الباب الرابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الشركة
الشركة
تعريفها:
الشركة: بكسر الشين وسكون الراء هو الأفصح، ويصحّ بفتح الشين وكسر الراء او سكونها.
وهي في اللغة: الاختلاط بعقد أم بغير عقد.
وتطلق على الاختلاط في الأموال، ومنه قوله تعالى: "وإنْ كان رجلٌ يُورَثُ كلالةً او امرأةٌ وله اخٌ او أُختٌ فلكلِّ واحدٍ منهما السُّدُس فإن كانوا اكثرَ من ذلك فهم شركاءُ في الثلث" (النساء: 12).
[يورث كلالة: أي يرثه كلالة، وهم الورثة غير الفروع مطلقاً وغير الأصول من الذكور.
والمراد بهم هنا اخوة الميت من أُمه].
كما تُطلق على الخلطة في غير الأموال، ومنه قوله تعالى: "هارونَ اخي.
اشدُدْ به أَزْري.
وأَشْرِكْه في امري".
(طه: 32)
وهي في اصطلاح الفقهاء: ثبوت الحق في شئ واحد، لاثنين فأكثر، على جهة الشيوع، لا على جهة التعيين، كأن يملك اثنان فأكثر ارضا، دون ان تعَّين منها حصة كل واحد منهم، وهذا تعريف الشركة بمعناها العام، الذي يتناول ما كان منها بعقد وما كان بغير عقد.
واما تعريفها بالمعنى الخاص:
فهي عقد يحدث بالاختيار بقصد التصرف وتحصيل الربح.
اقسامها:
من التعريف يتبين لنا ان الشركة قد تكون بقصد الربح، وقد تكون لغير ذلك، ولهذا جعلها العلماء قسمين: شركة املاك، وشركة عقد.
فشركة الأملاك: ان يملك اثنان فأكثر شيئاً واحداً، وقد يكون ذلك قهراً عنهما، أي بغير فعلهما ولا إرادتهم، كما لو ورثاه معاً، وقد يكون اختيارياً، أي بفعل منهما ورغبتهما، كأن يشتريا شيئا واحدا معا، او يقبلا هبته لهما من احد ونحو ذلك.
وحكم هذه الشركة: ان كل واحد من الشريكين اجنبي في نصيب الآخر، فلا يجوز له ان يتصرف فيه الا بإذنه، اذ لا ولاية لأحدهما على مال الآخر.
وهذه الشركة ليست هي المقصودة بالكلام في باب الشركة لدى الفقهاء، وانما تبحث كل صورة منها في موضعها من الباب الفقهي المتعلقة به، من هبة او إرث أو وصية ونحو ذلك.
وأما شركة العقد: فهي المقصودة بالبحث في باب الشركة هنا، وقد مرّ بك تعريفها، وهي أنواع، منها ما هو مشروع ومنها ما ليس بمشروع، وسنتكلم عن هذا بالتفصيل - ان شاء الله تعالى - بعد الكلام عن مشروعية الشركة وحكمة
مشروعيتها
.
مشروعيتها:
الشركة على العموم مشروعة وجائزة، ودلَ على هذه المشروعية:
القرآن: ومن ذلك آية الميراث التي مرَت بك، وفيها: "فهم شركاءُ في الثلث" في صريحة في جواز الشركة، اذ ن الله تعالى جعل الإخوة للأم شركاء في الثلث، يقتسمونه بينهم بالسوية، ويستأنس لها ايضا بما جاء على لسان داود عليه السلام من قوله تعالى: "وإن كثيراً من الخُلَطاء لَيَبغْي بعضُهم على بعض" (ص: 44) والخلطاء هم الشركاء، وقلنا يستأنس ولم نقل يستدل لأن هذا واردٌ في شرع من قبلنا، والأصح انه ليس بشرع لنا.
السنة: وفي ذلك احاديث كثيرة، منها:
1 - ما رواه ابو هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى: انا ثالث الشريكين ما لم يخُنْ احدهما صاحبه، فاذا خانه خرجتُ من بينهما" (ابو داود في البيوع والاجارات، باب: في الشركة، رقم: 3383).
ومعنى الحديث: ان الله تعالى يشمل الشريكين - او الشركاء - بالحفظ والمعونة فيمدّهما بالبركة في أموالهما وتجارتهما، طالما أنهما على الصدق والامانة فاذا زاغا عن الصدق وعدلا عن الأمانة رفعت البركة من تجارتهما، وحجبت الإعانة عنهما، فيكون النزاع والخصام والفشل والخسران.
2 - حديث السائب بن ابي السائب رضى الله عنه: انه كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة في التجارة، فلما جاء يوم الفتح قال: "مرحبا بأخي وشريكي، لا يداري ولا يماري" (اخرجه ابو داود في الأدب، باب: في كراهية المراء، رقم: 4836). فقوله: "شريكي" اقرار منه صلى الله عليه وسلم لمشروعية الشركة، وان كان من قوله صلى الله عليه وسلم، وان كان من قول السائب رضى الله عنه فسكوته صلى الله عليه وسلم اقرار منه له.
[يداي: اصله يدارئ بالهمز، وجاء بالياء تسهيلا ليوافق لفظ يماري، ويدارئ من درأ بمعنى دفع، ويماري: من المراء وهو الجدال].
ومعنى الحديث: كنت شريكا متسامحا، توافقني في عملي، فلا تخالفني ولا تنازعني.
3 - ما رواه البراء بن عازب رضى الله عنه: انه كان وزيد بن ارقم رضى الله عنه شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهما: "ان ما كان بنقد بأجيزوه، وما كان نيسئة فردوه" (مسند احمد: 4/ 371).
[نسيئة: أي الى اجل].
وهذا ايضا اقرار منه صلى الله عليه وسلم لجواز الشركة.
كما كان الناس يتعاملون بالشركة فيما بينهم، ولم ينكر عليهم صلى الله عليه وسلم وعلى هذا جرى التعامل بين المسلمين في كل العصور دون انكار من احد فكان ذلك اجماعا.
حكمة تشريع الشركة
: الناس متكاملون في قدراتهم ومواهبهم وامكانياتهم خلقهم الله عزّ وجل متفاوتين في هذا كله، لا يستطيع احد منهم ان يتسقل بكل ما تتطلبه الحياة، ولكنه يكمل ذلك بالتعاون مع غيره، ليستقيم العيش، ويكون الرزق الحلال،
وصدق الله عز وجل اذ قال: "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون" (الزخرف: 32).
فقد يوجد من لديه المال الوفير، ولكن ليس لديه الخبرة الكافية في إدارة الامور، ويوجد من لديه الخبرة، ولكن ليس عنده القدرة الجسدية اللازمة، اولا يلك المال الكافي للقيام بعمل ما، فيضم بعضهم ما لديه من قدرات الى ما عند غيره، فتتوفر دعائم العمل، وتتيسر اسباب التجارة التجارة الرابحة، فيكون التكامل، ويتحقق التعاون.
وهذا ما تحققه الشركة بين الشركاء فتقدم للمجتمع منافع جمة ربما حرم منها لو بقى كل فرد مستقلا بجهوده ومواهبه وممتلكاته، فكانت الحاجة ماسة والمصحلة ملحة لتشريع الشركة، وشرع الله تعالى الذي جاء للتيسير على الناس ورفع الحرج عنهم، على اسس سليمة وقواعد اخلاقية قويمة، ما كان ليقف دون تلبية تلك الحاجة او تحقيق هذه المصلحة، فكان من سمو تشريعه وكمال تقنينه ان شرع الشركة واجزها، ووضع لها الضوابط والاحكام التي من شأنها ان تجلب ما فيها من نفع وخير، وتدفع ما قد يكون فيها من مفسدة وشر.
أنواع الشركة والمشروع منها
شركة العقد يمكن ان تحصل على صور متعددة يحصرها الفقهاء في اربعة انواع، وهي:
شركة العنان
، وشركة المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه.
1 - اما شركة العنان: فهي ان يشترك شخصان او اكثر في التجارة بأموال لهم، على ان يكون الربح بينهم.
وهذا النوع من الشركة جائز ومشروع باتفاق الفقهاء، وسنتكلم عنه بالتفصيل بعد الكلام عن الأنواع الثلاثة الأخرى.
2 - واما شركة المفاوضة: فهي أن يشترك اثنان فأكثر في اموالهم عامة، ويكونوا شركاء في كل ما لدي كل منهم، وكل منهم وكيل عن الآخر وكفيل له، يشاركه في كل مغنم وعليه ما يصيبه من كل غرم.
وهذا النوع من الشركة باطل عند الشافعية رحمهم الله تعالى، لما تنطوي عليه من الغرر الكبير، لما فيها من الوكالة بالمجهول والكفالة به، وكل منهما باطل لو انفرد فكيف اذا اجتمعا؟ ولذا قال الشافعي رحمه الله تعالى: إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة، فلا باطل أعرفه في الدنيا.
وقد اجازها غير الشافعية رحمهم الله تعالى بقيود وشروط تكاد تجعلها لا وجود لها اصلا في الواقع، والله تعالى أعلم.
3 - وأما شركة الأبدان (وتسمى شركة الأعمال): فهي أن يشترك اثنان أوأكثر - لا مال لهم - على أن يتقبلوا أعمالا ويوقوموا بها، سواء أكانوا متفقين في الحِرْفة أم مختلفين - على أن يكون الربح بينهم متساوياً او متفاوتاً، وذلك كالحمّالين والخيّاطين وغيرهم من اصحاب الصناعات والحِرَف المشروعة.
وهذا النوع من الشركة باطل ايضاً، لما فيه من الضرر المنهي عنه شرعاً، لأنه ربما قام بعضهم بأعمال تفوق ما قام به غيره بكثير، وربما قام أحدهم بالعمل كله ولم يقم غيره بشئ، فيكون في ذلك غبن حين يتقاسم الشركاء ثمار العمل، ولا تطمئن نفس مَن قام بالجهد ان يبذل نتاج جهده لغيره بدون مقابل.
وقد أجازها الأئمة غير الشافعية - رحم الله تعالى الجميع - للحاجة الداعية اليها، إذ إن الحكمة من مشروعية الشركة تنمية المال كما علمت، وهذا النوع من الشركة يكون به تحصيل أصل المال للشركاء، وربما كانت الحاجة لتحصيل أصل المال فوق الحاجة إلى تنمية ما هو موجود منه، والله تعالى أعلم.
4 - وأما شركة الوجوه: فهي ان يشترك اثنان فأكثر ممّن لهم وجاهة عند الناس وحُسْن سمعة، على أن يشتروا السلع في الذمة إلى أجل، مشترِكِين أم منفردين، ويكون المشتري مشتركاً بينهم، ثم يبيعوا تلك السلع، فما كان من ربح كان بين الشركاء، يقتسمونه بالسويّة او حسب الاتفاق.
وهذا النوع باطل ايضاً، لعدم وجود المال المشترك بينهم، والأصل في الشركة المال، ولوجود الضرر فيها ايضا، لأن كلا من الشركاء يعاوض صاحبه بكسب غير مقابل بعمل او صنعة او ما الى ذلك، فلم يكن الربح هنا نماء للمال، ولا مقابلا للعمل، فلا يستحق.
وكذلك اجاز هذه الشركة غير الشافعية رحمهمالله تعالى جميعا، للحاجة اليها على ما سبق في التي قبلها، والله تعالى اعلم.
شركة العِنان
علمنا مما سبق ان شركة العِنان هي النوع المشروع من الشركة باتفاق الفقهاء، وهي - في الحقيقة - النوع الشائع والمتعارف لدى الناس في الشركات، وهو الأصل فيها، لما فيه من معنى الاشتراك فعلا، إذ إن مال الشركة في الأصل مشترك بين الشركاء، وهذا هو الأصل في الشركة، سواء اكان الاشتراك بالعمل ام لم يكن، وان كان الغالب هو الاشتراك به ايضاً.
وقد علمت أنها اتفاق اثنين فأكثر على ان يشتركوا بمال من الجميع، يتاجرون به، على أن يكون الربح لهم.
وسمِّيت شركة عِنان تشبيهاً لكلٍّ من الشركاء براكب الدابة، الذي يمسك بإحدى يديه عنانها ويعمل بالأُخرى، وذلك أن كل شريك يجعل للشركاء غيره أمر التصرّف - الذي يشبه بالعنان - في بعض ماله، بينما يستقل هو بالعمل في بعضه الآخر، او لأن كلا من الشركاء يملك بها ان يتصرف بمال شريكه في الشركة كما يملك الراكب التصرّف بالدابة بواسطة عنانها.
شروطها
: يُشترط لصحة هذا النوع من الشركة شروط هي: 1 - الصيغة: وهي لفظ صريح من كلٍّ من الشركاء للآخرين، يدل على الإذن في التصرف بالبيع والشراء ونحوهما من متعلقات التجارة، ويكفي في ذلك ما يدلّ على هذا المعنى ويشعر به، مما تعارفه التجار فيما بينهم من ألفاظ.
والأصح أنه لا يكفي الاقتصار على قولهم اشتركنا، لاحتمال ان يكون هذا إخبار عمّا حصل لهما من الشركة في المال كشركة الأملاك، كما لو ورثا مالا من مورِّث واحد، فلا يلزم من ذلك جواز التصرّف.
وقيل يكفي ذلك، لدلالته على الشركة وفهم المقصود منه عرفا.
2 - أهلية الوكالة في الشركاء: بأن يكون كل منهما عاقلاً بالغاً غير محجوز عليه التصرّف في ماله، لأن كل واحد من الشركاء يتصرف بمال الشركة: أصالة في ماله ووكالة - أي بالإذن - في مال غيره، فكل منهم وكيل وموكل.
3 - أن يكون مال الشركة مثليا: بحيث إذا خلطت الأموال لا يتميز بعضها عن بعض، كالعملات المتعارفة اليوم، وكالموزونات والمكيلات اذا كان مال كل من الشركاء من جنس مال الآخرين، كالبرّ والشعير والحديد اذا كانت الأموال على صفة واحدة.
فإذا كان رأس مال الشركة - او مال احد الشركاء - عروضاً، أي اعياناً متميزة غير مثلية لم تصحّ الشركة، لأنها لا يمكن خلطها بحيث لا تتميز، وقد يتلف مال أحدهم او ينقص فلا يمكن ان يعوض عنه من مال الآخرين.
وطريقة تصحيح الشركة في حال كون راس مالها عروضا: ان يبيع كل منهم جزءا من عروضه للآخر بجزء من عروضه، فيصيرا شركاء في العروض كلهم، فيأذن كل منهم للآخر بالتصرّف، فاذا باعها كان الثمن بينهما.
وكذلك اذا كان مال أحدهما نقداً ومال الآخر عروضا: باع صاحب العروض جزءاً منها بجزء من نقد الآخر واشتركا في الجميع.
وعلى هذا لو ملكا عرضاً - إرثاً أو شراءً أو غيرهما - واذن كلٌ منهما للآخر بالتصرف في نصيبه تجارة تمت الشركة بينهما.
4 - خلط اموال الشركة: بعدما يتفق الشركاء على الشركة، لا بدّ وان يحضروا الأموال التي تصح فيها الشركة على النحو الذي سبق، وأن تخلط هذه الأموال - إن لم تكن مشتركة - بحيث لا يتميز بعضها عن بعض، ثم يجري عقد الشركة بعد ذلك، فإن جرى العقد قبل خلط المال لم تصح الشركة ولو خُطلت
الأموال في مجلس العقد بعد اجرائه، ولابدّ من إعادة التعاقد بعد الخلط لتصحّ الشركة.
وهذا إذا أخرج كلٌ من الشركاء مالاً وحصل العقد على ذلك، فإذا ملك الشركاء قبل عقد الشركة مالاً بالإشتراك بينهم - إرثا او شراء او هبة او نحو ذلك - ثم حصل عقد الشركة فإنه يصح، ولا يشترط اقتسامهم له ثم خلطه، لأن المقصود من الخلط - وهو عدم تمييز مال كلٍّ منهم على حدة - حاصل.
5 - أن يكون الربح والخسران على قدر المال: لأن الربح نماء المال، وكذلك الخسارة نقصان له بمقابل الربح.
فلا يصح ان يشرط لأحد الشركاء زيادة في الربح عن قدر نسبة ماله من رأس المال، كما لا يصح ان يشرط عليه زيادة في الخسارة أو نقص عن ذلك، ولا يشترط التساوي في المال لكل الشركاء، فلو اشترك أحدهم بالربع والآخر بالنصف والثالث بالربع صح، وكان الربح ربعه للأول ونصفه للثاني وربعه للثالث، وكذلك توزع الخسارة، سواء أشترك الجميع بالعمل أم لم يشترك بعضهم، وسواء تساوَوْا في العمل حين الاشتراك أم اختلفوا.
فإن شُرِط تفاوت في الخسارة كانت الشركة باطلة باتفاق الفقهاء، وان اشترط تفاوت في الربح عن قدر رأس المال لم تصحّ الشركة ايضاً، فلو حصل البيع والشراء من الشركاء نفذت تصرفاتهم لوجود الإذن منهم بالتصرّف، وكان لكل منهم الربح بقدر نسبة رأس ماله، ويرجع على الآخرين بأجرة المثل.
وأجاز الحنفية والحنابلة رحمهم الله تعالى ان يكون للشريك ربح اكثر من نسبة ماله من رأس مال الشركة، وذلك في الصور التالية:
1 - أن تتساوى اموال الشركاء، كأن يكون من كلٍّ منهم الثلث مثلا، ويكونوا جميعا قائمين بالعمل، فيصحّ أن يشرط لأحدهم زيادة في الربح عن نسبة رأس ماله، لأنه قد يكون مهارة في عمله من غيره، فتكون الزيادة مقابل عمله ومهارته.
2 - أن يتساوى الشركاء في المال ويكون العمل على بعضهم، ويكون للقائمين بالعمل زيادة في نسبة الربح عن نسبة أموالهم.
3 - ان يتفاوت الشركاء في نسبة الاشتراك بالمال، كأن يكون من احدهم الثلث ومن الآخر الثلثان مثلا، ويشتركا في العمل، جاز ان يكون لأحدهما زيادة في نسبة الربح عن نسبة ماله، كأن يتساويا في الربح او يزيد احدهما عن الآخر، لاحتمال ان يكون عمله اكثر ومهارته افضل، فتكون الزيادة مقابل ذلك.
4 - ان يتفاوتا في رأس المال كما سبق في الصورة قبلها، ويكون العمل على مَن كان رأس ماله أقل، على ان يتساويا في الربح او تزيد نسبة ربح من كان قائما في العمل، فيصح ايضا، وتكون الزيادة مقابل عمله.
وينبغي ان ينتبه الى ان الزيادة تصحّ لمن صحّت له اذا كانت في ضمن نسبة الربح المخصَّصة له، كأن يكون نصيبه كله نسبة مئوية من الربح العام، خمسين بالمائة مثلا او ستين او اكثر او اقلّ، أما أن يعطي نسبة مستقلة من الربح مقابل عمله، او ان يعطي قدراً معيناً - كألف مثلا كل شهر ونحو ذلك - فلا يصح باتفاق الفقهاء.
وعلى هذا يتبين لنا فساد الكثير من عقود الشركات التي يقوم بها الناس، والتي يخصِّصون فيها لبعض الشركاء - سواء أكان مستقلاً بالعمل أم شريكا مع غيره من الشركاء - راتباً شهرياً مقطوعاً من الشركة غير نصيبه من الربح، او نسبة متميزة من الربح، كالربع - مثلا - او النصف مقابل عمله، ثم يقاسم بعد ذلك الشركاء فيما تبقى بنسبة رأس ماله.
وليحذر هؤلاء المخالفون من عقاب الله تعالى، وليعلموا ان الكسب من عقد فاسد كسب خبيث لا يبارك الله تعالى فيه.
هذا ولا نرى مانعا من العمل بما قاله الحنفية والحنابلة رحمهم الله تعالى، لاسيما في هذه الأزمان التي اصبح الناس لا يرضون فيها بالقليل، ولا يقنعون بربح يتوافق وما آتاهم الله تعالى من مال، وان كان الأورع ان يكون العمل متفقا عليه لدى فقهاء الأمة، وهو الأحوط في دين الله عزّ وجل.
ما يترتب على صحة العقد من آثار
:
إذا توفرت شروط شركة العِنان صحّت وترتب على ذلك الآثار التالية:
1 - تُطلق يد كل من الشركاء في مال الشركة، لأنه وكيل عن شركائه واصيل عن نفسه، ولكن يتقيد هذا الإطلاق بالعُرف وعدم الإضرار بالشركاء.
2 - وعليه: فلا يبيع بالنسيئة - أي بتأجيل الثمن الى زمن معين - ولا بغير النقد الغالب في البلد كما لا يبيع ولا يشتري بغبن فاحش، ولا يسافر بمال الشركة، إلا إذا أذن له الشركاء في شئ مما ذُكر فإنه يصح تصرفه فيه، فإذا لم يأذنوا له به كان تصرفه باطلا.
3 - يجب العمل على الشركاء حسب الاتفاق.
4 - إذا اشترى أحدهم شيئاً بمال الشركة - بالشرط المذكور سابقا - كان الشراء للجميع، لأنه وكيل عنهم، الا ان البائع يطالب المشتري وحده، لأن الشركاء الآخرين غير كافلين له.
فساد الشركة وما يترتب عليه
:
علمنا ان للشركة شروطا اذا تحققت كان العقد صحيحا، وترتبت عليه آثاره السابقة، واذا اختلّ شئ منها كانت الشركة فاسدة.
فإذا علم فسادها قبل البدء بأعمال الشركة لم يترتب على ذلك شئ من آثار العقد وينبغي تجديد العقد على وجه صحيح اذا اريد الاستمرار بالشركة.
واذا تبين الخلل بعد البدء بأعمال الشركة وجب التوقف عن الاستمرار بذلك، وتجديد العقد على وجه صحيح إذا أريد الاستمرار بها وترتب على تبين فساد الشركة فيما مضى الأمور التالية:
1 - يقسم ما ظهر من ربح على الشركاء بمقدار ما لكل من رأس المال، لأن الربح استفيد من المال، وقد تبين بطلان الشركة، فيرجع الى الأصل وهو المال، فتكون نسبة ربح كلٍّ من الشركاء بنسبة مشاركته بالمال.
2 - يرجع كل شريك على الشركاء الآخرين بأُجرة عمله من اموالهم الخاصة، لأنه تبّين انه كان اجيرا لهم وليس شريكا.
3 - كلُّ ما قام به الشركاء من تصرفات تعتبر نافذة، لأن كلاً منهم تصرف بإذن من الآخرين.
انتهاء عقد الشركة الصحيحة
:
ينتهي عقد الشركة بأمور، هي:
1 - فسخ عقد الشركة من قبل الشركاء أو بعضهم، فإن عقد الشركة عقد جائز، أي لكل من الشركاء ان يفسخه متى شاء، والفسخ إنهاء لها، فإذا كانا شريكين فقد انتهت الشركة بينهما، وان كانوا اكثر وفسخ احدهم بقيت الشركة في حق من لم يفسخ.
2 - موت الشركاء، فإذا مات الشركاء فقد انتهت الشركة، لزوال المُلْك عن المتعاقدين وخروجهم عن اهلية التصرف، لأن الشركة تتضمن الوكالة كما علمنا ولا تنتقل الى الورثة، لأن الورثة لم يتعاقدوا على الشركة، فإذا مات احد الشركاء: فإن كانا شريكين فقد انتهت الشركة ايضا، وان كانوا اكثر من اثنين انتهت الشركة في حق من مات وحده، وبقيت قائمة بين الشركاء الآخرين، لأن الوكالة في حقهم باقية، وتصرفهم جائز وصحيح.
ويكون الفسخ والانتهاء من تاريخ وفاة الشريك ولو لم يعلم الشركاء الآخرون، لأن الموت عزل حكمي عن الوكالة بالتصرف
3 - الجنون او الإغماء: فإذا جن احد الشركاء او اغمي عليه فقد انفسخت الشركة في حقه وانتهت، لزوال العقل الذي هو مناط التكليف، لكن يشترط في الإغماء ان يستغرق وقت فرض صلاة حتى تنفسخ به الشركة، فإن لم يستغرق ذلك لم يؤثر.
وفي حال الجنون ينتقل الحكم الى الوليّ: فإن شاء اختار قسمة المال، وان شاء اختار استئناف الشركة بعقد جديد.
واما في حال الإغماء: فإن رُجي زواله عن قرب لم ينتقل الحكم الى وليه، لأنه لا يولي عليه في هذه الحالة.
فإذا افاق: فإن شاء اختار القسمة، وان شاء استأنف الشركة بعقد جديد ولو بلفظ التقرير.
فإن أُيس من افاقته عن قرب، او استمر اغماؤه ثلاثة ايام فأكثر انتقل الحكم الى وليّه كما في الجنون، فإن شاء اختار قسمة المال، وان شاء استأنف الشركة.