مقدمة المؤلف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجبيري
- الكتاب
- التوسط بين مالك وابن القاسم في المسائل التي اختلفا فيها من مسائل المدونة
- المؤلف
- قاسم بن خلف بن فتح بن عبد الله بن جبير، أبو عبيد الجبيري (المتوفى: 378هـ)
- المحقق
- باحُّو مصطفى
- الناشر
- دار الضياء، مصر
- الطبعة
- الأولى, 1426 هـ - 2005 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[ص2] بسم الله الرحمان الرحيم:
صلى الله على سيدنا محمد.
الحمد لله المنعم على خلقه بما افترض عليهم من معرفته (وجعل) 1 ذلك مفتاحا للمزيد لهم من نعمه، وصلى الله على محمد رسوله (وسلم) 2 تسليما.
أما بعد:
فإن الله عز وجل لما امتحن عباده (بأوامره) 3 ونواهيه، فرق بين وجوه العلم بها، فجعل منها باطنا خفيا، و (منها ظاهرا) 4 جليا، ليرفع الذين آمنوا منهم والذين أوتوا العلم درجات.
إذ لو (كانت) 5 جلية كلها لارتفع التنازع، وعدم الاختلاف، ولم يلجأ ( ... ) 6 احتيج إلى اعتبار وتفكير، ولا وجد شك، ولا ظن، ولا جهل (ولا ... ) 7، لأن العلم حينئذ كان يكون طبعا.
ولو كانت كلها خفية، لم يبق (سبيل) 8 إلى معرفة شيء منها، إذ الخفي لا يعلم بنفسه، ولو علم بنفسه لكان (جليا) 9، قال الله سبحانه: " هو الذي أنزل عليك
الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ، فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم".
الآية، وقال تعالى: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم.
وإذا بطل أن يكون العلم كله جليا، وبطل (أن يكون) 1 كله خفيا، ثبت أن منه ما هو جلي، ومنه ما هو خفي، وإذا كان ذ (لك) 2 كذلك، وكان الخفي من النصوص غير مكتف بنفسه ولا مستغن عن (جلي) 3 يدل عليه من غيره، وجب أن يتباين أهل الاستنباط في العلم حـ (ـسب) 4 تباينهم في النظر المؤدي إليه.
وإنما تباينوا في ذلك، والله أعلم لما يعـ (رض) 5 بعد النظر في آفات التقصير التي تقطع عن إصابة المطلوب ولو اتفقوا ( ... ) 6 سبيله مع السلامة من الآفات لاتفـ (ـقوا) 7 بمشيئة الله وتو (فيقه) 8 ( ... ) 9 [ص3] ( ... ) 10 لأن النظر إذا كان سليما من الآفات التي (لا) 11 تعتوره، وقابل صاحبه ( ... ) 12 المتنازع فيه
أصله، فقد أصاب مطلوبه، وكان كل من فعل مثل فعله (موافـ) ـقا 1 له، ومن قصر عنه ولم يوف التأمل حقه كان مخالفا له، غير أن الصواب ( ... ) 2 هو الحكم في الحادثة المختلف فيها لا يجوز خروجه عن جميع أقاويل أهل (العلم) 3.
وإذا كان العلماء مختلفين ولا تخلو الحادثة المختلف فيها من أن يكون لله عز وجل فيها نص 4، فإن كان ذلك، فالنص أولى أن يعمل به، وإن لم يكن (ذلـ) ـك 5 فيها كان أحق من اعتمد المتعلم قوله في ذلك، وعول على اختياره فيه (مالـ) ـك 6 بن أنس رحمة الله عليه، لأنه ممن 7 ثبتت له المنزلتان: ضبط الآثار وحسن (الا) ختيار 8، إذ كان لا يعدل في اختياراته عن ظاهر كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله عليه السلام، واتفاق الأمة، وإجماع أهل المدينة.
وإجماعهم ينقسم (إلى) 9 ضربين: أحدهما: استنباط، والآخر: توقيف 10.
فالضرب الأول: لا فرق بينهم (و) بين سائر أهل الأمصار فيه.
وأما الضرب الثاني: المضاف إلى الـ (ـتو) قيف 1 ( ... ) 2 الذي يعول عليه، ويعترض على خبر الواحد به، نحو إسقاطهم الزكاة في (الـ) ـخضروات 3، والآذان، والتكبير على الجنائز 4 وإجازة الوقوف، ومعاقلة 5 الرجل المرأة 6 إلى ثلث الدية 7.
وإنما قلنا في هذه المذكورات، وما كان في معناها (بأنـ) ـه 1 توقيف استدلالا، كما يحكم لما عدا السنة التي لا نص فيها بحكم السنة (الـ) ـمنصوص عليها استدلالا، لأن ما هذا وصفه ليس مما حدث، فيحتمل اجتماعهم (علـ) ـيه 2 بعد انقطاع التوقيف، ولا مما في إيجابه للعقل مدخل لا نظير له يرد (إليـ) ـه 3، فلم يبق إلا أن يكون اجتماعهم على ذلك توقيفا، ثم إذا عدم نص الكتاب و (السـ) ـنة 4، واتفاق الأمة، وإ (جمـ) ـاع 5 أهل المدينة 6، فزع إلى العبرة 7، وهي امتـ (ـحـ) ـان 8 [ص4] الفزع ( ... ) 9 بما وجدت ( ... ) 10 كان له حكمه، وما
عد (ل) 1 فيه عنه خرج عن أن يكون محكوما له بحكمه.
فهذه جملة أصول العلم السمعية عنده رحمه الله، وهذا أحد الأحكام الشرعية التي لا يسع الراسخ أن يعدل عنها (و) أن يطلب الحق فيما سواها، ولا يجوز للمتعلم مع الإمكان أن يتعلم ما به الحاجة من غير جهتها، وقد ترد له رحمه الله نصوص في حوادث عدل فيها عن ا (لأ) صول التي أصلنا:
إما لخفاء العلة التي توجب البناء عليها، وتضطر إلى الرد إليها.
أو لضرب من المصلحة، إذ كان من مذهبه رحمة الله عليه الحكم بالأصلح فيما لا نص فيه ما لم يمنع من ذلك ما يوجب الانقياد له 2، وإذ لا جائز عنده أن تعرى الحادثة من أن يكون لله عز وجل فيها حكم.
وهذا الضرب من مسائله عسير مطلبه، لأنه مغمور مكنون في جنب ما هو مبني منها على الأصول التي قد (منا) 3 ذكرها، فإذا وجد كان نادرا، وكان المختار استعماله من ذلك ما هو أولى به على أصوله، وأمضى على مقدماته، وأليق بمعانيه وأغراضه، وإن أدى ذلك ( ... ) 4 نص المسألة 5 الـ (ـمـ) ـأثورة 6 عنه.
لأن اتباع الأصل المتيقن صحته أولى من اتباع (عـ) ـام 7 من القول، محتمل لوجوه الاحتمالات، قد تفرد بنقله من يجوز عليه السهو والغلط.
وهذا والله أعلم هو السبب الداعي إلى مخالفة بعض أصحابه له، لأنه ربما شاهد فتواه في الحادثة التي يسأل عنها فيحفظ جوابه فيها، ويقابل 1 السبب الذي تعلق الحكم به، وخرج جوابه عليه، فإذا قابل به أصوله وقد قام له الدليل على صحته، ولم يمكنه الجمع بينهما على نكتة واحدة، لفقد السبب الذي لو اقترن به لما تعذر ذلك فيه، فزع إلى نص جوابه، واعتقده خلافا من قوله فعول عليه، وجعله أصلا يرد ما كان في معناه إليه، فيؤدي به ذلك إلى مخا (لفته) 2 فيما تـ (فـ) ـرع 3 عنه، ثم قد تختلف القولان عنه في ا (لمسـ) ـألة 4 الواحدة اختلافـ (ـا) [ص5] لا يمكن الجمع (بـ) ـينهما، وغرضه في ذلك أحمـ ( .. ) 5 السائل بوجوه المسألة، وما يجوز أن يكون مفرعا على علتها.
إذ غرض العالم فيما يرسمه من كتبه إفادة غيره، فربما حسنت الشبهة لبعضهم اتباع القول الذي هو غير عـ (ـدل) 6 عنده في باب الاعتقاد فيعتقده علما وعملا، فيكون ذلك ذريعة إلى مخالفته فيما تفرع من تلك المسألة ومما كان في معناها، وكل ذلك منهم رحمة الله عليهم، طلبا للحق، ورغبة عن التقليد.
فهذا عبد الرحمان بن القاسم 7،
وكان أخص أ (صحـ) ـابه 8 وأكثرهم اتباعا
لرأيه، وتقليدا له فيما أشكل عليه قد خالفه، وكان لا فوقه أحد عنده، ولم يستسهل تقليده فيما قام له الدليل على صحة القول به 1، غير أن خلافه له من نحو ما ذكرناه والله أعلم.
وقد ضمنت كتابي هذا أعيان المسائل التي اختلفا فيها من كتاب المدونة دون ما سواه، وتوسطت القول بالعدل بينهما في ذلك، بمقدار ما بلغه علمي وأثمره فهمي، وأيدت قول كل واحد منهما بما يطابقه من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله عليه السلام، أو من اتفاق الأمة أو إ (جماع) 2 أهل المدينة، أو العبرة، امتثالا لأمر الإمام الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين 3، المؤتمر لأمر الله عز وجل فيما يحبه ويكرهه، والمنتهي عما نهاه عنه فيما يأخذه ويتركه، والمؤثر رضاه فيما يقدمه ويؤخره، والمجتنب سخطه فيما يورده ويصدره، والعامل بطاعته فيما ينقضه ويبرمه، والمعتصم بحبله فيما يحله ويعقده، 4 " ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم" و (مفـ) ـتاح 5 معالم التنزيل، ومستقر دلائل التأويل، بحر علم لا يظمأ وارده، وطود حلم 6 لا تزول قواعده.
المنفرد بكل مأثورة شريفة، وفضيلة منيفة لا يشركـ (ـه فيـ) ـها 7 أحد، ولايباريه، ولا يطاوله ولا يجا (ريه) 8. [ص6]
قد عم الله عز وجل بفضله و ( ... ) 1 ـه بقاع أرضه، ووصل خير (هـ) 2 إلى الداني والقاصي من خلقه، أطال الله بقاءه، وأحسن عن الإسلام وأهله جزاءه، وعضده (فيما) 3 قلده منها بتوفيقه وكفايته، حتى ينال من أمانيه أبعدها وأجلها، ومن هممه أقصاها وأتمها.
وبعد هذا: فإني أسأل الله حسن العون على تنفيذ أوامره، وتأدية حقوقه، واستفراغ الوسع والطاقة في طاعته، وبما يقع بموافقته، ويكون كفوء 4 نعمته بلطفه وقدرته.
وصلى الله على محمد نبيه.