ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسيباب الإدغام من كلمتين

إن تحرك المثلان غير همزتين، جاز الإظهار: وهو لغة الحجاز، والإدغام ما لم يل ساكنًا غير لين أو لينًا مدغمًا وفي هذا صور: إحداها: أن يكون ما قبل الأول متحركًا، وما بعد المثل الثاني متحركًا نحو: جعل لك، وولى يزيد، وقضو ودود.
الثانية: أن يكون ما مقبل المثل الأول متحركًا وما بعد الثاني ساكنًا نحو: يرد داود، وولى ياسين، وقضوا واقد.
الثالثة: أن يكون ما قبل المثل الأول ساكنًا وما بعد الثاني ساكنًا نحو: قام مالك، وآي ياسين، وواواقد.
الرابعة: أن يكون ما قبل المثل الأول ساكنًا، وما بعد الثاني متحركًا نحو: قال له، وآي يزيد، وواو ودود.
فإن كانا همزتين نحو: قرأ أبوك، فالإدغام لغة رديئة وإن ولى ساكنًا غير

لين فقالوا: لا يجوز الإدغام، وجاءت حروف قرأها أبو عمرو بالإدغام نحو: [الرعب بما]، و [البحر رهوا]، [وهو واقع] قال سيبويه: إن شئت أخفيت وكان بزنته متحركًا فأما قوله تعالى: [فنعما هي] فقال سيبويه: فالإدغام على لغة من يقول: نعم بكسر العين وهي لغة هذيل لا على لغة من قال: نعم بسكون العين، فالإدغام فيه من باب ما قبل المثل الأول متحرك، وقد أجاز الفراء: الإدغام إذا كان قبله ساكن صحيح على وجهين أحدهما: الجمع بين ساكنين كما روى عن أبي عمرو، والفراء، والثاني إلقاء الحركة من الأول على الساكن قبله فتقول في مثل [البحر رهوا] بنقل حركة الراء إلى الحاء، فيسكن الراء ويدغمها في الراء.
وفي كتاب التعريف لأبي العلاء المعري: الإدغام في مثل: [شهر رمضان] مما قبل الحرف الأول حرف ساكن صحيح لا يجوز عند البصريين، وأجازه الكوفيون وقال قوم: إن العرب إذا أدغمت مثل هذا نقلت إلى الحرف الساكن حركة الحرف المدغم مختلسه فتقول: شهر رمضان، انتهى.

فلو كان ساكنًا لينًا نحو: ثوب بكر، وجيب بكر جاز الإدغام، قال سيبويه: البيان في ثوب بكر أحسن منه في الألف انتهى، ومع جواز الإدغام فليس هو في جيب بكر، كهو في طيب بكر، ولا في المال لك.
وإذا كان مدغمًا نحو: عدو واقد، وولى يزيد، وعز زهير، فلا يجوز الإدغام، وشذ قراءة من قرأ [مس سقر] بالإدغام، فإن سكن الأول وجب الإدغام نحو: اضرب بكرا، واخشى ياسرا، واخشوا واقدا، فإن كان حرف مد ولين نحو: يغزو واقد، ويرمي يزيد، فلا إدغام، فأما: [مالية هلك] ونحوه من هاء السكت فمنهم من أدغم، ومنهم من أظهر.

فصل

المتقاربان إن تحرك ما قبل الأول، أو سكن لينًا صير مثل الثاني، وأدغم جوازًا نحو: اصحب مطرًا، وباب مطر، فإن سكن غير لين فلا يدغم: حرب مالك وقد أدغم الفراء من غير السين نحو: [والحرث ذلك] وكذا إن كان همزة نحو: قرأ هارون، أو ضادًا نحو: نهض طالب، وروى عن أبي عمرو: إدغامها في الذال نحو: [الأرض ذلولا] وفي الشين نحو: [لبعض شأنهم]، أو فاء نحو: خسف بزيد، وقد قرأ الكسائي [نخسف بهم] بالإدغام، وهو مما انفرد به، أو ميمًا ومقاربها الباء نحو: [بأعلم بالشاكرين]، والفاء نحو: علم فائد، والواو نحو: علم واقد أو صفيريا قبل غير صفيرى، وقد روى عن أبي عمرو إدغام: [الرأس شيبا] وقد روى عن أبي عمرو إدغام: [الرأس شيبا] وقد روى عن أبي عمرو إدغام [إلى ذي العرش سبيلا]

فأما إدغام اللام في الراء نحو: [ليغفر لك الله]، [فأصبر لحكم ربك] فذهب الخليل، وسيبويه، وجمهور البصريين إلى أنه لا يجوز، وأجاز ذلك أبو عمرو وقرأبه رواية وسماعًا، ويعقوب، وأجازه الكسائي، والفراء وأبو جعفر الرؤاسي، وحكوه عن العرب.
وتدغم الباء في الفاء والميم نحو: اضرب فاجرًا، واصحب مطرًا، والهاء في الحاء نحو: اجبة حاتمًا والبيان أحسن، والحاء في الهاء إلا أنه تصير الهاء حاء فتقول: في امدح هلالاً: امدح حلالاً، وقال سيبويه: لا تدغم الحاء في الهاء، ولا تدغم الهاء في العين، ولا العين في الهاء، فلو اجتمعا قلبا حاءين تقول في: اجبة عتبة واقطع هلالاً: اجبح حتبة، واقطح حلالاً، وقالت العرب من بني تميم: محم، ومحاؤلاء يريدون معهم، ومع هؤلاء.

وتدغم الجيم في السين، والتاء نحو: [أخرج شطئه] وقراءة أبي عمرو [ذي المعارج تعرج]، ولم يذكر سيبويه إدغام الجيم في التاء، وإنما ذكر في الشين، وتأول بعضهم قراءة أبي عمرو على أنه إخفاء، وذكر صاحب الكتاب أن الشين تدغم في الجيم نحو: اعطش جحدري، وتدغم الطاء والدال والتاء والظاء والثاء والذال في الجيم والضاد والسين نحو: جعفر، وضمرة، وسالم بعد اضبط، وابعد واسكت وعظ وخذ ولبث، ولم يحفظ سيبويه إدغام هذه الستة في الجيم، ولكن ذكر ذلك أبو سعيد وغيره، وبعض العرب يبقى الإطباق في الطاء والظاء وهو الأولى، وبعضهم يذهبه، وإذهابه مع الدال أقوى منه مع التاء، قال سيبويه: كل عربي يعني إبقاء الإطباق وتركه، ولا يظهر من كلامه الأولوية في إبقاء الإطباق.

فصل

وقع التكافؤ بين الحاء والعين، فأدغمت الحاء في العين، كقراءة أبي عمرو [فمن زحزح عن النار]، [فلا جناح عليهما]، و [المسيح عيسى] قال أبو عمرو: ومن العرب من يدغم الحاء في العين، ومنع سيبويه، وأبو علي من إدغام الحاء في العين، وتأول بعضهم الإدغام على أن المراد به الإخفاء ويجوز أن تقلب العين إلى الحاء، فتقول: في امدح عرفة: امدح حرفة.
وأدغمت العين في الحاء نحو: (اقطع حبلك) قال سيبويه: الإدغام والبيان حسنان، وأما إدغام العين والحاء في الغين والخاء، فمذهب سيبويه والجمهور أنه لا يجوز، ولا يجوز في نحو: امدح غالبًا، وامدح خلفًا، واسمع غالبًا، واسمع خلفًا إلا الإظهار، وذهب بعض النحويين إلى جواز ذلك، وزعم أنه مستقيم في اللغة معروف جائز في القياس.

وروى عن أبي عمرو إدغام العين في الغين في قوله تعالى: [واسمع غير مسمع] [ويتبع غير سبيل المؤمنين].
وبين الخاء والغين نحو: اسلخ غنمك وادمغ خلفًا، البيان.
والإدغام حسنان، وقال سيبويه: البيان في اسلخ غنمك أحسن، ومن الغريب إدغام الغين في القاف روى ذلك عن أبي عمرو في قوله تعالى: [لا تزغ قلوبنا]، وبين القاف والكاف نحو: الحق كلدة وامسك قطنا.
قال أبو العباس: الإدغام أحسن، وقال غيره: البيان في الكاف عند القاف أحسن من إدغام الكاف فيها.

وبين الصفيرية نحو: سالم، وزاهد، وصابر، بعد فحص، وأوجز وحبس، قيل والإدغام فيهن أحسن من الإظهار، وإبقاء إطباق الصاد أحسن من إذهابه، وإذهابه من الصاد مع السين أحسن من إذهابه فيها مع الزاي، وروى إدغام السين في الشين في قوله تعالى: [الرأس شيبا].
وبين الطاء، والدال، والتاء، والظاء، والذال، والثاء، فيدغم كل واحد منهن في الخمسة نحو: دارم، وتميم، وظالم، وذنب، وثابت بعد اربط، ونحو: طالب والأربعة بعد أبعد، أو بعد اسكت ونحو: طالب والأربعة بعد عظ، وانبذ، وابعث.
وتبين الثلاث الأول قبل الثلاث التي تليها أحسن من تبينها إذا وقع بعضها قبل بعض.
وتدغم الستة في الصفيرية نحو: صابر، وزاهد، وسالم، بعد ضبط، وبعد، ونعت، ووعظ، ونبذ، وبعث.

وتدغم اللام في التسعة، وفي الضاد، والشين، والراء، فإن كانت اللام للتعريف أو للمح الصفة أو زائد نحو: الدهقان، والصعق، والزيد، وجب الإدغام على ما حفظه البصريون، وقال الكسائي: سمعت العرب تظهر لام التعريف عند هذه الحروف إلا عند اللام، والراء، والنون، فتقول: الصامت.
وإن كان اللام لغير ما ذكر جاز الإدغام، ويقوى الإدغام في الراء نحو: هل رأيت، قال سيبويه: والإظهار لغة لأهل الحجاز عربية انتهى.
وكذلك معظم القراء قرءوا ما وقع من ذلك بالإدغام، ويضعف الإدغام في النون نحو: [هل ندلكم] ولذلك أجمع القراء الستة غير الكسائي على الإدغام ومثال ذلك: طبع، وطنا، وتلفن وظلم، وذهب، وثبت، وصبر، وسمع، وزبن، وضرب، وشهد، ونأى، ورنى بعد (بل).
وقال سيبويه: «والإدغام مع الشين والصاد أضعف» وتقدم لنا أنه إذا كان ما قبل المثل ساكنًا، وكان مما لا يجوز الإدغام فيه: أن الفراء يجيز الإدغام فيه بأحد طريقين وكذا قال في المتقاربين، وأجاز في مثل: عبد شمس إدغام الدال في الشين والبصريون لا يجيزون ذلك، وأولوا ما أوهم ذلك.

والنون الساكنة تظهر عند حرف الحلق من كلمة، ومن كلمتين، وذكر سيبويه عن قوم من العرب إخفاءها عند الغين والخاء، وقال أبو بكر بن نبت العروق: الإظهار متفاضل فأشده وأسرعه وأمكنه عند الهمزة ثم الحاء ثم العين، وأضعفه عند الخاء والغين.
وتقلب ميمًا عند الباء، وبعضهم يعبر بالإبدال، قيل: وهو إجماع من العرب، وزعم القراء: أن النون عند الباء مخفاة كما تخفى عند غيرها من حروف الفم، ويؤول قوله على أنه سمى البدل إخفاء، وقد أخذ بظاهر عبارته قوم.
وتدغم في الراء واللام بغنة وبغير غنة، وقال أبو سعيد: الأجود إبقاء

صوت الغنة، ودعوى أبي العباس أحمد بن عمار المهدوي الإجماع على ذهاب الغنة منها عندهما باطلة، وتدغم في الميم بغنة، واختلفوا في الغنة فقيل هي الميم المبدلة من النون المدغمة في الميم، وهو مذهب المحققين واختيار ابن الباذش، وقيل هي النون وهو مذهب ابن كيسان، وابن المنادي وابن مجاهد في أحد قوليه، واختيار مكي بن أبي طالب.
وتدغم في الواو والياء بغنة، وبغير غنة فيما هو من كلمتين، فأما في كلمة تلبس بالمضاعف، فالإظهار نحو: زنماء، وصنوان، وبنيان؛ فإذا أبقيت الغنة عند الواو، والياء، فذهب عبد الباقي بن الحسن صاحب السيرافي، وأبو الحسن علي بن بشر الأنطاكي صاحب الزجاجي إلى أن ذلك إخفاء وليس بإدغام وهو

قول الحذاق، والأكثر من أهل الأداء، واختاره عثمان الصيرفي، وذهب محققو النحاة إلى أنه إدغام صحيح وإليه ذهب مكي، وابن شريح، وابن الباذش.
وتخفى مع باقي الحروف وهي خمسة عشر حرفًا، والإخفاء حال بين الإظهار، والإدغام، ويزيد الإخفاء فيما قرب من تلك الحروف إلى النون وينقص فيما بعد منها، ومن القراء من يفرط في التمكين، وأنكره أبو القاسم بن النخاس، ومنهم من يقتصد وقد عقد بعض أصحابنا بابًا فيما أدغمت القراء مما لا يجوز عند البصريين وهو مخالف لأقيستهم ورواياتهم.
والذي نذهب إليه أن ما صحت الرواية به من إثبات القراء وجب المصير إليه، وإن خالف أقوال البصريين ورواياتهم، وقد استقرى هذا اللسان البصريون والكوفيون، فوجب المصير إلى ما استقروه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
ومن ذلك إدغام الحاء في العين، والهاء في الهاء وبينهما فاصل، والجيم

في التاء، والباء في الباء نحو: [الرعب بما]، والميم في الباء نحو: [مريم بهتانا]، والشين في السين نحو: [إلى ذي العرش سبيلا] وعكسه: [الرأس شيبا]، والنون في اللام نحو: [ونحن له] والياء في الياء نحو: [ومن خزي يومئذ]، والضاد في الشين نحو: [لبعض شأنهم] وفي الذال [الأرض ذلولا]، والراء في الراء نحو: [شهر رمضان]، والثاء في الذال نحو: [والحرث ذلك]، وفي السين: [الحديث سنتدرجهم] وفي الشين: [ثلاث شعب] وفي الثاء [الحديث تعجبون] وفي الضاد: [حديث ضيف] وتاء المضارعة فيما

بعدها وقبلها متحرك نحو: [فتفرق]، والفاء في الباء نحو: [نخسف بهم]، والذال في الجيم: [وإذ جعلنا]، وغير ذلك مما ذكروه.

جارٍ التحميل