ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسيصفحات 2021-2025

باب ذكر الحروف المتفق عليها وبعض أحكام من المختلف فيه

صفحات 2021-2025

فإن كان العطف بالفاء، أو بثم، جاز الإفراد والمطابقة فتقول: زيد فعمرو منطلق، وزيد ثم عمرو منطلق، ومررت به، ويجوز: منطلقان، ومررت بهما، والإفراد مع ثم أحسن، وإن كان العطف بـ (أو)، فنقل الأخفش عن العرب أنه يجوز أن يكون الحكم للأول، ويجوز أن يكون للثاني فتقول: زيد أو أمة الله منطلق، ويجوز: زيد أو أمة الله منطلقة.
وقال ابن عصفور: الضمير في (أو) على حسب المتأخر فتقول: زيد أو عمرو قام، وهذا مخالف لما نقل الأخفش عن العرب، وقال ابن عصفور أيضًا: ولا يجوز أن يكون الضمير على حسب ما تقدم في (أو) إلا شذوذًا لا يقاس عليه، قال الله تعالى: «إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما»، فأعاد الضمير على الغني، والفقير لتفرقهما في الذكر، وقال أيضًا: إن كانت (أو) مستعملة حيث يجوز الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه كالتي في الإباحة، أو في النهي عن المباح، فيجوز في الخبر الإفراد والجمع نحو: الحسن أو ابن سيرين جالسه، والآثم أو الكفور لا تطعه، وإن شئت جالسهما، ولا تطعهما، والدليل على جواز الجمع قوله تعالى: «إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما»، وهذا اضطراب من ابن عصفور تارة حمل الآية على الشذوذ، وتارة استدل لها.
وإن كان العطف بـ (لا)، فالذي يقتضيه النظر أن الحكم في ذلك للأول نحو: زيد لا عمرو قائم.
قال ابن عصفور: الضمير على حسب المتأخر نحو: زيد لا عمرو قام، وإن كان العطف بـ (بل) أو بـ (لكن)، فالذي يقتضيه النظر أن الحكم فيهما للثاني فتقول: زيد بل عمرو منطلق، وما زيد لكن عمرو خرج، وقال ابن عصفور على حسب المتأخر منهما، وثمرة القولين تظهر إذا كان أحدهما

مذكرًا والآخر مؤنثًا، ويجوز عطف الفعل على الاسم كقوله تعالى: «صافات ويقبضن».
والاسم على الفعل نحو قوله تعالى: «يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي»، ولا يكون ذلك إلا إذا كان كل واحد منهما في تقدير الآخر.
وزعم أبو القاسم السهيلي: أنه يحسن عطف الفعل على الاسم إذا كان اسم فاعل، ويقبح عطف الاسم على الفعل نحو: مررت برجل يقوم وقاعد انتهى.
وإذا قلت: الطائر فيغضب زيد الذباب، عطفت الفعل على الاسم حملاً على المعنى، وهذا لا يجيزه المبرد، ولا ابن السراج، وقد ألم بجوازه يسيرًا أبو الحسن قال: لو قلت: الضاربه أنا، وقمت زيد كان جائزًا بالحمل على المعنى، لأن معنى الضاربه: أنا الذي ضربته، والقياس عنده هنا (أل) في الأول والثاني إذا كان لكل منهما ما يرتبط به، ولذلك منع غيره هذه المسألة، لأن إحدى اللامين يخلو من الضمير.
وقال ابن السراج: وقد أجاز قوم: ظننت عبد الله يقوم وقاعدًا، وظننت عبد الله قائمًا ويقعد، وهو عندي قبيح من أجل عطف الفعل على الاسم، والاسم على الفعل، وقد منع من ذلك المازني، والمبرد، والزجاج كل المنع.
واعتمد الفارسي جواز الذي قبحه شيخه ابن السراج، وله شواهد، وذكر أصحابنا أن الجملة الفعلية والجملة الاسمية لا تكون في تقدير مفرد إلا إذا وقعت

صفة أو حالاً، أو خبرًا أو ثانيًا لظننت أو ثالثًا لأعلمت، ويجوز عطف الجملة الاسمية إذا كانت في تقدير المفرد قال تعالى: «بياتا أو هم قائلون» التقدير: بائتين، أو قائلين، ويجوز عطف الفعل على الفعل بشرط أن يتحدا في الزمان، والأحسن إذ ذاك اتحادهما في الصيغة نحو: زيد قام وخرج، وزيد يقوم ويخرج، ومن الاختلاف في الصيغة «أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة» أي فأصبحت وقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني … فمضيت......... أي مررت فمضيت ولا تقول (زيد قام ويخرج) تريد قام فيما مضى ويخرج فيما يستقبل على أن يكون من عطف الفعل على الفعل، لأن هذا العطف معدود من عطف المفرد على المفرد، فإذا اختلفا في الزمان صار من عطف الجمل.
وحرف العطف إن كان على حرف واحد (كالواو)، والفاء فلا يجوز الفصل بين الواو، و (الفاء)، وما عطف لا بقسم، ولا ظرف ولا مجرور إلا في ضرورة الشعر نص على ذلك أصحابنا فلا تقول: قام زيد والله عمرو، ولا فوالله عمرو،

ولا ضربت زيدًا وفي البيت عمرو، ولا خرج زيد والساعة عمرو، قال ابن مالك: وهو قول أبي علي قال: وهو جائز في الكلام المنثور إن لم يكن المعطوف فعلا نحو: قام زيد، وفي الدار قعد، وزيد يقوم ووالله يقعد، أو اسمًا مجرورًا لم يعد جره نحو: مررت بزيد ومن بعده عمرو، وأجاز ذلك الفراء في قوله تعالى: «ومن وراء إسحاق يعقوب» فقال: ينوى به الخفض، فيكون معطوفًا على (بإسحاق) وقد فصل بينهما بالجار والمجرور الذي هو (من وراء إسحاق) والعطف بالواو، وخرج ذلك أبو علي، وأبو الفتح على إضمار فعل تقديره: وآتيناها من وراء إسحاق يعقوب كما قال سيبويه في: مررت بزيد وعمرًا إذ التقدير: ولقيت عمرًا، وهذا الذي استقبحه أبو علي لم يستقبحه سيبويه إلا في النصب، وإنما قبحه في الخفض نحو: أمر اليوم بزيد وغدا عمرو.
وإن كان حرف العطف على أكثر من حرف، جاز الفصل بينه وبين المعطوف بالقسم، وبالظرف وبالجار والمجرور نحو: قام زيد ثم والله عمرو، وقام زيد بل، والله عمرو، وما ضربت زيدًا لكن في الدار عمرو.
ومن أحكام حروف العطف أن ما كان معمولاً لعامل بعدها لا يجوز أن يتقدم ذلك المعمول على حرف العطف فلو قلت: زيد قائم وضارب عمرا ما جاز أن تقول: عمرًا وضارب، ونقلوا أن القيام يكون صلة، ولا قيام هناك، فإذا قلت: قمت فضربت زيدًا قالوا: فإن كان القيام لغوا فلا يجوز تقديم زيد على فضربت،

وإن كان القيام حقيقة أو أكدته بمصدر نحو: قمت قياما فضربت زيدًا، أو كان في شرط نحو: إن قمت فضربت زيدًا فعبدي حر، فيجوز تقديم المفعول على (فضربت) وهذا مخالف لما قررناه في الأصل.
وإذا اجتمعت التوابع بدأت بالنعت، فعطف البيان، فالتوكيد، فالبدل، فعطف النسق فتقول: مررت بأخيك الكريم محمد نفسه رجل صالح ورجل آخر، وأجاز بعضهم تقديم التأكيد على النعت فتقول: قام زيد نفسه [الكاتب؛ فإن كان التأكيد بتكرار الاسم فكالتأكيد بألفاظ التأكيد فتقول: قام زيد العاقل] زيد نص عليه بعض أصحابنا، وقال ذلك في قوله: (ويل له ويل طويل) قال يجوز أن يكون طويل صفة لويل الأول.

جارٍ التحميل