والفعلية إن كانت مصدرة بفعل جامد، أو دعاء، لم يفصل بينهما نحو قوله تعالى: «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى»، وقوله: «والخامسة أن غضب الله عليها»، أو غيرهما فعلاً ماضيًا مثبتًا فيفصل بقد نحو علمت أن قد قام زيد، أو منفيًا قلت: قد علمت أن لم يقم زيد أو ما قام زيد، أو حالاً مثبتًا، لم يتغير حكمه نحو: علمت أن يقوم زيد، أو منفيًا: علمت أن ما يقوم زيد، أو مستقبلاً موجبًا، فبالسين، أو سوف، أو منفيًا فبلا، وبلن نحو: علمت أن سيقوم زيد، وعلمت أن لا يقوم زيد، «أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه»، أو الفصل بقد، أو بحرف التنفيس قيل: هو على سبيل الوجوب، وتركهما ضرورة، وقيل: الفصل بينهما هو على الأكثر والأفصح، وقال سيبويه: واعلم أنه يضعف في الكلام أن تقول: قد علمت أن تفعل ذلك، أو علمت أن فعل ذلك حتى تقول سيفعل وقد فعل.
انتهى.
وعن البغداديين «أردت أن يقوم زيد» بلا عوض، وتدخل (أن) هذه على الجملة المصدرة بإذا كقوله تعالى: «وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم»، وبلو كقوله تعالى: «أن لو نشاء أصبناهم»، «أن لو كانوا يعلمون الغيب»، ومما جاءت فيه أن، وإن مخففة قول العرب: أما إن جزاك الله خيرًا، فالكسر على أنها لا تعمل جاءت بعدها جملة الدعاء والأصل
إنه، وقيل: (إن) زائدة، والفتح على أن الأصل أنه فلما خففت كان اسمها ضمير الشأن محذوفًا، والخبر قول محذوف، وجملة الدعاء محكية به، ولا يكون الخبر؛ لأنها جملة لا تحتمل الصدق، والكذب، وزعم ابن الطراوة أن (أن) زائدة لا غير، وجوزه ابن مالك، وأما مع المكسورة حرف تنبيه (كألا)، ومع المفتوحة بمعنى (حقا)، كحالها مع المشددة على ما قررنا.
وتخفف كأن فلا يجوز إعمالها عند الكوفيين، وأجازه البصريون فخصه بعضهم بضمير الشأن مقدرًا فيها، وأجاز بعضهم عملها في المظهر، وهو ظاهر كلام سيبويه، وخصه بعضهم بالشعر كقوله:
............ … كأن ثدياه حقان
وإذا أضمر فيها غير ضمير الأمر كان خبرها مفردًا نحو قوله:
......... … كأن ظبية.........
قدره سيبويه كأنها ظبية، كما كان في المشددة، أو ضمير الأمر، فالخبر جملة اسمية من مبتدأ وخبر نحو: كأن وريديه رشاء خلب ويروى بنصب «وريديه»، أو فعلية مبدوءة بلم نحو قوله تعالى: «كأن لم تغن بالأمس»، أو بلما نحو قول عمار الكلبي:
....... … فكأن لما يكونوا قبل ثما وقد رأيت في كلام بعض النحاة الاستشهاد بشعره، أو بقد نحو قوله: .......... … فمحذورها كأن قد ألما وقال النابغة: ......... …....... وكأن قد ولا تخفف لعل، ويضمر فيها ضمير الشأن، خلافًا للفارسي؛ إذ زعم
ذلك في قوله: ............... … لعل أبي المغوار منك قريب ولعل عندي بسيطة لا مركبة، ولامها الأولى أصلية عند الكوفيين، وأكثر النحاة، وقيل: زائدة للتكثير، وقيل هي لام الابتداء، وفيها لغات: عل حكاها سيبويه، وحكاها الكسائي عن بني تيم الله من ربيعة، ولعن حكاها الفراء، وعن حكاها الكسائي، ولأن في شعر امرئ القيس، وأن حكاها الخليل وهشام، والأخفش، ورعن الراء بدل من اللام ولانون بدل من اللام، ورغن ولغن فقيل: الغين بدل من العين، وقيل: هما لغتان، ورعل
وغن، ولعلت والجر بلعل لغة حكاها أبو عبيدة، والأخفش، والفراء، وأبو زيد وقال: إنها لغة عقيل، ومن أنكر الجر بها محجوج بنقل هؤلاء، وتجر محذوفة اللام الأولى، وثانيته، ومكسورة اللام الأخيرة ومفتوحتها، وقيل: موضعها رفع، كما أن رب رجل جاءني: رب وما عملت فيه في موضع رفع، فحكمها حكم الزائد، وفي النهاية: (لعا) في معنى لعل أنشد ابن الأنباري في الإنصاف في (لعا) بمعنى لعل.
أرى شبه القفول ولست أدري … لعاء الله بجعلها قفولا
انتهى.
ومن غريب المنقول: أن الفراء ذهب إلى جواز الجر بها، وإجازة نصب الخبر ورفعه، قال: والأصل لعا لعبد الله، قال: فمن نصب قال: لا يكون الاسم مخفوضًا، وفعله مرفوع، ونصبه عنده على التفسير كقولك: ما أظرفك رجلاً، ومن رفعه رفعه باللام، قال الفراء: فمن قال: لعا لعبد الله قائمًا، أو قائم ثم كني عن عبد الله قال: لعله، فنصب لامه، وهذا عند البصريين خطأ.
وانفردت لعل بجواز دخول (أن) الناصبة على المضارع الواقع خبرًا لها، وكثر ذلك في الشعر حتى لو قيس ذلك لجاز نحو: لعل زيدًا أن يقوم، وقال الشاعر: لعلك يوما أن تلم ملمة ….......... فتأوله بعضهم على حذف مضاف تقديره لعلك صاحب الإلمام، وقيل: جعل الجثة الحدث على سبيل الاتساع، وقيل: الخبر محذوف وتقديره لعلك تهلك لأن تلم، وأن مفعول له، وهذه التأويلات كانت تمكن لو كان لم يرد من ذلك إلا هذا البيت.
فصل
إذا لحقت هذه الحروف (ما) غير الموصولة، ارتفع ما بعدها بالابتداء، وكفتها (ما) عن العمل، وجاز أن تليها الجملة الفعلية، فتكون (ما) ميهئة وموطئة قال تعالى: «إنما يخشى الله من عباده العلماء» «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا» «كأنما يساقون إلى الموت»، قال الشاعر: ولكنما أسعى لمجد مؤثل …......... وأما مجيء الفعل بعد لعلما، وليتما، فهو مذهب البصريين، أجازوا: ليتما ذهبت ولعلما قمت، وزعم الفراء أن ذلك لا يجوز، فلا تجيء الجملة الفعلية بعدهما، ووافقه على ذلك في ليتما خاصة أصحابنا المتأخرون، وزعموا أن ليتما باقية على اختصاصها بالجملة الاسمية، وزعم ابن درستويه، وبعض الكوفيين أن (ما) مع هذه الحروف نكرة مبهمة بمنزلة الضمير المجهول لما فيها من التفخيم، والجملة بعدها في موضع الخبر، ومفسرة له ولم تحتج إلى رابط؛ لأن
الجملة المفسرة هي ما في المعنى (وما) في (إنما) وأخواتها، لم تغير شيئًا من مدلولها الذي كان قبل لحوق (ما) خلافًا لمن ادعى أنها أفادت الحصر فيما دخلت عليه إنما، وجعل (إن) للإثبات، و (ما) للنفي قول من لم يقرأ النحو، ولا طالع قول أئمته.
واختلفوا في نصب الأسماء بعد لحاق (ما) هذه الحروف: فذهب سيبويه، والأخفش، والفراء، إلى أنه لا يجوز ذلك إلا في (ليتما) وحدها فتقول: ليتما زيدًا قائم، وصححه أكثر أصحابنا، وذهب الزجاجي، والزمخشري إلى جواز ذلك فيها كلها، ونقل عن ابن السراج، وذهب الزجاج إلى جواز ذلك في ليت، ولعل، وكأن، دون إن وأن، ولكن، وعزاه صاحب البسيط إلى الأخفش، واختاره ابن أبي الربيع، وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز كف (ما) لليت، ولا للعل، بل يجب إعمالها فتقول: ليتما زيدًا قائم، ولعلما بكرًا قادم، ودعوى ابن مالك الإجماع بجواز الإعمال والإهمال في ليتما، يبطلها مذهب الفراء، وذهب بعضهم إلى أنه ينصب
بليت، ولعل، وجوز الأخفش في نقل عنه ذلك في أن، وإن، وكأن، وذكروا أن السماع، ورد بالرفع، والنصب في ليتما، وحكى الكسائي، والأخفش عن العرب: إنما زيدًا قائم، بالإعمال.
ومن قال بإعمال هذه الحروف، كانت (ما) عنده زائدة، وانفردت ليت بدخولها على أن المفتوحة، فتسد مسد اسمها، وخبرها عند سيبويه: ليت أن زيدًا قائم، وذهب الأخفش إلى أن خبر ليت محذوف، ولا تدخل على (أن) مع الفعل، فتكتفي بهما عند المحققين، وربما زيدت الباء في (أن) بعد ليت قال:
......... … فليت بأنه في جوف عكم
ولا يجوز دخول (لعل) على أن، فتقول: لعل أن زيدًا قائم، ولا على كأن فتقول: كأن أنك ذاهب، ولا على لكن فتقول: لكن أنك منطلق، خلافًا للأخفش في إجازة ذلك في ثلاثتها، ولا على دخول إن على أن فتقول: إن
أن زيدًا منطلق حق، وإن أنك قائم يعجبني خلافًا للفراء، وهشام، ولا على دخول (أن) على إن خلافًا للكسائي، والفراء، وأنشد الكسائي: وخبرتما أن إنما بين بيشة … ونجران أحوى والجناب رطيب ومذهب سيبويه أنه لا يجوز شيء من هذا، إلا بفصل أخبارها بينها، وبين (أن) إلا ما جاء في ليت فتقول: إن عندي أنك فاضل، وكأن في نفسي أنك عالم، وكذا باقيها.
فصل
في توابع أسماء هذه الحروف، إذا نصبت التابع، جاز أن يكون قبل أخبارها وبعده فتقول: إن زيدًا وعمرًا قائمان، وإن زيدًا قائم وعمرًا، وكذا باقي التوابع، وإن رفعت التابع، فإما أن يكون معطوفًا عطف نسق، أو غيره إن كان غيره من نعت، وعطف بيان، وتوكيد، وبدل، والناسخ إن، ولكن، فمذهب المحققين من البصريين أنه لا يجوز الرفع، ومذهب الكوفيين وبعض البصريين كالجرمي، والزجاج إن أتبعت بعد الخبر جاز الرفع، أو قبله جاز على مذهب الكسائي وبشرط بناء الاسم على مذهب الفراء نحو: إن هذا نفسه ذاهب، أو غير إن فالاتباع ولكن بالنصب، ليس إلا نحو: كأن زيدًا قائم الفاضل، وليت زيدًا قادم نفسه، ولعل بكرًا زائر بطة.
وإن كان معطوفًا عطف النسق والناسخ ليت، وكأن، ولعل، فذهب البصريون إلى أنه لا يجوز الرفع، لا على الموضع، ولا على الابتداء وأجاز الفراء الرفع على الابتداء، فتقول: كأن زيدًا منطلق وعمرو، وكذا في ليت، ولعل وإن كان الناسخ إن، فاتفقوا على جواز الرفع في المعطوف، إذا كان بعد الخبر نحو: إن زيدًا قائم وعمرو، واختلفوا إذا كان قبل الخبر، فأجازه مطلقًا قبل الخبر الكسائي وأبو الحسن، وهشام، وروى ذلك عن الخليل إذا أفرد الخبر، وأجازه الفراء بشرط
بناء الاسم، هذا النص عن الفراء، وابن مالك يقول عنه: بشرط خفاء إعراب الاسم، فيندرج فيه المقصور، والمضاف إلى ياء المتكلم، ويحتاج إلى نقل مذهب الفراء في ذلك، وأما على ماذا يرفع، فمن أجاز الرفع قبل الخبر، فعلى موضع اسم (إن)، ومن أجازه بعد الخبر، فمذهب سيبويه، والجرمي، واختاره أصحابنا أنه مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف لدلالة ما قبله عليه، ويتعين ذلك فيه، وذهب أبو الحسن، والمبرد، وأبو بكر، والفارسي، إلى أنه معطوف على الموضع، فقيل موضع اسم إن، وقيل على موضع إن واسمها، ونقل النحاس عن الفراء، والطوال إنه إنما يرتفع الثاني بالعطف على المضمر المستتر في فعل الأول، ومن قال بشيء من هذه الأقوال الثلاثة لم يمنع القول بالابتداء.
والعطف (بلا) كالعطف بالواو تقول: إن زيدًا قائم لا عمرًا، ولا عمرو، ودعوى ابن مالك الإجماع على جواز رفع المعطوف على اسم إن، ولكن باطلة، ألا ترى على جهله بمذهب سيبويه، وقول أصحابنا: وإنما الإجماع على جواز الرفع، وشرط العطف على الموضع أن يكون للاسم لفظ وموضع، وأن يكون الموضع بحق الأصالة، وأن يكون ثم محرز للموضع.
وإن كان الناسخ (أن)، فأكثر المحققين على أنه لا يجوز أن تقول: بلغني أن زيدًا قائم وعمرو بالرفع، لا على الابتداء، ولا على الموضع، وقال قوم: يجوز ذلك
مطلقًا، وفصل قوم فقالوا: إن كان الموضع يصلح للمفرد، والجملة، جاز العطف على موع أن وصلتها نحو أن تقول: أن زيدًا قائم، وعمرو قائم، وإن كان لا يصلح إلا للمفرد، لم يصلح العطف على الموضع، نحو: بلغني أن زيدًا قائم وعمرو، فإن ورد أول على حذف الخبر، وكان من عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية، والخلاف في لكن، كالخلاف في (أن)، فإذا قلت: ما زيد قائمًا لكن عمرًا قاعد وبشرًا أو بشر فرفعت، فمن أجاز العطف على الموضع في (أن)، أجازه في لكن، ومن منعه هناك منعه، وجعله على إضمار خبر المبتدأ.
قال ابن مالك: وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي ظن؛ إن خفى إعراب الثاني ومثله بقوله: ظننت زيدًا صديقي وعمرو انتهى.
والذي حكاه الفراء عن الكسائي أنه أجاز: أظن عبد الله وزيد قاما، وأظن عبد الله وزيد يقومان، وأظن عبد الله وزيد مالهما كثير، فترفع زيدًا في كل ما كان خبره، وخبر المنصوب مستويين، وكان لا يجيز: أظن عبد الله، وزيد قائمين، ولا قائمًا؛ لأن الرفع والنصب بستين في قائمين، وما أجازه الكسائي لا يجوز عند البصريين، ولا الفراء، واتضح من هذه المسألة: أن الذي صوره ابن مالك، وتمثيله خطأ، وتصحيحهما أن تقول: وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي ظن، إذا كان المسند إليهما لا يستبين فيه الإعراب؛ لكونه فعلاً ماضيًا، أو مضارعًا، أو جملة اسمية فلو كان مثل قائمين، أو قائمًا مما يظهر فيه الرفع، والنصب لم يجز، وإذا عطفت الجملة على هذه الحروف، وما عملت فيه فلا خلاف في الجواز نحو: إن زيدًا قائم وعمرو منطلق، وكذا في ليت، وكأن، ولعل، لكن لا تكون الجملة داخلة تحت التمني والترجي، والتشبيه، فإذا قلت: ليت زيدًا منطلق، وبكر قائم، لم يكن قيام بكر منفيًا، لكنه يضعف من جهة العطف على غير المناسب.
وهذه مسائل من أبواب إن، أجاز الكسائي، وهشام: عبد الله وإن زيدًا قائمان وعبد الله ولعل زيدًا قائمان: إن كانت لعل شكا، لا استفهامًا، وأبطل ذلك الفراء، وأبطلوا: عبد الله وليت زيدًا قائمان، وعبد الله وكأن زيدًا قائمان، وأجاز الكسائي: ليت عبد الله، أو زيدًا قائمان منطلقًا، وكذا لعل وكأن، وأجاز: إن زيدًا أو عمرًا قائمان، وأجاز الأخفش: إن فيها جالسين أخويك، تنصب «جالسين» على الحال، وقال أبو العباس هذا خطأ، وأجاز ذلك الكوفيون، على أن يكون «جالسين» اسم إن، وأخويك بدل، وأجاز ذلك الكوفيون على أن يكون أخويك ترجمة.
وحكى الكسائي: إن ههنا يلعبون صبيانًا، تجعل «يلعبون» في موضع الحال، وهو حجة للأخفش، وأجاز ابن كيسان: إن فيها قائمًا، ويقعد أخويك، ومنع ذلك الكوفيون، وإذا قدمت الظرف والمجرور فقلت: إن فيها زيدًا قائمًا، وإن أمامك عمرًا جالسًا، اختار سيبويه، والكوفيون النصب في قائم وجالس، فإن بدأت بالاسم نحو: إن زيدًا فيها قائم، اختاروا الرفع، وزعم أبو العباس: أن التقديم والتخير في هذا سواء.
وإذا تكرر الظرف نحو: إن زيدًا في الدار واقفًا فيها، جاز الرفع والنصب عند البصريين، ولم يجز عند الكوفيين إلا النصب، ولو اختلف الظرف، فكذلك نحو: إن زيدًا في الدار جالسًا في صدرها، والفراء لا يجيز إلا النصب، وقال ابن كيسان: والرفع عندي جائز، وإذا عطفت على اسم إن وأخواتها، فالخبر على
حسب المتعاطفين تقول: إن زيدًا وعمرًا قائمان، ولا يجوز قائم إلا حيث سمع، وقاسه الكوفيون على أن (الواو) بمعنى (مع)؛ فإن كانت للعطف لزمت المطابقة، وخرج أكثر النحويين ما سمع من ذلك على الحذف، حذف الخبر من الأول، لدلالة الثاني عليه، وخرجه الفارسي على أنه لتلازمهما أخبر عنهما إخبار الواحد جعله من باب:
............ … بها العينان تنهل
وإذا جمعت بين ظرفين تامين متلاصقين لإن نحو: إن في الدار عندك زيدًا، فأولهما خبر (إن) والثاني صلة للأول، ويجوز العكس، واتفق الكوفيون على أن المحل إذا كان موضع اسم، لا يفصل بينه وبين صلته بالاسم فخطأ، يقال: إن في الدار زيدًا عندك، على أن «عندك» صلة «في الدار» وقال الفراء: من قال: إن بينك وبين زيد المال، لا يقول: إن بينك المال وبين زيد قال الفراء: ولو أسقطت (إن)، لجاز أن يقال: بينك المال وبين زيد، وقال ابن الأنباري: وليس عند البصريين في هذا رواية.
انتهى.
وإذا جمعت بين ظرفين تام وناقص نحو: إن في الدار عبد الله بك واثقًا، وإن زيدًا في الدار بك واثقًا، جاز الرفع والنصب، وزعم محمد بن سعدان: أن هذا
لا يجوز، وقال ابن كيسان: الرفع الاختيار: فإن قدمت الناقص فقلت: إن فيك زيدًا في الدار راغب، وإن فيك في الدار زيدًا راغب، أو إن زيدًا فيك في الدار راغب، جاز الرفع والنصب، والكوفيون لا يجيزون النصب.
وتقول: إن زيدًا في الدار طعامك آكل، أجاز أكثر النحويين الرفع والنصب، وقال ابن كيسان: لا يجوز عندي النصب وتقول: إن من خير الناس، أو خيرهم زيدًا، ذهب الكسائي، وشيبة بين الوليد إلى أنه برفع (خيرهم) وبنصب (زيدًا)، فزيد اسم إن، و «من خير الناس» في موضع الخبر، و «خيرهم» مبتدأ محذوف الخبر، التقدير: إن من خير الناس زيدًا، أو خيرهم هو، وأجازا ارتفاع «خيرهم» على أنه مبتدأ محذوف الخبر التقدير: أو هو خيرهم، وذهب أبو أحمد البلخي إلى رفع (خيرهم) ورفع (زيد)، فرفع (زيد) على الابتداء، ومن خير الناس في موضع البخر، أو «خيرهم» معطوف على الخبر، واسم (إن) محذوف ضمير الأمر، وذهب أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي إلى نصب «خيرهم»، ورفع (زيد)، فاسم (إن) محذوف، أو «خيرهم» منصوب بإضمار «إن» لدلالة «إن»، تقديره: إن من خير الناس زيد، وإن خيرهم زيد، وأجاز الجمهور: إن زيدًا فيها قائمان، ومنع ذلك ابن الطراوة.
وإذا كررت (إن) في المعطوف، وأخبرت عن المتعاطفين خبرًا واحدًا نحو: إن زيدًا، وإن عمرًا منطلقان لم يجز، والحروف كلها لا تعمل في حال، ولا ظرف ولا يتعلق لها حرف جر يدل على ذلك أنك لو قلت: ليت زيدًا اليوم ذاهب غدًا، لم يجز، وذكر بعض أصحابنا الإجماع على ذلك، وليس بصحيح، فقد أجاز بعضهم أن تعمل (ها) التنبيه في الحال.
وقد نص الزمخشري في مفصله، على أن «ليت ولعل وكأن» ينصبن
الحال بخلاف أخواتها، وكأن تعمل في الحال باتفاق، مثل ليس من الحروف ما يعمل في ظرف، وحال إلا (كأن)، وكاف التشبيه، وقد فارقت أخواتها في وقوعها نعتًا للنكرة، وحالاً من المعرفة، وخبرًا لكأن وأخواتها.