مقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
التسويات الحقوقية، وحراسة النظام والوضع الاجتماعي، ولا شأن للتوبة في ذلك.
أما التبعات والآثام الأخروية المترتبة على المعاصي أيا كان نوعها، فهي بسبب تفريطه في جنب الله عز وجل، إذ لم يلتزم أوامره ونواهيه، والتوبة الصادقة تمحو كل ذلك كما أسلفنا.
الصيال
تعريفه:
الصيال لغة: مصدر من صال يصول صولاً وصيالاً، وهي الاستطالة والمواثبة.
والصائل شرعاً: كل من قصد مسلماً بأذى في جسمه أو عرضه أو ماله.
دليل الصيال:
والأصل في حكم الصيال قوله تعالي: ﴿فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾ (سورة البقرة: 194)، وقوله عليه الصلاة والسلام: " من قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد".
(رواه أبو داود [4771] في السنة، باب: قتال اللصوص؛ والترمذي [1421] في الديات، باب: ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد).
أنواع الصائل:
يتنوع الصائل حسب تنوع ما يهدف إليه في عدوانه، فهو ينقسم بناء على ذلك إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الصائل على النفس، وهو الذي يستطيل بالظلم على غيره بقصد القتل أو الإضرار بالجسم بجرح ونحوه.
القسم الثاني: الصائل على العرض، وهو الذي يتجه بالعدوان إلى امرأة ليست زوجته، قريبة كانت له أو أجنبية عنه، بقصد ارتكاب الزنى أو ارتكاب ما
يتيسر له من مقدماته، وكالمرأة في ذلك الذكر.
القسم الثالث: الصائل على مال الغير، والمال كل ما يتمول ويتقوم شرعاً، سواء في ذلك ما يمتلك بوجه من وجوه التملك الشرعي، أو بوضع اليد عليه مثل كلب الصيد والحراسة والأسمدة النجسة ونحوها.
فيدخل في المال النقد والمتقومات المختلفة من أرض ودور ومنتفعات سواء أكانت طاهرة أم نجسة.
حكم الصائل:
مر بنا آنفاً أن الأصل في باب الصيال قوله تعالى: ﴿فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم﴾ (سورة البقرة: 194). فهذه الآية توضح لنا حكم الصائل، وهو جواز مقابلة اعتدائه بالمثل، أي بالرد والصد، وإن استلزم ذلك قتله.
ويدخل في معنى الاعتداء الاستطالة بالأذى على كل من النفس والمال والعرض.
فإذا قصد إنسان إلى أذى المسلم في نفسه أو عرضه أو ماله؛ فهو صائل، ويشرع للمسلم المصول عليه رده، وإن كان الصائل مساماً أو قريباً، إلا أن يكون والداً يصول على ابنه من أجل المال فلا يجوز رده بالمقاومة والعنف.
متى يجب رد الصائل ومتى يجوز ذلك؟
قلنا إن رد الصائل مشروع، وقد عرفت دليل ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكن هل يجب على المصول عليه أن يقاوم ويرد عنه صائله في كل الأحوال أو يجب عليه في بعض الأحوال ويجوز له في بعض الآخر؟ الواقع أنه يجب عليه الدفع في بعض الأحوال ويجوز له في البعض الآخر، وإليك بيان ذلك.
الصيال على المال:
إن الصيال إن كان على المال وكان المصول عليه هو المالك له فالمقاومة
في مثل هذه الحال لا تعدو أن تكون جائزة، فإن شاء أن يستسلم ويترك للصائل المال، فله ذلك، وإن شاء أن يدفع الصائل فله ذلك أيضاً.
هذا إذا كان المصول عليه مالكاً لهذا المال، وأما إذا لم يكن مالكاً له، بل كان أميناً عليه لأصحابه، كرئيس الدولة ونوابه والقائمين على حراسة أراضي المسلمين وممتلكاتهم، كالجيش والجند، فيجب عليهم مقاومة الصائل ورده، لأن الأمين على مال غيره ملزم بالمحافظة عليه، ولا يملك التبرع به.
الصيال على البضع:
وإن كان الصيال على بضع، فإن الرد والمقاومة ودفع الصائل تجب عندئذ أيا كان الصائل، مسلماً أو كافراً، قريباً أو غريباً، لأنه لا سبيل إلى إباحته، ومثل البضع مقدماته.
الصيال على النفس:
وإن كان الصيال على النفس نظر، فإن كان الصائل كافراً وجب رده، فإن تراخى عن ذلك باء بالإثم والعصيان، لأن الاستسلام للكافر ذل في الدين.
وكذلك يجب الدفع إذا كان الصائل بهيمة، لأنها تذبح لاستبقاء الآدمي، فلا وجه للاستسلام لها.
وكذلك يجب الدفع إن كان الصيال على عضو أو على منفعة عضو.
وأما إن كان الصائل مسلماً وكان المصول عليه هو المقصود بالإيذاء والقتل، فإن الرد والمقاومة تكون عند ذاك جائزة ليست بواجبة، إذ له أن يضحي بحياته في سبيل أن يحقن دم أخيه المسلم ولو كان معتدياً عليه، بل استحب بعض الفقهاء ذلك لما رواه أبو داود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فليكن كخير ابني آدم".
(سنن أبي داود [4259] في الفتن والملاحم، باب: في النهي عن السعي في الفتنة؛ كما أخرجه الترمذي وابن ماجه في الفتن أيضاً).
يعني قابيل وهابيل، أي كن كالذي لم يبسط يده إلى أخيه بالقتل وهو هابيل، ولا تكن كالمعتدي القاتل وهو قابيل، ولقد قص الله علينا قصتهما في القرآن الكريم إذ قال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ
الْمُتَّقِينَ.
لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ.
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (سورة المائة: 27 - 30).
ولأن عثمان رضي الله عنه يوم الدار منع عبيده من الدفاع عنه، وكانوا أربعمائة، وقال لهم: من ألقى سلاحه فهو حر، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكره أحد منهم.
وأما إن كان المصول عليه غير مقصود بالإيذاء أو القتل، بل كان المعتدي يهدف إلى أسرته وأولاده، أو يهدف إلى رعيته وشعبه، فإن المقاومة حينذاك واجبة، لأن المعتدي عليه أمين على أرواح الآخرين، لكونه رب أسرة، أو حاكم أمة.
كيف يدفع الصائل ومتى يذهب دمه هدراً؟
الصائل إما أن يكون معصوم الدم كالمسلم، أو غير معصوم الدم كالمرتد والزاني المحصن، فإن كان غير معصوم الدم، فللطرف المعتدى عليه أن يبدأ مباشرة بقتله، وليس عليه أن ينذر أو يبدأ بالأخف ثم الأشد.
وأما إن كان معصوم الدم كمسلم وذمي ومعاهد، فإن تنبه المعتدى عليه إليه وهو يباشر الجريمة، كتلبسه بالفاحشة، أو قتل بريء فله أن يباشر القتل دون أية مقدمات، وإذا قتل الصائل في هذه الحالة فدمه هدر، لا قصاص فيه ولا دية.
وأما إن تنبه إليه المعتدى عليه وهو يحاول الوصول إلى غايته العدوانية، من قتل أو سرقة أو فاحشة أو نحو ذلك؛ وجب عليه أن يدفع الصائل بالأخف فالأخف، على حسب غلبة الظن، فان أمكن دفعه بكلام واستغاثة حرم الضرب، وإن أمكن بضرب بيد حرم الضرب بسوط، وإن أمكن بالضرب بسوط حرم الضرب بعصا، وإن أمكن بقطع عضو حرم القتل، لأن ذلك جوز للضرورة، ولا ضرورة للأثقل متى ما أمكن بالأخف.
فإن لم يندفع إلا بالقتل فقتله كان دمه هدراً لا قصاص فيه ولا دية، أما إذا
أمكن دفعه بالأخف فقتله لزمه القصاص، لأنه حينذاك معتد فهو ضامن.
صور من الصيال وأحكامها:
أولاً: من نظر إلى حرم رجل في داره، من كوة أو ثقب عمداً، فرماه صاحب الدار بخفيف كحصاة ونحوها، فأعماه أو أصاب قرب عينه فمات فهدر، ودليل ذلك ما ورد في الصحيحين: "لو اطلع أحد في بيتك، ولم تأذن له فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح".
(رواه البخاري [2158] في الآداب، باب: تحريم النظر في بيت غيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه).
وهذا مشروط بأن لا يكون للناظر محرم وزوجة، لأن له في النظر شبهة، كما لا يقطع بشركة المال المشترك.
ثانياً: لو عزر ولي ووال من تحت أيديهما: زوج زوجته، ومعلم صغيراً يتعلم منه؛ فإذا حصل به هلاك، فإن كان بضرب يقتل غالباً فالقصاص ما لم يكن ذلك من أصل، وإذا لم يكن الضرب قاتلاً فمات فعليهم دية شبه العمد تدفعها العاقلة، لأن ذلك مشروط بسلامة العاقبة، إذ المقصود التأديب لا الهلاك، فإذا حصل هلاك تبين أنه جاوز الحد المشروع.
ثالثاً: لو حد الإمام أو نائبه الحد المقدر من غير زيادة فمات المحدود فلا ضمان، لأن الإمام بما يجب عليه، وسواء أكان ذلك الحد جلداً أو قطعاً، وسواء جلده في حر أو برد مفرطين أم لا، وسواء أكان في مرض يرجى برؤه أم لا.
رابعاً: للبالغ العاقل الحر إذا ظهر في بدنه سلعة أي خراج كهيئة الغدة أن يقطعها إذا لم تكن مخوفة، أما إذا كانت مخوفة ولا خطر في تركها فلا يجوز له قطعها، وكذلك الحكم إذا كان الخطر في قطعها أكثر.
ولأب وجد قطع السلعة من صبي ومجنون مع الخطر إن زاد خطر الترك على خطر القطع، لأنها يليان صون مالهما عن الضياع، فصون بدنهما أولى.
ومثل قطع السلعة ما يجري من العمليات الجراحية كقطع عضو متآكل، وقطع العروق والكي وما أشبه ذلك.
وللسلطان فعل ذلك بلا خطر، ويجوز للسلطان والأب والجد وبقية الأولياء فصد وحجامة بلا خطر، إذا أشار الأطباء بذلك، للمصلحة مع عدم الضرر، ولا يجوز ذلك للأجنبي، لأنه لا ولاية له عليهما.
فلو فعل هؤلاء ما يجوز لهم فمات الشخص فلا ضمان عليهم.
خامساً: إذا قتل جلاد أو ضرب بأمر الإمام، فإن جهل ظلم الإمام وخطأه لم يضمن هو، وكان الضمان على إمام قوداً ومالاً لا على الجلاد، أما إذا علم ظلمه وخطأه فالقصاص والضمان على الجلاد وحده، هذا إذا لم يكن إكراه من جهة الإمام، فإن كان إكراه فالضمان عليهما بالمال قطعاً.
سادساً: لو عضت يده خلصها بالأسهل من فك لحييه فضرب شدقيه فإن عجز فسلها فسقطت أسنانه فهدر ولا ضمان، وذلك لما في الصحيحين: أن رجلاً عض يد رجل فنزع يده من فيه، فوقعت ثناياه، فاختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " أيعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل، لا دية لك ". (رواه البخاري [6497] في الديات، باب: إذا عض رجلاً فوقعت ثناياه، ومسلم [1673] في القسامة، باب: الصائل على نفس الإنسان أو عضوه، عن عمران بن حصين رضي الله عنه).
ولأن النفس لا تضمن بالدفع، فالأجزاء أولى.
"
تنبيه
":
يحرم على المتألم تعجيل الموت وإن عظم ألمه ولم يطقه، لأن برءه مرجو.
وذكر الخطيب الشربيني أن الشخص إذا ألقى نفسه في محرق علم أنه لا ينجو منه إلا إلى مائع مغرق ورآه أهون عليه من الصبر على لفحات المحرق، جاز لأنه أهون عليه.
المسؤولية التقصيرية
المقصود بالمسؤولية التقصيرية:
المسؤولية التي تقع على عاتق المكلف، لا تعدو أن تكون لأحد سببين:
الأول: قصد عدواني كمسؤولية القاتل عمداً، والسارق، والمغتصب، والقاذف، وقاطع الطريق.
الثاني: إهمال وتقصير في الرعاية والحذر، تسبب عنها ضرر مالي أو جسمي أصاب بريئاً محترماً معصوم الدم، كدابة رجل أتلفت زرعاً لصاحب بستان.
فالمسؤولية التقصيرية: هي الحكم الشرعي الناتج عن تقصير الإنسان في تقدير الظروف، أو القيام بالرعاية والحذر المطلوبين، من ضمان ونحوه.
الأثر الشرعي المترتب على المسؤولية التقصيرية:
إذا أمكن تصور التقصير في ميزان النظر الشرعي؛ ثبتت المسؤولية المترتبة عليه، وإنما يظهر أثر هذه المسؤولية بضمان المقصر للمثل أو القيمة، أو بتكليفه بما ينزل منزلة الضمان كالدية والأرش ونحوهما.
واعلم أن التقصير في نظر الشرع يثبت حكماً إذا كانت الواقعة تحتمله، سواء أكان صاحب الواقعة مقصراً في الحقيقة أم لا، فلا يشترط لتكليفه بالضمان أن يقوم تحقيق لبيان الدليل على تقصيره، بل الشرط الوحيد أن يكون الواقعة مما يتصور إمكان التفريط والتقصير فيها، فيحكم على صاحبها بالضمان جبراً للضرر، وحيطة في الأمر، وتسوية للحقوق بين الناس.
أمثلة تطبيقية للمسؤولية التقصيرية:
1 - القتل الخطأ ـ وقد مر بك تعريفه ـ يستوجب الدية، ولا شك أن القاتل لا يتحملها لذنب ارتكبه، أو لعدوان بدر منه، ولكنه يتحملها لتصور تقصيره في أخذ الحيطة، حتى وإن لم يكن مقصراً في الواقع ونفس الأمر.
2 - أقام جدار بيته مائلاً، فانقض بدون قصد منه، فهلك تحته إنسان معصوم الدم، أو تلف تحته مال، وجبت على عاقلته دية الإنسان، وعلى صاحب الجدار ضمان المال لصاحبه، لا زجراً له عن عدوان أو معصية ارتكبها، بل جبراً لمصيبة وقعت على أخيه، لسبب يتصور أن لتقصيره دخلاً فيه.
3 - أتلفت الدابة أو السيارة مالاً، كزرع ونحوه، أو أهلكت أو جرحت إنساناً معصوم الدم؛ وجب على راكبها أو سائقها أو قائدها مالكاً كان أو مستأجراً ضمان الزرع والمال، ووجبت الدية على العاقلة، لأن جناية الدابة أو السيارة ونحوها تعتبر في الحكم جناية من هي في يده، أيا كان صاحب اليد.
صور احترازية لا مسؤولية فيها:
1 - سقطت الدابة ميتة أو مات سائق السيارة أثناء قيادتها، فأهلكت الدابة أثناء وقوعها أو السيارة أثناء اقتحامها مالاً، أو قضت على إنسان، فلا مسؤولية على سائق الدابة، ولا على أحد من ورثة سائق السيارة، إذ لا مجال لتصور التقصير على أحد.
2 - نخس الدابة إنسان بغير إذن صاحبها أو مستأجرها الذي يضمن جنايتها، فجمحت فأتلفت مالاً، فليس من ضمان على من هي في يده، لعدم تصور أي تقصير منه في الأمر، وإنما الضمان على الناخس، إذ هو المتسبب المباشر.
ومثل ذلك ما إذا سلم أجنبي سيارة شخص إلي مجنون؛ فساقها فأتلفت شيئاً فإن صاحب السيارة ـ وهو صاحب اليد ـ لا يعد ضامناً، إذ لا مجال لإسناد أي تقصير إليه، وإنما الضمان على الأجنبي.
3 - أرسل الدابة نهاراً وأسلمها إلى طريقها الذي ألفته وعرفته، فأتلفت زرعاً أو
نحوه في طريقها؛ لا يضمن صاحبها ما أتلفت، إذ لا مجال لإسناد أي تقصير إليه.
بخلاف ما لو أرسلها ليلاً فأتلفت شيئاً؛ فإنه لتقصيره في إرسالها في وقت غير صالح لذلك.
وتحقيقاً لهذا الفرق قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ فيما رواه أبو داود [3570] وغيره ـ على أهل الحوائط "أي البساتين" حفظ بساتينهم بالنهار، وعلى أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل.
ذلك لأن العرف جار على حفظ الزر وع ونحوها نهاراً، وحفظ الأنعام ليلاً، فلو اختلف العرف اختلف الحكم تبعاً له.
القاعدة المستخلصة للمسؤولية وعدمها:
نستخلص من الأمثلة السابقة القاعدة المعتمدة التالية:
أ - تناط المسؤولية بمن باشر إحداث ضرر بالغير، أو تسبب لما ينتهي بإحداث ضرر بالغير قصداً أو بغير قصد، وهي إما أن تكون مسؤولية عدوان أو مسؤولية تقصير.
ب - لا تناط المسؤولية بالمتسبب غير المباشر، إذا انقطعت فاعلية تسببه، لتدخل عنصر أجنبي، كأن حفر رجل بئراً في الطريق، فألقى آخر بنفسه فيها متعمداً، فلا يضمن الحافر، لأن تسببه قد انقطع أثره بتدخل هذا الذي ألقي بنفسه في البئر عمداً.
وكأن ترك رجل دابته أمام زرع بدون أن يوثقها، فجاء آخر فنخسها فجمحت فأتلفت بذلك شيئاً، فإن المسؤولية تزول عن صاحبها المتسبب، لانتساخ تسببه ذاك بفعل هذا الأجنبي.
جـ - لا تحمل المسؤولية لأحد في ضرر نجم عن قوة قاهرة لا يستطيع الإنسان دفعها، كمثال موت الدابة، وموت سائق السيارة، وكما لو وضع حجراً في مكان آمن، فأقبل سيل داهم جرف الحجر من مكانه، وألقي به حيث أتلف شيئاً، إذ لا مجال لتصور التقصير في ذلك.
البغاة وأحكامهم
من هم البغاة؟
البغاة: جمع باغ، وهو كل متجاوز للحد الذي ينبغي أن يلتزمه.
والبغي في أصل اللغة الظلم.
والمقصود بالبغاة هنا: جماعة من المسلمين خرجوا على أمام المسلمين، وتمردوا على أوامره، أو منعوا حقاً من الحقوق، سواء أكان هذا الحق لله أم للناس.
حكمهم
: يجب على أمام المسلمين إذا بدرت بادرة البغي بالمعني الذي ذكرناه، من أي فئة من فئات المسلمين؛ أ، يبادر فيبعث إليهم من يسألهم عن مطالبهم، وما قد يكرهونه من أمره، فإن ذكروا علة يمكن إزالتها دون أن تترك أثراً سيئاً أو تستلزم ضرراً؛ وجب إجابتهم إلى ما يريدون، وإن لم يكن ذلك أو لم يذكروا علة وجيهة لبغيهم، وعظهم وخوفهم بالقتال، وأمرهم بالعود إلى الطاعة، فإن لم يتعظوا أعلمهم بالقتال، فإن أبوا وأصروا على ما هم عليه قاتلهم وجوباً.
شروط قتال البغاة
: يشترط لقتال البغاة الشروط التالية: أولاً: أن يكونوا في شوكة ومنعة، لكثرة أو قوة، ولو بحصن بحيث يمكنهم معها مقاومة الإمام، فيحتاج في ردهم إلى الطاعة لكلفة من بذل مال وتحصيل رجال.
ثانياً: أن يخرجوا بشكل فعلي عن قبضة الإمام بسبب المنعة التي ذكرناها، إذ لو كانوا في قبضته وتحت سلطانه؛ لكان في غنى عن أن يناصبهم القتال، ولأمكن أن يكتفي بمعاقبتهم بما يراه من حبس وغيره.
ثالثاً: أن يعتمدوا تأويلاً سائغاً له مجال في النظر والاجتهاد، يسوغون به تمردهم عليه، وإن كان هذا التأويل فاسداً إلا أنه لا يقطع بفساده، وذلك كتأويل الذين خرجوا على علي رضي الله عنه من أهل الجمل وصفين، بأنه يعرف قتلة عثمان رضي الله عنه، ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لمواطأته إياهم.
فلو لم يكن لهم تأويل أو اجتهاد يعتمدون عليه في عصيانهم للأمام؛ لم يترتب عليهم حكم البغاة، ووجب قتالهم بوصف كونهم فسقة، بل ربما يكفرون إذا استحلوا عصيان إمام المسلمين، والخروج على أمره دون معتمد شرعي يستندون إليه.
رابعاً: أن يكون لهم مطاع فيهم يحصل به قوة لشوكنهم، وإن لم يكن إماماً منصوباً فيهم، يصدرون عن رأيه، إذ لا قوة لمن لا يجمع كلمتهم مطاع.
هذا ومن المهم أن تعرف أن البغاة لا يفسقون ولا يكفرون، وإن وجب على الإمام قتالهم؛ لأن لهم من وجهة النظر الشرعي ما يعتبر عذراً لهم بزعمهم هم.
دليل حكم قتالهم وحكمته
:
أما دليل وجوب قتالهم فقوله عز وجل: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: 9).
قال العلماء: هذه الآية وإن لم يكن فيها ذكر الخروج على الإمام، لكنها تشمله لعمومها، أو تقتضيه قياساً، لأنه إذا طلب القتال لبغي طائفة على طائفة فلأن يطلب ذلك للبغي على الإمام من باب أولي.
وكالآية حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة
الإسلام من عنقه ". (أخرجه أبو داود [4758] في السنة، باب: في القتل الخوارج، عن أبي ذر رضي الله عنه).
وأما الحكمة من وجوب قتالهم ـ رغم ما قلنا من أنهم يعتمدون في عصيانهم على شبهة شرعية ـ فهي أن استتباب الأمر للإمام بعد صحة إمامته على المسلمين وشرعيتها، أساس كلي هام لاجتماع شمل المسلمين وبقاء وحدتهم، وخوف الأعداء منهم، وهو ما أمر الله المسلمين بالدخول في بيعة أمام لهم من أجله، وذلك كان من الواجب على عامة المسلمين طاعة الإمام ولو كان جائرا، لكن الطاعة مشروطة بما لا معصية فيه، وذلك لأن عصيان العامة للإمام أخطر على المسلمين من وجوره في حقهم.
فمن أجل ذلك أمر الله الحاكم بقتال أهل البغي، دون أن يشفع لهم اجتهادهم ومعتمدهم الذي يستندون إليه، إذ إن خضوعهم لأمره أعظم خيراً للمسلمين من تمسكهم باجتهادهم.
طبيعة قتال البغاة ومظاهر الفرق بينه وبين غيره
:
يمتاز قتال البغاة عن القتال غيرهم من الكفار والفسقة والأعداء بمظاهر هامة، نظراً إلى أن البغاة لا يفسقون كما قلنا، ولا ينسبون إلى أي بدعة، وإنما الضرورة هي التي تدعو إلى قتالهم حفظاً للأمن، ووقاية لوحدة المسلمين أن لا تصدعها الفتن، وإليك خلاصة هذه المظاهر:
أ - يجب أن يسبق القتال نصح وحوار بينهم وبين ممثلي الإمام، كما فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الذين خرجوا عليه، فقد بعث إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه ليناظرهم فيما يدعون.
فلعلهم يرجعون إلي الحق أو يرجع بعضهم.
ففي الحلية لأبي نعيم عن ابن عباس قال: لما اعتزلت الحرورية قلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد عني الصلاة لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم، قال: أني أتخوفهم عليك، قال قلت كلا إن شاء الله، فليست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة، فدخلت علي قوم لم أر قوماً أشد اجتهاداً منهم، أيديهم كأنها ثفن إبل ـ جمع ثفنة وهي
ركبة البعير وما مس الأرض من كركرته ـ ووجوههم مقلبة من آثار السجود، قال: فدخلت فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس، ما جاء بك؟ قال؟ جئت أحدثكم، على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل الوحي، وهم أعلم بتأويله، فقال بعضهم: لا تحدثوه، وقال بعضهم: لنحدثنه.
قال: فقلت أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وختنه وأول ممن آمن به، وأصحاب رسول الله معه؟ قالوا: أولاهن أنه حكم الرجال في دين الله، وقد قال الله عز وجل: ﴿إن الحكم إلا الله﴾ (سورة الأنعام: 57)، قال: قلت: وماذا؟ قالوا: قاتل ولم يسب ولم يغنم، لئن كانوا كفاراً لقد حلت له أموالهم، وإن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم، قال: قلت: ثم ماذا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
قال: قلت أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - ما لا تنكرون أترجعون؟ قالوا: نعم، قال: قلت أما قولكم إنه حكم الرجال في دين الله فإنه يقولك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ ... (سورة المائدة: 95).
وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا﴾ (سورة النساء: 35).
أنشدكم الله أفحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق، أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ فقالوا: اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم، فقال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم.
قال: وأما قولكم إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام، أن الله عز وجل يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (سورة الأحزاب: 6)، فأنتم تترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيتهما شئتم، أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم.
قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين؛ فإن، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا قريشاً يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتاباً، فقال: اكتب هذا ما
قاضي عليه محمد رسول الله، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبدالله، فقال: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب يا على محمد بن عبدالله.
فرسول الله كان أفضل من علي، أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم، فرجع منهم عشرون ألفاً، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا.
(انظر كتاب الحلية لأبي نعيم [1/ 318 ـ 320]).
وفي البداية والنهاية لابن كثير: أن علياً بعث إلى الخوارج عبدالله بن عباس، حتى إذا توسط عسكرهم، فقام ابن الكوا فخطب الناس فقال: يا حملة القرآن، هذا عبدالله بن عباس، فمن لم يكن يعرفه فإني أعرفه، ممن يخاصم في كتاب الله بما لا يعرفه، هذا ممن نزل فيه وفي قومه: ﴿بل هم قوم خصمون﴾ فردوه إلى صاحبه ولا تواضعوه كتاب الله، فقال بعضهم: والله لنواضعنه، فإن جاء بحق نعرفه لنتبعنه، وإن جاء بباطل لنكبتنه بباطلة، فواضعوا عبدالله الكتاب ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب، فيهم ابن الكوا، حتى أدخلهم على علي الكوفة 1.
فإن لم يجد الحوار والنصح بينهم وبين ممثلي الإمام؛ يتل ذلك التحذير والتخويف من عاقبة الاستمرار على العصيان، ثم يتبع ذلك الإنذار بالقتال، حتى إذا لم تجد هذه الأسباب كلها شيئاً؛ وجب القتال.
وقد مر بيان هذا غي أول البحث.
ب - لا يجوز بعد بدء القتال ملاحقة المدبرين منهم، ولا القضاء على المثحنين بالجراح منهم، وإنما يحصر القتال في مواجهة من يواجه القتال بمثله.
جـ - لا يجوز قتل كم يؤسر منهم، لصريح ما ورد من النهي عن ذلك في حديث البيهقي [8/ 182] عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابن مسعود: يا ابن أم عبد ما حكم من بغي من أمتي؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل جريحهم، وزاد البيهقي:
ولا يغنم فيئهم.
وروى ابن أبي شيبة ـ مغني المحتاج [4/ 127]ـ أن علياً رضي الله عنه أمر مناديه يوم الجمل فنادي: لا يتبع مدبر، ولا يذفف على جريح، ولا يقتل أسير، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن.
نعم يجب حبسه إن لم يذعن للمبايعة والاحتفاظ به، إلى أن تنقضي الحرب ويتفرق جمع البغاة، ليكفى شره، ثم يطلق سراحه بعد أن يأخذ عليه العهد أن لا يعود إلى القتال، فإن خيف من نكثه العهد جاز إبقاؤه في السجن، حتى يغلب على الظن صدقه في العهد.
أما إذا أذعن للطاعة قبل انقضاء الحرب؛ وظهرت علائم الصدق عليه، فيجب المبادرة إلى إطلاق سراحه.
د - لا يجوز امتلاك شيء من أموالهم على وجه الغنيمة، بل ينظر:
فما كان منها آلات حرب فيحتفظ بها إلى أن تضع الحرب أوزارها، ويطمئن الحاكم إلى أنهم لم يعودوا إلى القتال، فتعاد إليهم عند ذاك، فإن بقي الخوف قائماً من عودهم إلى القتال لم تسلم إليهم، وبقيت تحت يد الدولة على وجه الاحتفاظ لا الامتلاك.
وما كان منها أموالاً عادية؛ فيجب إعادته إلى أصحابه عند انقضاء الحرب، وإن خفنا عودهم إلى القتال.
الآثار المترتبة على قتال البغاة
:
1 - إذا بدأ الإمام قتال البغاة بالشروط التي ذكرناها، وبعد المقدمات التي أوضحناها، فمن قتل منهم أثناء المعركة فدمه هدر، لا يتابع قاتله بقصاص ولا دية، لما عرفت من مشروعية هذا القتال ووجوبه.
2 - إذا انقضت الحرب وقتل جنود الإمام أحد البغاة، فإن كان قد بايع على السمع والطاعة اقتص من القاتل، إلا أن يحلف القاتل أنه ظنه باغياً أي مصراً على العصيان، فيطالب بالدية ويسقط القصاص.
3 - إذا قتل الأسير أو ذفف الجريح وجبت ديته على القاتل، وسقط القصاص لوجود الشبهة في جواز قتله، وقد مر بك حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ادرؤوا الحدود ما استطعتم".
أحكام الردة
معنى الردة
:
الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وهي في اصطلاح الشريعة الإسلامية: الرجوع عن الإسلام بعد اعتناقه إلى أي دين من الأديان، أو عقيدة من العقائد.
والردة أفحش أنواع الكفر، وأغلظه حكماً وأثراً، ومن الأدلة على ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (سورة البقرة: 217).
ضابط ما تكون به الردة
:
تقع الردة عن الإسلام بواحد من ثلاثة أشياء:
الأول: إنكار حكم مجمع عليه، معروف في الدين بالضرورة: كإنكار وجوب الزكاة والصوم والحج، وكإنكار حرمة شرب الخمر، أو أكل الربا، وإنكار أن القرآن كلام الله عز وجل، فهذه أحكام معروفة بالضرورة لكل مسلم، يستوي فيها علماء الدين وغيرهم، ولذلك كان الجحود بها من أسباب الردة.
أما إن أنكر حكماً غير مجمع عليه، أو مجمع عليه ولكنه خفي عن كثير من الناس، فإن إنكاره لا يستلزم الردة، كما أنكر مشروعية صلاة الضحي، أو أنكر حرمة زواج المطلقة قبل انقضاء عدتها.
الثاني: أن يفعل فعلاً من خصائص الكفار: كالسجود لصنم، وممارسة
شيء من عبادات الكفار، أو أن يفعل فعلاً يتنافي مع التزامه لدين الإسلام: كأن يلقي مصحفاً في قاذورة متعمداً، وكالمصحف كتب الحديث والتفسير، بشرط أن يفعل ذلك مختاراً لا مكرهاً.
الثالث: أن ينطق بقول يتنافى مع التزامه الإسلام، سواء صدر ذلك عنه اعتقاداً، أو عناداً، أو استهزاء؛ مثاله: أن يسب الدين، أو الإله، أو أحد الأنبياء، أو أن يقول مثلاً: الإسلام لا يتلاءم مع الرقي الإنساني، أو الخالق غير موجود، أو الزكاة تتنافى مع المجتمع الاشتراكي، أو إن إلزام المرأة بالحجاب مظهر من مظاهر التخلف.
فمثل هذه الأقوال مستوجبة للردة، سواء كان الدافع إلى النطق بها اعتقاداً، أو غضباً، أو عناداً: كأكثر الذين يسبون الدين، أو يشتمون الإله عز وجل في ظروف غضب أو مشاكسة، أو استهزاء لمجرد إثارة الضحك وأسباب اللهو والسخرية: كمن يقول لزميله الذي يعظه: إذا دخلت الجنة غداً فأغلق الباب خلفك، ولا تدخلني معك.
التحذير من الوقوع في الردة
:
لاحظت مما مضي بيانه أن الردة قد تكون بكلمة يتلفظ بها القائل، أو بتصرف يراه بسيطاً غير ذي مدلول، أو بتكذيب لحقيقة يظن صاحبه أنه لا يعبر بذلك عن أكثر من حرية الرأي والتفكير.
غير أن هذا التصرف أو الكلام الذي يراه صاحبه أمراً غير ذي بال، ينبني عليه انقلاب كلي خطير في مصير صاحبه بعد الموت، فهو بعد أن كان في حكم الله تعالى من المسلمين الذين يجوز أن يتجاوز الله عن جميع سيآتهم، ويجعل ذلك كله داخلاً في شفاعة إسلامهم، أصبح من الكافرين الذين يئسوا من رحمة الله تعالى مهما جاؤوا بد من الأعمال الإنسانية المبرورة.
كما ينبني عليه انقلاب خطير في حكم النظر إليه، والتعامل معه، في نطاق المجتمع الإسلامي في دار الدنيا، حيث تسلب منه الحقوق التالية:
أ - حق الحياة، إذ يجب إعدامه.
ب - حق الامتلاك، حيث تسقط ملكيته.
جـ - تلغى سائر أوضاعه الشرعية بالنسبة لحالته الشخصية من زواج وميراث وغير ذلك.
وسنذكر تفصيل ذلك فيما يلي.
إذا علمت هذا، فيجب على المسلم أن يحجز لسانه عن التفوه بالكلمات التي تستوجب الردة، مهما ثار به غضبه، وليجهد جهده أن يعبر عن غضبه وثورته بأي شيء أخر غير الكلمات التي تستوجب الردة، فتستوجب على أثر ذلك خراب داره في الدنيا والآخرة.
حد الردة
:
وحد الردة يشمل الرجل والمرأة على السواء دون بينهما، فإذا صدر من الرجل أو المرأة ما يستوجب الردة مما مر ضابطه آنفاً، وكان كل منهما بالغاً عاقلاً، ترتيب الأحكام التالية:
أولاً: وجوب استتابته فوراً، إذ يفرض أنه لم يرتد إلا لشبهة اعترضته، أو لغضب أفقده الرشد والضبط أفقده الرشد والضبط، فينبه إلى الحق والرشد، عن طريق الاستتابة والنصح، والتنبيه إلى بطلان ما ارتد إليه، وخطورة ما انقلب إليه.
ثانياً: التحذير من عواقب الإصرار على ردته إن لم يستجب لطلب التوبة، حيث يوضح له أنه سيقتل إن هو أصر على كفره، عناداً كان، أو اعتقاداً، أو استهزاءً.
ثالثاً: وجوب القتل إن أصر على ردته، ولم يتب، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من بدل دينه فاقتلوه ". (رواه البخاري [2854] في الجهاد، باب: لا يعذب بعذاب الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما).
وروى البخاري [6484] في الديات، باب: قول الله تعالى: أن النفس بالنفس؛ ومسلم [1676] في كتاب القسامة، باب: ما يباح بد دم المسلم، عن عبدالله رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا أله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة ".
وروى الدارقطني [3/ 118] عن جابر رضي الله عنه: أن امرأة يقال لها أم
رومان ارتدت، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعرض عليها الإسلام، فإن تابت وإلا قتلت.
شروط إقامة الحد على المرتد
:
قلنا فيما سبق: إن حد الردة هو القتل فوراً، ولكن لا يقام حد الردة ألا إذا توفرت الشروط التالية:
1 - البلوغ والعقل، فلا عبرة بردة الصبي والمجنون، لأنهما غير مكلفين، إلا أن على ولي الصبي تأديبه وزجره واستتابته مما تصرف أو تفوه به.
2 - الاستتابة، فلا يجوز قتل المرتد قبل أن يستتاب، ولكنه بعد الاستتابة يقتل فوراً، ولا يمهل إن لم يتب.
روى البخاري [6525] في كتاب استتابة المرتدين، باب: حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم: حديث تولية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه على اليمن، فيه: ثم اتبعه معاذ بن جبل رضي الله عنه، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم، ثم تهود، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به فقتل.
[قضاء الله: أي هذا قضاء الله.
ثلاث مرات: أي كرر قوله ثلاثاً].
3 - ثبوت ردته بإقرار أو شهادة صحيحة متوفرة الشروط.
الآثار المترتبة على الارتداد
:
إذا ارتد المسلم، وثبت على ردته، ولم يتب، ترتبت، آثار هامة على ذلك، علاوة على ما ذكرنا من وجوب إقامة الحد عليه قتلاً، وهذه الآثار هي:
1 - الحجر التام على سائر أمواله، حيث توضع تحت إشراف الإمام الأكبر، أو من يرفع الحجر عنها، ويتبين أنه كان خلال ارتداده مالكاً لها.
وإن لم يتب وقتل، تبين أن ملكيته عليها زالت منذ ارتداده.
ومعنى ذلك أن الحكم بمصير ملكيته يكون موقوفاً على معرفة نتيجة أمره من توبة، أو إصرار يعقبه قتل.
2 - بطلان سائر تصرفاته وعقوده المدنية من بيع وشراء وهبة ورهن، ونحو ذلك، إذ يفقد بالردة أهليته لذلك كله.
3 - انقطاع حق التوارث فيما بينه وبين أقاربه.
فلو مات قريب له مسلم أثناء ردته، لم يرث منه شيئاً، وإن كان في الأصل معدوداً من الورثة له، لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
(رواه البخاري [6383] في الفرائض، باب: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم؛ ومسلم [1614] في الفرائض، في فاتحته، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما).
4 - يفصل بينه وبين زوجته، ويعتبر عقد الزواج ببينهما موقوفاً، فإن تاب ورجع إلى الإسلام خلال مدة العدة، عادت إليه زوجته بدون عقد، ولا رجعة، ويتبين استمرار عقده الأصلي صحيحاً، وإن لم يتب خلال مدة العدة، فسخ العقد، وتبين أن فسخه كان منذ ساعة ارتداده، فإذا تاب بعد ذلك لم يكن له أن يعود إليها إلا بعقد ومهر جديدين.
الآثار المترتبة على قتل المرتد
:
وهي غير الآثار المترتبة على ردته بقطع النظر عن القتل، وهي تتلخص فيما يلي:
1 - حرمة تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، إذ لم يستوجب القتل إلا لخروجه عن دارة الإسلام وحكمه، وإنما يغسل ويكفن ويصلي عليه من كان خاضعاً لدين الإسلام ملتزماً لحكمه، قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌَ﴾ (سورة البقرة: 217).
2 - لا يدفن في مقابر المسلمين، بل تحفر له حفرة في مكان ما بعيداً عن مقابر المسلمين، ويوارى فيها.
3 - لا يرثه أحد من أقاربه، لانقطاع الأساس الذي تقوم عليه القرابة المعتبرة في الإسلام، وهو وحدة الدين، للحديث السابق ذكره، ولأن ملكيته تزول عن الأموال التي في حوزته بالردة، غير أنه لا يقضي بذلك إلا بعد موته مرتداً، إذ يتبين بذلك أنه منذ اللحظة التي ارتد فيها عن الإسلام لم يعد مالكاً لشيء مما تمتد يده عليه.
أحكام ترك الصلاة
أهمية الصلاة في الإسلام:
الصلاة أول مظهر من مظاهر الإسلام في حياة المسلم، وأهم تعبير عن عبودية الإنسان لله عز وجل، وحسبك من أهميتها خطورة أمرها قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ (سورة النساء: 103)، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (سورة طه: 132).
فإذا ترك المسلم الصلاة، فقد قطع بذلك شوطاً كبيراً إلى الكفر، وقلما يواظب المرء على ترك الصلاة، ثم تسلم في قلبه عقيدة الإسلام، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".
(رواه مسلم [82] في الإيمان، باب: إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة).
وإذا واظب المسلم على الصلاة جعل الله له منها كفارة لآثامه، وطهوراً لأدرانه، وكان له منها نسب موصول إلى الله عز وجل يري أثره عند الموت، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات، فما ترون ذلك يبقي من درنه؟ "، قالوا: لا شيء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "فإن الصلوات الخمس تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن".
(رواه البخاري [505] في مواقيت الصلاة، باب: الصلوات الخمس كفارة؛ ومسلم [668] في المساجد، باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات).
حكم تارك الصلاة
: ينقسم تارك الصلاة إلى ضربين: الأول: من يتركها غير معتقد بوجوبها، أو مستخفاً بشأنها، فهو بذلك يكون
مرتداً، وقد مر بيان حكمه وحده، إذ إنه أنكر أمراً معروفاً من الدين بالضرورة.
الثاني: من يتركها موقناً بوجوبها، كأن كان الحامل على تركها الكسل أو نحوه، فهذا المسلم مرتكب لجرم كبير يستوجب ـ إن هو أصر على ذلك ـ حداً من حدود الإسلام.
فيؤمر أولاً بالتوبة، والنهوض إلى الصلاة، وينبغي أن يقوم بذلك الحاكم، أو من ينوب منآبه، فإن لم يقم بذلك كان على أي مسلم أن يقوم مقامه، في أمره بالتوبة، وهو أمر إلزامي علي سبيل الوجوب، يتحتم القيام به فوراً.
فإن لم يتب، ولم ينهض إلى الصلاة، وجب إقامة الحد عليه.
حد تارك الصلاة
:
يحد تارك الصلاة ـ بعد استتابته ـ بالقتل، بضرب عنقه بالسيف، ولو على صلاة واحدة، حداً من حدود الإسلام، لا كفراً.
ودليل ذلك ما روى البخاري [25] في الإيمان، باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، ومسلم [22] في الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
.، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله ".
وقال - صلى الله عليه وسلم -: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة".
(رواه مالك في الموطأ [1/ 123] في صلاة الليل، باب: الأمر بالوتر؛ وأبو داود [425] في الصلاة، باب: في المحافظة على وقت الصلاة).
فدل الحديث على أن تارك الصلاة لا يكفر، لأنه لو كفر لم يدخل في قوله: "إن شاء أدخله الجنة" لأن الكافر لا يدخل الجنة قطعاً.
فحمل الحديث على تركها كسلاً جمعاً بين الأدلة.
كم يمهل تارك الصلاة قبل تنفيذ الحد؟
يجب أولاً استتابة تارك الصلاة كما قلنا.
فإن لم يتب أنذره الحاكم بتنفيذ حد القتل فيه، ثم أمهله، وهو موضوع تحت المراقبة، وفي متناول الحاكم، وإلى أن تخرج الصلاة عن وقت الضرورة والعذر.
ووقت العذر للصلاة، هو آخر وقت لجمعها جمع تأخير مع غيرها.
فيقتل على تركه صلاة الظهر عند مغيب الشمس، ودخول وقت المغرب، ومثلها صلاة العصر، لأنهما يجمعان جمع تأخير لأرباب الأعذار، وآخر وقت جمعهما مغيب الشمس، ويقتل على تركه صلاة المغرب والعشاء عند بزوغ الفجر، لأنهما يجمعان جمع تأخير عند العذر، ويمتد وقتهما على هذا الأساس إلى أول وقت الفجر.
فإذا خرج وقت الضرورة الذي هو وقت الجمع تأخيراً للصلاة المتروكة، وهو مصر بعد على الترك بدون عذر، رغم الاستتابة والتهديد بالقتل، نفذ فيه الحد الذي ذكرنا.
الآثار المترتبة على إقامة الحد
:
حكم تارك الصلاة كسلاً ـ أو لدافع نحوه ـ بعد القتل حداً، حكم باقي المسلمين، فيجب دفنه حسب الطرق المشروعة، وغسله وتكفينه، والصلاة عليه، كغيره من المسلمين.
ولا تتأثر علاقة القرابة بينه وبين ذوي قرباه بهذا الحد، فيرث منه أقاربه، وتستمر أحكام الزوجية من عدة وإحداد وغير ذلك بالنسبة لزوجته.
خاتمة
:
لو زعم زاعم أن بينه وبين الله حالة من القرب أسقطت عنه الصلاة، وأحلت له بعض المحرمات، فلا شك في وجوب قتله، كأي رجل جاحد للصلاة، ومثل ذلك ما لو ادعى أنه يصلي في الكعبة وهو بعيد عنها، كما نقل عن بعض مدعي التصوف.
قال الفقهاء: وقتل هؤلاء أفضل من قتل مائة كافر، لأن ضرره أشد.
الباب الثاني أحكام
الجَهاد
أحكام
الجهاد
معني الجهاد
:
الجهاد في اللغة مصدر جاهد، أي بذل جهداً في سبيل الوصول إلي غاية ما.
والجهاد في اصطلاح الشريعة الإسلامية: بذل الجهد في سبيل إقامة المجتمع الإسلامي، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تسود شريعة الله العالم كله.
أنواع الجهاد
:
من التعريف الذي ذكرناه للجهاد، يتضح أن الجهاد أنواع، منها:
1 - الجهاد بالتعليم، ونشر الوعي الإسلامي، وردّ الشبه الفكرية التي تعترض سبيل الإيمان به، وتفهم حقائقه.
2 - الجهاد ببذل المال لتأمين ما يحتاج إليه المسلمون في إقامة مجتمعهم الإسلامي المنشود.
3 - القتال الدفاعي: وهو الذي يتصدي به المسلمون لمن يريد أن ينال من شأن المسلمين في دينهم.
4 - القتال الهجومي: وهو الذي يبدؤه المسلمون عندما يتجهون بالدعوة الإسلامية إلي الأُمم الأخرى في بلادها، فيصدّهم حكامها عن أن يَبْلُغوا بكلمة الحق سمع الناس.
5 - حالة النفير العام، وذلك عندما يقتحم أعداء المسلمين ديارهم معتدين بذلك على دينهم وأرضهم، وحرية اعتقادهم.
والتعريف الشامل لكل هذه الأنواع أنه: بذل الوسع انتصاراً لشريعة الله، ورفعاً لكلمته في الأرض.
الترغيب في الجهاد وبيان فضله
:
لقد جاءت الآيات كثيرة، تأمر بالجهاد وتحضّ عليه، وتبيّن مكانته وتذكر فضل المجاهدين، والشهداء عند الله عزّ وجل.
وكذلك جاءت السنّة النبوية المشرّفة فأغنت هذا الموضوع، وزادته وضوحاً، ودعت إليه ورغّبت فيه، وبيّنت فضله ومكانته عند الله تبارك وتعالى.
قال الله عزّ وجل:
﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة190).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة التوبة: 123)
" ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ " (سورة التوبة: 111)
" ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعاً﴾ (سورة النساء: 71)
" ﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة التوبة: 41)
" ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 216)
" {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى
الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (سورة التوبة: 38 - 39).
﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ (سورة البقرة: 154).
وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ " (سورة آل عمران: 169 - 170)
وأما الأحاديث فكثيرة منها:
حديث أبي داود ﴿2533﴾ في الجهاد، باب: الغزو مع أئمة الجَوْر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: الجهادُ واجبٌ عليكم مَعَ كلِّ أميرِ، بَرَّاً كان أو فاجِراً "
وقال عليه الصلاة والسلام: " جاهدُوا المشركينَ بأموالكم وأنفسكُم وألسنتِكُم ". (رواه أبو داود ﴿2504﴾ في الجهاد، باب: كراهية ترك الغزو، والنسائي ﴿6/ 8﴾ في الجهاد، باب وجوب الجهاد، عن أنس رضي الله عنه).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ﴿يا أيُها النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوا لقاءَ العدُوَّ واسألوا الله العافِية، فإذا لقيتُموهمْ فاصبرُوا واعلمُوا أنَّ الجنةَ تحتَ ظلالِ السيوفِ﴾.
(رواه البخاري [2861، 2862] في الجهاد، باب: لا تمنّوا لقاء العدو، ومسلم [1742] في الجهاد باب: كراهية تمنّي لقاء العدو، عن عبدالله بن أبي أوفي رضي الله عنه).
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ﴿لَغدْوةٌ في سبيل الله أو رَوْحهُ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها﴾ (رواه البخاري [2639] في الجهاد، باب: الغدوة والروحة في سبيل الله، ومسلم [1880] في الإمارة، باب: فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، عن أنس رضي الله عنه).
[الغدوة: زمن ما بين طلوع الشمس إلي الزوال.
والروحة: زمن ما بين الزوال إلي الليل].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ﴿ما من عبد يموت، له عند الله خير، يسره أن يرجع إلي الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد، لما يري من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلي الدنيا فيقتل مرة أخري﴾ (رواه البخاري [2642] في الجهاد، باب: الحور العين ... ) والأحاديث في الباب كثيرة جداً.
حكم الجهاد
:
الجهاد فرض كفاية بالنظر لأنواعه الأربعة التي سبق ذكرها، فإذا قام به من فيهم كفاية سقطت المسؤولية عن الباقين.
ومن هذه الأنواع ـ كما قد علمت ـ إقامة الحجج ورد الشبه والمشكلات عن الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر المعارف والعلوم الدينية الإسلامية.
والجهاد فرض عين: بالنظر لنوعه الخامس والأخير ـ وقد مر بك ـ وهو ما يسمي بالنفير العام، فيجب على جميع المكلفين من أهل البلدة التي اقتحمها العدو، رجالاً ونساءً ـ إن اقتضي الأمر ـ أن يهبوا للذود عن أرض الإسلام وحكمه.
الفرق بين الحرب والجهاد
:
وبهذا الذي ذكرناه يتضح لك الفرق جلياً بين الحرب والجهاد.
فالحرب حالة من حالات الجهاد، أو نوع من أنواعه، وليس كل جهاد حرباً.
أي فكلمة الجهاد أعم من كلمة الحرب في المفهوم والمعني.
تحديد الفرق بين الجهاد وأنواع أخري من القتال
:
كما يتضح لك بما قد ذكرناه أن ثمة فرقاً كبيراً بين القتال الذي يكون جهاداً في سبيل الله وغيره مما قد مر بك بيان بعض منه.
ـ فقتال الصائل: قائم على رد عدوان دنيوي، يستهدف حياةً أو مالاً أو بضعاً، ومشروعيته ليست من أجل إعلاء كلمة الله من حيث هي، بل للمحافظة على المصالح التي جاء الإسلام من أجل رعايتها والمحافظة عليها للناس.
ـ وقتال البغاة قائم على رد أسباب الفوضى، والتصدي لنذير الشر، وتصديع الوحدة الإسلامية داخل الدولة الإسلامية الواحدة، وليس قائماً على
الدافع الكلي الذي يدخل في قوام معني الجهاد، وهو إعلاء كلمة الله تعالي، ونشر الشريعة الإسلامية، ورفع لوائها في الأرض.
غير أنه قد يلتقي الجهاد في سبيل الله مع قتال الصائل في صورة واحدة:
وهي أن يعتدي عدو للمسلمين على قطعة من ديارهم ابتغاء الانتقاص من أرضهم والقضاء على دينهم، فيقاتلهم المسلمون من أجل ردهم عن كلا الغرضين، فهو قتال جهاد، ورد صيال معاً.
زمن مشروعية الجهاد والتدرج الذي تم في تشريعه
:
أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة ثلاث عشر عاماً، يدعو إلي الله سلماً لا يقابل العدوان بمثله، فلما هاجر عليه الصلاة والسلام إلي المدينة شرع الله المرحلة الأولي من مراحل الجهاد، وهي التصدّي لرد عدوان المعتدين، أي القتال الدفاعي، ونزل في تشريع ذلك قوله عزّ وجل: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (سورة الحج: 39 - 40)، وقوله عز وجل: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (سورة البقرة: 190).
ثم شرع الله تبارك وتعالي لنبيه جهاد المشركين ابتداء بالقتال، إذا اقتضي الأمر ذلك إلا في الأشهر الحرم، ونزل في ذلك قوله عز وجل: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ التوبة5 وذلك بعد صلح الحديبية.
ثم شرع الله تبارك وتعالى لنبيه جهاداً من غير تقيد بشرط زمان ولا مكان، ونزل في ذلك قوله عز جل ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾ البقرة191
فالشأن في مشروعية الجهاد يشبه الشأن في حكم تحريم الخمر، فقد تكامل الحكم في كل منهما على مراحل، غير أن أول مشروعيته إنما كان عقب هجرة المصطفي - صلى الله عليه وسلم - إلي المدينة المنورة.
الحكمة من مشروعية الجهاد
:
لقد علمت أن القتال في سبيل الله نوع من أنواع الجهاد الذي يطلق على بذل الوسع بكل أنواعه في سبيل إعلاء كلمة الله.
والجهاد له حكمة تتعلق بالمسلمين الذين يكلفون بالجهاد، وله حكمة أخري تتعلق بأولئك الذين يجاهدهم المسلمون من الكافرين وأعوانهم.
فأما حكمة تكليف الله المسلمين بالجهاد، فهي أن يتبين صدق إيمانهم وأن يمارسوا حقيقة العبودية التي لا تتجلي إلا بتحمل المشاق والتضحية بالنفيس في سبيل الله عز وجل، من نفس وراحة ومال.
يدل على ذلك قوله تعالي: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: 142).
وأما حكمة وقوع الجهاد بالقتال ونحوه على الكافرين، ففيه ما فيه من الجبر لهم والضغط عليهم، وتكليفهم في دين الله طوعاً أو كرهاً، فهي تتمثل في الأمور التالية:
1 - تحرير عامة الناس ودَهْمائهم من الوقوع تحت سلطة الطغاة والمستعبدين، فإن الأمة التي لا تدين بالعبودية لله عز وجل، لا بد أن يستبد الأقوياء منها بالضعفاء، ويسوقهم بعصا الاستعباد في الطريق التي ترسمها لهم أهواؤهم.
أما إذا دخل الإيمان في قلوب تلك الأمة، فإن أقوياءهم يستشعرون الضعف والمسؤولية تجاه فاطرهم العزيز جل جلاله، فيقلعون عن الظلم والاستعباد، وإن ضعفاءهم يستشعرون القوة والعزة بإيمانهم، وأن لا نافع ولا ضار إلا الله، فيتحررون عن التبعية لأسيادهم، حيث لا يذلهم تهديد ولا يخوفهم بطش أو وعيد، فتتقارب عندئذ الطبقات، وتتساوي الفئات ويستشعر الكل أنهم إخوة في ظلال العبودية لله تعالي.
والجهاد هو وسيلة كبرى لتحقيق هذا الأمر.
2 - إشعار الناس بكل فئاتهم وأنواعهم أن الأرض أرض الله والدولة دولة الله فالحكم فيها لا ينبغي أن يكون إلا له عز وجل فمن دخل في حكم الله طوعاً
فقد أرضي بذلك ربه، وأسعد حياته ومن لم يقبل بالدخول فيه طوعاً كان لابد أن يحمل عليه كرهاً، وإنما سبيل ذلك الجهاد.
فمن قال لك: إن الناس أحرار يدينون بما يشاؤون، ويحكمون بما يريدون، فقل،: أي دولة من دول الأرض تقبل هذا المنطق من رعاياها عندما تلزمهم بقانونها المصنوع، وتشريعها الموضوع، وكيف جاز لهذه الدول أن تهدد المتمردين إن تمردوا ثم تقتلهم وتسوي بهم الأرض إن هم أصروا وعاندوا، ثم لا يجوز لرب هذه الأمم والدول كلها أن يلزمهم بتشريعه، وأن يحكمهم بقانونه؟!
3 - درء أسباب الشقاق والخصومات الناتجة عن الإعراض عن تشريع الله وحكمه، والاستعاضة عنهما بتشريعات البشر وأحكامهم، فإن الناس إذا لم يدخلوا خاضعين تحت حكم خالقهم الفرد الصمد جل جلاله، اضطروا إلي أن يتواضعوا فيما بينهم على تشريعات هم الذين يؤلفونها، ولا بد أن تتدخل في الخلاف، وتتصارع الاتهامات، ثم لابد أن يتحول الشقاق إلي حرب مستمرة وشقاق لا نهاية له، وإنما المفر من ذلك تحكيم شرع الله، وليس من سبيل لذلك في كثير من الظروف إلا الجهاد وقد عبر البيان الآلهي عن هذه الحكمة أروع تعبير في هذه الآية: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (سورة البقرة: 193).
شروط وجوب الجهاد
: هناك شروط تتعلق بالمجاهدين، وشروط تتعلق بالكفار.
أولاً: الشروط التي تتعلق بالمجاهدين:
إنما يجب الجهاد (عندما يكون فرض كفاية) على من توفرت فيه الشروط التالية: 1 - الإسلام: فلا يجب على كافر أصلي وجوب مطالبة في دار الدنيا، لأن الجهاد عبادة وهي لا تصح من كافر، شأنه في ذلك كشأن الصلاة والصوم ونحوهما.
2 - التكليف: فلا يجب الجهاد على صبي، ولا علي مجنون وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرد صغاراً لم يصلوا إلي سن التكليف عن الاشتراك في الغزو.
روي البخاري [2521] في الشهادات، باب: بلوغ الصبيان وشهادتهم، ومسلم [1868] في الإمارة، باب: بيان سن البلوغ، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه، قال: (عرضني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد في القتال، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) أي فأذن لي بالخروج والاشتراك في القتال.
3 - الذكورة: فلا يجب الجهاد على أنثي، لضعفها عن القتال، ولأن الأمر فيه سعة، بسبب كونه فرض كفاية، فيكفي أن يقوم به الرجال، وهم أقدر عليه من النساء بغير شك.
روي البخاري [1762] في الإحصار وجزاء الصيد، باب: حج النساء عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نغزوا ونجاهد معكم؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله، حج مبرور.
وروي ابن خزيمة [3074] في الحج، باب الدليل على أن جهاد النساء الحج والعمرة، وغيره بأسانيد صحيحة عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة.
4 - الاستطاعة: وتشمل الاستطاعة الجسمية مطلقاً، والاستطاعة المالية إذا لم يكن لدي الدولة ما تغني به المجاهدين من ركوب وعتاد ونفقة، ونحو ذلك، فلا يجب الجهاد على من ليس مستطيعاً على نحو ما ذكرنا كالأعمى والأعرج، وفاقد النفقة، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ (سورة التوبة: 91 - 92).
[الحرج: الإثم والذنب، ونفي الحرج نفي للإثم والذنب، وهو يتضمن نفي الوجوب]
5 - رضا الوالدين: فلو لم يرض أبوه وأمه بخروجه للجهاد لم يجز له مخالفتهما، لأن حقهما عند الضرورة والحاجة إلي المساعدة ألزم إذ هو فرض عين بينما الجهاد في الحالة التي نذكرها فرض كفاية.
جاء في الصحيحين: أن رجلاً استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد، فقال: ﴿ألك والدان؟ ﴾ قال: نعم، قال: ﴿ففيهما فجاهد﴾.
وفي رواية: أقبل رجل إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله، فقال: هل من والديك أحد حي؟ قال: نعم، بل كلاهما حي، قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم قال: فأرجع إلي والديك فأحسن صحبتهما.
وفي رواية لأبي داود والنسائي: قال: جاء رجل إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبواي يبكيان، قال: ﴿ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما﴾ (رواه البخاري [2842] في الجهاد، باب: الجهاد بإذن الأبوين، ومسلم [2549] في البر والصلة، باب: بر الوالدين، وأبو داود [2530] في الجهاد، باب: في الرجل يغزو وأبواه كارهان، والترمذي [1671] في الجهاد، باب: فيمن خرج في الغزو وترك أبويه، والنسائي [6/ 10] في الجهاد، باب: الرخصة في التخلف لمن له والدان، كلهم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما).
وكالوالدين في ذلك الغريم صاحب الدين الذي حل أجله مع يسر المدين به، فلا يجوز له الخروج إلي الجهاد إلا بإذن غريمه، وأنت تعلم أن هذا كله في الجهاد الذي هو فرض كفاية.
ثانياً: الشروط التي تتعلق بالكفار:
إنما يجب على المسلمين الخروج لقتال الكفار على وجه الجهاد بعد ملاحظة الشروط التالية: 1 - أن يكون الكفار مستأمنين، أو معاهدين، أو من أهل الذمة وذلك لقوله عز وجل في حق المستأمنين: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى
يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} (سورة التوبة: 6).
وقال تبارك وتعالي في حق المعاهدين: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ (سورة الأنفال: 58)، فإذا لم يجد بوادر الخيانة فلا يجوز نكث العهد وخرقه، ومقاتلة أصحاب تلك العهود.
وقال عليه الصلاة والسلام في حرمة قتال أهل الذمة وقتلهم: ﴿من قتل رجلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاماً﴾ (رواه أبو داود [2760] في الجهاد، باب: في الوفاء للمعاهد، وحرمة ذمته، عن أبي بكر رضي الله عنه).
وروي الترمذي [1403] في الديات، باب: ما جاء فيمن يقتل نفساً معاهدة، وابن ماجه [2687] في الديات، باب: من قتل معاهداً، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ألا من قتل نفساً معاهدة له ذمة الله ورسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً ". [أخفر بذمة الله: نقض العهد وغدر به].
2 - أن يسبق القتال تعريف لهم بالإسلام، وشرح لحقيقته، ورد لما قد يكون من شبه لهم فيه، حتى إذا قامت بذلك عليهم الحجة، ولم يتحولوا عن عنادهم على الكفر، قوتلوا على ذلك، ودليل ذلك إرساله عليه الصلاة والسلام الرسائل والكتب إلي الملوك والأمراء في العالم يومئذ يعرفهم فيها بالإسلام، ويشرح لهم جوهر رسالته التي أرسله الله بها إلي العالمين، ويأمرهم بالخضوع لهذا الإسلام والدخول فيه، ولقد كان ذلك منه عليه الصلاة والسلام مقدمة لابد منها بين يدي جهادهم، وليس أدل على هذا الشرط من كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبدالله ورسوله إلي هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدي، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم
الأريسيين، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران: 64).
(الحديث رواه البخاري [7] في بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومسلم [1773] في الجهاد، باب: كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلي هرقل).
[بدعاية الإسلام: بدعوته وهي كلمة الشهادة التي يدعي إلي النطق بها أهل الملل الكافرة.
توليت: أعرضت عن الإسلام، ورفضت الدخول فيه.
إثم الأريسيين: إثم استمرارهم على الباطل والكفر أتباعاً لك، والمراد بالأريسيين الأتباع من أهل مملكته، وهي في الأصل جمعي أريسي، وهو الحارث والفلاح كلمة سواء بيننا وبينكم: مستوية لا تختلف فيها الكتب المنزلة، ولا الأنبياء المرسلون]
فإذا توفر هذان الشرطان، كان لإمام المسلمين أن يقاتلهم إذا اقتضته مصلحة الدعوة الإسلامية، حتى وإن كان ذلك بدون سابق إنذار.
مراحل الجهاد وآدابه
الدعوة أولاً:
اعلم أن قتال الكفار وسيلة وليس غاية، فإذا تحقق الهدف المقصود بدون قتال، فذلك هو المطلوب، ولا يشرع القتال حينئذ، وإنما الهدف نزول الكفار الحاكمين عن عروش طغيانهم، والخضوع لحكم الله تعالي في سياسة شعوبهم ورعاياهم، وترك الحقائق الدينية تنتشر على سجيتها في أفكار الناس وعقولهم.
والوسيلة الأولي إلي ذلك إنما هي الدعوة القائمة على المنطق والحوار واستنهاض كوامن الإنسانية والإنصاف والحذر من العواقب في نفوسهم.
فإذا قطع المسلمون الشوط الكافي في سبيل هذه الدعوة بالشرح والبيان ورد الشبه، والكشف عن الغوامض، وبيان المعروف، والأمر به وبيان المنكر والنهي عنه، فإن تحقق الهدف المطلوب بذلك وحده فتلك هي النهاية التي يجب على المسلمين أن يقفوا عندها، لا يطمعون بعدها منهم بأرض ولا مال، ولا حكم ولا سلطان.
وإن لم يتحقق الهدف المطلوب، بأن قوبلت الدعوة بالاستنكار والعناد والصد والمنع، حتى لم يكن من سبيل لإبلاغها دهماء الناس عامتهم، فإن على المسلمين حينئذ أن يتبعوا هذه المرحلة بالمرحلة الثانية التي تليها، بأمر من الحاكم المسلم وبشرط أن يأنس القدرة على ذلك، وهي القتال والمناجزة.
الجزية ثانياً:
قلنا: إن الخطوة الثانية التي تلي مرحلة الدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة، هي القتال والمناجزة.
غير أنه إذا أمكن تفادي القتال والمناجزة بوسيلة وسطي بين العناد على الكفر بعد وضوح الأدلة على بطلانه، وبين الدخول في الإسلام تديناً به، وهذه الوسيلة الوسطى، هي الدخول في حكم الدولة الإسلامية والانسجام مع أحكامه التشريعية المتعلقة بالنظام الاجتماعي، وجب المصير إليها، وإقامة سلم بينهم وبين المسلمين على أساسها، على أن يخضع الكافرون لضريبة تدفع إلي إمام المسلمين، تنزل منزلة الزكاة التي يدفعها المسلمون إليه تسمى: الجزية وذلك بناء على شروط معينة سنذكرها بعد قليل إن شاء الله تعالي.
القتال ثالثاً:
فإن رفض الكفار بعد إجراء كل ما سبق، الدخول في الإسلام، ورفضوا الانضواء تحت سلطانه قانوناً ونظاماً، كانت المرحلة الثالثة، وهي القتال، وذلك لصريح قول الله تبارك وتعالي: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ,لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (سورة التوبة: 29) ولقول ربعي بن عامر لقائد الجيش الفارسي: إن مما سنهُ لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن لا نمهل الأعداء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء ـ أي الجزية ـ ونقبل ونكف عنك وإن احتجت إلينا نصرناك، أو المنابذة ـ أي القتال ـ في اليوم الرابع.
من هم الذين يخيرون بين الإسلام والجزية؟
تنقسم فئات الكفار، من حيث الخضوع لحكم الجزية وعدمه إلي طائفتين:
الطائفة الأولي: هم أهل الكتاب هم أهل الكتاب، ومن في حكمهم، فأما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، وأما الذين هم في حكمهم، فالمجوس، وزاعمو التمسك بصحف إبراهيم وزبور داود عليهما الصلاة والسلام.
الطائفة الثانية: وهم من عدا أولئك الذين ذكرناهم، من سائر الكفار، سواء كانوا ملا حدة، أو عبدة أوثان، أو غير ذلك.
فالطائفة الأولي هي التي تقبل منها الجزية، حين تخير بينها وبين الإسلام وذلك لدلالة الآية السابقة، وحديث ربعي بن عامر المار ذكره.
وأما المجوس، فقد جاء الأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعاملتهم في الجزية معاملة أهل الكتاب.
روي مالك في الموطأ [1/ 278] في الزكاة، باب: جزية أهل الكتاب والمجوس، عن جعفر بن محمد رحمه الله، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: أشهد لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ﴿سنوا بهم سنة أهل الكتاب﴾.
وروي البخاري [2988] في الجزية، باب: ما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم، ومسلم [2961] في أول كتاب الزهد والرقائق، عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بعث أبا عبيدة بن الجراح إلي البحرين يأتي بجزيتها.
أما الطائفة الأخرى، وهم سائر الفئات الأخرى من الكفار، على اختلافهم، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، وذلك عملاً بدلالة النصوص الواردة، ولأن من عدا الكتابيين من الكفار، ومن في حكمهم، لا يتصلون مع المسلمين بأي علاقة أو سبب، فانضواؤهم في منهج النظام الإسلامي غير ذي معنى ولا فائدة.
وعليهم ينطبق قول الله تبارك وتعالي: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة التوبة: 5)
وفيهم يصدق أيضاً قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " (رواه البخاري [25] في كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، عن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما).
بيان الحكمة من التفريق بين الطائفتين من الكفار
:
ولعلك تسأل: فما الحكمة التي قامت عليها مشروعية قبول الكتابيين على حالهم، مع أخذ الجزية منهم؟ وهلا كان سائر الكفار مثلهم؟ والجواب أن التفريق بين هاتين الطائفتين قائم على حقيقتين اثنتين:
الحقيقة الأولي: ومفادها أن الكتابي يشترك مع المسلمين في إيمانه بالله والنبيين، وإن لم يؤمن بوحدانية الله، ولا بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو آمن بنبوته إلي العرب فقط، فكان له سبيل سائغة للانضواء تحت نظام الحكم الإسلامي، كشرعة وقانون، وكان له من إيمانه هذا ما يجعله متمكناً من الانسجام مع نظامه، ثم إنه بعد ذلك سيجد مجالاً رحباً للنظر بإمعان وحرية فكرية مطلقة في حقيقة الإسلام وواقعه، ولسوف يظهر له مع الزمن ـ إن كان يتمتع بحرية فكرية تامة ـ أن الإسلام دين حق لا مرية فيه.
أما الجزية التي تؤخذ منه، فهي كما قلنا آنفاً: ليست إلا عوضاً عن الزكاة التي تؤخذ من أغنياء المسلمين، لتحقيق نفس الفائدة بواسطتها، وهي إعادتها على فقرائهم، ونهوض الدولة بالمسؤولية التامة تجاههم.
الحقيقة الثانية: أن بقية فئات الكفر لا تجمعهم مع المسلمين أي جامعة، ومن ثم فليس من سبيل لانضوائهم في نظام الحكم الإسلامي، ولتجاوبهم معه، وهم بعد ذلك ـ فيما يحملون من عقائد الجحود بالله، وإنكار الصانع جل جلاله ـ جراثيم ضارة فتاكة بالمجتمع الذي يحلون فيه، وهم في واقعهم هذا يشكلون شذوذ الإنسانية عن منهجها الفطري الطبيعي، فكان أمراً سليماً أن لا يقبل منهم إلا الإسلام.