مسألة: إن تعامل الذميان بالربا ثم أسلما
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجبيري
- الكتاب
- التوسط بين مالك وابن القاسم في المسائل التي اختلفا فيها من مسائل المدونة
- المؤلف
- قاسم بن خلف بن فتح بن عبد الله بن جبير، أبو عبيد الجبيري (المتوفى: 378هـ)
- المحقق
- باحُّو مصطفى
- الناشر
- دار الضياء، مصر
- الطبعة
- الأولى, 1426 هـ - 2005 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
3 4
"قال ابن القاسم: قلت لمالك أرأيت الذميين إذا تبايعا درهما بدرهمين إلى أجل ثم (أسلما) 5 جميعا قبل القبض أو بعده، هل يفسخ بينهما؟ قال:
إن أسلما جميعا ترادا الربا فيما بينهما، وإن أسلم الذي له رد إليه رأس ماله وإن أبى الذي عليه الحق فما أدري ما حقيقته؟ إن أمرته أن يرد رأس ماله خفت أن أظلم الذمي.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أيهما أسلم منهما رد إلى رأس ماله، لأنه حكم بين12
مسلم ونصراني فيحكم فيه بحكم الإسلام".
1
قال أبو عبيد: أما قول مالك في الذميين إذا تعاملا بالربا ثم أسلم ا (لذي) 2 له الحق منهما أنه يرد إلى رأس ماله، فلأن الله عز وجل قال "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله [ص47] وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين".
فبين أنهم إن لم يتركوا الربا فليسوا بمؤمنين، وإن كانا للإيمان مظهرين.
ثم قال تعالى "فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله".
يقول: يحاربكم الله ورسوله إن لم تفعلوا.
وفي ذلك دلـ (ـيـ) ـل 3 على أن من منع حقا من حقوق الله تعالى استحق أن يحارب عليه.
قال (تعالى) 4 " فلكم رؤوس أموالكم" يعني: ما دفعتم، لا تظلمون بأخذ الربا الذي حرمه الله تعالى عليكم، ولا تظلمون ولا تنقصون من رؤوس أموالكم.
وأما قوله: "وإن أسلم الذي عليه الحق" يعني: الذي عليه الربا، فما أدري ما حقيقته، فإنما تحرج من الإقدام على القطع في الجواب، لاشتباه الحادثة عنده واحتمالها لوجوه الاحتمالات.
وذلك أن إسلام الذي عليه الربـ (ـا) 5، إنما وقع بعد أن استقر ذلك عليه، وتعلق حق الذمي به.
فاحتمل أن يكون إسلامه مبطلا للربا بما وقع بعد أن استقر ذلك عليه، لأنه قد
صار إلى حال لا يجوز له مع استدامتها أن يتملك الربا، ولا أن يملكه غيره، لا يوكله ماله بالباطل وهذا ما لا يجوز، لأن الله تعالى قال "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل".
ويحتمل أيضا أن يكون إسلامه لا يبطل عنه ما قد تعلق بذمته، لأن في إبطال ذلك والاقتصار 1 بالذمي على رأس ماله ظلما له، وفي تغليب واحد من هذين الاحتمالين على صاحبه نظر.
وهو المعنى الموجب لتوقف مالك رحمه الله عن القطع على أحدهما، وقد صرح بذلك في قوله: وإن أمرت المسلم أن يرد رأس مال الذمي خفت أن أظلمه.
والذي يقتضيه النظر عندي، ويوجبه القياس على أصوله فسخ البيع، سو (اء أسـ) ـلم 2 الذي له الحق أو الذي عليه الحق إذا كان ذلك (قـ) ـبل 3 التقابض.
فأما إسلام الذي له الربا فلا خلاف بين مالك وابن (الـ) ـقاسم 4 [ص48] في أنه لا يحل له أن يأخذ من صاحبه سوى رأس ماله الذي دفعه إليه، وقد دللت على صحة ذلك بما فيه مقنع إن شاء الله.
وأما إسلام الذي عليه الربا فإنما وجب فسخ البيع بينه وبين الذمي قبل (القبض) 5، لأن أهل الكتاب ليست أملاكهم مستقرة، وإنما لهم شبهة ملك على ما في أيديهم يصححها الإسلام، فبيعهم ومناكحهم في الأصل إنما هي (بـ) ـشبهة 6، وليست بعقود متمكنة في الصحة.
قال الله تعالى "قاتلوا الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".
ومن كان لا يدين دين الحق فكل ما صدر عنهم من عقد وغيره معصية وكفر.
فإنما يصحح عقودهم الإسلام، ويكون الحكم في ذلك حكم ما ابتدئ عقده في الإسلام من غير أ (ن) يكون في الأصل جائزا.
ألا ترى أن ما عقدوه من المناكح في حال الكفر بغير ولي، ولا إعلان ولا شهود وفي العدة، وما جرى مجرى ذلك، أنه معفو عنه بالإسلام، ولو ابتدئ فيه لكان باطلا.
فدل ذلك على أن (ا) لإ (سـ) ـلام 1 هو الذي صحح ما كان فاسدا من فعلهم، فكذلك يصحح إليهم إسلامهم ما قبضوه من الربا وثمن الخمر 2 والخنزير والميتة.
فإذا كان كذلك، فإسلام الذميين المتعاملين بالربا أو إسلام أحدهما قبل القبض موجب لفسخ الربا وإبطاله، لأن شبهة البيع لا توجب ما لم يكن واجبا قبلها، إلا أن يقترنا إليها فوات المبيع بقبض المبتاع له، و (فـ) ـوات 3 عينها عنده.
وإلى هذا المعنى ذهب ابن القاسم في فسخ الربا (وإبطـ) ـاله 4 إذا أسلم أحد المتبايعين.
إلا أن العلة التي علل بها فسخ ذلك منتقضة، بدلالة [ص49] أن كل عقد انعقد بين مسلم وذمي فحكمه عند المسلمين جميعا قبل القبض وبعده حكم واحد، في أنه ينقض إذا كان حكم الإسلام يقتضي ذلك، فات المعقود عليه أو لم يفت.
ألا ترى أن مسلما وذميا لو تبايعا خمرا أو خنزيرا لكان المبيع مفسوخا بينهما قبل القبض وبعده.
فلو أن ذميا أسلم على ثمن خمر أو خنزير أو شيء من المحرمات التي لا يجوز للمسلم أن يتملك أثمانها ما كان إسلامه يصحح له تملكه ذلك، فدل على فساد ما اعتل به، واطراد علتنا فيه، والله أعلم.
30 -