استئجار الأطباء على العلاج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجبيري
- الكتاب
- التوسط بين مالك وابن القاسم في المسائل التي اختلفا فيها من مسائل المدونة
- المؤلف
- قاسم بن خلف بن فتح بن عبد الله بن جبير، أبو عبيد الجبيري (المتوفى: 378هـ)
- المحقق
- باحُّو مصطفى
- الناشر
- دار الضياء، مصر
- الطبعة
- الأولى, 1426 هـ - 2005 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1 2
"قال ابن القاسم " قال مالك في الأطباء إذا استأجروا عـ (ـلـ) ـى ا (لعـ) ـلاج 3:
فإنما هو على البرء، فإن برأ فله حقه، وإلا فلا شيء له، إلا أن يكونا شرطا شرطا حلالا فينفذ بينهما، وكذلك الكحال يستأجر على كحل العين من وجع بها.
قال ابن القاسم: وأنا أرى إن اشترط أن يكحله كل يوم أو كل شهر بدرهم إن ذلك جائز إذا لم ينقده، فإن برأ قبل ذلك كان للطبيب من ذلك بحسابه، إلا أن يكون صحيح العين، فاشترط عـ (ـليه) 4 أن يكحله (كل) 5 شهر بدرهم، فهذا لا بأس به، وإن اشترط النقد فيه لأنه مما لا (يتوقع برء) 6 ". 7 [ص51] ( ... ) 8
قال أبو عبيد: الأعمال المعقود عليها عقود الإيجارات تنقسم عند مالك قسمين:
معلوم ومجهول لا يتبعض، وإن بعض لم تنفصل أجزاؤه، وفي تبعيضه إبطال الغرض المقصود فيه.
وحكم هذا الضرب من مجهول الأعمال حكم المعلوم في أنه لا يجوز تعليقه بز (مـ) ـان 1 معلوم.
ومجهول متبعض الأجزاء، وهذا الضرب مفتقر إلى زمان معلوم يحصر فيه، ويتعلق استيفاؤه به، إلا ما كان منه معلقا بغاية محدودة متوقعة الكون، فيجوز أن يقتصر به عليها، ويجوز أن يعلق استيفاؤه بها، وبالأجل دونها بمثل العمل المعلوم خياطة الثوب 2، وخرز الخف، والسقاء، وثقب الجوهر، وحفر البئر، إذا كان ذلك كله محصورا بصفة في عين مرئية.
فهذا وما كان في معناه لا يجوز، غير إن تعلق عمله بزمان معلوم، لما في ذلك من الخطر والغرر، إذ قد يجوز ألا يتم ذلك العمل في مدة ذلك الزمان فيذهب عمل المستأجر بغير أجرة، إذا كانت الأجرة لا تجب له إلا بحصول المنفعة التي استؤجر عليها المستأجر، والتخلية بينه وبينها.
إلا أن الأجرة إنما هي ثمن المنافع التي وقع العقد عليها، والثمن لا يجب إلا بتسليم المثمون.
وهذه جملة لا خلاف بين مالك وابن القاسم فيها.
ومثل المجهول الذي لا يتبعض، وفي تبعيضه إبطال الغرض المقصود (منه) 3: استئجار الطبيب على برء العليل، والكحال على برء العين الوجعة، والأجير على ( ... ) 4 فك الأسير، وما جرى مجرى ذلك.
وإنما لم يجز تعليق البرء بزمان معلوم، لأن البرء لا يتبعض ولا تنـ (ـفـ) ـصل 1 أجزاؤه، [ص52] فيقع لكل جزء منه قسطه من الأجرة، وإنما هو منوط بارتفاع العلة 2 المؤثرة في الجسم، أو في العضو المؤلم، فإذا ارتفع التأثير خلفه البرء 3.
وما كان هذا وصفه من الأعمال المستأجر عليها فلا جائز أن يعلق بأجل لما في ذلك من إبطال غرض المستأجر، وأكل ماله بالباطل.
لأن غرض العليل البرء من علته، والبرء غير معلوم الكون فيعلق بزمان يكون فيه.
وكذلك المستأجر على الحج، لا يكون حاجا كامل الحج إلا باستيفاء جميع مناسكه، كما أن الأسير لا ينفك من ذل الأسر بافتكاك بعضه.
وفي تعليق معالجة العليل، وفك الأسير بالأجل إبطال لغرض المستـ (ـأ) جر 4 وإتلاف لماله من غير عوض يعتاضه منه، وهذا من أكل المال بالباطل.
وقد قال الله عز وجل "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل".
ولم يختلف قول مالك وابن القاسم في أن هذه الإجارة إذا علقت بزمان أنها لا تجوز، إلا بشرط أن يكون للمستأجر فسخ ذلك متى شاء.
فدل ذلك على أن الأجل لا يوجب حكما لم يكن واجبا قبله، وإذا كان كذلك فلا معنى لتعليق العمل به.
وقد سئل مالك رحمه الله عن الطبيب يستأجر على البرء بالأجر المعلوم فقال: "لا بأس بذلك" 5 وهو شأن العلاج، يريد - والله أعلم - أن اشتراط البرء في معالجة
الطبيب هو سنة الإجارة في ذلك.
ومثال المجهول الذي لا بد له من زمان يتعلق به: استئجار الظهير على الرضاع، والأجير على الخدمة المطلقة وعلى بيع السلع، وما كان في معناها.
وإنما أوجب أن يكون ما هذا وصفه من الأعمال معلق بزمان معلوم، لأنه مجهول القدر معلوم (الـ .. ) 1 مع ( ... ) 2 المستأجر فوجب أن يعلق بزمان معلوم يحصر فيه قدره، ويكون ظرفا لاستيفاء [ص53] يؤ (دي) 3 إلى العلم به.
كما كان الكيل ظرفا للمكيل يعلم به.
وهذا ما لا أعلم فيه خلافا، أعني في أن العمل المجهول الذي هذا وصفه لا بد له من زمان معلوم يتعلق به، ولولا ذلك لتوى 4 عمل المستأجر وذهب عناؤه باطلا بلا عوض يعتاضه منه.
فأما كل عمل مجهول القدر متعلق بغاية محدودة متوقعة الكون، فإنه لا يجوز أن يعلق بزمان معلوم، ويجوز أن يـ (ـقـ) ـتصر 5 به على الغا (ية) 6 التي هو متعلق بها.
كتعليم القرآن فإن أغراض الناس مختلفة فيه، فمنهم من غرضه حفظه، ومنهم من غرضه حفظ بعضه، وكلا الأمرين سائغ فيه، لأن حفظ جميعه، إنما هو فرض على الكفاية ينوب فيه البعض عن الكل، لأنه أصل العلم.
وطلب العلم فرض على الكفاية، فمن كان غرضه حفظه، جاز له أن يشارط
على حفظه، ولا يعلق ذلك بزمان معلوم.
قال مالك: وقد (سئل) 1 عن الرجل يجعل للرجل عشرين ديزا على أن يعلم ولده القرآن حتى يحذقه "لا بأس بذلك" ثم قال: "القرآن أحق ما تُعلم أو قال: عُلم".
ومن كان غرضه حفظ ما تيسر منه حسن أن يعلق تعليم ذلك بأجل معلوم، لأن الأجل أحصر للعمل في ذلك وأعدل بين الفريقين، والله أعلم.
وأما قول ابن القاسم: وأنا أرى أن يشترط أن يكحله كل يوم أو كل شهر بدرهم، إن ذلك جائز إذا لم ينقذه، فإن برأ قبل ذلك كان للطبيب من الأجر بحساب ما مضى من الشهر، إلا أن يكون صحيح العينين فاشترط عليه أن يكحله كل شهر بدرهم.
فهذا لا بأس به.
وإن اشترط النقد فيه فإنما هو مبني على الاحتياط وتحري العدل بين الفريقين.
فأما القياس: فهو ما شرحناه من قول مـ (ـالـ) ـك 2.
وتفر (يق) ابن القاسم بين الصحيح والسقيم في جواز تقديم الأجرة دليل على ذلك، ألا ترى أنه جوز لذي العين الصحـ (ـيحة) 3 من تقديم الأجرة [ص54] ما حظره على ذي العين العليلة، وإنما ذلك والله أعلم، لأن غرض (الـ ... ـع) في استئجار الطبيب لكحل عينيه استدامة الصحة بذلك، والكحل معلوم الكون مع بقاء المستأجرين ومقدار ما يكحله مجهول، لأنه معلق باجتهاد رأي الطبيب، فـ (ـلا) 4 بد من أجل يحصر فيه ويتعلق استيفاؤه به.
وإذا كان كذلك، دل على (أن عقد الإجارة في) 1 ذلك لازم لهما، وكل عقد يلزم المتعاقدين الوفاء به فتقديم الأجرة فيه جائز.
فإنما غرض العليل: إنما هو البرء من علته، والبرء غير معلوم الكون فبطل أن يجوز تعليقه بزمان يكون فيه، فلو كان لضرب الأجل مدخل في معالجة العليل لجاز (تـ) ـقديم 2 الإجارة فيه، كما جاز ذلك في مشارطة الصحيح، والله أعلم.