من قال لأمته: كل ولد تلدينه فهو حر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجبيري
- الكتاب
- التوسط بين مالك وابن القاسم في المسائل التي اختلفا فيها من مسائل المدونة
- المؤلف
- قاسم بن خلف بن فتح بن عبد الله بن جبير، أبو عبيد الجبيري (المتوفى: 378هـ)
- المحقق
- باحُّو مصطفى
- الناشر
- دار الضياء، مصر
- الطبعة
- الأولى, 1426 هـ - 2005 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1 2
"قال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه سئل عن رجل زوج عبده أمته فقال لهـ (ـا) 3: كل ولد تلدينه فهو حر، فأراد بيعها فاستثقل مالك ذلك وقال: يفي لـ (ـها) (بـ) ـما 4 وعدها.
قال ابن القاسم: وأنا لا أرى ببيعها بأسا".
5
قال أبو عبيد: أمـ (ـا و) جه 6 استثقال مالك بيع الأمة المشترط فيها هذا الشرط [ص73] فـ (ـهو) 7 عقد قد أوجـ (ـبه) 8 السيد على نفسه في كل ولد يتولد منها، فوجب عليه إنقاذه ما لم يتعلق به حق لغيره، وفي بيعها لغير 9 حق تعلق بها، إبطال لما قد ألزمه نفسه.
وهذا ما لا يجوز في قول مالك، وابن القاسم.
لأنهما قد اتفقا أن بيع الأمة الحامل التي قد أعتق سيدها ما في بطنها لا يجوز إلا أن يكون على السيد دين يغترقها فيجوز بيعها من أجل الدين.
ولو (لا) 1 الدين لما جاز بيعها عندهما، للعقد الذي ألزمه السيد نفسه في الجنين بعد انفصاله من أمه.
وإذا كان كذلك، فالتي قال لها سيدها: "كل مولود تلدينه فهو حر" محكوم لها بحكمه، لأن الحمل مجوز عليها ومجوز خلوها منه، وهذا التجويز سائغ في الظاهر حملها، وإنما جاز بيعها إذا كان على السيد (دين) 2 يغترقها للمعنى الذي فسر القاضي إسماعيل في كتابه "المبسوط".
وذلك أنه قال: "كل امرأة غشِيت بالتزويج فحكم ولدها في الحرية والرق حكمها، وهو تبع لها في ذلك فلا يجوز أن يكون المتبوع مملوكا والمتبع وهو غير مباين له حرا.
وكذلك لو كانت الأمَة مملوكة لرجل وما في بطنها لآخر، فأعتق سيدُ الأمةِ الأمةَ لم يتم عتقها حتى تضع ما في بطنها، لأنها لا تكون حرة، وما في بطنها مملوكا.
كما لم يجز أن يكون ما في بطنها حر وهي مملوكة.
فلما لم يجز ذلك وصارت الحرية للولد لا تتم إلا بمباينة أمه صار حكمه حكم من قال لأمته: "إذا وضعت ما في بطنك فهو حر"، ويصير بهذا عقدا قد عقد للولد، كما يعقد العتق إلى أجل، ولم يجب على الغرماء أن يؤخروا بيع الأمة حتى تضع ما في بطنها، لأن بيعها كان واجبا لهم قبل أن يحدث سيدها فيها ما أحدث.
فلما فعل السيد شيئا لا يمكن أن يتميز منها إلا بعد مدة رد (إحدا) داثه 3 إذا سئل الغرماء [ص74] الأخذ لهم بالأصل الذي كان واجبا لهم، لأن النبي عليه السلام قال: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد".
وإذا غشـ (ـي) 1 الحر أمته صار ما في (بـ) ـطنها 2 حرا من حين خلق، لأنه تبع لأبيه لا (لأمـ) ـه 3، ولو كان تبعـ (ـا لـ) أمه 4 ما تمت له الحرية حتى تلده ولا ( ... ) 5 الذي هو في بطنها، فكان حرا مثل المتبوع.
قال إسماعيل: فإن قيل: فلم جاز أن يبطل عقد الحرية الذي عقده السيد لما في بطن أمته، وأنتم لا تبطلون عقد الحرية إلى الأجل؟.
قيل: لأن الحكم كان في الأمة أن يباع إذا ركب سيدها الدين ولا ينتظرها أن تضع ما في بطنها، فلما أحدث السيد في الولد الذي عقده، وكان شيئا لا يمكن أن يتميز من أمه، لم يجز من أجل ما أحدثه من ذلـ (ـك) أن يبطل ما كان واجبا للغرماء.
وإنما يلزم السيد ما أوجبه على نفسه من العقد الذي عقده فيما كان في بطن أمته لم يكن في ذلك منع لحق غيره.
فأما إذا كان فيه دفع لغير الحق لم يكن بد من الرجوع إلى الأصل في أمرهم.
وكذلك لو مات السيد قبل أن تضع الأمة ما في بطنها، واحتاج الوارث إلى بيعها لم يجز أن يمنع من ذلك ولا أن يقال له: انتظر بأمتك التي لا ملك لأحد عليها غيرك إلى أن تضع ما في بطنها.
ولكن إن وضعت الأمة ما في بطنها قبل أن تباع للغرماء أو قبل أن يبيعها الوارث صار الولد حرا من حين ولد بالعقد المتقدم له وتم فيه حين تميز من أبيه، وجاز أن يكون حكمه غير حكمها.
ولو أوصى رجل بما في بطن أمته لرجل ثم توفي، وكانت الأمة تخرج من الثلث، لم يجز للورثة بيعها، وإن احتاجوا إلى ذلك [ص75] حتى (تضـ) ـع 1 حملها (فـ) ـيقبضه 2 الموصى له.
لأن للميت أن يوصي في ثلثه بما أراد، فلما أوصى 3 بما في بطن الأمة لرجل أوجب ألا يحدث الورثة فيها بيعا إلى أن تضع، وجاز له ذلك.
وكان يجوز له أن يخـ (ـر) جها 4 بأمرها عنهم.
ولم تشبه هذه المسألة المسألة التي قبلها، لأن السيد في المسألة الأولى: أعتق ما في بطن أمته، فكأنه قال: إذا وضعت ما في 5 بطنك فهو حر، ولزمه ما عقد على نفسه ما لم يكن في ذلك منع لغيره من حقه.
فإذا ركبه دين أو مات لم يمنع الغرماء ولا الوارث من بيع الأمة إن احتاجوا إليه، لأن الميت لم يخرجها في الثلث الذي جعل له، وصارت الأمة للوارث بتمليك الله عز وجل إياه ذلك.
ولو أوصى رجل بما (في) 6 بطن أمته لرجل، وكانت تخرج من الثلث فأعتق الوارث الأمة لم يتم عتقها حتى تضع ما في بطنها.
لأنه لم يتم عتقها عتق ما في بطنها، فيصير ذلك إبطالا لوصية الميت، ولكن إذا فعل ذلك الوارث كان بمنزلة قوله لها: إذا وضعت ما في بطنك فأنت حرة".
قال أبو عبيد: وكل هذا نص كلام إسماعيل القاضي وإنما أوردته على كماله، لأنه غاية ما يحتج به في هذا الباب فغنيت به عن الإطالة فيه.
وأما وجه قول ابن القاسم: وأنا لا أرى ببيعها بأسا، فلأن قول القائل لأمته، وهي غير حامل: كل ولد تلدينه فهو حر، لا يوجب حكما لم يكن واجبا قبله، إذ ليس بها حمل ينعقد له حرمة وتتعلق بوضعه حرية، فجاز له بيعها إذ لم ينعقد فيها ما يوجب التوقف عن ذلك.
وقد فرق مالك وابن القاسم بين الحائل والحامل في نحو هذا المعنى.
فروى ابن القاسم عن مـ (ـالك) 1 فيمن قال لزوجتـ (ـه) 2: [ص76] إذا ولدت فأنت طـ (ـالـ) ـق وليس بالمرأة حمل، إنه لا يلزمه طلاقها، ( ... ) 3 يأمر باعتزالها.
وأنه لو قال لها ذلك وهي حامل لوقع الطلاق عليها ناجزا.
وإنما فـ (ـرقـ) ـوا 4 بين الحائل والحامل في ذلك لأن الحمل إذا ثبت فلا بد من وضعه، فلما علق الطلاق به وقع ناجزا، ولم ينتظر به الوضع.
كما لم ينتظر بالطلاق المعلق بالشهر حلوله، لأنه لم يجز وطؤها ما بينها وبين الأجل الذي علق الطلاق به لمضارعته نكاح المتعة المتفق على تحريمه لم يجز الاستمساك بعصمتها، بدلالة الاتفاق على أنه لا يجوز استدامة عقد النكاح على الأخت من الرضاعة من أجل أنه لا يجوز وطؤها.
فأما الحائل فخلاف ذلك، لأن الأجل الذي علق طلاقها به قد يجوز أن يكون ويجوز ألا يكون، وكل طلاق علق بأجل هذا وصفه، فلا يقع إلا بوقوع الصفة التي علق بها أو السبب المؤدي إليها، وإذا كان كذلك، فجائز استدامة عصمتها إن كانت زوجة وبيعها إن كانت أمة.
وكلا القولين له وجه في النظر، فاعلمه.
42 -