وإذا دخلت (أل) نحو: إن الأمس يوم حسن أو جمع نحو: مرت لنا أموس طيبة أعرب، وقالوا في جمعه أيضًا: آمس وآماس كزند وأزناد وأزند.
وإذا صغر فذلك ابن مالك في شرح الكافية الشافية أنه لا خلاف في إعرابه، وهذا مخالف لنص سيبويه وغيره من النحاة: أن (أمس) لا يصغر، وعن المبرد أنه يصغر وينون.
وفي الغرة: يبنى في الظرفية إجماعًا نص عليه الزجاج إذا كان معرفة بغير إضافة، ولا لام تعريف مكبرًا مفردًا، فأما إذا عرف بالإضافة أو باللام أو صغر، أو نكر، أو ثنى، أو جمع، فإنه معرب، ولو سميت (بأمس) على لغة من أعرب لصرفت، وقيل لا ينصرف قاله في البسيط، وقد يستصحب الباء مع مقارنة (أل).
وأنشدوا:
وإني حبست اليوم والأمس قبله …............
بنصب السين وكسرها، وتؤولت رواية الكسر على ما يدل على أنها ليست كسرة بناء وقالوا: لقيته الأمس الأحداث بكسر السين وفيه (أل)، والتأويل على زيادة (أل) أو حذف حرف الجر، وهو الباء.
فصل
ظرف المكان أنواع: فمنها ما له مقدار نحو: ميل، وفرسخ، وبريد، وغلوة، فالغلوة مائة باع.
والميل عشرة غلاء، والفرسخ ثلاثة أميال، والبريد أربعة فراسخ، وهو ظاهر كلام الفارسي، وقول بعض النحاة: إن المقدار داخل تحت حد المبهم، وقال الأستاذ أبو علي: ليس داخلاً تحته، وقال سيبويه: «ويتعدى إلى ما كان وقتًا في الأمكنة كما كان يتعدى إلى ما كان وقتًا في الأزمنة ثم قال: وذلك قولك: ذهبت فرسخين.
وسرت ميلين، كما تقول: ذهبت الشهرين، وسرت الميلين» انتهى.
والصحيح أنه شبه بالمبهم، ولذلك وصل إليه بنفسه، وانتصاب هذا النوع من المقدار عند النحاة على الظرف، وزعم السهيلي: أن انتصاب هذا النوع انتصاب المصادر لا انتصاب الظروف، واللغة تساعد مذهبه، لأن اللغويين شرحوا الغلوة، والميل، والفرسخ، والبريد بالخطى، والأبواع.
وذهب ابن طلحة إلى تقدير هذا المقدار بحذف المضاف كأنه قال: سير فرسخين، كما في قولك: ضربته سوطًا أي: ضربة سوط، والنحاة غير هؤلاء سموا المسافة التي تقع فيها هذا الخطا المذكورة باسم الخطا المذكورة، ولها نهاية معروفة، وحدود محصورة ألا ترى أن الميل له مقدار معلوم من المسافة.
النوع الثاني: ما دل على مسمى إضافي محض، أو جاريًا باطراد مجراه، وهذا الذي لا تعرف حقيقته بنفسه، بل بما يضاف إليه فالأول نحو: مكان،
وناحية، وأمام، ووراء، ووجهة، وجهة، وغير ذلك من الأسماء المبهمة غير المشتقة من لفظ الفعل.
واحترز بمحض من الإضافي الذي يدل بنفسه على معنى لا يصلح لكل مكان نحو جوف، وباطن، وظاهر، وداخل وما أشبهها من الأماكن المختصة، إذا قصد بشيء منها معنى الظرف لازمة لفظة في وما بمعناها.
ومكان مفعل من الكون لزمت الميم، فصارت كالأصلية حتى قالوا: أمكنة، وهذه التي من شأنها حذف حرف الوعاء ينتصب ظرفًا مؤكدًا إن كان مبهمًا ومبينًا إن كان غير مبهم.
وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز نصب المبهم على الظرف إلا بوصف يخصصه، أو ما في حكمه نحو: قعدت مكانًا صالحًا، والجهة كذلك فلا تقول: قعدت قداما، ولا خلافًا إلا على الحال كأنك قلت: قعدت متقدمًا ومتأخرًا، فإن خصصته بالإضافة جاز نحو: قعدت خلفك وقدامك.
وقالت العرب: «هما خطان جنابتي أنفها» يعنون خطين اكتنفا أنف الظبية، ومذهب سيبويه «أن جنابتي أنفها» من الظروف المبهمة، ومذهب
الفارسي: أنه من الأسماء المختصة المستعملة استعمال الظروف يحفظ، ولا يقاس عليه، وأما
............ … جنبى فطيمة..........
فهو موضع، وليس مما جعل ظرفًا بغير قياس، وأما قولك أقطار البلاد، فأقطار جمع قطر، وهو الناحية، فالمعنى قومك في نواحي البلاد، وأما:
............ … ينثنى مساليه.........
فالمسال عند سيبويه العطف، وهو الجانب، وليس باسم مكان، لكن استعمل ظرفًا شبه بجنبى فطيمة، وقال ثابت: المسال ما هبط من الصدغ إلى العزار.
وعن ابن خروف: مسالي الرجل جانبًا لحيته الواحد مسال.
وأما الجاري باطراد مجرى المسمى الإضافي المحض، فصفة المكان الغالبة نحو: هم قريبًا منك، وشرقي المسجد، ومصادر قامت مقام مكان مضاف إليها تقديرًا نحو قولهم: هو قرب الدار، ووزن الجبل، وزنته أي: مكان مسافته، والمراد بالاطراد أنه لا تختص ظرفيته بعامل ما، كاختصاص ظرفية المشتق من اسم الواقع فيه.
وقال ثعلب: إن جعلت قريبًا من القرابة ثني وجمع، أو من القرب، أو خلفًا من موصوف فلا يثنى ولا يجمع، ولا يؤنث.
انتهى.
ومما ينتصب ظرفًا بمعنى قريب الظرف: قبلك ونحوك، وقرابتك وهو أبلغ من (قريبًا)، قال سيبويه: صار هذا بمنزلة قول العرب: هو حذاؤه وإزاءه، وذكر سيبويه هم حواليك: وهي تثنية لا شفع الواحد معناها معنى أحوالك، وحولك، وشرقي الدار مما يلي المشرق وهو غير معين دخلته ياء النسب، فصار مبهما.
وفرق سيبويه بين وزن الجبل، وزنة الجبل فمعنى وزن الجبل ناحية توازنه أي تقابله كانت قريبة أو بعيدة منه، وزنة الجبل حذاؤه أي متصلة به، وكلاهما مبهم يصل إليها الفعل بنفسه، ومن المصادر هو قصدك، وحلة الغور، وذكر
سيبويه صددك، وصقبك، وليسا بمصدرين، بل هما اسمان في معنى المصدر.
وقسم بعض أصحابنا المبهم إلى ما وضعته العرب عمومًا نحو: مكان وما في معناه من موضع، ومنزل، والجهات فوق، وتحت، ويمين، وشمال، وأمام، وخلف، وإلى ما كان منسوبًا نحو: شرقي الدار، وغربي المسجد.
وإلى ما اشتق من الفعل نحو: المذهب، والمجلس، وإلى مصدر موضوع موضع الظرف نحو: هو قصدك.
وقالت العرب: «تركته بملاحس البقر أولادها»، فهذا مضاف إليه الظرف أي مكان ملاحس البقر، وأما قولك: زيد فوق عمرو في الشرف، ودون عمرو في العلم، فمشبه باسم المكان.
وقالت العرب: «هم هيئتهم» أي في هيئتهم.
نصب نصب الظرف، والهيئة ليست مكانًا شبهت بالمكان، ولكونها ظرف مكان مجازًا، وقعت خبرًا عن الجثة.
وسواك، ومكانك بمعنى بدلك، وهذا النوع يحفظ ولا يقاس عليه.
وزاد الكوفيون، مثلك، وقرنك، وسنك، ولدنك، وموضع السماع عندهم مثلك، وينتصب أيضًا ظرف مكان ما أضيف إليه بشرط أن يكون إياه نحو: سرت جميع الليل أو بعضه نحو: سرت نصف الليل.
النوع الثالث: المختص، وهو ما له اسم من جهة نفسه كالدار، والمسجد، والسوق، فهذا لا يتعدى إليه الفعل إلا بواسطة (في) أو (الباء) الظرفية تقول قعدت في الدار، وأقمت بالبصرة.
ومما جاء من المختص وصل إليه بغير واسطة (في) قول العرب: رجع أدراجه أي: في الطريق الذي جاء فيه وقولهم: هم درج السيول، و «دخلت» مع كل ظرف زمان مختص نحو: دخلت البيت، ودخلت الدار هذا هو الذي عليه الجمهور شبه ظرف المكان المختص مع «دخلت» بالمكان غير المختص.
وذهب الجرمي، والأخفش إلى أنه ينتصب انتصاب المفعول به مع دخلت نحو: هدمت البيت، وذهب الأخفش أيضًا إلى أنه مما يتعدى تارة بنفسه، وتارة بحرف الجر تقول: دخلت البيت، ودخلت في البيت وبه قال جماعة.
وذهب الفارسي إلى أنه يتعدى في الأصل بحرف الجر وهو (في) إلا أنه حذف اتساعًا، فانتصب على المفعول به، وفصل السهيلي: إن اتسع المدخول
فيه حتى يكون كالبلد العظيم وجب النصب كقولك: دخلت العراق، ويقبح دخلت في العراق، وإن ضاق كالبئر، والحلقة كان النصب بعيدًا جدًا فتقول: دخلت في البئر، وأدخلت إصبعي في الحلقة، والإبرة في الثوب، وقال: فقس عليه، وسكت عن المتوسط.
وقياس تفصيله يقتضي جواز وصول الفعل إليه بنفسه، وبواسطة (في).
وقالت العرب: ذهبت الشام، وهذا عند سيبويه ظرف مختص انتصب على إسقاط (في) تشبيهًا بغير المختص، ولا يجوز نصب الشام إلا مع ذهب، وذهب المبرد إلى أنه على إسقاط (إلى) أي: ذهبت إلى الشام.
وزعم الفراء: أن العرب أنفذت (إلى) أسماء الأماكن والبلاد دخلت، وذهبت، وانطلقت، وحكى أنهم يقولون: انطلقت العراق، وذهبت اليمن، ودخلت الكوفة، وهذا شيء لم يحفظه سيبويه، ولا البصريون.
ومما جاء من وصول الفعل إلى المكان المختص بغير واسطة (في) في الشعر قوله:
............ … كما عسل الطريق الثعلب
و: قلن عسفان............ …................ و: فلأبغينكم قنا وعوارضًا …............ و: ....... … قالا خيمتي أم معبد
فذهب سيبويه إلى أن انتصابها على الظرف تشبيهًا للمختص بالمبهم، وذهب الفارسي إلى أن انتصابها نصب المفعول به بعد إسقاط حرف الجر تشبيهًا لها بالأناسي.
وذهب بعض النحاة، ومنهم ابن الطراوة إلى أن انتصاب الطريق ظرفًا، يجوز أن يكون في فصيح الكلام قال: وذلك مشهور في الكلام جار على القياس.
ومنه قول العرب: «أبعده الله وأسحقه وأوقد نارًا إثره» قال: ويقال ذهبت طريقي، ومروا طرقاتكم، وأنشدوا:
وقد قعدوا أنفاقها كل مقعد … ويهوي مخارمها هوى الأجدل
وهذا عند غير ابن الطراوة ضرورة، فأما قوله تعالى: «لأقعدن لهم صراطك المستقيم»، «واقعدوا لهم كل مرصد».
فذهب الفراء إلى أن ذلك من الظروف التي حذفت (في) منها في الاختيار وغيره ينصبه على التضمين، فـ (لأقعدن) أي: أملكن، واقعدوا أي: أملكوا.
النوع الرابع: ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه نحو: مقعد، ومرقد، ومجلس، ومعتكف، نحو: قعودك مقعد زيد، وجلست مجلس عمرو، فلو عمل فيه من غير لفظه نحو: ضحكت مجلس زيد: تريد في مجلس زيد لم يجز، ومما جاء من نحو هذا شاذ أراد به القرب والبعد: هو مني مقعد القابلة، ومعقد الإزار، ومناط الثريا، ومنزلة الولد، ومنزلة الشغاف، و:
......... مقعد رايئ الـ … ــ ضرباء............
ومزجر الكلب، ومذهب سيبويه، والجمهور أنه لا يقال منه إلا ما سمع لو قلت: هو مني مجلسك، ومتكأ زيد، ومربط الفرس، ومعقد شراك النعل، ومعقد الشفرتين لم يجز، ولو لم يرد بها تمثيل القرب، والبعد، بل الحقيقة لم يجز لو قلت: هو مني مزجر الكلب تريد: المكان الذي يزجر فيه الكلب أو قلت: هو مني مقعد القابلة أي: في الموضع الذي قعدت فيه القابلة لم يجز، وحكى أبو الحسن: هو مني مكان السارية أي: من المنارة، فاستعمل في القرب.
وحكى سيبويه «هو مني مرأى ومسمعًا» بالنصب، وانتصاب هذه كلها على أنها ظروف مختصة شبهت بالمبهم، وهو إخبار عن المبتدأ
وأصل نصبها بالاستقرار، ولا ينصب إلا الظروف، وقيل الأصل: مكانًا مثل مكان مناط الثريا، وكذا باقيها يحذف في جميع ذلك الظرف المبهم، وأقيمت هذه الأسماء المشتقة من الفعل مقامه، فانتصبت لذلك على الظرف من قبل ما قامت مقامه لا من قبل أنفسها.
وقيل لما كانت هذه أمثال القرب والبعد، ولا يراد حقيقة اللفظ حمل على المعنى فقولهم: أنت مني مناط الثريا معناه: أنت مني مكانًا مباعدًا غاية البعد، وكذا معقد الإزار هو كناية عن غاية القرب، فكما لو تكلم بها جاز، فكذلك ما دل عليه، وهذا قول؛ سن وقال به ابن الطراوة، ويرجع ذلك كله إلى معنى المبهم.
وذهب الكسائي إلى أن انتصاب هذه الأسماء المختصة المشتقة من الفعل انتصاب الظروف مقيسًا ومعنى: «مقعد القابلة أي من النفساء».
ومعقد الإزار من المؤتزر، ومنزلة الولد من أبيه، ومنزلة الشغاف من القلب، ومقعد رابئ الضرباء من الضربى، ومناط الثريا من الدبران، أو من يد المتناول، ومزجر الكلب من الزاجر، فجميع ذلك يتعلق فيه منى الأولى بالظرف لما تضمنه من معنى الفعل، لوقوعه موقع الخبر أي هو كائن مني.
وتتعلق (من) الثانية بنفس اسم المكان لما فيه من الدلالة على الفعل الذي اشتق منه، وتعلق (من) الأخيرة باسم المكان هو مذهب سيبويه، وزعم ابن خروف أن حرفي الجر يتعلقان بمحذوفين تقديره: قرب زيد مني قرب الشغاف من القلب، وبعد مني بعد مزجر الكلب من الزاجر.
وذهب بعض النحاة إلى أن المختص الذي لا شكل له ولا صورة كمزجر الكلب، ومقعد القابلة، ونحوه هو على حذف الجار، كأمرتك الخير، وإذا لم تذكر من الثانية فقلت: هو مني مناط الثريا يتعلق مني بمحذوف وهو خبر أي: أنت من اتباعي، ومناط الثريا خبر ثان، وقيل: بما في الظروف من البعد والقرب كأنك
قلت: هو قريب مني، والمجرور يعمل فيه المعنى.
وإن تقدم كقوله:
............... … كل فؤاد عليك أم
أي مشفق عليك، فقدم عليك على (أم).
فصل
الظروف بالنسبة إلى التصرف وعدمه أقسام، والتصرف أن يستعمل غير ظرف، فمن الكثير التصرف: مكان، ويمين، وشمال، وذات اليمين، وذات الشمال تقول: اجلس مكانك، ومكانك حسن.
وجلس يمين زيد، وشمال بكر، ويمين الطريق أسهل، وشمالها أقرب، وقال تعالى: «ذات اليمين وذات الشمال».
وقالت العرب: منازلهم يمينًا وشمالاً، وتقول: دارك ذات اليمين، ومنازلهم ذات الشمال، وقال تعالى: «عن اليمين وعن الشمال قعيد»، وإذا كان مكانك بمعنى بدلك فلا يتصرف، ويأتي ذكره مع ما لا يتصرف.
القسم الثاني: ما هو متوسط التصرف، وهو الجهات الست غير فوق.
وتحت وذلك أمامك، وقدامك، ووراءك، وخلفك، وأسفل، وأعلا قرئ «والركب أسفل منكم».
وفي الترشيح: تقول: إن أسفل الدار آجرًا، تجعله ظرفًا، وإن أعلا الدار آجر، لأن هذا اسم لا ظرف والظروف تؤخذ سماعًا ولا تقاس.
انتهى.
وزعم الجرمي أنه لا يجوز استعمال الجهات الست إلا ظرفًا، ولا يقاس على استعمالها أسماء، ونقل عنه أيضًا أنه لا يجوز استعمال خلف، وأمام، اسمين إلا في الشعر هذا نص النقل عنه، والقياس يقتضي التسوية بينهما وبين الجهات غير فوق وتحت.
وذهب الفارسي إلى أن استعمال خلف، وأمام، ظرفين أحسن من استعمالهما اسمين، واستعمال المتوسط أسماء يكون بلا تجوز نحو: خلفك مجدب، وراؤك أوسع لك، ويتجوز في نحو: زيد خلفك؛ إما على جعل (زيد) مجازًا، وإما على إضمار أي: مكان زيد خلفك، والمعرفة والنكرة في هذا سواء عند البصريين، ومذهب الكوفيين أن ظرف المكان عندهم لا يكون عندهم لا يكون إلا معرفة بالإضافة نحو: زيد خلفك أو تشبيهًا للمعرفة نحو: زيد خلف حائط، فإن قيل قعدت وراء وقداما وخلفًا، فقد تقدم أن ذلك في مذهبهم ليس ظرفًا بل معنى: وراء وخلفًا: متأخرًا، وقدامًا متقدمًا، ومكانا طيبًا، وبقعة صالحًا تربًا فقولك: رأيتك مكانًا طيبًا معناه: تربًا ومغتبطًا، فنصب هذا على الحال، وتقدم في باب المبتدأ: أن الظرف إذا كان خبر مضافًا إلى معرفة، والمبتدأ اسم موضع جاز فيه الرفع والنصب نحو: داري خلفك وخلفك، أو لغير ذلك وجب النصب نحو: زيد خلفك.
ومن متوسط التصرف (بين) قالوا: هو بعيد بين المكنبين، نقي بين الحاجبين، وقال تعالى: «مودة بينكم» في قراءة من أضاف، وقال تعالى: «لقد تقطع بينكم» في قراءة من رفع.
وزعم الفراء أن بين إذا تصرف فيها لم تستعمل مرفوعة اللفظ، ولا منصوبة، إنما
تكون في موضع رفع، أو نصب مع كونها بحركة الفتحة، وأن تصرفها إنما هو فيما كان أصلاً أن ينتصب على الظرف، وقال: ولذلك يسوغ إضمار (ما) في نحو:
فأدبرن كالجمع المفصل بينه …..................
فيجوز في (بينه) أن يكون في موضع رفع، لأنه اسم ما لم يسم فاعله، ويجوز إضمار (ما) فيكون اسم ما لم يسم فاعله، ولا يجوز حذف بين إذا وقعت بعد (ما) نحو قول العرب: مطرنا ما زبالة فالثعلبية، قال: تحذف (بين) بعدها، وهو يريدها وتقديره: ما بين زبالة إلى الثعلبية، فنابت زبالة عن بين، وجعل نصب بين فيها، ولزمت الفاء مكان إلى، ولا يصح غيرها من حروف العطف.
ولا يصح إسقاط (ما) من هذا المعنى عندهم لا يقال: مطرنا زبالة فالثعلبية.
انتهى.
(ما) عندي زائدة لازمة كما لزمت في قولهم: «آثرا ما» وإذا وقعت بين مكنيين، أو مكنى، وظاهر وجب تكرارها، وقد تكرر بين ظاهرين، ويشترط يبين في قولهم: بينا أنصفني ظلمني، وبينما اتصل بي قطعني قاله في الواضح.
وزعم ابن مالك أن (بين) قد تكون ظرف زمان، واستدل على ذلك بلفظ جاء في الأثر على عادته في إثبات القواعد النحوية بما روى من ذلك.
القسم الثالث: ما هو نادر التصرف، ومنه (وسط) فالظرف ساكن العين، والاسم متحركها، تقول العرب: زيد وسط الدار فهذا ظرف، وضربت وسطه فهذا اسم مفعول به.
والكوفيون لا يفرقون بينهما، ويجعلونهما ظرفين، وقال الفراء: إذا حسنت فيه (بين) كان ظرفًا نحو: قعدت وسط القوم.
وإن لم تحسن فاسم.
وعنه أيضًا: أن المسكن، والمحرك يكون اسمًا وظرفًا، وفرق بين ما يصلح فيه بين فمسكنة، وما لا يصلح فيه فمحركة، وجوز في كل واحد منهما الآخر.
وقال ثعلب: ما كان أجزاء تنفصل قلت فيه وسط تقول: اجعل هذه الياقوت وسط العقد، وهذه الخرزة وسط السبحة، ولا تقعد وسط القوم.
وما كان مصمتًا بلا أجزاء، ولا يتفرق قلت: احتجم وسط رأسك، وصل وسط الصحن، وقال: نحو من قول ثعلب، أبو علي أحمد بن محمد المرزوقي في شرحه لكتاب أبي علي لكذة الأصبهاني: وسط اسم الشيء الذي لا ينفك عن الشيء المحيط به جوانبه، ووسط بتسكين العين: اسم الشيء الذي ينفك عن الشيء المحيط به جوانبه.
انتهى.
ومما جاء وسط الظرف متصرفًا فيه قوله:
............... ….......... وسطها قد تفلقا
و: وسطه كاليراع............... …................ و: من وسط جمع............ …............... و (حيث) ذكر ابن مالك أنها مما ندر تصرفها، وأنشد ما لا حجة فيه، والصحيح أنها لا تتصرف لكنها جرت (بمن) كثيرًا، و (بفي)، شاذًا نحو: فأصبح في حيث التقينا شريدهم ….............
وبعلى قال: سلام بني عمرو علي حيث هامكم …................ وبالباء نحو: ............... … كان منا بحيث يعلو الإزار و (إلى) نحو: ................ … إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم وأضيفت (لدي) إليها في قوله: «لدي حيث ألقت» ولم تجيء فاعلاً، ولا مفعولاً به، ولا مبتدأ، وتبنى على الضم، وعند بني يربوع، وطهية: تبنى على الفتح على كل حال في الخفض، والنصب نحو: قعدت حيث قعد
زيد، و: «من حيث لا يعلمون» ولا تضم في لغتهم، وعند بني الحارث من أسد، وبني فقعس يخفضونها في موضع الخفض، وينصبونها في موضع النصب يقولون: «من حيث لا يعلمون»، وكان ذلك حيث التقينا، وزعم ابن سيده أن أصل حيث: حوث، وقال اللحياني: هي لغة طيئ يقولون: حوث عبد الله زيد، ومن العرب من يفتح حوث.
والجملة التي تضاف إليها حيث شرطها: أن تكون خبرية اسمية، أو فعلية مثبتة مصدرة بماض، أو مضارع مثبتين، أو منفيين بلم، أو (لا) فأما
............... … من حيث ما سلكوا..........
فـ (ما) زائدة، وذهب الزجاج: إلى أن حيث موصولة، وليست مضافة،
فهي في هذا بمنزلة (الذي) [توصل بالجمل فيكمل بها اسمًا، ولا موضع لها للجمل في الأصل، ولا يجوز على هذا أن يعمل عامل في صلة حيث كما لا يعمل في صلة الذي] ومذهب البصريين أنه لا يجوز إضافتها إلى المفرد، وما سمع من ذلك، نحو:
............ …............ حيث لي العمائم
نادر، وأجاز الإضافة إلى المفرد الكسائي، قياسًا على ما سمع من إضافتها إلى المفرد.
وقال ابن مالك: أندر من إضافتها إلى مفرد إضافتها إلى جملة مقدرة، واستدل ببيت ظاهره أنه لا حجة له فيه.
وذهب الأخفش إلى أن (حيث) تأتي ظرف زمان، وقد فرع الكوفيون صورًا على حيث منها: «حيث نلتقي طيب» حكم على حيث بالرفع، لأنه اسم المكان الذي خبره طيب.
وإن حيث زيد ضربت عمرا، وقال هشام: حيث زيد عمرو، وحيث زيد عمرو، وإن حيث أبوك كان أخاك، إن حيث أبوك قائم أخاك جالس، إن حيث أبوك قائمًا أخاك جالس، إن حيث أبوك قائمًا أخاك جالسا، إن حيث أبوك قائمًا أخاك جالس، إن حيث أبيك قائمًا أخاك جالس، ويجوز جالسًا، ومنع الأخفش، وأنت حيث زيد جالس واسعًا، لأن حيث لا تكون إلا ظرفًا، وأجاز الكسائي أن تكون اسمًا.
و (دون) إذا كان بمعنى ردئ، فليس بظرف حكى سيبويه: هذا ثوب دون أي ردئ.
ومثال ظرفيتها: جلست دون زيد، وزيد دونك يعني في الشرف، ولا يتصرف فيها بغير (من)، وندر تصرفها بغير (من) قال:
............... …............. والموت دونها
وقال الأخفش في قوله تعالى: «ومنا دون ذك» إن (دون) مبتدأ،
وبني لإضافته إلى مبني، وقال الفراء: سواك، ومكانك، وبدلك، ونحوك، ودونك، لا ستعمل أسماء مرفوعة، ولا ترفع على اختيار، وربما رفعوا قال ابن ثروان: أتاني سواءك، وقال الفراء: وسواك يجري مجرى قصدك، وحكى زيد سوى عمرو بمعنى حذاء عمرو، وقال: الرفع في (سوى) و (بدل) أقوى منه في (دون).
وقال ابن أصبغ: لا يجوز زيد دونك بالرفع عند سيبويه، وأنت تريد المكان، وأجازه غيره في كتاب الواضح: مررت بابن عشر، أو دونه، ومررت بابن عشر ودونه، ومنزلة بالحيرة أو دونها، وما مررت بابن عشر إلا دونه بالنصب، والخفض فيها والخفض مع الواو أسبق.
انتهى.
والذي عليه سيبويه، وأصحابه أنها لا تتصرف ومذهب الأخفش، والكوفيين أنها تتصرف قليلاً.
القسم الرابع: ما هو عادم التصرف، وذلك (فوق) و (تحت) نص الأخفش على أن العرب تقول: فوقك رأسك، وتحتك رجلاك، فينصبونه.
وقال بعض النحاة: فوقك رأسك، وفوقك قلنسوتك، وتحتك رجلك، وتحتك نعليك، أجاز الرفع فيما أخبر به عن الرأس والرجل.
وقال أحمد بن يحيى: هما سواء لا فرق ترتيبهما بالنصب، وقد تصرف فيهما (بمن) قال تعالى: «من تحتها الأنهار» و: «فخر عليهم السقف من
فوقهم» وشذ الجر بالياء في قوله: ............. … لست رهنًا بفوق ما أستطيع وقول سحيم: فشبهنني كلبًا ولست بفوقه … ولا دونه أن كان غير قليل وبعلى قال ............ … على فوق سبع......... (عند) لا تستعمل إلا مضافة، ولا يفارقها النصب على الظرفية إلا مجرورة بمن، وهي للحضور أو القرب حسًا، أو معنى، فمن الحضور الحسي والمعنوي: «قال الذي عنده علم من الكتاب» ومثال القرب الحسي: «عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى»، والقرب المعنوي: «وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار»، والمشهور كسر عينها، ويجوز فتحها وضمها، وبمعناها (لدى).
على الصحيح لا بمعنى لدن، وينبني عليهما المبتدأ لابتداء غاية وغيرها وقال تعالى: «وعنده مفاتح الغيب» «ولدينا كتاب ينطق بالحق».
وتقلب ألف (لدى) مع الضمير، وقد تقر معه، وإقرارها مع الظاهر هو الكثير، وقد تقلب فيقال: لدى زيد أجروه مجرى المضمر نحو: لديك ولديه، أنشد الفراء عن العرب:
بانت تشيم لدى هارون من حضن … خالاً يضيء إذا ما مزنه ركدا
أضيفت لدي إلى الجملة بخلاف (عند)، أنشد الفارسي:
وتذكر نعماه لدن أنت يافع … إلى أنت ذو قودين أبيض كالنسر
(لدن)
لأول غاية زمان نحو: لدن غدوة، وما رأيته من لدن ظهر الخميس، أو لأول غاية مكان نحو: و «آتيناه من لدنا» أي: من جهتنا ونحونا: وقيل (عند) لما هو حاصل أو في تقدير الحاصل، و (لدن) لما كان حاصلاً متصلاً، وأكثر استعمال (لدن) بمعنى (من)، ويقال: لدن ولدن، ولدن، ولدن ولدن،
ولدن، و (لد) ولد، ولد.
وفي بعض نسخ التسهيل (لت)، وأعرب اللغة الأولى وهي (لدن) قيس، وبذلك قرأ أبو بكر عن عاصم: «من لدنا» بجر النون، وإسكان الدال وإشمامها الضم، والأصل: من لدنه، وحكى أبو حاتم: «من لدنا» بضم الدال، وكسر النون، وتقول في النصب: لدنه ولدنه بضم الدال، وسكونها مشمه الضم، وتبجر المنقوصة إذا أضيفت إلى المضمر من لدنه ومن لدني، ولا يجوز «من لدك»، ولا من لده، ولا يبنى عليها المبتدأ، ويجر ما يليها بالإضافة لفظًا، إن كان مفردًا، أو تقديرًا إن كان جملة، ولا يضاف إلى الجمل من ظرف المكان إلا هي، و (حيث)، فتضاف إلى جملة الابتداء نحو:
وتذكر نعماه لدن أنت يافع …...............
وإلى الفعلية نحو:
لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم …..........
وجاءت (أن) زائدة بعدها في قوله وليت فلم نقطع لدن أن وليتنا …............... وقال ابن الدهان: ولا يضاف من ظروف المكان إلى الجمل إلا (حيث) وحدها ............. … لدن شب............. على إضمار (أن) كما صرح بأن في أراني لدن أن غاب رهطي وإخوتي ….............
وإن كان المفرد لفظ (غدوة)، فيجوز الجر على الأصل، وهو الأكثر، وقال يونس: بعضهم ينصب فيقول: لدن (غدوة)، ومع حذف النون تقول: لد غدوة، ويعني يونس غدوة لا كل اسم، قال سيبويه: لا ينصب (لدن) غير (غدوة) فلا تقول: لدن بكرة.
فأما
من لدن شولاً.............
فعلى إضمار (كان) الناقصة أي: كانت شولاً، وانتصاب (غدوة) قيل بـ (لدن) شبهت نونها وإن كانت من سنح الكلمة بالتنوين، فصارت تثبت تارة، وتحذف أخرى، فأشبهت ضاربًا، وقيل النصب على إضمار (كان) واسمها مضمر فيها، كما قال سيبويه: في (من لدن شولاً).
وروى الكوفيون رفع غدوة بعد (لدن) على إضمار (كان)، وقال ابن جني: شبهه بعضهم بالفاعل فرفع، فقال: لدن غدوة كما تقول في اسم الفاعل: ضارب زيد، وفي البديع لمحمد بن مسعود الغزني: المضاف إليه المحذوف من قولهم: لدن غدوة من غير ذكر جرى، كقولك: لي مثله رجلاً، لأن تقديره لدنها غدوة، ولذلك انتصب (غدوة) على التمييز، كما انتصب رجلا عليه.
وإذا عطفت على (غدوة) المنصوب بـ (لدن) فقلت: لدن غدوة وعشية، فقد أجاز أبو الحسن الجر في المعطوف والنصب وقال ابن مالك: النصب في المعطوف بعيد عن القياس.
والذي أختاره أنه لا يجوز في المعطوف إلا النصب.
(مع)
اسم لمكان الاصطحاب، أو وقته على حسب ما يليق بالمضاف، وتجر (بمن).
حكى سيبويه: ذهب من معه، وقرئ «هذا ذكر من معي» أي من قبلي، وحكى الفراء عن العرب: «إن الفضل ليكون مع القوم ثم يقوم من معهم».
وتقع خبرًا، وصلة، وصفة، وحالاً، ودالة على حضور نحو: «ونجي ومن معي»، وعلى قرب: إن مع اليوم أخاه غد، وحركته حركة إعراب، وكان قياسه البناء، وقد بناه بعضهم على السكون، وهي لغة لربيعة، وغنم بسكونه قبل حركته، ولم يحفظ سيبويه أن السكون لغة، فزعم أنه لا يكون إلا في الضرورة كقوله:
فريشي منكم وهواي معكم …............
وزعم أبو جعفر النحاس: أن الإجماع منعقد على صرفيتها، إذا كانت ساكنه، والصحيح كونها اسمًا إذ ذاك، وكلام سيبويه يشعر بذلك.
وإذا لقيت الألف واللام، أو ألف الوصل فعامة العرب على فتح إعراب كحالتها في حالة الإضافة، والكلمة ثنائية اللفظ حالة الإفراد، وحالة الإضافة.
وذهب يونس، والأخفش إلى أن الفتحة فيها كفتحة (تاء) (فتى)؛ وأنها حين أفردت رد إليها المحذوف، وهو لام الكلمة، فصار مقصورًا، وقال ابن مالك وهو الصحيح.
والصحيح عندي مذهب الخليل، وسيبويه، والأكثر في (معًا) النصب على الحال، ووقوعها خبرًا للمبتدأ قليل نحو:
............ وأهوائنا معًا …...............
و:
............... …............... حاجاتنا معا
وقال بعضهم في نحو: وأهواؤنا معا أنه حال، والخبر محذوف تقديره: كائنة معا، وليس بصحيح.
(شطر)
بمعنى (نحو) لا تتصرف.
وأهمل ذكره أكثر النحاة قال تعالى: «فولوا وجوهكم شطره» أي نحو البيت وجهته، وقد جر (نحو) بعضهم بمن قال:
أظلكم من شطر ثغركم …..........
والشطر مشترك بين نصف الشيء، والجزء منه والجهة، وقالت العرب: في يمينها لا والذي وجهي رسم بينته أي نحو بيته، وجهته، فاستعملت رسما بمعنى نحو: ظرف مكان.
(بدل)
لا بمعنى بديل، لم يذكر الكوفيون أنه يكون ظرف مكان إنما ذكره البصريون تقول: هذا بدل هذا، أي مكان هذا: مكان بمعنى (عوضك) وسواك بمعنى مكانك لا تتصرف، وتقدم قول الفراء في شيء من هذا القسم الثالث.
(بين بين)
............ وبعـ … ـض القوم يسقط بين بينا
أي بين هؤلاء، وبين هؤلاء، أزيلت الإضافة، وركب الاسمان تركيب خمسة عشر، ولو أضيف على (بين بين) تعين زوال الظرفية، فتقول: همزة (بين بين)، وخطأ أبو الفتح قول من قال: همزة بين بين بالفتح.
ولو أضيف صدر (بين بين) إلى عجزها، جاز بقاء الظرفية كقولك من أحكام الهمزة: التسهيل وزوالها كقولك: التسهيل بين بين أقيس من الإبدال.
(حول)
وحوال، وحولى، وحوالي وأحوال تقول: هم حواليك وكذا باقيها، ولا تشفع التثنية هنا الواحد، وقالت العرب: القوم حواليك، والناس أحوالك، والناس جنبيك وجنانبيك، فثنوا المحل، وجمعوه حروفًا مختصة لا يقاس عليها غيرها.
قالت العرب: القوم أقطار البلاد، ولا يقال: القوم نواحي الأرض قياسًا على أقطار البلاد، كما لا يقاس على القوم جنبيك: القومي ديك، ورجليك، وكفيك وعضديك، وما يشبهه.
(هنا) وهناك، وهنالك، وهنا، وهنا، وهنت وثم تقدم الكلام عليها في آخر باب الإشارة، (صددك)، وصقبك، ووزن الجبل، وزنة الجبل ذكر سيبويه انتصابها ظروفًا، وهم قرابتك ينبغي أن تتصرف إذ قياس كل ظرف أن يتصرف إلا إن نقل أنه مما يلزم أن يكون ظرفًا.
فصل
المصدر المتصرف، والظرف لزمان، أو مكان المتصرف يجوز أن يتسع فيهما، فيجع لمفعولاً به مجازًا تقول: ضربتك الضرب زيدًا، انتصب الضرب على أنه مفعول به مجازًا، وتقول: سرت اليوم تنصبه على التوسع نصب المفعول به، وكذلك سرت ميلاً، والتوسع يكون في ظرف المكان المتصرف، كما يكون في ظرف الزمان، وفي البسيط: التوسع في ظرف المكان لا يطرد بخلاف ظرف الزمان، ويقال: نحي نحوك، وقصد قصدك، وأقبل قبلك رفعوا، فدل على نصب التوسع.
ولا يجوز في ضربت خلفك، فتجعله مفعولاً، فتوسع الفاعل والمفعول غير مطرد في المكان.
انتهى.
وتقدم أن من مذهب الكوفيين أن الظرف إذا كان العمل في جميعه فلا ينصب ظرفًا، وإن كان في بعضه جاز أن ينتصب على الظرف، وعلى التشبيه بالمفعول به ولم يفصل البصريون، بل أجازوا فيهما أن يكون مفعولا به على السعة، ويجوز أن يجمع بين مصدرين فأحدهما متسع فيه إذا اختلفا بالوصف، أجاز سيبويه: سير عليه أيما سيرًا شديدًا، وإذا اتسع في المصدر جاز أن يضمر فتقول: الكرم أكرمته زيدًا، تجمع بين الضمير والمفعول به، وإذا اتسع في الظرف، فأضمرته كان غير مقرون (بفي) نحو قوله في ظرف الزمان:
ويوم شهدناه سليمًا وعامرًا ….............
ظرف المكان
ومشرب أشربه وشيل … لا آجن الطعم ولا وبيل
مشرب اسم مكان الشرب، ومن مثل سيبويه: سير عليه فرسخان، وإذا أضمر الزمان والمكان، لم يقع خبرًا لمبتدأ منصوبًا كما يقع الظرف تقول: يوم الجمعة سفري فيه، ولا تقول سفري إياه، ولا تقول اليوم إن سفري إياه، ولا اليوم كان سفري إياه، وكذلك ظرف المكان إنما يكون ذلك بفي.
ولذلك منع أبو الحسن أن يقال: أما الليلة فالرحيل إياها، وذلك للجمع بين اتساعين، وهما على خلاف الأصل الأول والاتساع في حذف العامل، وهو مستقر، والثاني حذف في، والتصرف يشمل ما كان مشتقًا نحو: المشتى والمصيف، والمضرب، وما في أوله ميم من المصدر والظرف، وما كان انتصب من المصادر انتصاب الظرف نحو: خفوق النجم، ومقدم الحاج، وما قطع من الظرف عن الإضافة، وعوض مما أضيف إليه التنوين نحو ساعتئذ، وحينئذ كل هذا يجوز فيه التوسع.
ويضعف التوسع في صفة الظرف نحو: سرت قليلاً إلا إن وصفت، وقد يحسن في بعضها إذا كثر فيها التصرف نحو: قريب، ولا تجرى صفة المصدر هذا
المجرى في الاتساع ويسوغ الاتساع الإضافة إلى المصدر وإلى الظرف نحو: ما ضارب الضرب زيدًا، وقوله تعالى: «بل مكر الليل والنهار»، «تربص أربعة اشهر»، ويا سائر الميل، والإسناد إليهما نحو: سير عليه أيما سير، وولد له ستون عامًا، وسير عليه فرسخان.
وإذا توسع في واحد فلا يتوسع فيه نفسه مرة أخرى، مثال ذلك أن تضيف إليه ثم تنصبه نصب المفعول به.
ومن النحاة من ذهب إلى أنه لا يتوسع في شيء من الأفعال إلا إذا حذف المفعول الصريح، إن كان التوسع في المعنى، وإن كان توسعًا في اللفظ جاز مطلقًا، والاتساع على وجهين.
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف فإذا قلت: صيد عليه يومين، فأردت وحسن يومين جاز بلا خلاف.
والآخر: أن يجعل اليومين مصيدين مجازًا، وهذا مذهب سيبويه والجمهور.
وذهب ابن كيسان إلى أن الاتساع إذا كان على هذا الوجه الثاني هو حصر الفعل في الظرف، فإذا قلت: يوم الجمعة صمته، فالمعنى أنك اعتمدته بالصوم، ولم تصم غيره وإذا قلت: صمت فيه احتمل أن يكون صمت فيه، وفي غيره، وكذلك إذا قلت: سير عليه فرسخان، فالتقدير أنه لم يسر إلا الفرسخين لا غيرهما، ولا يجوز سير عليه مكان.
والمصدر إن اتسع فيه فانتصب نصب الظرف، نحو: سير عليه خفوق النجم، فإما على إرادة زمن، وإما على جعل الخفوق حينًا، ولا يكون ذلك في ظرف المكان لو قلت: سير عليه ضرب زيد «تريد مكان ضرب زيد» لم يجز،
والعامل في التوسع فيه هو الفعل، أو ما جرى مجراه من الأسماء، فإن كان العامل في الظرف حرفًا أو اسمًا جامدًا بما فيه من معنى الفعل، وهو قليل فلا يتوسع فيه مع شيء منها، والتوسع بالنسبة على العامل يجوز.
وإن كان الفعل متعديًا إلى ثلاثة، أو اثنين أو واحد، أو كان لازمًا، وهذا مذهب الأخفش، والجمهور وظاهر كلام سيبويه.
وذهب أكثر النحاة فيما نقل ابن عصفور إلى جواز ذلك في اللازم، وفيما يتعدى إلى واحد، وفيما يتعدى إلى اثنين لا فيما يتعدى إلى ثلاثة.
وذهب بعض النحاة إلى أنه لا يجوز الاتساع إلا مع اللازم ومع المتعدي إلى واحد فقط، قال ابن عصفور: وهذا غير صحيح، وزعم أنه لا يسمع الاتساع إلا مع اللازم، ومع المتعدي إلى واحد.
فرع: هل يتسع في الظرف مع كان وأخواتها، هو مبني على الخلاف هل تعمل في الظرف أو لا، فإن قلنا: لا تعمل فلا يتوسع، وإن قلنا: يجوز أن يعمل فيه، فالذي يقتضيه النظر أنه لا يجوز التوسع فيه معها.