ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسيصفحات 1-40

ارتشاف الضرب من لسان العرب

لأبي حيان الأندلسي (المتوفى: 745 هـ)

تحقيق وشرح ودراسة: رجب عثمان محمد مراجعة: رمضان عبد التواب

الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة

الطبعة: الأولى 1418 هـ - 1998 م

[الجزء الأول]

بسم الله الرحمن الرحيم قال سيدنا الشيخ العالم العلامة المحقق الصدر القدوة أثير الدين أبو حيان ابن سيدنا الشيخ أبي الحجاج محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي النفزي غفر الله له.
الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين.
أما بعد: فإن علم النحو صعب المرام، مستعص على الأفهام، لا ينفذ في معرفته إلا الذهن السليم، والفكر المرتاض المستقيم، وكان من تقدمنا قد انتزع من الكتاب تآليف قليلة الأحكام، عادمة الإتقان والإحكام، يحلها النقد، وينحل منها العقد، وربما أهملوا كثيرًا من الأبواب وأغفلوا ما فيه من الصواب، فتآليفهم تحتاج إلى تثقيف، وتصانيفهم مضطرة إلى تصنيف.
ولما كان كتابي المسمى بالتذييل والتكميل في شرح التسهيل قد جمع من هذا

العلم ما لا يوجد في كتاب، وفرع بما حازه تآليف الأصحاب، رأيت أن أجرد أحكامه، عارية إلا في النادر من الاستدلال والتعليل، وحاوية لسلامة اللفظ، وبيان التمثيل؛ إذ كان الحكم إذا برز في صورة المثال، أغنى الناظر عن التطلب والتسآل.
ونفضت عليه بقية كتبي، لأستدرك ما أغفلته من فوائده، وليكون هذا المجرد مختصًا عن ذلك بزوائده، وقربت ما كان منه قاصيًا، وذللت ما كان عاصيا، حتى صارت معانيه تدرك بلمح البصر، لا تحتاج إلى إعمال فكر، ولا إكداد نظر، وحصرته في جملتين: الأولى: في أحكام الكلم قبل التركيب.
الثانية: في أحكامها حالة التركيب.
وربما انجر بعض من أحكام هذه من أحكام الأخرى لضرورة التصنيف، وتناسب التأليف، وقصدت بذلك - يعلم الله - تسهيل ما عسر إدراكه على الطلاب، وتحصيل ما أرجوه في ذلك من الأجر والثواب.
ولما كمل هذا الكتاب خلوا مبانيه من التثبيج والتعقيد، حلوًا معانيه للمفيد والمستفيد، سميته «ارتشاف الضرب من لسان العرب»، ومن الله أستمد الإعانة، وأستعد من إحسانه لصواب المقال والإبانة

الجملة الأولى في الأحكام الإفرادية ونقدم القول في مواد الكلم: وهي حروف الهجاء وتسمى حروف المعجم، وحروف العربية عددًا، ومخرجًا، وصفة فعددها سبعة وعشرون حرفًا، خلافًا للمبرد في زعمه أن الهمزة ليست منها، والمخارج ستة عشر، خلافًا لقطرب، والجرمي، والفراء، وابن دريد، في زعمهم أنها أربعة عشر.

ومحل الخلاف هو: مخرج اللام، والنون، والراء: فمذهب هؤلاء أنه مخرج واحد، ومذهب الجمهور أنها ثلاثة مخارج، وهو الصحيح لتباينها عند الاختبار.
فالمخرج الأول أقصى الحلق وهو: الهمزة، والهاء، والألف على رتبة واحدة، خلافًا لأبي الحسن في زعمه أن الهمزة أول، وأن الهاء والألف في رتبة واحدة، وخلافًا لأبي العباس أحمد بن عمار المهدي، وغيره في زعمهم أن الهمزة أول وهي: من أول الصدر وآخر الحلق، وهي أبعد الحروف مخرجًا، ثم الألف تليها، وهي صوت لا يعتمد [له]، ثم الهاء بعدها، وخلافًا لمن زعم أن الهاء قبل الهمزة في المرتبة، وأنها أدخل إلى

الصدر، وخلافًا لأبي الحسن شريح في زعمه أن الألف هوائية لا مخرج لها، فحروف الحلق عنده ستة، وقد روى هذا عن الخليل.
المخرج الثاني: وسط الحلق وهو: العين والحاء، وظاهر كلام سيبويه أن الحاء بعد العين، وهو نص كلام مكي بن أبي طالب، ويظهر من كلام المهدوي أن العين بعد الحاء، وهو نص أبي الحسن شريح.
المخرج الثالث: أدنى الحلق إلى الفم، وهو للغين والخاء ويظهر من كلام سيبويه أن الغين قبل الخاء، وهو قول أبي الحسن، ونص مكي على تقدم الخاء فيه

على الغين، وزعم ابن خروف أن سيبويه لم يقصد ترتيبًا فيما هو من مخرج واحد.
المخرج الرابع: أول أقصى اللسان وهو للقاف، وهو مما يلي الحلق، وما فوقه من الحنك، وقال شريح: القاف مخرجها من أول اللهاة مما يلي الحلق، ومخرج الخاء.
المخرج الخامس: ثاني أقصى اللسان، وهو للكاف من أسفل مخرج القاف، من اللسان قليلاً، وما يليه من الحنك.
المخرج السادس: وهو للجيم والشين والياء، وهي من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك، خلافًا للخليل في الياء، إذ زعم أنها هوائية لا مخرج لها كالألف، ويظهر أن الجيم قبلها، خلافًا للمهدوي في زعمه أن الشين تلي الكاف، والجيم والياء يليان الشين.

المخرج السابع: وهو للضاد، وهي من أول حافة اللسان وما يليه من الأضراس من الجانب الأيسر عند الأكثر، أو الأيمن عند الأقل، وكلام سيبويه يدل على أنها تكون من الجانبين، خلافًا لمن ذهب إلى أنها تختص بالجانب الأيمن، وخلافًا للخليل، في زعمه أنها شجرية من مخرج الجيم والشين.
المخرج الثامن: وهو للام وهي من حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرفه ما بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى مما فوق الضاحك، والناب، والرباعية والثنية.

المخرج التاسع: وهو للنون، وهي من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا متصلاً بالخيشوم تحت اللام قليلاً.
المخرج العاشر: هو للراء، وهي من مخرج النون من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا العليا، غير أنها أدخل في ظهر اللسان قليلاً من النون، وتقدم مذهب الجرمي.
ومن وافقه، وهو الظاهر من كلام الخليل.
المخرج الحادي عشر: وهو للدال والطاء والتاء، وثلاثتها تخرج مما بين طرف اللسان وأصول الثنايا العليا مصعدا إلى جهة الحنك.
المخرج الثاني عشر: وهو للزاي والسين والصاد، وثلاثتها ما بين طرف اللسان وفويق الثنايا السفلى ويقال في الزاي: زاء وزى.
المخرج الثالث عشر: وهو للظاء والذال والثاء، وثلاثتها من بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا.
المخرج الرابع عشر: وهو للفاء، وهي من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا.
المخرج الخامس عشر: وهو للباء والميم والواو، وثلاثتها ما بين الشفتين،

فتنطبقان في الباء والميم لا في الواو خلافًا للخليل في الواو، إذ هي عنده هوائية لا مخرج لها، وخلافًا للمهدوي فيها، إذ فصلها من الباء والميم، وجعل لها على حدتها مخرجًا؛ وهي عنده السادس عشر مخرجًا.
المخرج السادس عشر: مخرج الخيشوم، وهو للنون الساكنة الخفيفة المخفاة التي لم يبق منها إلا الغنة.
وأما الساكنة سكونًا خالصًا كالنون في نحو: يضربن، فسيبويه بين أن مخرجها من مخرج النون المتحركة.
واختبار المخرج وتحققه يكون بابتداء همزة الوصل جائيًا بعدها بالحرف ساكنًا، ملحوظًا به صفة ذلك الحرف.

ولبعض الحروف فروع تستحسن، فمن ذلك الهمزة المسهلة، وهي فرع عن الهمزة المحققة، وهي عند سيبويه حرف واحد نظرًا إلى مطلق التسهيل، وعند السيرافي ثلاثة أحرف نظرًا إلى التقييد بالألف أو الواو أو الياء، والغنة فرع عن النون.
وألفا الإمالة والتفخيم، وهما فرعان عن الألف المنتصبة، والإمالة بين اللفظين، لم يعتدها سيبويه، وإنما اعتد الإمالة المحضة وقال: «التي تمال إمالة شديدة كأنها حرف آخر قريب من الياء».
والشين التي كالجيم فرع عن الجيم الخالصة، وذلك قولهم في «أشدق:

أجدق»، والصاد والجيم والسين اللواتي كالزاي فروع عن الزاي الخالصة، وذلك نحو: مزدر في مصدر بين الصاد والزاي، وفي زهير: سهير بين السين والزاي، وفي جابر: زابر بين الجيم والزاي.
واللام المفخمة فرع عن اللام المتوسطة بين الترقيق والتفخيم، وذلك في اسم الله تعالى، إذا كان قبلها مفتوح أو مضموم، وفيما قرأ به القراء، وأتت به الرواية الصحيحة من تفخيمها على ما نقله أهل الأداء.
وفروع تستقبح وهي: كاف كجيم فرع عن الكاف الخالصة، وهي لغة في اليمن كثيرة، وفي أهل بغداد يقولون في كمل: جمل، وجيم ككاف فرع عن

الجيم الخالصة يقولون في رجل: ركل، يقربونها من الكاف، وعد سيبويه هذا حرفًا واحدًا، لأن النطق لا يختلف، وراعى ابن جني الأصل، فعد ذلك حرفين، وتبعه ابن عصفور، وابن مالك، وجيم كشين فرع عن [الجيم الخالصة، وأكثر ذلك إذا سكنت وبعدها دال نحو: قولهم في الأجدر: الأشدر، وقالوا في اجتمعوا: اشتمعوا، وصاد كسين فرع عن] الصاد الخالصة نحو: سابر في صابر، وطاء كتاء فرع عن الطاء الخالصة نحو: تال في طال؛ وهي تسمع من عجم أهل المشرق، ظاء كثاء فرع عن الظاء الخالصة نحو: ثالم

في ظالم، وباء كـ «فاء» فرع عن الباء الخالصة وهي كثيرة في لغة الفرس، وتارة يغلب لفظ الباء، وتارة يغلب لفظ الفاء، وذلك نحو: «بلخ» و «أصبهان».
وضاد ضعيفة قال الفارسي: إذا قلت: ضرب ولم تشبع مخرجها، ولا اعتمدت عليه، ولكن تخفف وتختلس، فيضعف إطباقها، وقال ابن خروف: هي المحرفة من مخرجها يمينًا أو شمالاً كما ذكر سيبويه.
وقال مبرمان: يقربون الثاء من الضاد، وذلك في لغة قوم ليس في أصل حروفهم الضاد، فإذا تكلفوها ضعف نطقهم بها، وكذا قال ابن عصفور، ومثل بقولهم: في أثر ذلك: في أضر ذلك.

وفي تفسير الضاد الضعيفة بهذا، وفي تمثيله نظر، والذي يظهر أن الضاد الضعيفة التي هي تقترب من الثاء، عكس ما قال مبرمان، وابن عصفور فتقول في اضرب زيدًا: اثرب زيدًا بين الضاد والثاء، وأما القاف المعقودة فقال السيرافي: رأينا من يتكلم بالقاف بينها وبين الكاف انتهى، وهي الآن غالبة على لسان من يوجد في البوادي من العرب، حتى لا يكاد عربي ينطق إلا بالقاف المعقودة، لا بالقاف الخالصة الموصوفة في كتب النحويين، والمنقولة عن وصفها الخالص على ألسنة أهل الأداء من أهل القرآن.
وقد بلغت الحروف بفروعها المستحسنة والمستقبحة سبعة وأربعين حرفًا، وفي التمهيد: زاد بعضهم أحرفًا لم يذكرها سيبويه، وهي الشين كالزاي كقولهم في اشرب: ازرب، والجيم كالزاي كقولهم في اخرج، اخرز، والقاف كالكاف كقولهم في القمح: الكمح، فقد بلغت هذه الأحرف خمسين حرفًا.
القول في صفات الحروف: المهموسة يجمعها «سكت فحثه شخص» والهمس: الصوت الخفي، فإذا جرى مع الحرف النفس لضعف الاعتماد عليه كان مهموسًا، والضاد والخاء أقوى مما عداهما.

والمجهورة ما عداها ويجمعها «ظل قند يضغم زر طاو إذ يعج» والجهر ضد الهمس، فإذا منع النفس أن يجرى معه حتى ينقضي الاعتماد عليه كان مجهورًا، قال سيبويه: إلا أن النون والميم قد يعتمد لهما في الفم والخياشيم فتصير فيهما غنة، والشديدة يجمعها: «أجدك تطبق» والشدة امتناع الصوت أن يجرى في الحرف، والرخوة يجمعها: «خس حظ شص هز ضغث قذ»، ومتوسطة بين الشدة والرخاوة ويجمعها «ولينا عمر»، والمهموسة كلها غير التاء والكاف رخوة ويجمعها «سفه شخص حث».
والمجهورة الرخوة يجمعها (غض طزذن)، والمجهورة الشديدة «طبق أجد»، وتسمى هذه حروف القلقلة، وما بين الشدة والرخاوة مجهور، والمطبقة الصاد والضاد والطاء والظاء، والمستعلية هذه والغين والخاء والقاف ويجمعها «قظ خص ضغط»، وما عداها منخفضة وبعضهم يقول: مستفلة، والمتقلقلة

يجمعها «قطب جد»، والجمهور على أن الباء متقلقلة دون التاء، وذهب بعض أهل النحو والأداء إلى أنها التاء دون الباء، وقد ذكر سيبويه التاء في المتقلقلة، وهي من المهموسة، وقد ذكر لها نفخًا.
والمشربة الزاي والظاء والذال والضاد والراء، واللينة: الألف والواو المضموم ما قبلها، والياء المكسور ما قبلها يجمعها «واي»، وأمكنهن عند الجمهور في المد الألف، خلافًا لأبي بكر الصقلي في زعمه أن أمكنهن في المد الواو ثم الياء ثم الألف.
والجمهور على أن الفتحة من الألف، والضمة من الواو، والكسرة من الياء، فالحروف قبل الحركات، وقيل عكس هذا وقيل ليست الحركات مأخوذة من الحروف، ولا الحروف مأخوذة من الحركات، وصححه بعضهم.

والهمزة حرف صحيح، وقال الفارسي: حرف علة، وقيل شبيهة بحرف العلة، والمنحرف اللام وزاد الكوفيون، وتبعهم مكي: الراء، والمكرر الراء قال سيبويه وغيره «وهو حرف شديد جرى فيه الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام فصار كالرخوة ولو لم يكرر لم يجر الصوت فيه».
وقال الصيمري وشريح: هو بين الشدة والرخاوة، وظاهر كلام سيبويه أن التكرير صفة ذاتية للراء، وإلى ذلك ذهب شريح قال: وقد ذهب قوم من أهل الأداء إلى أن الراء لا تكرير فيها مع تشديدها، ولا نعلم وجهه، ولا أن أحدًا من المحققين بالعربية ذكر أن تكريرها يسقط عنها جملة انتهى.
وبالتكرير قرأنا على من قرأ بشرق الأندلس، وبعدم التكرير البتة قرأنا على شيوخ غرناطة، وهو مذهب مكي وأبي عبد الله المقامي.
والهاوي الألف، والمهتوت الهمزة والهت عصر الصوت، والهت أيضًا

الحطم والكسر، وبعضهم يقول فيها المهتوف بالفاء، والهتف الصوت بقوة.
والذلقية قال مكي ثلاثة: الراء واللام والنون، وفي بعض نسخ العين للخليل حروف الذلق: ر، ل، ن، ف، ب، م يجمعها «مل فنبر»، والذلق: الطرف من كل شيء، والفاء والباء والميم في حين خروجها من الشفة لا عمل للسان فيها، وثلاثة في حيز اللام والراء والنون من طرف اللسان على مقدم الغار الأعلى، ولا توجد كلمة خماسية، ولا رباعية بناؤها من الحروف المصمتة إلا ما ندر من ذلك نحو: عسجد، وعسطوس، والدهدقة، والزهزقة، فلا يحسن بناء الرباعي الأصول ولا الخماسيها إلا ويكون بعض حروف الذلاقة فيها، وذلك نحو: جعفر وسفرجل.

وما سوى حروف الذلاقة مصمت، وهو عند الخليل تسعة عشر حرفًا أخرج منها الهمزة وحرفي العلة، فلم يقسم إلى الذلاقة والإصمات إلا الحروف الصحاح.
والصفيرية: الصاد والسين والزاي، والمستطيل الضاد، المتفشي الشين باتفاق، والفاء والصاد باختلاف، وقد فرغنا من ذكر حروف المعجم عددًا ومخرجًا وصفة.
وهذه الحروف مواد الكلم العربية كما ذكرنا، والكلم اسم جنس بينه وبين واحده التاء، والواحد كلمة وهي قول أو منوي معه دال على معنى مفرد.
وأقسامها اسم وفعل وحرف، وزاد بعضهم: وخالفه، وهي التي يسميها البصريون: اسم فعل، ويسميها الكوفيون فعلاً.
فالاسم معرب ومبني: المبني سيأتي القول فيه؛ وأقل ما يكون عليه المعرب من اسم وفعل عند البصريين ثلاثة حروف أصول، وما وجد منه على حرفين محذوف منه، والمحذوف قد يكون فاءً، أو عينًا، أو لامًا، فيبقى على حرفين، وما حذف منه حرفان، وبقى على حرف نادر، وذلك قولهم في الاسم: «شربت ما» أي: ماء، و (م)، في قولهم: م الله، على قول من قال: إنه بقية «أيمن»، وفي الفعل نحو: (ق) زيدًا.
وذهب الكوفيون إلى أن أقل ما يكون عليه حرفان حرف يبدأ به، وحرف يوقف عليه.

القول في أحكام الكلم العربية (حالة الإفراد) وهي على ثلاثة أقسام: الأول: ما يكون لها في أنفسها، الثاني: ما يلحقها من أولها، الثالث: ما يلحقها من آخرها.
القسم الأول: هو المسمى بعلم التصريف: وينقسم قسمين: أحدهما: جعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني وسيأتي، والآخر تغيير الكلمة لغير معنى طارئ عليها، وينحصر في الزيادة، والحذف، والإبدال، والقلب، والنقل، والإدغام، فحروف الزيادة يحتاج إلى معرفتها ولا سيما في ذكر الأبنية ويجمعها «أمان وتسهيل».
والذي يعرف به الزائد من الأصلي أحد تسعة أشياء.
أحدها: الاشتقاق وهو أكبر وأصغر، فالأكبر هو عقد تقاليب تركيب الكلمة كيفما قلبتها على معنى واحد نحو: القول، والقلو، والولق، والوقل، واللقو، واللوق على معنى الخفة والسرعة.
والكلم، والكمل، واللكم، والمكل، والملك، واللمك على معنى الشدة والقوة

ولم يقل بهذا الاشتقاق الأكبر إلا أبو الفتح، وكان أبو علي يأنس به في بعض المواضع.
والاشتقاق الأصغر: إنشاء مركب من مادة يدل عليها، وعلى معناه كأحمر والحمرة، وهذا الاشتقاق أثبته الجمهور في أن بعض الكلم قد تشتق من بعض، وذهب طائفة إلى أنه لا يشتق شيء من شيء، بل كل أصل.
وذهبت طائفة أخرى إلى أن كل كلمة مشتقة من الأخرى، ونسب للزجاج، وأن سيبويه كان يراه.
والتفريع على قول الجمهور فنقول: يعرض في اللفظ المشتق مع المشتق منه تغييرات: زيادة حركة كعلم مع علم، وحرف كجاذع مع جذع، وزيادتهما

كضارب مع ضرب، ونقصان حركة كفرس مع فرس، وحرف كبنيت مع بنات، ونقصها كنزا مع نزوان، ونقص حركة وزيادة حرف كغضبى مع غضب، وكسه كحرم مع حرمان وزيادتهما ونقصهما كاستنوق مع ناقة، وزاد رضي الدين بن جعفر البغدادي نقصان حركة مع زيادة حركة كسرق مع السرق، ونقصان حركة مع زيادة حركة، وحرف كاضرب مع ضرب، ونقصان حرف، وزيادة حرف كراضع مع الرضاعة، ونقصان حرف وزيادة حركة وحرف: كخاف مع الخوف، ونقصان حركة وحرف وزيادة حركة كعد مع وعد، ونقصان حركة وحرف، وزيادة حرف: كفاخر مع فخار، ولا بد من اتحاد في الحروف الأصلية على ترتيب واحد في المعنى.
ويدل على أنه فرع: دلالته على معنى زائد على ما اشتق منه نحو: ضارب وضرب، فلو أمكن أن يكون هذا أصلاً لهذا أو هذا أصلاً لهذا، فلا بد من مرجح، والمرجح أحد تسعة أشياء: كون أحدهما أمكن من الآخر كالسقى والسقاء، أو أشرف كالمالك اشتق من الملك بمعنى القدرة لا من الملك بمعنى الربط، أو أظهر، والآخر أغمض كالإقبال والقبل، أو أخص، والأخر أعم كالفضل

والفضيلة، أو أحسن تصرفا كالعرض والعرض، أو أقرب، والآخر أبعد كالعقار ترده إلى عقر الفهم لا إلى أنها تسكر فتعقر صاحبها.
أو أليق كالهداية بمعنى الدلالة، لا بمعنى التقدم من الهوادي، أو جوهرًا والآخر عرضًا كاستحجر الطين من الحجر، أو مطلقًا والآخر مضمنًا كالقرب، و «المقاربة»، والترجيح إنما يكون بين المستويين في شيء، فيكون بأحد ما ذكر.
والأصل في الاشتقاق أن يكون المصادر، وأصدق ما يكون في الأفعال المزيدة، والصفات منها، وأسماء المصادر، والزمان، والمكان، ويغلب في العلم، ويقبل في أسماء الأجناس كغراب يمكن أن يشتق من الاغتراب وجرادة من الجرد.
الثاني: التصريف: وهو تغيير صيغة إلى صيغة، يسقط من الفرع، ويثبت في الأصل، وهو شبيه بالاشتقاق، والفرق بينهما: أن في الاشتقاق يستدل على الزيادة، بسقوطه في الأصل، وثبوته في الفرع، والتصريف بعكسه نحو: قذال وقذل، وعجوز وعجز، وكتاب وكتب.
وتسمية هذا فرعًا وأصلاً فيه تجوز، وإنما تتحقق الفرعية والأصلية في المشتق منه والمشتق.
الثالث: سقوط الحرف من النظير نحو: أيطل وإطل، فسقوط الياء من إطل

وهو مرادف لأيطل دلي لعلى زيادتها، فلو سقط من فرع كسقوط الواو من يعد، أو من نظير كسقوطه من عدة، فلعلة فلا يكون دليلاً على الزيادة.
الرابع: كون الحرف مع عدم الاشتقاق في موضع تلزم فيه زيادته: وهو النون الساكنة غير المدغمة تقع ثالثة وبعدها حرفان نحو: عبنقس، فإن كانت مدغمة نحو: عجنس، فقيل زائدة، ووزنه: فعنل، وقيل أصل، ووزنه فعلل من مزيد المضعف.
وقال ابن سيده: هو من مزيد الرباعي ووزنه فعنلل.
الخامس: الكثرة نحو: همزة أفكل يحكم عليها بالزيادة لكثرة ما وجدت زائدة، فيما عرف اشتقاقه نحو: همزة أحمر وأفضل.
السادس: اختصاصه ببنية لا يقع موقع الحرف فيها ما لا يصلح للزيادة نحو: حنطأو فلا يوجد في مثل هذا التركيب مثل: سردأو.

السابع: لزوم عدم النظير بتقدير الأصالة في الكلمة التي ذلك الحرف منها نحو: تنفل ووزنه تفعل نحو: تنضب، وسمع فيه ضم التاء، فاحتمل أن يكون أصلاً، واحتمل، أن يكون زائدًا، فحمل على الزيادة لثبوتها في المفتوحة التاء وكذا نون نرجس المكسورة، لثبوت زيادتها في المفتوحة النون.
الثامن: لزوم عدم النظير بتقدير الأصالة في نظير الكلمة التي ذلك الحرف منها، وذلك نحو: ملوط الميم أصلية والواو زائدة، إذ لو عكسنا لكان وزنه معفلاً، وهو بناء مفقود، وفعول موجود نحو: عسود، وقد عبر عن هذا، وعن الذي قبله بالنظير، والخروج عن النظير، وشرح بمسألة تنفل، ومسألة عزويت.
التاسع: كون الحرف المعنى: كحروف المضارعة، وألف ضارب، وتاء افتعل، وقد كان يستغنى عن هذا الدليل بمعرفة ذلك الاشتقاق وبالتصريف، فيغنيان عنه.
وزاد بعضهم في الدلائل عاشرًا، وهو الدخول في أوسع البابين نحو:

كنهبل على تقدير أصالة النون، فوزنه فعلل، وعلى تقدير زيادتها، فوزنه فنعلل، وكلا الوزنين مفقود، فيحمل على الزيادة؛ إذ باب المزيد أوسع من باب الأصلي، ألا ترى إلى كثرة أبنية المزيد، وقلة أبنية المجرد.
ولا يدخل الاشتقاق والتصريف المصطلح عليهما في علم النحو في الاسم الأعجمي، ولا اسم الصوت، ولا الحرف، ولا ما شبه به من متوغل في البناء، وجاء بعض هذا فيه التصرف كأسماء الإشارة وبعضه جاء في الاشتقاق كقط، ولا يدخل الاشتقاق أيضًا الأسماء النادرة ك «طوبالة»، ولا المتداخلة كـ «الجو» للأسود والأبيض ولا الأسماء الخماسية الأصول.
وقد اصطلح النحاة على أن يزنوا بلفظ الفعل، فقابلوا أول الأصول بالفاء، وثانيها بالعين، وثالثها باللام؛ فإن زادت الأصول كررت اللام عند البصريين، ومذهب الكوفيين أن نهاية الأصول ثلاثة، وما زاد على الثلاثة حكموا بزيادتها، واختلفوا فقائل لا يزن، وقائل يزن، وينطق في الوزن بلفظ الزائد، وقائل يزن، وتجعل الزائد ما قبل الآخر، فيجعل وزن «جعفر»: فعللاً، وقائل يزن كوزن البصريين مع اعتقاد ما زاد على ثلاثة، ولذلك كرر اللام، وقال الفراء: إن بقى حرف تركه بلفظه، فوزن جعفر: فعلر إن جعلت الثلاثة في مقابلة الفاء والعين واللام؛ وإن جعلت الثلاثة الأخيرة

في مقابلتها قلت: جعفل، أو في مقابلة الأولين والأخيرين قلت فعفل.
والمعتمد في الأوزان في هذا الكتاب مذهب البصريين.
فنقول: الاسم ثلاثي ورباعي وخماسي، الثلاثي: مجرد ومزيد، المجرد: مضعف وغير مضعف.
المضعف: ما اتحدت فاؤه وعينه، أو فاؤه ولامه، أو عينه ولامه وأكثر النحاة لا يفرد هذا النوع بالذكر، بل يدخله في مطلق الثلاثي، ومنهم من يسميه ثنايئًا، ونحن اخترنا إفراده بالذكر.
فهو يجيء اسمًا على فعل نحو: ببر وحظ، ودعد؛ وصفه، نحو: خب، [وعلى فعل: اسمًا نحو طيب، وعمة؛ وصفة، نحو: خب وعلى فعل: اسمًا نحو: دب وجرجة؛ وصفة نحو: مر]، وعلى فعل: اسمًا نحو: صمم، وددن؛ وصفة نحو: غمم، وعلى فعل: اسمًا

نحو: خزر؛ وصفة نحو: عقق، وعلى فعل: اسمًا نحو علل؛ وصفة نحو: قدد، وعلى فعل اسمًا نحو: غصص وصفة نحو: شلل، وعلى فعل - ولا يحفظ إلا صفة - نحو: درد.
ولا يحفظ منه شيء جاء على فعل ولا على فعل.
وغير المضعف يجيء على فعل: اسمًا نحو: فهد؛ وصفة نحو: صعب، وعلى فعل: اسمًا نحو قفل، وصفة نحو: خلو، وعلى فعل: اسمًا نحو: جذع؛ وصفة نحو: نكس.
وعلى فعل: اسمًا نحو جمل؛ وصفة نحو: بطل، وعلى فعل: اسمًا نحو: كب، وصفة نحو: حذر، وعلى فعل: اسمًا نحو: سبع؛ وصفة نحو: ندس، وعلى فعل اسمًا نحو: ضلع، وصفة نحو:

زيم، وعدى (اسم جمع)؛ فأما «قيم» و «سوى» من قوله تعالى: ﴿دينًا قيمًا﴾، و ﴿مكانا سوى﴾ ورضى، وماء روى، وماء صرى و «سبى طيبة»، فمن النحاة من استدركها، ومنهم من تأولها.
وعلى فعل: اسمًا نحو: صرد، وصفة نحو: حطم.
وعلى فعل: اسمًا نحو: طنب، وصفة نحو: جنب، وعلى فعل: اسمًا نحو: إبل، ولم

يحفظ سيبويه غيره، وزاد غيره حبرة، ولا أفعل ذلك أبد الإبد، و «عبل» اسم بلد، و «بلص» ووتد، وإطل، ومشط، ودبس، وإثر، لغة في الوتد، والإطل، والمشط، والدبس، والإثر، وصفة أتان إبد و (امرأة إبد).

والمعز إبد، فأما امرأة بلز، فحكاه الأخفش (مخفف الزاي) فأثبته بعضهم.
وحكاه سيبويه (بالتشديد)، فاحتمل ما حكاه الأخفش أن يكون مخففًا من المشدد.
وعلى فعل، نحو: دئل، ورئم، ووعل؛ لغة في الوعل.
ودئل ورئم، اسما جنس: دئل: دويية سميت بها قبيلة من كنانة، ورئم: الاست، وقد رام بعضهم أن يجعلهما منقولين من الفعل.
وقال أبو الفتوح نصر بن أبي الفنون: أما «دئل ورئم» فقد عده قوم من النحويين قسمًا حادي عشر لأوزان الثلاثي، وإنما هي عند المحققين عشرة.
انتهى.

فأما «فعل» فمفقود ومن قرأ ﴿ذات الحبك﴾ (بكسر الحاء وضم الباء) فمتأول قراءته.
المزيد من الثلاثي المضعف: ما تكرر فيه حرف واحد، وما تكرر فيه حرفان: الأول ما فيه زيادة واحدة، أو ثنتان، أو ثلاث، أو أربع.
فالواحدة قبل الفاء: على مفعل مكر، ومفعل مدب، ومفعل مدق، ومفعلة مجثة، وتفعلة تئية، وأفعل أصرط، وإفعل: إوز،

وإفعلة إوزة، وأفعلة أئمة، ويفعل يأجج، ويفعل يأجج، وقيل: وزنهما فعلل وفعلل.
وقبل العين على فيعل فيقم وفاعل آم، وفاعل ساسم، وفوعل ذو ذخ، وفوعل سوسن، وفيعل ميمس وقيل وزنه فعمل مشتقًا من ماس.
وقبل اللام: فعيل: جليل اسمًا نبات، وصفة: جليل.
وفعال أساس، وفعال

مداد، وفعال اسمًا قصاص، وصفة جلال، وفعول: أصوص.
وفعول: سرور، وفعل: عمم، وفعلة شربة، وجربة.
وهو مثال غريب.
وبعد اللام على: فعلى: ضججى، وفعلى عوى، وفعلى عوى، وقيل وزنهما فعل وفعل.

والثنتان مجتمعتان: على فعلاء عواء؛ وفعلاء عواء؛ وقيل وزنهما فعال وفعال.
وفعال: خشاء، وفعلاء خششاء، وفعلاء قيقاء، وفعول عكوك، وقيل وزنه فعلع، وفونعل زونزك؛ وقيل وزنه فعنعل من زاك، وفعميل: غطميط، وفعامل غطامط إن كان من الغط؛ وإن كن من الغطم كان فعالعا،

وفعائل: حطائط، وفعلان حسان، وفعلان خلان، وفعلان زمان، وفعلوس قربوس، وفعوال عنوان، وفعوال عنوان، وفعيال عنيان، وفعيال عنيان، وفعفول: دردور، وفعلية عبية، وفعلية عبية (وفعلية عبية) وفعلولية شيخوخية وفعليت: بريت، وفعلوت حويت، ومفترقان على فعيلى: المطيطي،

وفعالى ذنابي، وفعالي خزازي، وفعولى: شجوجي، وقيل وزنهما: فعوعل وفعلعل وفعولى: دقوقي، وفعنلى حنططي، وفعلى دممي، وفعال: بزاز، وفعيل: عنين وفعال جداد، وفعال: جنان، وفاعيل: ياليل، وفاعول جاسوس، وفاعيل

زازيه، وفيعيل: سنين، وفيعيل: كزكيز، ويفعول: يأفوف، ويفنعل: يلنجج، وتفعال: ترداد، وتفعيل: تتميم، وتفعال: تجفاف، وتفعول: تعضوض.
ومفعال: مقداد، وإفعيل: إكليل، وأفعول: أفنون؛

جارٍ التحميل