ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسيباب صيغ التعجب

صيغة (ما أفعله)، و (أفعل به)، و (أفعل)، فأما (ما أفعله) فنحو: ما أحسن زيدًا، فـ (ما) مبتدأ إجماعًا إلا خلافًا شاذًا عن الكسائي أنه لا موضع له من الإعراب، ومذهب الخليل، وسيبويه وجمهور البصريين أن (ما) نكرة تامة بمعنى شيء، وما بعدها خبر، وذهب الفراء، وابن درستويه إلى أن (ما) استفهامية دخلها معنى التعجب، وتأوله ابن درستويه على الخليل، ونسب كونها استفهامية ابن مالك إلى الكوفيين.
وعن الأخفش في (ما) ثلاثة أقوال: أحدها: كقول جمهور البصريين.
والثاني: أن (ما) موصولة، والفعل صلته، والخبر محذوف واجب الحذف، والتقدير: الذي أحسن زيدًا عظيم، وحكى البهاري أنه مذهب الكوفيين، وحكاه ابن بابشاذ عن طائفة منهم.
والثالث: أن (ما) نكرة موصوفة الفعل صفتها، والخبر محذوف واجب الحذف التقدير: شيء أحسن زيدًا عظيم.
و (أفعل) مذهب البصريين، والكسائي أنه فعل و (زيدًا) مفعول به، والهمزة في (أفعل) للتعدية، وفي (أحسن) ضمير فاعل، يعود على (ما)،

وهو مذكر غائب مفرد لا يتبع لا بعطف ولا يؤكد بضمير، ولا بنفس، ولا ببدل، ومذهب الكوفيين غير الكسائي أن (أفعل) اسم، وانتصب الاسم بعده في قول الفراء ومن وافقه من الكوفيين على حد ما انتصب في قولهم: زيد كريم الأب فأصله في نحو: ما أظرف زيدًا: زيد أظرف من غيره، إلا أنهم أتوا (بما) فقالوا: ما أظرف زيدًا على سبيل الاستفهام، نقلوا الصفة من زيد وأسندوها إلى ضمير (ما)، وانتصب زيد بـ (أظرف) فرقًا بين الخبر والاستفهام.
والفتحة في (أفعل) فتحة إعراب، وهو خبر عن (ما)، وإنما انتصب لكونه خلاف المبتدأ الذي هو (ما)، إذ هو في الحقيقة خبر عن زيد، وإنما أتى بـ (ما) ليعود عليها الضمير، والخبر إذا كان خلاف المبتدأ كان منتصبًا بالخلاف على مذهب الكوفيين في زيد خلفك، وزعم بعض الكوفيين، أن (أفعل) اسم مبني، لتضمنه معنى التعجب.
وأما (أفعل به) نحو: أحسن بزيد، فاتفقوا على أنه فعل إلا ما في كلام ابن الأنباري من تصريحه بأنه اسم، ومذهب جمهور البصريين أن صورته صورة الأمر، وهو خبر في المعنى، والهمزة فيه للصيرورة، ومعناه: أحسن زيد، أي صار حسنًا في معنى ما أحسن زيدًا، والمجرور في موضع الفاعل، والباء زائدة لازمة إلا مع (أن) وصلتها فجاء حذفها.
وفي النهاية: لا يجوز حذف الباء من أن وأن في التعجب بل تقول أحبب إلي بأن تزورني، وأهون علي بأن زيدًا يغضب، وفي شعر الشريف الموسوي إسقاطها قال: أهون علي إذا امتلأت من الكرى … أني أبيت بليلة الملسوع

وفي كلام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، حذف الباء من أن وقد جاء: وقال أمير المسلمين تقدموا … وأحبب إلينا أن تكون المقدما يريد بـ (أن) فحذف الباء وجاء: تردد فيها ضوؤها وشعاعها … فأحسن وأزين لامرئ أن تسربلا يريد بأن تسربل، وذهب الفراء، والزجاج، والزمخشري وابن خروف إلى أنه أمر حقيقة، والهمزة للنقل، و (بزيد) مفعول والباء زائدة، والمخاطب قال ابن كيسان، وتعبه ابن الطراوة، وهو ضمير المصدر الدال عليه الفعل كأنه قيل يا حسن أحسن بزيد أي ألزمه ودم به.
وقيل الفاعل ضمير المخاطب ولم يبرز باختلاف المخاطب، من تثنية وجمع وتأنيث، لأنه جرى مجرى المثل، وربما أكد (أفعل) بالنون نحو: أحسنن

بزيد، واختلفوا فيما كان على فعل وفعل إذا صير إلى (فعل) هل يحول قبل التصيير إلى (أفعل) إلى (فعل) ثم تدخل عليه همزة النقل فقيل: يحولان إلى (فعل)، وقيل لا يحولان، وهو ظاهر كلام سيبويه وتصحيح عين (أفعل) و (أفعل) وفك (أفعل) المضعف واجب عند الجمهور تقول: ما أبين الحق وما أنوره، وأبين بالحق، وأنور به، وأجلل بزيد.
وذهب الكسائي إلى جواز التصحيح في أفعل كمذهب الجمهور وإلى جواز الإعلال، فتقول: أطول بهذه النخلة وأطل بها، وإلى جواز الفك في (أفعل) كمذهب الجمهور، وإلى جواز الإدغام فتقول: أجلل بزيد وأجل به، وجواز تصغير (أفعل) نحو: ما أحيسن زيدًا، هو نص الكوفيين والبصريين، واقتياسه وتقول في تصغير ما أحيا زيدًا: ما أحيى أصله: ما أحيى، وقول ابن مالك: وشذ تصغير (أفعل) مقصور على السماع خلافًا لابن كيسان في اطراده قول من لم يطلع على كلام النحاة في هذه المسألة.
وأما تصغير (أفعل) نحو: أحسن بزيد فلا يجوز، وأجاز ابن كيسان تصغيره فتقول: أحيسن بزيد قياسًا على ما أحيسن زيدًا، ويجوز حذف المتعجب منه بأفعل للدلالة عليه تقول: زيد ما أعف تريد ما أعفه، وأفعل نحو: زيد أحسن به وأجمل، فمذهب سيبويه أنه لا يجوز حذف الفاعل المجرور ولا جاره، وأجاز ذلك ناس منهم أبو الحسن.

وزعم الفارسي، وقوم من النحاة أنه لم يحذف الفاعل في (أفعل)، بل حذف حرف الجر، فاستتر الفاعل في (أفعل)، وزعم بعض أصحابنا أنه لا يجوز الاقتصار على الاسم بعد (أفعل) و (أفعل) إلا في باب التنازع نحو: ما أحسن وأجمل زيدًا، وأحسن وأجمل بزيد، ويعني أن كل فعل منهما يطلب مفعولاً فلا يجوز أن يقتصر على اسم واحد في باب التنازع قال على خلاف فيه.
والمتعجب منه: مخبر عنه في المعنى، فلا يكون إلا معرفة أو نكرة مختصة، فإن كان معرفًا بـ (أل) للعهد نحو: ما أحسن القاضي: تريد قاضيًا بينك وبين المخاطب عهد فيه، فأجاز ذلك الجمهور، ومنعه الفراء، وإن كان (أيا) الموصولة بفعل ماض نحو: ما أحسن أيهم قال ذلك، فمنعها الكوفيون والأخفش وأجازها غيرهم.
فإن وصلت بمضارع جازت عند الجمع نحو: ما أحسن أيهم يقول ذلك وتقول: ما أحسن ما كان ما كان زيد، والمعنى: ما أحسن ما كانت كينونة زيد فالأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع، أجاز ذلك هشام ومعها غيره.
وقال النحاس: هي جائزة على أصل البصريين وتقول: ما أحسن ما كان زيد ضاحكًا إن كان (كان) تامة، ونصب (ضاحكًا) على الحال جازت عند الجميع، وإن كان (كان) ناقصة أجازها الفراء، ومنعها البصريون وتقول: ما أحسن ما ظننت عبد الله قائمًا، (قائمًا) عند البصريين خبر، فلا يجوز حذفه، وهو عند الفراء حال، فإن شئت لم تأت به وتقول: ما أحسن أحدًا يقول ذلك أجازها الكسائي ومنعها الفراء والبصريون؛ فإن جعلت (أحدًا) بمعنى واحد صحت المسألة، وتقول: ما أحسن ما ليس يذكرك زيد، قال بعض أصحابنا: يجوز قال: لا يجوز: ما ليس زيد قائمًا، وهو مذهب البغداديين وتقول:

ما أحسنك وجهًا، وما أحسن زيدًا رجلاً، تنصب وجهًا ورجلاً على التمييز، وأما (أفعل) فتقدم الكلام فيه في آخر باب نعم وبئس، وفي كيفية بنائه، ولا يؤكد فعل التعجب هذا مذهب الجمهور، وأجاز الجرمي تأكيده فتقول: ما أحسن زيدًا إحسانًا، وأحسن بزيد إحسانًا، والقياس يقتضيه لكنه والله أعلم لم يسمع من العرب، وهذه الصيغ ثلاثة كما ذكرنا، وزاد الكوفيون (أفعل) بغير (ما) مسندة إلى الفعل نحو قوله: ................ …............. فأبرحت فارسا أي ما أبرحت فارسًا، وزاد بعض النحاة في صيغ التعجب (أفعل من) كذا، ولا تتصرف هذه الصيغ لا تستعمل من (ما أفعله) مضارع ولا أمر، ولا من (أفعل به) ماض، ولا مضارع، ولا من (أفعل) مضارع ولا أمر، وشذ هشام فأجاز في (ما أفعل زيدًا) أن يؤتى له بمضارع فتقول: ما يحسن زيدًا وما قاله قياس، ولم يسمع فوجب اطراحه، ولا يفصل بين (أفعل) ومعموله، ولا بين أفعل ومعموله بشيء لا يتعلق بهما لو قلت: ما أحسن بمعروف آمرًا، وما أقبح في الصلاة ضاحكًا، تريد: آمرًا بمعروف وضاحكًا في الصلاة.

قال ابن مالك: لا خلاف في منع الفصل بذلك، فإن تعلق بهما غير ظرف أو حرف جر، فقال ابن مالك: لا خلاف في منع إيلائهما إياه تقول: ما أحسن زيدًا مقبلاً، وأكرم به رجلاً، فلو قلت: ما أحسن مقبلاً زيدًا، وأكرم رجلاً به، لم يجز بإجماع، وكذا قال ابنه في شرح الخلاصة لأبيه، لا خلاف في امتناع الفصل بينه أي بين الفعل، والمتعجب منه بغير الظرف، والجار والمجرور كالحال والمنادي، وما ذكراه ليس بصحيح.
ذهب الجرمي، وهشام، إلى جواز الفصل بينهما بالحال، والجرمي إلى جواز الفصل بينهما بالمصدر نحو: ما أحسن إحسانًا زيدًا، ومذهب الجمهور المنع في المسألتين، وأما الفصل بالمنادي فقال بدر الدين ابن مالك لا خلاف في منع ذلك، وقال أبوه أبو عبد الله بن مالك: قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قتل عمار بن ياسر: «أعزز علي أبا اليقظان أن أراك صريعًا مجدلاً» مصحح لجواز الفصل بالنداء، وإن تعلق الظرف أو المجرور بالفعل فذهب الجرمي، والفراء، والأخفش في أحد قوليه،

والمازني، والزجاج، والفارسي، وابن خروف، والأستاذ أبو علي الشلوبين إلى جواز الفصل، وهو الصحيح المنصور.
وسوى الأستاذ أبو علي بين (أفعل) و (أفعل) في ذلك: وذهب الأخفش في أحد قوليه، والمبرد، وأكثر البصريين إلى المنع، واختاره الزمخشري، ونسبه الصيمري إلى سيبويه، وإذا تعلق بالمفعول ضمير يعود على المجرور وجب تقديم المجرور نحو قولهم: ما أحسن بالرجل أن يصدق و: ما أحرى بذي اللب أن يرى … صبورًا.......... وزعم بعضهم أن الفصل بالظرف والمجرور قبيح، وأجاز ابن كيسان الفصل بـ (لولا) نحو: ما أحسن لولا بخله زيدًا، وأحسن لولا بخله بزيد،

ولا حجة له على ذلك، ولا يجوز تقديم شيء من معمول أفعل التعجب على الفعل، ولا على (ما).
وإن كان يجوز في نحوه من التركيب الذي ليس فيه تعجب نحو زيد عمرًا ضرب بلا خلاف، وعمرًا زيد ضرب بخلاف، ولا يجوز تأكيد المضمر في (أحسن)، ولا في أحسن على مذهب من اعتقد فيه ضميرًا، ومن علل امتناع ذلك بأنه فصل بين العامل والمعمول أجاز تأكيده متأخرًا نحو: ما أحسن زيدًا نفسه.
وإذا اختلف متعلق (ما أفعل) فلا يجوز حذف (ما) لو قلت: ما أحسن زيدًا، وأقبح خالدًا كان قبيحًا، وأفعل مسلوب الدلالة على المضى، وزمانه حال، وحكاه ابن بابشاذ، وابن الدهان عن المبرد.
فإذا أردت الماضي المنقطع قلت: ما كان أحسن زيدًا، وقيل هو بمعنى الماضي المتصل بزمان الحال، فإن أردت الماضي المنقطع أتيت بـ (كان)، وهذا قول الأكثرين، وقال ابن الحاج: يظهر لي أن ما أحسنه، وأحسن به صالح للأزمنة الثلاثة، وجائز أن يقيد بكل واحد منهما كقولك: ما أحسن زيدًا أمس وغدًا، والآن، إلا أنهم يقيدون في (ما أحسن) إذا أرادوا المضي بكان، وفي المستقبل بيكون نحو: ما أحسن ما يكون زيدًا، وقال تعالى: «أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا» فـ (يوم) ظرف مستقبل، واختلفوا في الوصف المتعجب منه هل هو واجب الثبوت وقت التعجب أو جائزه على قولين، ومن قال بالجواز قال منه: ما أطول ما يكون هذا الزرع، وما أحسن ما تكون هذه الجارية، ومذهب أكثر البصريين، والكوفيين أن كان الداخلة بين (ما) وأفعل زائدة لا اسم لها، ولا خبر، واختاره الفارسي.

وذهب السيرافي، وتبعه خطاب الماردي إلى أنها زائدة، وهي تامة وفاعلها قال السيرافي: ضمير المصدر الدال عليه كان، وقال خطاب: ضميرها عائد على غير (ما)، ولكن يعود على مجهول تقديره: كان الأمر، ومذهب الجرمي أنها كان الناقصة، واسمها ضمير (ما) وخبرها (أفعل)، وعزاه بعضهم إلى البصريين ولا يصح ذلك، وحكى زيادة (يكون) بين (ما) و (أفعل)، قالوا: ما يكون أهون زيدًا، وما يكون أحسن زيدًا.
وذهب الكسائي، والفراء، والأخفش، إلى زيادة (أمسى) و (أصبح) بينهما، حكى من كلامهم: «ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها».
وهذا شاذ عند جمهور البصريين، وذهب الفراء إلى جواز ذلك في كل فعل يحتاج إلى اسم وفعل يعني إلى اسم وخبر، وعن الكوفيين أنهم قاسوا على كان سائر أخواتها، ما لم يناقض معنى الفعل المزيد معنى التعجب، وأجاز بعض النحاة زيادة كل فعل لا يتعدى مما لا يناقض نحو: ما قام أحسن زيدًا إذا أردت ما أحسن قيام زيد فيما مضى.
وحكى الكسائي عن العرب: «ما مر أغلظ أصحاب موسى».
يعنون موسى الهادي من بني العباس، ومنع هذا الفراء ومعناه ما أغلظ مرور أصحاب موسى، وحكى الكسائي: ما يخرج أطوله، وأجاز الكسائي: ما أظن أظرفك، وما ظننت أظرفك بجعل (أظن) ناصبة في المعنى (لما)، ولأظرف، وتوقع أظرف على الكاف، وأجاز هشام ذلك في الظن وأخواته، ولا يجيز جمهور البصريين أن يفصل بين (ما) والفعل إلا بكان فقط، وتقول: ما أحسن ما كان زيد، وما أحسن ما يكون زيد، ما مصدرية و (زيد) مرفوع على الفاعلية، أوقعت التعجب على

الكون والمراد ذات زيد تجوزًا، وكان تامة، وأجاز المبرد، وجماعة أن تكون ناقصة، و (ما) بمعنى الذي، ومن منع من وقوع (ما) على شخص من يعقل منع هذه المسألة، ولو قلت: ما أحسن من كان زيدًا جاز، وتقول: ما أحسن ما كانت هند، وأجمله، تعيد الضمير على الكون، عطفت الفعل ومتعلقه على الفعل ومتعلقه، ويجوز أن تقول: وأجملها تعيد الضمير على هند قاله الأخفش، وتقول: ما كان أحسن ما كان زيد، يجوز على التوحيد في رفع زيد ونصبه، ولا يجوز: ما كان أحسن ما يكون زيد للتناقض، وإذا كان المجرور المتعلق بهما فاعلاً من حيث المعنى تعدى (أفعل)، و (أفعل) بـ (إلى) نحو: ما أحب زيدًا إلى عمرو، وما أبغض عمرًا إلى بكر، وما أمقت بكرًا إلى خالد، وأحبب بزيد إلى عمرو، وكذا أبغض وأمقت أصله: أحب عمرو زيدًا، وكذا أبغض وأمقت.
وإن لم يكن فاعلاً في المعنى فإما أن يكون من مفهم علم أو جهل، فيتعدى بالباء نحو: ما أعرف زيدًا بالفقه، وما أبصره بالشعر، وأبصر بزيد بالفقه، وأجهل بخالد بالنحو، وإلا؛ فإن كان متعديًا كان باللام نحو: ما أضرب زيدًا لعمرو، وما أمقت زيدًا لخالد، وما أبغض زيد لبكر قال ابن مالك: وأضرب بزيد لعمرو، وهذا مشكل، لأن معناه أضرب زيدًا أي: صار ذا ضرب، والهمزة للصيرورة، و (أفعل) الذي للصيرورة لا يتعد فلا يجوز هذا التركيب إلا بسماعه من العرب، وإن كان متعديًا بحرف جر، فيتعدى به نحو: ما أعز زيدًا علي، وما أزهد عمرًا في الدنيا [وأعزز بزيد علي، وأزهد ببكر في الدنيا]، وإن كان فيتعدى إلى اثنين من باب (كسا) اقتصرت على الذي كان فاعلاً فقلت: ما أكسى زيدًا، وما أعطى عمرًا، وجاز أن تعديه بعد ذلك إلى أحد المفعولين باللام نحو: ما أكسى زيدًا لعمرو، وما أكسى بكرًا للثياب.

فإن جاء من كلامهم: ما أعطى زيدًا لعمرو الدراهم، وما أكسى زيدًا للفقراء الثياب، فمذهب البصريين أنه ينتصب بإضمار فعل تقديره: أعطاه الدراهم، وأكساهم الثياب، ومذهب الكوفيين أنه منصوب بنفس فعل التعجب، وأجاز ابن كيسان ما أعطى زيدًا لعمرو المال، وحكاه ابن الدهان عن الكوفيين، وإن كان من باب ظن اقتصرت على الفاعل فقط: ما أظن زيدًا وما أزعم عمرًا، هذا مذهب البصريين، وأجاز بعض النحاة: ما أعلمني أنك قائم أو بأنك قائم، قال ابن الحاج: ولا أعلم ما يمنع منه انتهى.
وأجاز الكوفيون ذكرهما بشرط دخول اللام على الأول، ونصب الثاني هذا إن أمن اللبس نحو: ما أظن زيدًا لبكر صديقًا، وإن خيف لبس أدخلت اللام على كل من المفعولين نحو: ما أظن زيدًا لأخيك لأبيك أصله: ظن زيد أخاك أباك.
وخلط ابن مالك في النقل في شرحه لما شرح من التسهيل فقال عن البصريين: «إن كان يتعدى إلى اثنين من باب كسا، أو من باب ظن جررت الأول باللام، ونصبت الثاني بإضمار فعل تقول: ما أكسى زيدًا للفقراء الثياب، وما أظن عمرًا لبشر صديقًا، تقديره عندهم: يكسوهم الثياب، ويظنه صديقًا».
وقال عن الكوفيين أنهم لا يضمرون، بل ينصبون الثاني بفعل التعجب، فذكر عن البصريين تساوى الحكم في باب كسا، وظن، ولم يذكر التفصيل عن الكوفيين.
وفي البسيط (إن كان من باب (ظن) جاز شرط الاقتصار على الفاعل، فإن كان في موضع المفعولين أن، لأنه يتعدى إليها بحرف جر تقول: ما أعلمني بأنك فاضل.

فصل

صيغ التعجب تبنى من فعل ثلاثي مجرد تام مثبت متصرف قابل معناه للكثرة غير مبني للمفعول، ولا معبر عن فاعله بأفعل فعلاء.
القيد الأول: كونه يبنى من فعل تنبيه على خطأ من قال من الكلب: ما أكلبه، ومن الحمار: ما أحمره، ومن الجلف: ما أجلفه، فبني ذلك من الاسم، وقال ابن مالك: وقد يبنى من غير فعل قالوا: أقمن به أي أحقق اشتقوه من قولهم: هو قمن بكذا أي حقيق وقالوا: ما أذرع فلانة بمعنى ما أخفها في الغزل، وهو من قولهم: امرأة ذراع، وهي الخفيفة اليد في الغزل، ولم يسمع منه فعل، وهذان وما أشبههما شواذ لبنائهما من غير فعل.
انتهى.
ودعواه أن ما أذرعها لم يسمع منه فعل غير صحيحة، وقال ابن القطاع: ذرعت المرأة خفت يداها في العمل فهي ذراع.
القيد الثاني: كونه ثلاثيًا احتراز من أن يكون رباعيًا أصلاً أو مزيدًا نحو: دحرج وتدحرج.
القيد الثالث: كونه مجردًا حتراز من أن يكون غير مجرد، بل فيه مزيد، وذكروا مما جاء من ذلك: ما أغناه، وما أفقره، وما أتقاه، وما أقومه، وما أمكنه، وما أملأه، وما آبله، وما أشده، وما أحوله، وما أخصره، وما أشهاه، وما أحياه، وما أرفعه، من (استغنى، وافتقر، واتقى، واستقام، وتمكن، وامتلأ، وتأبل، واشتد، واحتال، واختصر، واشتهى واستحيا، وارتفع).
وحكى هشام: ما أحوجه، وذكر أنه قيل: فقر وغنى، وتقى، وشهى، وحيى [وارتفع] بمعنى: اشتهى واستحى ورفع، وقام بمعنى استقام، ومكن بمعنى تمكن، وملأ بمعنى امتلأ،

وأبل بمعنى تأبل أي كثرت إبله، وشددت.
فإن كان المزيد على وزن أفعل فثلاثة مذاهب: أحدها: أنه لا يجوز البناء للتعجب منه مطلقًا، وهو مذهب أبي الحسن والجرمي، والمازني، والمبرد، وابن السراج، والفارسي في الأغفال.
والثاني: أنه يجوز مطلقًا، ونقل عن الأخفش، ونسب إلى سيبويه، وصححه ابن هشام الخضراوي، وقال ابن مالك: هذا مذهب سيبويه والمحققين من أصحابه، وهذا مخالف لما حكيناه من المنع عن جمهور البصريين الذين ذكرناهم.
والثالث: التفصيل بين أن تكون الهمزة في (أفعل) للنقل، فلا يجوز أن يبنى منه صيغة التعجب، أو لا تكون للنقل فيجوز، قال ابن الحاج: هذا التفصيل الذي فصله يعني ابن عصفور شيء لم يذهب إليه أحد، ولا ذهب إليه نحوى انتهى.
ومن المسموع منه مما همزته للنقل قولهم: ما آتاه للمعروف وما أعطاه للدراهم، وما أولاه بالمعروف، وما أضيعه لكذا، ومن المسموع مما همزته ليست للنقل قولهم: ما أنتنه في لغة من قال: أنتن، وما أخطأه، وما أصوبه، وما أيسره، وما أعدمه، وما أسنه، وما أوحش الدار، وما أمتعه، وما أسرفه، وما أفرط جهله، وما أظلمه، وما أضواه.

وقال خطاب: قد يتعجبون من لفظ الرباعي على غير قياس في قولهم: ما أعطاه، وما أولاه، وما آتاه للمعروف، ولكنها شاذة تحفظ حفظًا، ولا يقاس عليه ثم قال خطاب: وتقول: أعظ بزيد، وأول به، وآت به كما قلت: ما أعطاه، وما أولاه، وما آتاه، انتهى.
القيد الرابع: كونه تامًا احتراز من الناقص نحو: كان، وظل، وكاد، وكرب ونحوهن من النواقص، ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز التعجب منها، وحكى جواز ذلك عن الفراء صاحب البسيط، وأبو مروان عبد الله بن هشام الحضرمي في كتابه الانتخاب، وقال أبو بكر بن الأنباري تقول: ما أ: ون عبد الله قائمًا مرفوعة بما في (أكون)، واسم كان مضمر فيها، وعبد الله منصوب على التعجب، وقائمًا خبر كان، وأكون بعد الله قائمًا، وأكون بعبدي الله قائمين، وأكون بعبيد الله قيامًا، وحكى ابن الدهان: أن الكوفيين يجيزون: ما أكون زيدًا لأخيك، ولا يجيزون لقائم.
القيد الخامس: كونه مثبتًا احتراز من أن يكون منفيًا، فإنه لا يبنى منه.
القيد السادس: كونه متصرفًا احتراز مما لا يتصرف نحو: يذر ويدع، فلا يقال ما أوذره للشر، ولا لو ذر الرجل وشذ قولهم: ما أعساه، وأعسى به، ومعناه ما أحقه وأحقق به، قال ابن مالك: بنوا فعل التعجب من عسى وهو فعل غير متصرف.
القيد السابع: كون معناه قابلاً للكثرة احتراز مما لا يقبل الكثرة والزيادة نحو:

مات وفنى، وحدث فلا يقال: ما أموت زيدًا، ولا أموت به، قالوا: وشذ من الألفاظ التي لا تقبل الزيادة قولهم: ما أحسنه، وما أقبحه، وما أطوله، وما أقصره، وما أشنعه، وما أحمقه، وما أنوكه.
وقال ابن مالك: وقد يبنى من فعل فهو أفعل إذا أفهم عسرًا، أو جهلاً، فذكر بناءه من حمق، ورعن، وهوج، ونوك، ولذا قال: جرت في التعجب، والتفضيل مجرى جهل وعسر، وإن كان مذكرها على أفعل، والمؤنث على فعلاء وأقول: إن هذه التي عدوها من الشواذ، وأنها لا تقبل الزيادة ليس كما قالوا، بل هذه كلها تقبل الزيادة، وهي من المشكل، قال ابن الحاج: حكى اللغويون، وصاحب المحكم: عاقلت الرجل أي غلبته في العقل، فهذا تصريح بالمفاضلة، والتعجب من ما أهوجه، وشبهه جائز حسن، وأما ما أشنعه فراجع إلى معنى الحمق، ولست أعلم أن أحدًا من النحاة عدد في الشواذ ما عدده يعنى ابن عصفور، ولم يسلم له مثال مما أورده أنه شاذ.
وذكر مكي في المشكل: أن الفراء حكى ما أعماه، وما أعوره بمعنى ما أقبح لا على ظاهر اللفظ، ونص سيبويه على جواز «ما أهوجه وما أرعنه، وما أشغله، وما أنوكه، وما أحمقه» ودل كلامه على أنه لا يعتقد أنها شاذة.

وكذلك نص السيرافي في تفسير هذا الموضع، ونص سيبويه على جواز: ما أحسنه، وعلى جواز محسنان، وهو ألفاظ المبالغة في حسن.
وصفات الله تعالى لا تقبل الزيادة، فلا يجوز التعجب منها لا يقال: ما أعلم الله، وقالت العرب: (ما أعظم الله وأجله) وقال الشاعر: ما أقدر الله أن يدني على شحط …............... وتأول النحاة قول العرب وهذا.
القيد الثامن: كونه غير مبني للمفعول احتراز مما يبنى للمفعول لا يجوز: ما أضرب زيدًا، وأنت تتعجب من الضرب الذي حل به، وعلل خطاب الماردي منع ذلك باللبس قال: فإذا لم يلبس جاز، وقد قال كعب: فلهو أخوف عندي.
وما صح فيه (أفعل من) صح فيه (ما أفعله)، وتبع ابن مالك خطابًا: فقالك وقد يبنيان من فعل المفعول إن أمن اللبس نحو: ما أجنه، وما أنحته، وما أشغفه، وهو من أفعل التفضيل أكثر منه في التعجب: (كأزهى من ديك) و (أشغل من ذات النحيين) وأشهر من غيره، وأعذر، وألوم، وأعرف،

وأنكر، وأخوف، وأرجى من شهر، وعذر، وليم، وعرف، ونكر، وخيف، ورجى وإذا لم يلبس فلا يقتصر فيه على السماع، بل يحكم باطراده في فعل التعجب وأفعل التفضيل انتهى.
وقصر ذلك على السماع قول الجمهور، والمسموع (ما أشغله، وما أجنه، وما أولعه، وما أحبه، وما أخوفه، وما أزهاه، وما أعجبه برأيه.
وما أبخته، وما أشغفه، وما أخصره) من شغل، وجن، وأولع، وحب، وخيف، وزهى، وأعجب، وبخت، وشغف، واختصر، وفي (اختصر) شذوذان: بناؤه من المزيد، وكونه من المفعول، وزاد بعضهم في الشاذ: ما أبغضه، وما أمقته من أبغض ومن أمقت.
وقد سمع فيها بغض، ومقت مقاته، فلا يكون ما أبغضه وما أمقته شاذًا، وحكى سيبويه، والنحويون: بغض، وولع الرجل بمعنى أولع حكاه ابن القوطية وغيره.
القيد التاسع: كونه غير معبر عن فاعله بأفعل فعلاء كان عيبًا كـ (برص)، وبرش، وحول، وعمى.
وعور ومن المحاسن كـ (شهل)، وكحل، ودعج، ولمى، وشنب.
واختلف في العاهات والألوان، فذهب جمهور البصريين إلى أنه لا يتعجب من العاهات، وأجاز ذلك الأخفش، والكسائي، وهشام نحو: ما أعوره.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز من الألوان، وأجاز ذلك الكسائي، وهشام مطلقًا نحو: ما أحمره، وأجاز بعض الكوفيين ذلك في السواد والبياض خاصة

دون سائر الألوان، وسمع الكسائي: «ما أسود شعره» ومن كلام أم الهيثم: «هو أسود من حنك الغراب» وفي الحديث في صفة جهنم: «لهي أسود من القار» وفي الشعر: أبيض من أخت بني إباض و: ............... …...... أبيضهم سربال طباخ وهذا عند البصريين شاذ، لا يقاس عليه، وقال ابن الحاج: عندي جواز اقتياس (ما أفعله) في السواد والبياض، ولا يقتصر على مورد السماع فيها بل أقول: ما أبيض زيدًا، وما أسود فلانًا في الكلام والشعر انتهى.

وهي نزعة كوفية، وقال ابن عصفور تابعًا لصاحب الغرة: ومن الأفعال ما استوفى شروط ما يتعجب منه، ولكن العرب استغنت عن التعجب منه بغيره، وذلك قام، وقعد، وجلس ضد أقام، وسكرن وقال من القائلة، فتقول: ما أحسن قيامه، وكذا باقيها.
وقال ابن الحاج: أما القيام، والقعود، والجلوس فمعان لا يجوز التعجب منها، لأنها مما لا يتصور فيها الزيادة والنقص، فلا يرجح قيام على قيام فيما يدل عليه لفظ قيام، وكذا القعود والجلوس، فأما ما تكرر فعله وكثر كأن يقوم إنسان مرات عدة، وآخر أقل منها أو أكثر منها، فيمكن التعجب بأكثر أو أقل لا بلفظ الفعل نفسه، فأما قوله: وإني لقوام مقاوم لم يكن … جرير ولا مولى جرير يقومها فمنقول من الانتصاب للقيام بالأمر، والاضطلاع به، وذكروا فيها غضب، وحكى الأخفش عن بعض العرب: ما أغضبه، قال: وسألنا عنه تميمًا وقيسًا فلم يقولوه.
ومن عد (نام) فيها، فليس قوله بصحيح حكى سيبويه: ما أنومه، وقالت العرب: «هو أنوم من فهد»، و «أنوم من غزال»، وذكر ابن الأنباري خلافًا في جواز التعجب من السكر، وما لا يتعجب منه لفقد الشروط أتى بما يتعجب منه، ونصب مصدر ذلك الفعل نحو: ما أحسن حمرة زيد، وأحسن بحمرته، وما أسوأ عور زيد، وأسوئ بعوره،

وما أبين بلجة عمرو، وأبين ببلجته، وما أحسن استخراج زيد للدراهم، وأحسن باستخراجه، وما أفجع موت زيد، وأفجع بموته، وما أحسن كون هند متجردة، وأحسن بكون هند متجردة، وما أشد دحرجته، وأشدد بدحرجته.
وإن لم يكن له مصدر مشهور، جعلت الفعل في صلة (ما) المصدرية فقلت: ما أكثر ما يذر زيد الشر، وأكثر بما يذر زيد الشر، وكذا إن كان الفعل بني للمفعول تقول: ما أكثر ما ضرب زيد، وأكثر بما ضرب زيد، وإن لم يلبس وكان له مصدر أتيت بالمصدر فقلت: ما أكثر شغل زيد، وأكثر بشغله، وما استوفى الشروط جاز فيه ذلك تقول: ما أكثر ضرب زيد لعمرو، وأكثر بضرب زيد لعمرو.
فإن كان المانع كونه منفيًا جعلته في صلة أن نحو: ما أقبح أن لا تأمر بالمعروف، وأقبح بأن لا تأمر بالمعروف؛ فإن كن الفعل من باب كان ولزمه النفي، لكونه وضع كذلك، وهو ليس، أو لكونه لا يستعمل إلا مقرونًا به، أو بحرف النهي، أو الدعاء ففيه خلاف: ذهب البغداديون، وابن السراج إلى إجازة: (ما أحسن ما ليس يذكرك زيد)، وما أحسن ما لا يزال يذكرنا زيد، والجمهور على المنع.
ولا يجوز حذف همزة أفعل، وشذ من كلامهم: ما خير اللبن للصحيح وما شره للمبطون، وفي الشعر: ما شد أنفسهم وأعلمهم....... …...............

وسمع (ما خيرك، وما حسبك)، وسمع الكسائي (ما خبثه)، قال النحاس والقياس على ما حذفت منه الهمزة خطأ عند البصريين، ولا يجوز حذف نون الوقاية من نحو: ما أظرفني، وما أحسنني، وحكى الكوفيون: ما أحسنى بالحذف، وقال ابن عصفور: يجوز إثباتها وحذفها، فلو كان آخر الفعل نونًا نحو: ما أحسنني، وما ألينني جاز الفك والإدغام، فتقول: ما أليني، فلو لقى ضمير المتكلمين نحو: ما أحسننا، وجب الفك.
فلو كانت (ما) نافية وجب الإدغام، أو استفهامًا جاز الفك، وجاز الإدغام، مشارًا إلى الصفة بالإشمام لزوما، وما شذوا فيه فقالوا: ما أفعله نحو: ما أملأ هذه القربة، وما أمكنه عند الملك لا يقال فيه: فعل في التعجب، لا يقال لملؤت القربة، ولا لمكن زيد، ومن ذهب إلى أنه يجوز التعجب مما كان على أفعل، وهمزته ليست للنقل، وجعل ذلك مقيسًا لا يجيز أن يبنى منه التعجب فلا تقول: (لخطؤ الرجل، ولا لصاب الرجل، وإن كانوا قالوا: ما أخطأه، وما أصوبه، وتقول: ما أحسن زيدًا لا ما أشرفه، وما أحسن زيدًا لا أشرفه، منع الكسائي من إجازتها، وقال أبو جعفر النحاس: هذا جائز على أصول البصريين، وتقول: ما أحسن وأجمل زيدًا، وفيها ثلاثة مذاهب ذكرت في باب الإعمال، وقد انقضى القول في صيغ التعجب المبوب له في النحو.
وقد جاء التعجب متضمنًا جملاً لم تكن له في أصل الوضع فمن ذلك قولهم: سبحان الله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله من هو؟ ومررت برجل أيما رجل، وزيد ما زيد، ويلمه رجلاً، ولله دره فارسًا، وحسبك به فارسًا، وكفاك بزيد رجلاً، وسبحان الله رجلاً، ولك أن تدخل من في هذه الأربعة، والعظمة لله من رب، ويجوز في: حسبك بزيد حذف الباء وترفع زيدًا، واعجبوا لزيد رجلا، ومن رجل، وكاليوم رجلاً، وكالليلة قمرًا، وكرمًا، وصلفًا، وياللماء، وياللدواهي،

ويا حسنه رجلاً، ويا طيبها من ليلة، ويا لك فارسًا، وإنك من رجل لعالم، ولا تحذف (من)، وما أنت من رجل، وقيل لا تحذف (من)، وما أنت جارة، خرجوه على أن (جارة) تمييز، وما أنت من جارة، ولله أنت، وواهاً له، ولله لا يؤخر الأجل، (ووا) في أسماء الأفعال، وأي رجل زيد، و «كيف تكفرون بالله» و «لأي يوم أجلت»، و «عم يتساءلون» و: ............... …...... لا كالعشية زائرًا ومزورًا

فصل

الفعل لازم ومتعد، والتعدي تجاوز الفعل فاعله إلى مفعول أو أكثر، فإن تعدى إلى غيره من المنصوبات، لم يسم متعديًا، ويبنى منه اسم مفعول نحو: مضروب ومقتول، وقد يكون الفعل الواحد لازمًا ومتعديًا بنفسه نحو (فغرفاه) أي فتحه، و (فغرفوه) أي انفتح، ومتعديًا بنفسه تارة، وبحرف جر أخرى نحو: (شكرت زيدًا وشكرت لزيد) وكذلك نصحت، ولما تساويا في الاستعمال صارا قسمًا برأسه، خلافًا لمن منع هذا القسم وزعم أن الأصل فيه حرف الجر، وكثر فيه الأصل والفرع، وصحح هذا القول ابن عصفور، وردة عليه الشلوبين الصغير، وقيل: أصل هذا القسم أن يتعدى بنفسه، وحرف الجر زائد، وزعم ابن درستويه أن (نصح) يتعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، والأصل: نصحت لزيد رأيه، وما زعم لم يسمع في موضع.
وفي كتاب البهي المنسوب للكسائي أنك تقول: شكرت لك ونصحت لك، ولا تقول: شكرتك ولا نصحتك، هذا كلام العرب قال تعالى: «واشكروا لي» «وأنصح لكم» انتهى، وجاء في شعر النابغة (نصحت) معدى بغير اللام قال: نصحت بني عوف فلم يتقبلوا … وصاتي، ولم تنجح لديهم وسائلي

وذكروا من هذا: كلت زيدًا، وكلت لزيد، وزنت زيدًا، ووزنت لزيد، ووعدت زيدًا، ووعدت لزيد، وقد يعلق اللازم بمفعول به معنى، فيعدى بحرف الجر مخصوصًا، ومدرك هذا السماع نحو: مررت بزيد، وغضبت على عمرو، ويبنى منه اسم مفعول معدى بالحرف نحو: زيد ممرور به، وعمرو مغضوب عليه، فإن الفعل لا يقتضيه بخصوصه نحو: خرجت إلى زيد، فقال ابن هشام الخضراوي لا يسمى هذا تعديًا بخلاف: خرجت من الدار، فيسمى تعديًا، لضرورة أن الخروج يقتضي مخروجًا منه، والصحيح أنه يسمى متعديًا، وإن كان لا يقتضيه بخصوصه والحكم سواء، وقد ينحذف الحرف شذوذًا نحو: (لقضاني) يريد: لقضى علي، أو لكثرة الاستعمال نحو: دخلت الدار فيقال عليه: دخلت البلد والبيت، وإن لم يكثر قيل: ولم يقس عليه نحو: ذهبت الشام، وتوجهت مكة، ومطرنا السهل والجبل، وضرب زيد الظهر والبطن، أو لتضمن معنى يوجب ذلك نحو قول نصر بن سيار: «أرحبكم الدخول في طاعة ابن الكرماني» أي أوسعكم.
وحكى أن بعض العرب قال في (كاثرناهم): كثرناهم وهو قبيح، وإذا أشربت اللازم معنى فعل متعد فأكثر ما يكون فيما يتعدى بحرف الجر، فيصير يتعدى بنفسه، فمن النحاة من قاس ذلك لكثرته، ومنهم من قصره على السماع.
وقد جاء تضمين ما يتعدى معنى اللازم قال تعالى: «فليحذر الذين يخالفون عن أمره» أي يخرجون وينفصلون، واطرد حذف حرف الجر المتعين مع (أن وأن) نحو: غضبت أن تخرج، وعجبت أنك تقوم، أي من أن تخرج، ومن أنك تقوم، فإن أتيت بصريح المصدر لم يجز الحذف نحو: عجبت من

قيامك، فإن لم يتعين الحرف لم يجز الحذف، وذلك بأن يكون الفعل يتعدى بحرفين مختلفي المعنى نحو: رغبت في أنك تقوم، ورغبت عن أن تقوم.
وإذا حذف حرف الجر من (أن وأن)، ففي كتاب سيبويه النص عن الخليل أن موضعه نصب، واتفق ابن مالك، وصاحب البسيط على أن مذهب الكسائي أنه جر، وأن الفراء قال: هو في موضع نصب، قال في البسيط: «أكثر النحويين على أنه في موضع نصب»، ووهم ابن مالك، وصاحب البسيط، فنقلاً أن مذهب الخليل أنه في موضع جر، ووهم ابن مالك فنقل أن مذهب سيبويه أنه في موضع نصب كالفراء.
ولم يصرح سيبويه فيه بمذهب، إنما ذكر مذهب الخليل أنه في موضع نصب ثم قال: لو قال إنسان إن (أن) في موضع جر، لكان قولاً قويًا وله نظائر نحو قولهم: لاه أبوك، فإن كان الذي جر بحرف غير (أن وأن) لم يجز حذفه قال الأخفش الأصغر فيما نقل ابن مالك: يجوز الحذف، والنصب فيما لا لبس فيه نحو قوله: ......... … وأخفى الذي لولا الأسى لقضانى والصحيح أن يتوقف فيه على السماع، وأورد أصحابنا خلاف الأخفش هذا على غير ما أورده ابن مالك، أوردوه فيما يتعدى إلى اثنين: أحدهما بنفسه، والآخر بحرف الجر، قالوا في هذا: لا يجوز حذف الحرف إلا مع (أن وأن) وفي أفعال مسموعة، وهي: اختار، واستغفر، وأمر، وسمى، وكنى، ودعا، وزوج، وصدق، وعير، وهدى، وفرق، وفزع، وجاء، واشتاق، وراح، وتعرض،

ونأى، وحل، وخشن تقول: اخترت زيدًا من الرجال، واستغفرت الله من الذنب، وأمرت زيدًا بالخير، وسميت ولدي بأحمد، ودعوت ولدي بزيد، وكنيته بأبي الحسن، وزوجته بامرأة، وصدقت زيدًا في الحديث، أو في القتال، أو في ظني، وعيرت زيدًا في الحديث، أو في القتال، أو في ظني، وعيرت زيدًا بسواده، وهديت زيدًا إلى الطريق، وفرقت من زيد، وفزعت من بكر، وجئت إلى البصرة، واشتقت إلى زيد، ورحت القوم، ورحت إليهم، وتعرضت معروفه، وتعرضت لمعروفه، ونأيتهم، ونأيت عنهم، وحللتهم، وحللت بهم، وخشنت صدره، وخشنت بصدره.
ويجوز حذف الحرف من هذه، وزعم الجرجاني: أن من باب اختار قولهم: كلته كذا وكذا، ووزنته كذا درهمًا أصله كلت له، ووزنت له حذف اللام، كما حذف (من)، والباء في اختار وأمر، فتعدى الفعل إلى مفعولين، وجرى مجرى (أعطيت) في الظاهر قال تعالى: «وإذا كالوهم أو وزنوهم» والمعنى: كالوا لهم، ووزنوا لهم، ولم يذكر المكيل والموزون، وزعم ابن الطراوة وتلميذه السهيلي أن استغفر ليس أصلها التعدية إلى الثاني بحرف الجر، بل الأصل أن يتعدى إليه بنفسه، وتعديته بـ (من) إنما هو بتضمينه طلب التوبة، والخروج من الذنب، وزعم علي بن سليمان الأخفش، وتبعه ابن الطراوة أنه يجوز حذف الحرف إذا تعين، وتعين مكانه قياسًا على تلك الأفعال، فأجاز: (بريت القلم بالسكين)، فإن اختل الشرطان، أو أحدهما منع نحو: رغبت الأمر لا يجوز، لأنه لا يعلم هل أردت رغبت في الأمر، أو رغبت عن الأمر.
وكذلك لا يجوز: اخترت إخوتك الزيدين، لأن كل منهما يصلح لدخول (من) عليه، والصحيح أنه لا يجوز ذلك، وإن وجد الشرطان فلا يقال: أحببت الرجال زيدًا، ولا اصطفيت الرجال عمرًا تريد من الرجال وقولهم:

تمرون الديار............ …............ و: ............... …............. لقضاني و: ............. فرشنني … هراسا............... يريد على الديار، ولقضى علي، وفرش لي ضرورة شعر لا يقاس عليه ولا خلاف في شذوذ: .................. … أشارت كليب بالأكف الأصابع و: ............... … حتى تبذخ فارتقى الأعلام يريد إلى كليب، وإلى الأعلام، وذهب السهيلي إلى أنه لا يجوز الحذف إلا إذا تؤول في الفعل معنى فعل يصل بنفسه، وبشرط ألا يفصل بين الذي يحذف منه الحرف فلا تقول أمرتك يوم الجمعة الخير، وبشرط ألا يكون على حذف فلا تقول: أمرتك زيدًا تريد: بزيد، أي: بأمره وشأنه، ولما كان معنى أمرتك، كلفتك جاز، ولم يشترط أصحابنا ما اشترطه السهيلي.
والتعدي تارة يكون بالهمزة، وتارة بالتضعيف، فإن كان الفعل لازمًا صار

متعديًا إلى واحد، وإن كان يتعدى إلى واحد صار يتعدى إلى اثنين نحو: كفل زيد عمرًا وأكفلت زيدًا عمرًا، وإن كان يتعدى إلى اثنين، وليس من باب علم، لم يتعد إلى ثلاثة نحو: كسوت زيدًا ثوبًا لا بهمزة ولا بتضعيف بإجماع، وفي التعدي بالهمزة مذهب: أحدها: أنه سماع في اللازم والمتعدي، وهو مذهب المبرد.
الثاني: أنه قياس فيهما، وهو مذهب أبي الحسن، وظاهر مذهب أبي علي.
والثالث: أنه قياس في اللازم، إذا لم تدخل عليه الهمزة لمعنى آخر سماع في المتعدي، وهو ظاهر مذهب سيبويه، وقال السهيلي: وقد ذكر الفعل اللازم النقل بالهمزة مذهب سيبويه أنه مسموع، ومذهب غيره أنه مقيس على الإطلاق.
والرابع: أنه مقيس في كل فعل إلا في باب علم، وهو مذهب أبي عمرو وجماعة، وقال السهيلي: الصحيح التفصيل، فإن كان الفعل يكتسب منه الفاعل صفة في نفسه لم تكن فيه قبل الفعل نحو: قام، وقعد، ففي مثل هذا يقال فيه أفعلته أي جعلته على الصفة نحو: أنمته، وأقمته، وإن كان لا يصير على هيئة لم يكن عليها، ولا حصل في ذاته وصف باق نحو: اشتريت زيدًا ماء، قبح التعدي، وكذلك لا تقول: أذبحته الكبش: أي جعلته يذبحه، لأن الفاعل لم يصر على هيئة لم يكن عليها، وفي التعدي بالتضعيف مذهبان: أحدهما: أنه سماع من اللازم والمتعدي.
والثاني: أنه قياس، ونقل ابن هشام: أنه لا خلاف أن النقل بالتضعيف لا يقاس، ولا يتعدى ما سمع منه غير صحيح، وقد يتعاقب التضعيف والهمزة نحو: أنزلت الشيء ونزلته، وأبنت الشيء وبينته، والصحيح أن معناهما واحد.

وذهب الزمخشري، والسهيلي، ومن وافقهما إلى أن التعدية لا تدل على التكرير، وأن التعدية بالتضعيف تدل على تكرار في الفعل وتمهل.
وفي البديع: تضعيف الفعل اللازم، والمتعدي للتكثير، وقد جاء عنهم بالعكس قالوا: مجدت الإبل مخففًا إذا علفتها ملء بطنها، ومجدتها مشددًا، إذا علفتها نصف بطنها، وهذا الباد قد شبعت غنمه إذا أكلت أكل الشبع، وشبعت غنمه إذا أكلت نصف الشبع، وقد تكون التعدية بالتضعيف حيث لا يكون بالهمزة نحو قويت الشيء، وهيأته وحكمت فلانًا، وطهرت الشيء، ما لم تكن عين الكلمة همزة، إلا شاذًا نحو: أنأيت، وأثأيت، والشاذ نحو: ذأبت ومنه: ................ … إلى سند مثل الغبيط المذأب وقل ذلك في غير الهمزة من حروف الحلق عينات نحو: أذهبته وألحمته، وأسعدته، وأوعلته، وأدخلته، وقد يتعاقب في هذا النوع أفعل، وفعل نحو أوهنه، ووهنه، وأنعمه، ونعمه، وزاد بعض النحاة في المعديات بالحركة: ذهب زيد، وذهبت بزيد أي: أذهبته، وزاد بعضهم تضعيف اللام، وهو غريب، وكذلك صغر خده، وصعررته، والسين والتاء نحو: حسن زيد، واستحسنته، وقبح الشيء واستقبحته، وطعم زيد الخبز، واستطعمته الخبز.

وألف المفاعلة نحو: سار زيد، وسايرته، والمعتبر بحركة العين، شترت عين الرجل، وشترها الله، وكسى زيد الثوب، وكسى زيد عمرًا ثوبًا، ولا ينقاس شيء من التعدية بهذه، ومن الأفعال ما جاء ثلاثيه متعديًا، وبالهمزة قاصرًا خلاف المعهود من ذلك: أكب الرجل، وكببته أنا، وأقشع الغيم، وقشعته الريح، وأنسل ريش الطائر، ونسلته أنا، وأنزفت البئر، ونزفتها أنا، وأمرت الناقة: در لبنها، ومريتها أنا، وأشنق البعير: رفع رأسه، وشنقته أنا، وأجفل الظليم وجفلته أنا، وتعدى الفعل تارة يكون إلى واحد نحو: ضرب زيد عمرًا، وتارة إلى اثنين، فأصل أحدهما حرف الجر، وهو (اختار) وما ذكر معه، وتارة إلى اثنين بنفسه وذلك نحو: كسا وأعطى، وتارة إلى اثنين وأصلهما مبتدأ وخبر، وتارة إلى ثلاثة مفاعيل وهو (أعلم) وأخواته.

جارٍ التحميل