ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسيصفحات 1237-1276

ينصبن الاسم بعدهن، وهن يرفعن الخبر، هذا مذهب البصريين، وذهب الكوفيون، وتبعهم السهيلي إلى أن الخبر باق على رفعه الذي كان عليه قبل دخولهن؛ فإن للتوكيد، ولذلك أجيب بها القسم، كما يجاب باللام وذلك في قولك: لزيد قائم، وقال الفراء: إن مقدرة لقسم محذوف، استغنى به عنه، والتقدير: «والله إن زيدًا قائم».
وأن المفتوحة قالوا: معناها التوكيد، وتميم وقيس يبدلون من همزتها عينًا.
ولكن للاستدراك قيل: وللتوكيد، والاستدراك هو لخبر توهم أنه موافق لما قبله في الحكم، فأتى به لرفع ذلك التوهم ولتوكيد الأول، وتحقيقه تقول: ما قام زيد لكن عمرًا قاعد، لما قال: ما قام زيد توهم أن عمرًا مثله لنسبة بينهما، أو ملابسة ونحو: لو قام فلان لفعلت، لكنه لم يقم، أكدت ما دلت عليه لو، ثم إن كان ما بعدها موافقًا لما قبلها، فالإجماع على أنه لا يجوز نحو: زيد قائم لكن عمرا قائم؛ وإن كان نقيضًا، أو ضدًا جاز نحو: ما هذا متحرك لكنه ساكن، وما هذا أسود لكنه أبيض، وإن كان خلافًا، ففي جوازه خلاف، وفي تصحيح المنع، أو الجواز خلاف نحو: ما هذا آكل لكنه شارب.
و «لكن» بسيطة عند البصريين منتظمة من خمسة أحرف، مركبة عند

الفراء من «لكن» و «أن»، فطرحت همزة (أن) وسقطت نون لكن حيث استقبلت ساكنًا، وعن الكوفيين أنها مركبة من (لا) و (أن)، و (الكاف) زائدة، والهمزة محذوفة، وقيل هي مؤلفة من «لا» وكأن، والكاف للتشبيه و (أن) على أصلها، ولذلك وقعت بين كلامين لما فيها من نفي لشيء، وإثبات لغيره، وكسرت الكاف لتدل على الهمزة المحذوفة وإلى هذا ذهب السهيلي.
و (كأن) للتشبيه مركبة من كاف، ومن (أن) واعتنى بحرف التشبيه، فقدم، ففتحت همزة (أن)، هذا مذهب الخليل، وسيبويه، وجمهور البصريين، والفراء، وقال بعض البصريين هذا خطأ، والأولى أن يكون حرفًا بسيطًا، وضع للتشبيه كالكاف، ودعوى ابن هشام: الإجماع على تركيبها غير صحيحة، ومن ذهب إلى التركيب اختلفوا، فقال أبو الفتح: لا يتعلق بشيء، وإن كانت هي حرف جر، وذهب الزجاج إلى أن الكاف الجارة في موضع رفع، فإذا قلت: كأنني أخوك، ففي ذلك عنده حذف، وتقديره: كإخوتي إياك موجود، ولا تكون الكاف على هذا مقدمة من تأخير، وزعم الكوفيون، والزجاجي أن (كأن) تكون للتحقيق، وزعم الكوفيون أيضًا، والزجاجي

وتبعهم ابن الطراوة، وابن السيد: أنه إذا كان الخبر صفة، أو فعلاً، أو جملة أو كانت (كأن) للشك نحو: ظننت، وتوهمت.
وجعل ابن الأنباري من ذلك قولهم: كأنك بالشتاء مقبل أي أظن الشتاء مقبلاً، وجعل الكوفيون هذا وقولهم: كأنك بالفرج آت، مما (كأن) فيه للتقريب، وكذا قول الحسن: «كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل»، قالوا: المعنى على تقريب إقبال الشتاء، وتقريب إتيان الفرج، وتقريب زوال الدنيا، وتقريب وجود الآخرة، والصحيح أن (كأن) لا تفارق التشبيه، وخرج الفارسي هذه على أن (الكاف) حرف خطاب، والباء زائدة في اسم كأن، وخرجه غيره على حذف مضاف «أي كأن زمانك مقبل بالشتاء»، وخرج قول الحسن على أن الباء ظرفية، وخبر كأن هو قوله: لم تكن ولم تزل، وخرجه ابن عصفور على إلغاء «كأن» لما لحقتها كاف الخطاب، وما بعدها مبتدأ، زيدت فيه الباء، كما زيدت في «بحسبك درهم»، وخرج أيضًا قول الحسن وقولهم: كأني بك تفعل، وقول الحريري: «كأني بك تنحط»، على أن المجرور خبر كأن؛ أي ملتبس بك، والفعل في موضع الحال، والحال لازمه كهي في قوله تعالى: «فما لهم عن التذكرة معرضين» ويدل على ذلك صلاحية واو الحال نحو:

كأني بك وقد طلعت الشمس، وقد تدخل (كأن) للتنبيه، والإنكار والتعجب تقول: فعلت كذا وكذا كأني لا أعلم، وفعلتم كذا وكذا كأن الله لا يعلم ما تفعلون.
و «لعل» للترجي في المحبوب، وللإشفاق في المحذور، ويعبر أصحابنا عن الإشفاق بالتوقع، ولا تدخل «لعل» إلا على الممكن لا يقال: لعل الشباب يعود، ومن الإشفاق قوله تعالى: «فلعلك باخع نفسك»، وزعم الكسائي والأخفش: أنها تأتي للتعليل، تقول: افرغ لعلنا نتغذى؛ أي لنتغذى، وزعم الكوفيون أ، ها تكون للاستفهام، ونص النحاس عن الفراء، وقال الفراء أيضًا، وأبو عبد الله الطوال لعل شك، وكل هذا خطأ عند البصريين، وفي البديع: ذهب بعضهم إلى أن الفعل الماضي لا يقع خبرًا للعل تقول: لعل زيدًا قام أبوه، والمذهب جوازه، ومنه قولهم: أريد أن أمضي إلى فلان لعله خلا بنفسه، وتقول في الخبر يرد عليك: لعلي سمعت هذا، وحكى الأخفش لعل زيدًا سوف يقوم، ولم يجز: ليت زيدًا سوف يقوم انتهى.

و «ليت» للتمني، وتكون في المستحيل والممكن نحو: ليت الشباب عائد، وليت زيدًا قادم، ويقال: لت بإبدال الياء تاء، وإدغامها في التاء، ولا تكون في الواجب لا تقول: ليت غدًا يجيء، والترجي والتمني من باب الإنشاء فيشكل تعليقهما بالماضي، وقد جاء الماضي خبرًا لهما قال تعالى: «قالت يا ليتني مت قبل هذا» وقال الشاعر: لعلك يا حدراء لمت …............ ومنع من وقوع الماضي خبرًا للعل مبرمان، وقال في الغرة تقول: أريد المضي إلى فلان لعله خلا بنفسه، وهي حكاية حال يدل عليه عطف المضارع عليه فتقول: لعله خلا بنفسه، فأحدثه، أو فيحدثني رفعًا ونصبًا ولو قلت: فحدثته كان خطأ ولا أرى الماضي يمتنع، وتقول: صفحت عن فلان فيقال: لعله خدمك، ولا يحسن لعله يخدمك، وكذلك تقول في الخبر يرد عليك، لعلي سمعت هذا.
انتهى.
وامتنعوا من الجمع بين ليت، وسوف؛ فلا يقولون: ليت زيدًا سوف يقوم، وجاء ذلك مع لعل قال: فقولا لها قولاً رقيقًا لعلها … سترحمني من زفرة وعويل وحكى الأخفش: لعل زيدًا سوف يقوم، ولا يجوز أن تقضي هذه الحروف إلا خبرًا واحدًا، وهو الذي يلوح من مذهب سيبويه، وقيل يجوز تعداد أخبارها.

فصل

المشهور رفع أخبار هذه الحروف، وذهب ابن سلام في طبقات الشعراء، وجماعة من المتأخرين إلى جواز نصبه، والكسائي إلى جوازه في ليت، وكذا في نقل عن الفراء، وعنه أيضًا في ليت، وكأن، ولعل، وزعم ابن سلام أنها لغة رؤبة وقومه، وحكى عن تميم أنهم ينصبون بلعل، وسمع ذلك في خبر إن، وكأن، ولعل، وكثر ذلك في خبر ليت حتى عمل عليه المولدون قال ابن المعتز: مرت بنا سحرا طير فقلت لها … طوباك يا ليتني إياك طوباك ولم يحفظ في خبر (إن)، ولا خبر لكن، وما لا تدخل عليه (ما دام) لا تدخل عليه هذه الحروف، وخصت (ما دام)؛ لأن خبرها لا يكون مفردًا طلبيًا نحو: أين [زيد]، وفي دخول (إن) على ما خبره نهي خلاف، صحح

ابن عصفور جوازه في شرحه الصغير للجمل، وتأول ذلك في شرحه الكبير في قوله: ......... … إن الرياضة لا تنصبك للشيب وعلى المنع نصوص شيوخنا، وقال في شرحه الصغير لكتاب الجمل: «أما الجملة غير المحتملة للصدق والكذب، ففي ووقعها خبرًا لهذه الحروف خلاف، والصحيح أنها تقع في موضع خبرها انتهى»، فأطلق ولا يصح أن يكون الخلاف في «ليت»، ولا لعل، ولا كأن وإن ألحق لكن بأن فيمكن.
وفي النهاية: يجوز إدخال إن، وأن على أن المصدرية من غير فصل نحو: إن (أن) تزورنا خير لك، وعلمت أن أن تطيع الله [أحسن] وذكر دخول ليت على أن من غير فصل، ومذهب الأخفش في قياس لعل على ليت في ذلك، ثم قال: ولا يبعد أن يجوز دخول «لكن» على (أن) نحو: لم يعجبني قيامك، ولكن أنك جالس يعجبني... انتهى.

ولا يتقدم خبرهن عليهن، ولا على اسمهن، إلا إن كان ظرفًا أو مجرورًا، فيجوز، وقد يجب نحو: إن في الدار ساكنها، وإن عند هند بعلها، ويقدر العامل فيها بعد الاسم، ولو توسط بينها وبين اسمها بمعموله جاز نحو: إن بك كفيلين أخواك؛ فإن أدخلت اللام على الخبر، وكان ظرفًا، أو مجرورًا، ففي جواز ذلك خلاف وصحح أصحابنا المنع، والصحيح الجواز، ففي كتاب سيبويه، وتقول: إن بك زيدًا مأخوذ، وإن فيك زيدًا لراغب، وإن اليوم زيدًا منطلق، كأنك لم تذكر بك، ولا فيك، ولا اليوم.
وقصر الأخفش جواز ذلك على المسموع فلا يجيز: إن حتى اليوم زيدًا مقيم، أو حالاً، فلا يجوز الفصل، وأجازه أبو علي الجلولي في النكت التي له على الإيضاح قال: (فإذا قلت: إن زيدًا قائم ضاحكًا، جاز أن تقول: إن ضاحكا زيدا قائم ثم قال نحو: إن في الدار زيدًا مقيم، و «في الدار» متعلق بمقيم قال: ومنع قوم التفرقة بين إن واسمها بالحال انتهى فأما قوله: كأن وقد أتى حول كميل … أثافيها حمامات مثول

فجملة اعتراض، وقال ابن مالك، عاملوا الحال معاملة الظرف فأولوها كأن.
وفي النهاية: يجوز إن عندك يومك زيدًا مقيم تفصل بظرفين، وقال الله تعالى: «إن لي عنده للحسنى» انتهى.
والظرف والمجرور الواقعان خبرًا يشترط فيهما أن يكونا تامين، وزعم الفراء أنهما يقعان ناقصين خبرًا في اللفظ، معمولين للمتعلق في المعنى، والمتعلق حال في اللفظ، وهو خبر في المعنى فتقول: إن زيدًا بالجارية كفيلاً، وإن زيدًا اليوم قائمًا، وقال ابن الأنباري: حكى ذلك الكوفيون مع الناقص عن العرب، ويقولون: إن النصب مع التام أكثر انتهى.
وهذا متفرع من باب المبتدأ والخبر ويجيزون: عبد الله بالجارية كفيل، فالرفع في كفيل واجب عند البصريين، وهو المختار عند الكوفيين، وزعموا أن من العرب من ينصب كفيلاً.
ويجوز حذف أسماء هذه الحروف في فصيح الكلام: إذا دل على ذلك دليل نحو قوله: ............ … ولكن زنجي......

و: فليت دفعت............ …............. أي، ولكنك زنجي، وفليتك دفعت، ولا يخص ذلك بالشعر خلافًا لزاعم ذلك، فإن كان ضمير الشأن، فحكى جواز حذفه سيبويه عن الخليل نحو: إن بك زيدًا مأخوذ، وحكى الأخفش: إن بك مأخوذ أخواك (أي إنه بك زيد) وينبغي فيما حكى الأخفش أن يكون المحذوف غير ضمير الشأن، بل ضمير المخاطب،

وذكر سيبويه: «إن إياك رأيت، وإن أفضلهم لقيت، ثم قال: فأفضلهم منتصب بلقيت وهو قول الخليل، ولم يجزه الفراء، قال؛ لأنه لا يكون الاسم الواحد معمولاً لعاملين، وذلك تصريح من سيبويه بالجواز دون ضرورة، وقال ابن عصفور لا يجوز حذف ضمير الشأن إلا ضرورة، وقال أيضًا: «ذهب جمهور البصريين إلى أنه يحسن حذفه في الشعر، ويقبح في الكلام، إلا أن يؤدى حذفه [إلى أن يلي إن وأخواتها فعل، فإنه يقبح في الكلام، وفي الشعر، وذهب أبو الحسن على أنه يحسن حذفه] في الشعر والكلام، إذا لم يؤد حذفه إلى أن يكون بعد (إن) وأخواتها اسم يصح عملها فيه نحو: إن في الدار قائم زيد، فإن أدى إلى ذلك نحو: إنه زيد قائم، فلا يجوز حذفه إلا إن كان ذلك الاسم لفعل بعده، أو بمبتدأ رفع ظاهرًا سد مسد خبره؛ فإنه يجوز نحو: إن أفضلهم كان زيد، وإن في الدار جلس أخواك.
وذهب الكسائي، والفراء، إلى أنه لا يجوز حذفه، إذا أدى إلى أن يكون بعد إن وأخواتها اسم يصح عملها فيه سواء أكان معمولاً لفعل متأخر أم مبتدأ، قد رفع ظاهرًا سد مسد خبره، أم لم يكن، فإن وقع بعدها فعل تقدم معموله ظرفًا أو مجرورًا نحو: إن في الدار قام زيد، وإن عندك جلس عمرو فذهب الكسائي إلى أن (إن) مبطلة في اللفظ عاملة في مضي الفعل، وقال الفراء اسم إن في المعنى، وعن الأخفش أيضًا، والجرمي إجازة حذفه في الكلام، وأجاز الجرمي: (إن فيها قائم أخواك)، على رفع قائم أخوك فاعل سد مسد خبره، و «قائم» المبتدأ، وأجاز أيضًا: «إن فيها قائمان أخواك» على أن «أخواك» مبتدأ خبره قائمان، ومذهب

البصريين أن جميع هذه الحروف في حذف ضمير الشأن سواء، على ما قرر، والكوفيون إنما ذكروا ذلك في (إن)، ولم يتعدوا ذلك إلى غيرها، كليت وكأن، وباقيها.

فصل

في حذف خبر (إن) وأخواتها للعلم به ثلاثة مذاهب، أحدها: الجواز، وسواء أكان معرفة أم نكرة، وهو مذهب سيبويه قال: يقول الرجل للرجل: هل لكم أحد إن الناس [ألب] عليكم فيقول: إن زيدًا، وإن عمرًا أي إن لنا.
الثاني: مذهب الكوفيين اختصاص جواز حذفه؛ بأن يكون نكرة، نقله عنهم الأخفش الصغير.
الثالث: مذهب الفراء جواز حذفه معرفة كان أو نكرة، إلا أن شرط جواز الحذف التكرير نحو: إن محلاً وإن مرتحلاً …............ والصحيح مذهب سيبويه، ويجوز: إن رجلاً وزيدًا، خلافًا للكوفيين، وإن رجلاً أخاك على حذف الخبر، وفاقًا لهشام والبصريين، وخلافًا للفراء وتقول: إن غيرها إبلاً وشاء.

قال سيبويه: غيرها اسم إن، وإبلاً، وشاء تمييز، والخبر محذوف أي لنا غيرها، ولا يجوز أن يكون اسم «إن» إبلاً وشاءً، وغيرها حال، ولا أن يكون إبلاً وشاء بدلاً من (غيرها)، [فإنه يجوز نحو: إن أفضلهم كان زيد، وإن في الدار جالس أخواك.
وذهب الكسائي والفراء إلى أنه لا يجوز حذفه إذا أدى إلى أن يكون بعد إن وأخواتها اسم يصح عملها فيه؛ سواء أكان معمولاً لفعل متأخر أم مبتدأ قد رفع ظاهرًا سد مسد خبره أم غيرها] وقد تسد (واو) المصاحبة مسد الخبر، حكى سيبويه: «إنك ما وخيرا» أي مع خير، وما زائدة، وحكى الكسائي «إن كل ثوب لو ثمنه» بإدخال اللام على الواو لسدها مسد مع والحال، كما سدت مسده في باب الابتداء نحو: إن ضربي زيدًا قائمًا، وإن أكثر شربي السويق ملتوتًا، والتزم حذف خبر ليت في قولهم ليت شعري، ويليه جملة استفهام، فشعري اسم

ليت، و (شعري) من أفعال القلوب، فجملة الاستفهام في موضع المفعول على سبيل التعليق، والخبر محذوف تقديره ثابت، أو واقع، أو موجود، وشعر: إنما يتعدى بالباء تقول: شعرت به، والمصدر: شعرة بالتاء، لكنه استعمل مع ليت بغير تاء، وإطلاق أبي على: أن (شعري) ملغي عني به التعليق.
وذهب الزجاج إلى أن الجملة الاستفهامية في موضع رفع خبرًا لليت، وهو ظاهر قول سيبويه، وقيل شعري بمعنى مشعوري أي معلومي، والجملة نفس المبتدأ في المعنى فلا يحتاج إلى رابط، وقيل معمولة لشعري، وسدت مسد الخبر، والذي أذهب غليه أن هذا الكلام مراعي فيه المعنى، لا اللفظ، والمعنى: ليتني أشعر بكذا، كما راعوا المعنى في قولهم: سواء علي أقمت أم قعدت، راعوا قيامك وقعودك.
قال ابن مالك: وجملة الاستفهام متصلة بشعري أو منفصلة بجملة اعتراض.
انتهى.
وقد جاء الفصل بالمصدر في قوله: ليت شعري ضلة … أي شيء قتلك وبعن في قوله:

يا ليت شعري عن نفسي أزاهقة …............ وتقول العرب: ليت شعري بزيد أقائم، وليت شعري عن زيد أقائم، قامت (عن) مقام الباء، لما في الشعور بالشيء من الكشف عنه، وقال الكسائي، العرب تقول: ليت شعري زيدًا ما صنع انتهى.
نصب زيدًا على إسقاط حرف الجر، والاسم مجرورًا، أو منصوبًا معمول لشعري، والجملة بعد المنصوب والمجرور، إما في موضع خبر ليت وإما في موضع البدل، الخبر محذوف كما كانت في عرفت زيدًا أبو من هو، على قول أبي العباس، وقد يخبر هنا عن النكرة بالنكرة بشرط الفائدة نحو قوله: وإن شفاء عبرة مهراقة …......... وقال سيبويه: إن ألفًا في دراهمك بيض، وإن بالطريق أسدًا رابض، وعن

النكرة بالمعرفة، حكى سيبويه إن قريبًا منك زيد، وإن بعيدًا منك زيد، وقال: وإن عناء أن تفهم جاهلاً ….......... وإذا قلت: إن قائمًا، ويقعد أخواك، لم يجز عن الكوفيين، ولا تقتضي قواعد البصريين جوازه، وقال ابن كيسان هو عندي جائز، ولو قلت: إن ذاهبًا وجائيًا أخوك، لم يجز أن يفرق بينهما فتقول: إن ذاهبًا أخوك، وجائيًا، إن كانت الواو جامعة، ويجوز إن أردت أنها من صفة اثنين، أي وجائيًا أخوك، كما تقول: إن زيدًا أخوك وعمرًا، تريد: وإن عمرًا أخوك، ولا يجوز إن قائمًا أخوك ويقعد، ولو قلت: إن قائمين أخواك فيها، وإن فيها قائمين أخواك قيامًا حسنًا، لم يجز عند الكوفيين، وأجازه البصريون، ولا يجوز: إن قائمًا الزيدان، خلافًا للأخفش والفراء، ووهم صاحب البسيط فحكى جواز هذا عند البصريين، وحكى أن الكوفيين لا يجيزون إلا أن تقول: إن قائمين الزيدان، ولا يجيزون إفراد الاسم، ثم نقل الخلاف في موضع آخر على الصواب.
وفي الإفصاح: يجوز على مذهب أبي الحسن، والكوفيين في كان، وإن، وظننت، أن يعتمد اسم الفاعل عليها فتقول: إن ضاربًا زيد، وعمرو، وكان ضارب زيد وعمرو، ويجوز عندهم أن يضمر الأمر ويرفع، وكذلك ظننته ضارب زيد وعمرو، ويجيزون النصب بعد ظننته؛ لأنه مفعول ثان، وسد مسد الجملة المفسرة، ولم يسمع من هذا كله شيء، فلا يجوز عند جمهور البصريين وتقول: إن

في الدار يقوم زيد، فالكسائي يقول: إن مبطلة لا اسم لها، ويجيز إن لي غلام، والفراء يقول اسمها يقوم تقديره: إن في الدار قائمًا زيد، وسيبويه يقول: فيها إضمار الشأن.

فصل

إذا فتحت همزة (إن) أولت عند أكثر النحاة بمصدر، فإذا كان خبرها فعلاً، أو اسمًا ملاقيًا للفعل في الاشتقاق، قدرت بمصدر من لفظ ذلك الفعل، وذلك الاسم نحو: بلغني أنك تنطق، أو منطق أي بلغني الانطلاق، وإن كان ظرفًا أو مجرورًا، قدر مصدر من لفظ الاستقرار العامل فيها نحو: بلغني أنك عند زيد، أو في الدار أي بلغني استقرارك عند زيد، أو في الدار؛ فإن كان جامدًا، قدر الكون أي بلغني أن هذا زيدًا؛ أي كون هذا زيدًا، وذهب السهيلي إلى أنها لا تتقدر بالمصدر، وإنما هي في تأويل الحديث.
كذا قال سيبويه، وإنما التي في تأويل المصدر (أن) الناصبة للفعل، وأما المشددة فلا، ألا ترى أن خبرها يكون اسمًا محضًا نحو: علمت أن الليث الأسد، فهذا لا يشعر بالمصدر لأنه لا فعل له.
انتهى.
والمشهور أنها تتقدر بالمصدر كما قررنا؛ فإن لزم تقديرها بالمصدر فتحت وجوبًا، وقد يأتي موضع يجوز فيها الفتح والكسر على تقديرين، ويأتي إن شاء الله تعالى.
وعد النحاة حيث تكسر فقالوا: تكسر إذا كانت مبدوءًا بها لفظًا ومعنى نحو: إن زيدًا قائم، وقد أجاز بعضهم أن يبدأ بها مفتوحة نحو: أن زيدًا فاضل عندي، وتقدم ذلك في باب الابتداء، وبعد ألا نحو: ألا إن زيدًا قائم، قال الفارسي، وأصحابنا: وصلة للاسم الموصول نحو قوله تعالى: «وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة».

وعلى رأي سيبويه: إن جواب قسم، والقسم وجوابه هو الصلة، وتكسر جواب قسم وجوبًا، وسواء أكان في خبرها، أو اسمها اللام، أم لم تكن هذا مذهب البصريين، وأجاز الكسائي، والطوال، والبغداديون الفتح والكسر، واختاروا الفتح، وأجازهما آخرون، واختاروا الكسر، وأوجب الفراء الفتح، والذي يظهر لي أن هذا الخلاف في الفتح إنما هو إذا لم يكن في الخبر، أو الاسم اللام.
ومحكية بالقول في لغة من لا يفتحها بعده قال الله تعالى: «إني منزلها عليكم»، وواقعة بعد واو الحال نحو: جاء زيد، وإن يده على رأسه، وموقع خبر اسم عين نحو: زيد إنه ذاهب» خلافًا للفراء قال: لا يقال في الكلام: «إن أخاك إنه ذاهب»، ومنعه هذا يستلزم منع: زيد إنه ذاهب، وقيل لام معلقة نحو: «والله يعلم إنك لرسوله»، وبعد حيث نحو: اجلس حيث إن زيدًا جالس، وإذا لزم التأويل بالمصدر فتحت، وذلك بعد (لو)

نحو: لو أنك قائم لقمت، التقدير: لو قيامك، ومذهب البصريين قيل: أو جمهورهم على أنه في موضع رفع على الابتداء، والخبر واجب الحذف، وعن البصريين أيضًا لا خبر له، لجريان المسند، والمسند إليه في الذكر، وقال الكوفيون، والمبرد، والزجاج، وتبعهم الزمخشري وجماعة: هو في موضع رفع على الفاعلية أي لو ثبت قيامك، وما ذكره ابن هشام عن البصريين، أن خبر «أن» بعد (لو) لا يكون إلا فعلاً، أو اسم فاعل فلا يجيزون: لو أن زيدًا أخوك لأكرمتك، لعله لا يصح لثبوت ذلك اسمًا جامدًا في القرآن، وفي كلام العرب، وبعد لولا قال تعالى: «فلولا أنه كان من المسبحين»، وتقدم الخلاف في المرفوع بعد لولا في باب الابتداء، أو بعد (ما) التوقيتة، قال العرب: لا أكلمك ما أن في السماء نجمًا، ولا أفعل ما أن حراء مكانه (أي ما ثبت) كذا قدره ابن مالك، وفي موضع مرفوع نحو: بلغني أنك منطلق، أو مجرور بحرف نحو: عجبت من أنك منطلق، أو بإضافة نحو قوله: ............ … … كآبة أنها فقدت عقيلا

أو منصوب لا يكون خبرًا نحو: عرفت أنك منطلق؛ فإن كان في موضع خبر في الأصل كسرت نحو: حسبت زيدًا إنه قائم، وفي النهاية: زيد قائم كما أن عمرًا جالس، وأنت صديقي مثل ما أنك مكرمي، يجب فتح إن، وإن كان يجوز أن يجيء هنا المبتدأ والخبر فتقول: زيد قائم كما عمرو جالس.
انتهى.
وإذا لم يلزم التأويل بالمصدر جاز الفتح والكسر من ذلك ما ذكره سيبويه: أول ما أقول أني أحمد الله، فمن فتح أن قدرها بالمصدر كأنه قال: أول ما أقول حمد الله، فأول مبتدأ، وأني أحمد الله في موضع الخبر، وما مصدرية، فإن جعلت (ما) موصولة بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، فأجاز ذلك ابن خروف، والصحيح منعه، ومن كسر، فمذهب الجمهور أنه خبر عن أول قولي، وتكون الجملة مقولة، وهو المتفهم من كلام سيبويه، أو خبر عن قول مضمرة، والجملة معمولة له التقدير: أو ما أقول قولي: إني أحمد الله، وروى هذا عن عضد الدولة ابن بويه ممن أخذ عن الفارسي، أو إني أ؛ مد الله معمول لقولي هذا المذكورة أولاً، والخبر محذوف، [وهو قول الفارسي أو معمول لأول ما أقول والخبر محذوف]، وهو قول الأستاذ أبي علي، أو أول مبتدأ لا يحتاج إلى خبر، وهو قول بعض أصحابنا.

وبعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا إن الأسد رابض، فالكسر على عدم التأويل بالمصدر، والفتح على تأويله أي فإذا ربوض الأسد، وتقدم الكلام في خبر المبتدأ بعد إذا الفجائية، وبعد فاء الجزاء نحو: من يقصدني فإني أكرمه، فالكسر على الأصل، والفتح على إضمار مبتدأ، وهي ينسبك منها مصدر، يكون الخبر أي فجزاءه إكرامه، وأما إذا وليها ظرف أو مجرور، فإن بعده تفتح، وتكسر نحو: أما عندك أو في الدار، فإن زيدًا قائم؛ فالفتح على تقدير: فقيام زيد، فذلك في موضع مبتدأ، والظرف أو المجرور في موضع خبره، والكسر على استقلال الجملة، وبعد أما نحو: أما أنك ذاهب، فالكسر على أن أما للاستفتاح كألا، والفتح على أن الهمزة للاستفهام، و «ما» بمنزلة حق، وذلك أن (ما) عامة جعلوها بمنزلة شيء ذلك الشيء حق كأنك قلت: أحقًا أنك ذاهب، وانتصابه على الظرف، وأجاز ابن مالك الفتح في أن، على أن تكون (أما) للاستفتاح، وأنك ذاهب في موضع مبتدأ خبره محذوف تقديره؛ أما معلوم ذهابك، وهذا شيء خالف فيه النحاة، وقدره سيبويه: أعلم والله أنك ذاهب، وهو عندي تفسير معنى، وقدره الفراء، وأبو العباس، وجماعة أحلف بالله أنك ذاهب.

وبعد حتى فالكسر على أن (حتى) حرف ابتداء نحو: مرض حتى إن الطير يرحمه، والفتح على أن تكون عاطفة، أو جارة نحو: عرفت أمورك حتى أنك فاضل، فيتقدر بالمصدر كأنه قال: حتى فضلك أو حتى فضلك، وفي النهاية: أن تفتح وتكسر بعد أي المفسرة: يقول إنسان: أنا أسير بالليل في المفاوز وحدي فتقول له: أي: «إني نجد»، والنجد: الشجاع، فالكسر على أن تكون الجملة مفسرة لكلام؛ لأن معنى قوله: «أي إني نجد» كأنه قال إني نجد، والفتح على أن يكون من تمام كلامه أي «لأني نجد» واللام معلقة بالفعل الذي في كلامه؛ لأن المعنى: أني لأسير لأني نجد، وكذلك إني أنحر العشار، وأقرى الضيوف، فتقول: أي إني كريم على الوجهين.
انتهى.
ومما تفتح فيه إن قولهم: شد ما أنك ذاهب، وعز ما أنك منطلق، فقيل (ما) زائدة لازمة، وشد وعز فعلان، وأنك في موضع الفاعل أي شد ذهابك، وعز انطلاقك، وقيل: تركب الفعل مع ما، وغلب الحرف، ووضع موضع المصدر المنصوب على الظرف، كأنك قلت: شديدًا ذهابك، وعزيزًا انطلاقك، أي فيما يشق ويعز كما قالوا: حقًا أنك ذاهب، فانتصب على الظرف، وقيل شد، وعز بمنزلة نعم، (فما) على هذا تامة، كما ذهب بعضهم إلى ذلك في نعم كأنه قال: شد العمل ذهابك، وعز العمل انطلاقك، وقيل ما تمييز لمضمر في شد وعز، وإنك

ذاهب خبر مبتدأ محذوف، وقيل: ولا يكون مبتدأ؛ لأن أن لا يبتدأ بها.
وبعد لا جرم، وجرم عند سيبويه فعل بمعنى حق، وزعم الخليل أن «جرم» إنما تكون جوابًا لما قبلها من الكلام، يقول الرجل: كان كذا وكذا، وفعلوا كذا وكذا فتقول: لا جرم أنهم سيندمون، أو سيكون كذا وكذا، و (ما) بعد لا جرم مرفوع على الفاعلية، والوقف على «لا» عند سيبويه، ولا يجوز أن توصل بجرم؛ لأنها ليست نفيها، وذهب الفراء إلى أن «جرم» بمعنى كسب ركبت مع (لا)، وصارت بمنزل لا بد، ولا محالة، ولا تقف على (لا)، وأن بعدها على تقدير (من) كما تقولك لا بد أنك ذاهب أي من أنك ذاهب، وبعد (مذ) و (منذ) تقول ما رأيته مذ أن الله خلقني، هذا باتفاق، واختلفوا في كسرها بعدهما، فمنهم من صرح بجوازه، وهو مذهب الأخفش، ومنهم من صرح بامتناعه، وصحح ابن عصفور الجواز.

فصل

اختلفوا في اللام الداخلة على الخبر نحو: إن زيدًا لقائم، فمذهب البصريين أنها لام الابتداء، وهي التي في قولك: لزيد قائم، واختلفوا في علة تأخيرها، وذهب الكسائي إلى أنها لام توكيد للخبر، وأن توكيد للاسم، وربما جاءوا بها في الخبر، وليس ثم أن، وذهب الفراء إلى أنها للفرق بين الكلام الذي يكون جوابًا لكلام مضى على الجحد، نحو: ما زيد قائم فتقول: إن زيدًا لقائم، وبين ما لا يكون جوابًا، بل مستأنف أخبار.
وذهب معاذ بن مسلم الهراء، وأحمد بن يحيى إلى أن قولك: إن زيدًا منطلق جواب ما زيد منطلقًا، وإن زيدًا لمنطلق جواب ما زيد بمنطلق، و (إن) بإزاء (ما)، واللام بإزاء الباء، وذهب هشام، وأبو عبد الله الطوال إلى أن اللام جواب للقسم، والقسم قبل (إن) محذوف، وحكى هذا أيضًا عن الفراء.
وتدخل اللام على اسم (إن) المفصول بينها وبينه بالخبر نحو: إن في الدار لزيدًا، أو بمعمول الخبر بخلاف نحو: إن في الدار لزيدًا راغب، فإن فصل بينهما بمعمول الاسم نحو: إن في الدار لساكنها زيد، ففي جواز ذلك نظر،

وحكى الكسائي دخولها على الاسم غير مفصول بشيء حكى عن العرب: خرجت فإذا إن لغرابا، وهذا شاذ، وينبغي تأويله على حذف الخبر أي: فإذا إن بالمكان لغراباً، وعلى الخبر المؤخر عن الاسم اسمًا كان نحو: إن زيدًا لقائم، وشذ دخولها عليه منفيًا بلا، أو ظرفًا نحو: إن زيدًا لعندك، أو مجرورًا نحو: إن زيدًا لفي الدار.
فإن كان حرف الجر حتى، أو (إلى)، فمنع من دخولها عليهما الفراء، وأجازه البصريون وهشام نحو: إن سيرك لحتى الليل، أو لـ (إلى) الليل، أو جملة فعلية مصدرة بمضارع مثبت نحو: إن زيدًا ليقوم [أو منفي بلن، أو بلا، أو بما، فلا تدخل نحو: إن زيدًا لن يقوم، أو لا يقوم، أو ما يقوم] أو بحرف التنفيس، وهو سوف فتدخل عند البصريين نحو: إن زيدًا لسوف يقوم، خلافًا للكوفيين، فإنهم لا يجيزون ذلك.
وقال بعض أصحابنا: وأما السين فامتنعت العرب من إدخال اللام عليها، وإن كانت كحرف من حروف الفعل، ولذلك لا يفصل بينها وبين الفعل كراهية توالي [الحركات في «ليتدحرج» مضارع تدحرج، ثم حمل على ذلك مما لا تتوالي] عليه الحركات.
انتهى.
وأجازه السيرافي تقول: لسيقوم، أو مصدرة بماضي منفي فلا تدخل عليه نحو: إن زيدًا ما قام، أو مثبت متصرف مصحوب بقد، فتدخل عند الجمهور نحو: إن زيدًا لقد قام، خلافًا لخطاب بن يوسف الماردي، ومحمد بن مسعود

الغزني، فإنهما منعا من دخول لام الابتداء عليه، وزعما أنها لام جواب قسم محذوف، أو خال من قد، فلا تدخل، نقل المنع صاحب الغرة عن البصريين والكوفيين، قيل: وأجاز ذلك الكسائي، وهشام على إضمار قد، وأجاز الفراء: إن زيدًا للقد قام، جمعًا بين لامي توكيد، ومنع ذلك البصريون، وأجاز الزجاج، وخطاب الماردي: إن زيدًا لقام، على أنها لام جواب قسم محذوف، أو جامد نحو: نعم، وبئس، وعسى، فمذهب سيبويه أنها لا تدخل، ومذهب الكوفيين، وكثير من أصحابنا أنها تدخل، وعن الأخفش جواز: إن زيدًا لنعم الرجل، ولبئس الرجل، وينبغي أن يتثبت فيه حتى يصح عن العرب.
فأما معمول الخبر؛ فإن تأخر فلا يجوز دخول اللام عليه، فإن أدخلت اللام على الخبر جاز دخولها على معموله المتأخر عند الزجاج نحو: إن زيدًا لقائم لفي الدار، ومنع ذلك المبرد، وإن تقدم على الخبر ظرفًا، أو مجرورًا، فيجوز دخول اللام عليه عند سيبويه والبصريين، ومنعه الكوفيون، وقالت العرب: إن زيدًا

لبك مأخوذ، وقال الفراء: قبيح أن تقول: إن عبد الله لليوم خارج، فإذا دخلت عليهما نحو: إن زيدًا لفي الدار لقائم، جاز ذلك عند المبرد، ولزجاج، وعنهما المنع كالكوفيين، وإن كان المعمول مفعولاً به، فقد مثلوا به فأجازوا: إن زيدًا لطعامك آكل، ومثل في النهاية: بمثل ذلك حتى بقوله: إن زيدًا عبد الله لهو ضارب، وقال: كل ذلك جائز.
انتهى.
وينبغي أن يتوقف حتى يسمع في المفعول به، ولا يقاس ذلك على الظرف والمجرور، أو معمولاً لخبر، هو فعل ماض لم تدخل عليه قد نحو: إن زيدًا به وثق، لم تدخل اللام عليه، وأجاز ذلك الأخفش، فأجاز لبك وثق.
أو حالاً، فالجمهور على منع دخول اللام عليها، فلا يجوز إن زيدًا لضاحكًا قائم، وأجاز ذلك بعضهم، ولم يسمع، فإن كان الظرف، أو الحال متأخرين عن العامل فيهما، وتأخر الاسم عنهما نحو: إن عندك لفي الدار زيدًا، وإن عندي لقائمًا صاحبك، فقال ابن خروف: القياس أن يجوز لتعلق الظرف، والحال بما قبل الاسم، وأما إن زيدًا لقائمًا في الدار، فلا سبيل إليه إلا باللام، ولا بإسقاطها.
انتهى.
وإطلاق قولهم معمول الخبر يدخل فيه المصدر، والمفعول من أجله، فتقول: إن زيدًا لقيامًا قائم، وإن زيدًا لإحسانًا يزورك، وينبغي أن لا يقدم على جواز ذلك إلا بسماع، على أنه نقل عن البصريين جواز دخول اللام على الحرف، وما دخل عليه إذا كان علة للفعل نحو: كي، وأن، فتقول: إن زيدًا لكي يقوم معترض، وإن زيدًا

لأن لا يغضب يأتيك، ومنع ذلك الفراء، وفي الغرة: ذكروا أن هذه اللام لا تدخل على النواصب، ولا على الجوازم، وإنما تدخل على الحرف الملغاة فمنعوا من قولهم: إن زيدًا لكي تقوم معطيك، وأجازوا إن زيدًا كي تقوم ليعطيك، ولو تعرض لهذا بصري لأجاز هذه المسألة على قول من قال: (كيمه) كما تقول: إن زيدًا لفي الدار قائم انتهى، وجعل صاحب الغرة مذهب البصريين في (كي) وأن إذا كانا علة، وتقدم نقلنا جواز دخول اللام عليهما عند البصريين.
وقال في الغرة وتقول: إن زيدًا لما لينطلقن الأولى، لإن، والثانية للقسم وزيدت (ما) فيه فاصلة، وإن فصلت (بمذ) وما بعدها بين الاسم، وإن فلا تدخل اللام على مذ قاله الفراء، وقال الكسائي: إذا كان الفعل أخذًا للوقت الذي بعده كله، دخلت اللام على (مذ) نحو قولك: إن زيدًا لمذ يومان سائر؛ لأنه يسير اليومين، ولا يجوز: إن زيدًا لمذ يومين غائب، وزعم الفراء أنه لا يجوز: إن زيدًا لأظن قائم، ولا إن زيدًا لغيرك قائم، ولا إن اعترض الشرط بين اسمها والخبر نحو: إن زيدًا لئن شاء الله قائم.
وتدخل اللام أيضًا على الفصل نحو قوله تعالى: «إن هذا لهو القصص الحق»، ولا يتعين لإمكان أن يكون مبتدأ، وعلى أول الجملة الاسمية في نحو: إن زيدًا لوجهه حسن، ودخولها على خبره متأخرًا شاذ، حكى أبو الحسن: إن زيدًا وجهه لحسن، أو متقدمًا نحو: إن زيدًا لآتيه أبوه فلا يجوز، وإن دخلت اللام على التأكيد نحو: إن زيدًا لنفسه قائم، ففيه نظر.
ولا تدخل على خبر إن، إذا كان جملة شرطية نحو: إن زيدًا إن تكرمه

يكرمك، ونحو: إن هندًا من يكرمها تكرمه، ولا على جواب الشرط لا تقول: إن زيدًا من يأت إليه ليحسن إليه، نص على المنع الكسائي، والفراء، وأجاز ذلك ابن الأنباري، ولا على واو المصاحبة عند البصريين، وأجازه الكسائي فتقول: إن ل ثوب لو قيمته، ولا على خبر لكن خلافًا للكوفيين، ولا تدخل على الاسم، إذا تقدم الخبر عليه اتفاقًا فلا تقول: لكن عندي لزيدًا، ولا على خبر إن خلافًا للمبرد، وإدعاء ابن مالك الإجماع على أنه لا يجوز دخول اللام على خبر إن ليس بصحيح، بل هو مسموع في النظم، وفي النثر، وقد قرئ به في قوله تعالى: «إلا أنهم ليأكلون الطعام» بفتح أن، ولا على واو القسم، لا يقال: إن زيدًا لو الله ليقومن، ولا على واو الحال السادة مسد الخبر نحو: إن

شتمى زيدًا والناس ينظرون خلافًا للكسائي؛ فإنه أجاز: «لو الناس ينظرون» ولا على الحال الصريحة السادة مسد الخبر نحو: إن أكلي التفاحة نضيجة، خلافًا للكوفيين، فإنهم أجازوا النضيجة، وقالت العرب: لهنك لقائم، فذهب سيبويه، وابن السراج، وجماعة، وقد نسب إلى الفارسي: أن اللام في لهنك لام اليمين، والثانية التي في الخبر هي لام إن، وذهب أبو الفتح، وبعض النحويين، واختاره ابن مالك إلى أنها لام الابتداء، لما أبدلت همزة (إن) هاء فتغير لفظها، جاز الجمع بين حرفي توكيد قال أبو الفتح: واللام الثانية زائدة نحو: لهنك لرجل صدق.
وذهب قطرب، والفراء والمفضل بن سلمة، والفارسي، واختاره ابن عصفور إلى أن الأصل: له إنك فهما جملتان، ومعنى له والله، وإن جواب القسم فحذفت همزة (إن) تخفيفًا، فصار لهنك، وحكى أبو زيد: أن أبا أدهم الكلابي قال له ربي لا أقول ذلك، يريد: والله، وحكى قطرب: له بالإسكان، فجاز أن تكون الهمزة، ألقيت حركتها على الهاء، وحذفت الهمزة، وشذ زيادتها في خبر المبتدأ في نحو قوله:

أم الحليس لعجوز شهربه وفي خبر أمسى في قوله: ............... …............ أمسى لمجهودا وفي خبر ما زال في قوله وما زلت............ … لكالهائم............

وفي معمول رأي، حكى قطرب أراك الشاتمي أو ما في قوله: ............ … وما أبان لمن أعلاج سودان أي من أعلاج، وعند الكوفيين: أن اللام في (لمن) بمعنى إلا، وتقول إن زيدًا لقائم، وإن زيدًا لينطلقن، فهذه لام قسم فكأنه قال: والله لقام، والله لينطلقن، وليست لام ابتداء، فإن أدخلت علم على أن في هذه فتحت فقلت: علمت أن زيدًا لقام، وعلمت أن زيدًا لينطلقن، ولا يجوز الكسر لأنها ليست لام تأكيد، فتعلق الفعل، ويجوز دخول اللام على كأن قال: ثمت يغدو لكأن لم يشعر وتقول: إن زيدًا لكأنه أسد.

فصل

مذهب سيبويه، والأخفش، أن (إن) ترادف نعم، فلا إعمال لها، واختاره ابن مالك، وأنكر ذلك أبو عبيدة، وهو اختيار ابن عصفور، وتأولوا ما ورد مما ظاهره أنها بمعنى نعم، ويجوز أن تخفف إن، فتكون كالمشددة عملاً، وأحكامًا إلا أنها لا تدخل على المضمر، كان ضمير أمر لا مثبتًا، ولا محذوفًا أو غيره، فلا تقول إنك إلا في ضرورة، وذهب الكوفيون إلى أنها لا يجوز تخفيفها ألبتة لا معملة، ولا مهملة؛ لأن الخفيفة عندهم هو حرف ثنائي الوضع ناف، وليس مخففًا من الثقيلة، وعند البصريين هذه المخففة هي التي أصلها إن المشددة، والسماع يشهد لمذهب البصريين في تخفيفها، وإعمالها، ويجوز عندهم أن تهمل، فتليها الجملة الابتدائية، والجملة الفعلية، فالابتدائية إن كان الخبر منفيًا لم تدخل عليه اللام، فهو كحاله قبل أن تدخل إن الخفيفة؛ فإن كان مثبتًا دخلت اللام في المبتدأ إن تأخر نحو: إن في الدار لزيد، أو في الخبر إن تأخر نحو: إن زيد لقائم، فإن كان الخبر فعلاً ماضيًا، فلا يجوز في إن إلا التثقيل فتقول: إن زيدًا ذهب، ولا يجوز إن زيد ذهب، ولا إن زيد لذهب، ومذهب سيبويه، والأخفشين أبوي

الحسن، وأكثر نحاة بغداد: أن هذه اللام لام الابتداء، التي كانت مع المشددة، لزمت للفرق بين التي هي لتأكيد النسبة، وبين إن النافية، وهو اختيار أبي الحسن بن الأخضر من أئمة بلادنا، وابن عصفور، وابن مالك، ومذهب الفارسي: أنها ليست لام الابتداء، بل لام أخرى اجتلبت للفرق، وهو اختيار أبي عبد الله بن أبي العافية، والأستاذ أبي علي، وأبي الحسين بن أبي الربيع، وقيل: إن دخلت على الجملة الاسمية كانت لام الابتداء، ولزمت للفرق، أو على الفعلية، كانت غيرها فارقة، وثمرة الخلاف بين القولين الأولين، أنها إن كانت لام الابتداء وجب كسر همزة إن في مثل: قد علمنا إن كنت لمؤمنًا، وإن كانت غيرها جاءت للفرق، وجب فتح همزة إن، والجملة الفعلية هي الفعل الناسخ المثبت من باب كان غير ليس، ولا الواقع صلة، فلا تدخل على ليس، ولا على ما أوله حرف نفي، ولا على ما دام، ومن باب ظن غير الذي لا ينصرف، فلا تدخل على (هب) ونحوها.
وتلزم اللام ما وقع في اللفظ ثانيًا من معمولي كان، ومعمولي ظن وأخواتها، ولا تدخل على ما خبره منفي في باب كان، ولا على ما ثانيه منفي في باب ظن وسواء في ذلك الفعل المضارع والماضي قال تعالى: «وإن كانت لكبيرة إلا على الذين» «وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين»، «وإن نظنك لمن الكاذبين» «وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك»، ودعوى ابن مالك: أنه

إذا كان بلفظ المضارع يحفظ، ولا يقاس عليه، ليست بشيء وقد جاءت اللام محذوفة في قول الشاعر: ............. … وإن مالك كانت كرام المعادن وفيما روى في الحديث: «إن كان رسول الله (يحب الحلوى والعسل»، أي لكرام المعاد، وليحب، وذلك لدلالة الكلام على أن الخبر مثبت، لا منفي، وأما قولهم: إن قنعت كاتبك لسوطًا، و: ......... إن قتلت لمسلمًا ….......

وإن تشينك لنفسك، وإن تزينك لهية، وقراءة عبد الله: «إن لبثتم إلا قليلا»؛ فإن عند البصريين هي المخففة من الثقيلة.
وقال الأخفش: يقاس على ذلك، فيجوز: إن قعد لأنا، وإن ضرب زيدًا لعمرو، كما جاز إن كان صالحًا لزيد، وإن ظننت عمرًا لصالحًا، وعند غيره من البصريين هو من القلة بحيث لا يقاس عليه، وأما الكوفيون فنقل عنهم ابن مالك أن (إن) الداخلة على الجملة الاسمية، وعلى الجملة الفعلية من ناسخ، أو غيره هي (إن) النافية، واللام في جميع هذه الصور للإيجاب بمعنى (إلا)، ونقل غيره أن الكسائي قال: إن دخلت على الأسماء كانت المخففة من الثقيلة، كما قاله البصريون، وعلى الأفعال كان (إن) بمعنى (ما)، واللام بمعنى إلا، وأن الفراء قال: إن بمنزلة (قد) إلا أن (قد) تختص بالأفعال، و (إن) تدخل على الأسماء والأفعال.
وتخفف لكن، فيبطل إعمالها، وتليها الجملة الاسمية والفعلية، ونقل أبو القاسم بن الرماك، وابن مالك، عن يونس جواز إعمالها مخففة، ونقله ابن مالك أيضًا عن الأخفش، وحكى بعضهم عن يونس أنه حكى فيها العمل.

وتخفف (أن) فلا تعمل عند الكوفيين، لا في ظاهر، ولا مضمر، لا ضمير أمر محذوف، ولا غيره، وعن الفراء قال: لم تسمع العرب تخفيف (أن)، وتعمل إلا مع المكني نحو: فلو أنك في يوم الرخاء سألتني …...... وأما مع الظاهر فلا.
انتهى.
وأما البصريون فزعم بعض أصحابنا أنه يجوز أن تعمل في الاسم الظاهر من غير اضطرار، ولا ضعف، ونقله صاحب رءوس المسائل عن البصريين، وينبغي أن يخص بمضمر محذوف، ولا يلزم أن يكون ضمير الشأن، كما زعم بعض أصحابنا؛ بل إذا أمكن تقديره بغير قدر، قال سيبويه في «وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا» بأنك قد صدقت، وفي قولهم: «أرسل إليه أن ما أنت، وذا» (أي بأنك ما أنت وذا).
وقال بعض أصحابنا: لا يبرز الضمير اسمها إلا في اضطرار نحو: بأنك ربيع وغيث مريع ….......

وأجاز سيبويه: أن تلغي لفظًا وتقديرًا، كما ألغيت إن إذا خففت، وتكون حرفًا مصدريًا لا تعمل شيئًا، وإذا خففت وليتها الجملة الاسمية، والفعلية، فالاسمية مجردة نحو: علمت أن زيد قائم، وأن ما زيد قائم، وقال سيبويه: ولا يكادون يتكلمون به بغير الهاء، فعلى قوله: يكون «أن زيد قائم» قليلاً، والكثير: أنه زيد قائم، ومصدرة (بلا) نحو: أن لا إله إلا هو، أو بأداة شرط نحو: فعلمت أن من تثقفوه فإنه ….......... أو برب نحو: تيقنت أن رب امرئ خيل خائنا …....

جارٍ التحميل