رجل معه رجل قائمين على أن الحال للاسمين، وأجاز أيضًا: مررت برج لمع امرأة ملتزمين، وقال من قال: في الدار رجل، وجئتك بآخر عاقلين مسلمين، فالنصب على الثناء والتعظيم لا على الحال.
وإن تعدد ذو الحال، وتفرق الحالان، فيجوز أن يلي كل حال صاحبه، نحو: لقيت مصعدًا زيدًا منحدرًا، ويجوز أن يتأخرا عن صاحبيهما نحو: لقيت زيدًا مصعدًا منحدرًا، فتلى الحال الأولى ذا الحال الثاني، والمتأخرة لذي الحال الأولى، فمصعدا حال من زيد، ومنحدرًا حال من التاء في لقيت.
وفي كتاب التمهيد: تجعل ما تقدم من الحالين للفاعل الذي هو متقدم، وما تأخر للمفعول، وكذا في كتاب البديع عن ابن السراج قال: «وكيف قدرت بعد أن يعلم السامع من المصعد، ومن المنحدر جاز».
وقال صاحب التمهيد: ولو جعلت الآخر للأول جاز ما لم يلتبس، ولذلك منع بعضهم: أعطيت ضاحكًا زيدًا إذا لم يكن ضاحكًا للتاء، وأجاز أعطيت يضحك زيدًا لارتفاع اللبس مع الفعل.
انتهى.