الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعيصفحات 45-84
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 45-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
مجموعة من المؤلفين
الكتاب
الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
الناشر
دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
الطبعة
الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الاسْتنجاء وآدابُه

معناه: هو إزالة النجاسة أو تخفيفها عن مخرج البول أو الغائط.
مأخوذ من النَّجاء وهو الخلاص من الأذى، أو النجوة: وهي المرتفع عن الأرض، أو النجو: وهو الحُزْء، أي ما يخرج من الدبر.
سمي بذلك شرعاً، لأن المستنجي يطلب الخلاص من الأذى ويعمل على إزالته عنه، وغالباً ما يستتر وراء مرتفع من الأرض، أو نحوها، ليقوم بذلك.
حكمه: وهو واجب، وقد دل على ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتي خلال البحث.

ما يستنجي به:

يجوز الاستنجاء بالماء المطلق، وهو الأصل في التطهير من النجاسة كما يجوز بكل جامد خشن يمكن أن يزيل النجاسة، كالحجر والورق ونحو ذلك.
والأفضل أن يستنجي أولاً بالحجر ونحوه، ثم يستعمل الماء، لأن الحجر يزيل عين النجاسة والماء بعده يزيل أثرها دون أن يخلطها.
وأن أقتصر على أحدهما فالماء أفضل، لأنه يزيل العين والأثر، بخلاف غيره، وأن أقتصر على الحجر ونحوه، فيشترط أن يكون المستعمل جافاً، وأن يستعمل قبل أن يجف الخارج من القبل أو الدبر، وألا يجاوز الخارج

صفحة الآلية أو حشفة الذكر وما يقابلها من مخرج البول عند الأنثى، وأن لا ينتقل عن المحل الذي أصابه أثناء خروجه.
كما يشترط أن لا نقل المسحات عن ثلاثة أحجار أو ما ينوب منابها، فإن لم ينظف المحل زيد عليها، ويسن أن يجعل وتراً، أي منفردة: كخمسة أو سبعة، ونحوها.
روى البخاري (149)، ومسلم (271): عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إدواة من ماء وعنزة، فيستجني بالماء.
[الخلاء: مكان قضاء الحاجة.
إداوة: إناء صغير من جلد عنزة: الحربة القصيرة، تركز ليصلى إليها كسترة.
يستنجي: يتخلص من أثر النجاسة].
وروى البخاري (155) وغيره، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار.
[الغائط: المكان المنخفض من الأرض تقضى فيه الحاجة، ويطلق على ما يخرج من الدبر].
وروى أبو داود (40) وغيره، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه ". [يستطيب: يستنجي، سمي بذلك لأن المستنجي يطيب نفسه بإزالة الخبث عن المخرج].

وروى أبو داود (44)، والترمذي (3099)، وابن ماجه (357)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) [التوبة: 108]. قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية ". روى مسلم (2622) عن سلمان - رضي الله عنه - عن

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار".
وروى البخاري (160)، ومسلم (237) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ومن استجمر فليوتر ". [استجمر: مسح بالحجار وهي الأحجار الصغيرة].

ما لا يستنجي به:

لا يصح الاستنجاء بما كان نجس العين أو متنجساً لأنه ربما زاد في أثر النجاسة بدل تخفيفه.
روى البخاري (155) عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجدهن فأخذت روثة فاتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: "هذا ركس ". [الركس: النجس.
روثة: براز الحيوان مأكول اللحم وغيره].
ـ ويحرم الاستنجاء بما كان مطعوماً لأدمي كالخبز وغيره، أو جني كالعظم.
روى مسلم (450) عن مسعود - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرات عليهم القرآن ". قال: وسألوه الزاد، فقال: " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم ". فقال رسول - صلى الله عليه وسلم -: " فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم" وعند الترمذي (18): ولا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن".
فيقاس طعام الأدمي على غيره من باب أولي.
ـ يحرم الاستنجاء بكل محترم، كجزء حيوان متصل به، كبده ورجله، ومن الآدمي من باب أولى، لأنه يتنافى مع تكريمه، فإن كان جزء الحيوان منفصلا عنه، وكان طاهراً كشعر مأكول اللحم وجلد الميتة المدبوغ، جاز ذلك.

آداب الاستنجاء وقضاء الحاجة:

هناك آداب يطلب من المسلم أن يراعيها عند القيام بقضاء حاجته واستنجائه وهي: 1ـ ما يتعلق بالمكان الذي يقضي فيه حاجته: فإنه يجتنب التبول والتغوط في: ـ طريق الناس أو المكان الذي يجلسون فيه، لما فيه من الأذى لهم.
روى مسلم (269) وغيره، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " اتقوا اللعانين".
قالوا: وما اللعانان؟ قال: " الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم".

[اللعين: الأمرين الجالبين اللعن].
ـ ثقب في الأرض أو جدار أو نحوه، لما قد ينتج عنه من أذى، فقد يكون فيه حيوان ضار كعقرب أو حيه، فيخرج عليه ويؤذيه، وقد يكون فيه حيوان ضعيف فيتأذى.
روى أبو داود (29) عن عبدالله بن سرجس قال: " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبال في الجحر".
وهو الثقب في الأرض.
ـ تحت الشجرة المثمرة، صيانة للثمر عن التلويث عند وقوعه سواء كان مأكولاً أو منتفعاً به لئلا تعافه النفس.
ـ الماء الراكد: لما ينتج من تقزز النفس منه إن كان كثيراً لا تغيره النجاسة، ومن إضاعته إن كانت النجاسة تغيره، أو كان دون القلتين.
روى مسلم (281) وغيره، عن جابر - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى أن يبال في الماء الراكد.
والتغوط أقبح وأولى بالنهي، والنهي للكراهة، ونقل الإمام النووي أنه للتحرم.
[انظر شرح مسلم: 3/ 187]. 2ـ ما يتعلق بالدخول إلى قضاء الحاجة والخروج منه، فيستحب لقاضي الحاجة: أن يقدم رجله اليسرى عند الدخول ويمناه عند الخروج لأنه الأليق بأماكن القذر والنجس.
ولا يحمل الله تعالى ومثله كل اسم معظم.

كما يستحب له أنن يقول الأذكار والأدعية التي ثبتت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قبل دخول الخلاء وبعد الخروج منه: فيقول قبل الدخول: "باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" [رواه البخاري 142، ومسلم: 375]. [الخبث: جمع خبيث.
والخبائث: جمع خبيثة، والمراد ذكور الشياطين وإنائهم].
وبعد الخروج يقول: "غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافني، الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى من قوته، ودفع عنى أذاه" [رواه أبو داود: 30، والترمذي: 17 وابن ماجه: 301، والطبراني].
3ـ ما يتعلق بالجهة: يحرم على قاضي الحاجة أن يستقبل القبلة أو يستدبرها، إن كان في الفضاء ولا ساتر مرتفع يستر عورته حال قضاء حاجته، وكذلك إن كان في بناء غير معد لقضاء الحاجة، ولم تتحقق شروط الساتر المذكورة، ويشترط ألا يبعد عنه الساتر أكثر من ثلاثة أذرع بذارع الآدمي، أي ما يساوى 150سم تقريباً.
فإن كان البناء معداً لقضاء الحاجة جاز الاستقبال والاستدبار.
روى البخاري (381) ومسلم (264)، عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول أو غائط، ولكن شرقوا أو غربوا".
وخص ذلك بالصحراء وما في معناها من الأمكنة التي لا ساتر فيها، ودليل التخصيص: ما روى البخاري (148)، ومسلم (266)

وغيرهما، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، مسدبر القبلة، مستقبل الشام.
فحمل الأول على المكان غير المعد لقضاء الحاجة، وما في معناه من الاماكن التي لا ساتر فيها، وحمل الثاني على المكان المعد وما في معناه، جمعاً بين الأدلة، ولا يخلو الأمر معه عن كراهة في غير المعد مع وجود الساتر.
4ـ ما يتعلق بحال قاضي الحاجة: أن يعتمد على يساره وينصب يمناه.
ولا ينظر إلى السماء ولا إلى فرجه ولا إلى ما يخرج منه لأنه لا يليق بحاله.
ويكره القاضي الحاجة الكلام وغيره أثناء قضائها.
روى مسلم (370) وغيره، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلا مرّ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه.
وروى أبو داود (15) وغيره، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط، كشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله عز وجل يمقت على ذلك".
[يضربان: يأتيان.
يمقت: يغضب] ويقاس على الكلام غيره كالأكل والشرب والعبث، ونحو ذلك 5ـ الاستنجاء باليسار: يستعمل قاضي الحاجة شماله لتنظيف المحل بالماء اليمنى لهذا، كما يكره له أن يمس بها ذكره.
وإن احتاج أن يمسك الذكر لينظفه بالحجر ونحوه من الجامدات، أمسك الجامد بيده اليمنى دون أن يحركها، وأمسك الذكر باليسرى وحركها لينظف المحل.

روى البخاري (153)، ومسلم (267)، عن أبي قتادة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه ولا يستنج بيمينه".

الطهارة من الحدث:

معنى الحدث: الحدث لغة: الشيء الحادث.
وشرعاً: هو أم اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة وما في حكمها، حيث لا مرخص.
ويطلق الحدث أيضاً على نواقض

الوضوء

التي سنتحدث عنا فيما بعد، وعلى موجبات الغسل.

أقسام الحدث:

والحدث يقسم إلى قسمين: حدث أصغر، وحدث أكبر.
الحدث الأصغر: هو أمر اعتباري يقوم بأعضاء الإنسان الأربعة، وهي: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان، فيمنع من صحة الصلاة ونحوها، ويرتفع هذا الحدث بالوضوء، فيصبح الإنسان مستعداً للصلاة ونحوها.
والحدث الأكبر: وهو أمر اعتباري يقوم بالجسم كله فيمنع من صحة الصلاة وما في حكمها، ويرتفع هذا الحدث بالغسل فيصبح الإنسان أهلاً لما كان ممنوعاً عنه.


الوضُوء

معناه:

الوضوء

لغة: مأخوذة من الوضاءة وهي الحسن والبهجة، وشرعاً: اسم للفعل الذي هو استعمال الماء أعضاء معينة ما النية.
والوضوء اسم للماء الذي يتوضأ به، وسمي بذلك لما يضفي على الأعضاء من وضاءة يغسلها وتنظيفها.

فروض الوضوء:

وفروض الوضوء ستة وهي: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، مع المرفقين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين، والترتيب.
والأصل في مشروعية الوضوء وأركانه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأمسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة: 6].
1ـ النية: لأن الوضوء عبادة، وبالنية تتميز العبادة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" [رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907]. أي لا تصح العبادة ولا يعتد بها شرعاً إلا إذا نويت، ولا يحصل للمكلف أجرها إلا إذا أخلص فيها.
تعريف النية: والنية معناها لغة: القصد، وشرعاً: قصد الشيء مقروناً بفعله.

محل النية: ومحل النية القلب، ويسن التلفظ بها باللسان.
كيفية النية: وكيفيتها أن يقول بقلبه: نويت فرض الوضوء، أو رفع الحدث، أو استباحة الصلاة.
وقت النية: ووقتها عند غسل أول جزء من الوجه، لأنه أول الوضوء.
2ـ غسل جميع الوجه: لقوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم).
وحدود الوجه من منبت الشعر إلى أسفل الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً.
ويجب غسل كل ما على الوجه: من حاجب، وشارب، ولحية، ظاهرة وباطناً لأنها من أجزاء الوجه، إلا اللحية الكثيفة ـ وهي التي لا يرى ما تحتها ـ فإنه يكفى غسل ظاهرها دون باطنها.
3ـ غسل اليدين مع المرفقين: لقوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق).
جمع مرفق وهو مجتمع الساعد مع العضد و"إلى" بمعنى مع، أي: مع المرافق، دل على ذلك ما رواه مسلم (246)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "أنه توضأ فغسل وجهه فاسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ".
[أشرع في العضد وأشرع في الساق، معناه: أدخل الغسل فيهما].

ويجب تعميم جميع الشعر والبشرة بالغسل، فلو كان تحت أظافره وسخ يمنع وصول الماء أو خاتم لم يصح الوضوء، لما رواه البخاري (161)، ومسلم (241) واللفظ له، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رجعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضأوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها ماء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء".
أي أتموه وأكملوه باستيعاب العضو بالغسل.
[عجال: مستعجلون].
وروى مسلم (243): أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أرجع فأحسن وضوءك".
فرجع ثم صلى.
[فرجع: أي فأتم وضوءه وأحسنه].
فدل الحديثان: على أنه لا يجزئ الوضوء إذا بقي أدنى جزء من العضو المغسول دون غسل.
4ـ مسح بعض الرأس، ولو شعرة ما دامت في حدود الرأس، لقوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم).
وروى المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ، ومسح بناصيته، وعلى عمامته.
[رواه مسلم: 279]. ولو غسل رأسه أو بعضه يدل المسح جاز.
والناصية: مقدم الرأس، وهي جزء منه، والاكتفاء، بالمسح عليها دليل على ان مسح الجزء هو المفروض ويحصل بأي جزء كان.
5ـ غسل الرجلين مع الكعبين: لقوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين).
الكعبان مثنى الكعب: وهو العظم الناتئ من كل جانب عند

مفصل الساق مع القدم، و "إلى": بمعنى مع، أي مع الكعبين، دل على ذلك: ما جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - السابق وحتى أشرع في الساق".
ويجب تعميم الرجلين بالغسل بحيث لا يبقى منهما ولو موضع ظفر، أو تحت شعر لما مر في غسل اليدين.
6ـ الترتيب على الشكل الذي ذكرناه: وهذا مستفاد من الآية التي ذكرت فروض الوضوء مرتبة، ومن فعله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يتوضأ إلا مرتباً ـ كما جاء في الآية ـ ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة منها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - السابق، وفيه العطف بثم، وهي الترتيب باتفاق.
قال النووي في المجموع (1/ 484): واحتج الأصحاب من السنة بالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلهم وصفوه مرتباً، مع كثرتهم وكثرة المواطن التي رأوه فيها، وكثرة اختلافهم في صفاته في مرة ومرتين وثلاث وغير ذلك، ولم يثبت فيه ـ مع اختلاف أنواعه ـ صفة غير مرتبة، وفعله - صلى الله عليه وسلم - بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز، كما ترك التكرار في أوقات.

سنن الوضوء:

للوضوء سنن كثيرة نذكر أهمها وهي: 1ـ التسمية في ابتدائه: روى النسائي (1/ 61) بإسناد جيد، عن أنس - رضي الله عنه - قال: طلب بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وضوءاً

فلم يجدوا ماء، فقال عليه الصلاة والسلام: "هل مع أحد منكم ماء"، فأتي بماء فوضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال: "توضأوا بسم الله" أي قائلين ذلك عند الابتداء به.
قال أنس - رضي الله عنه -: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، حتى توضأوا من عن آخرهم ـ أي جميعهم ـ وكانوا نحواً من سبعين.
2ـ غسل الكفين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء: روى البخاري (2183)، ومسلم (235)، من حديث عبدالله بن زيد - رضي الله عنه - وقد سئل عن وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدعا بنور من ماء، فتوضأ لهم وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكفأ على يده من التور، فغسل يديه ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء ... ". [التور: إناء من نحاس.
فأكفأ: صب].
3ـ استعمال السواك: لما رواه البخاري (847)، ومسلم (252)، وغيرهما، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء".
أي لأمرتهم أمر إيجاب، وهذا دليل الاستحباب المؤكد.
4 و 5 ـ المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى والاستنثار باليد اليسرى، جاء في حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - السابق من غرفة واحدة، وكرر ذلك ثلاثاً.
[استنثر: أخرج الماء الذي أدخله في أنفه].
6ـ تخليل اللحية الكثة: روى أبو داود (145) عن أنس - رضي

الله عنه - كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء، فأخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي عز وجل" 7ـ مسح جميع الرأس: جاء في حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -: فمسح رأسه بيديه، فاقبل بهما وأدبر: بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما على قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه.
8ـ تخليل ما بين أصابع اليدين والرجلين بالماء: أما اليدين فبالتشبيك بينهما، وأما الرجلان فبخنصر اليد اليسرى: عن لقيط بن صبرة - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً" [رواه أبو داود: 142، وصححه الترمذي: 788، وغيرهما] [أسبغ: أكمله وأتمه بأركانه وسننه].
وعن المستورد قال: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ فخلل أصابع رجليه بخنصره، [رواه أبن ماجه: 446]. 9ـ مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء جديد غير ماء الرأس عن ابن عباس - رضي الله عنه -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما" [رواه الترمذي: 36، وصححه].
وعند النسائي (1/ 74): "مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالمسحتين، وظاهرهما بإبهاميه".
وقال عبدالله بن زيد: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ، فأخذ ماء لأذنيه خلاف الماء الذي أخذه لرأسه" [رواه الحاكم: 1/ 151]، وقال عنه الحافظ الذهبي: صحيح.

10ـ التثليث في جميع فرائض الوضوء وسننه.
روى مسلم (230) أن عثمان - رضي الله عنه - قال: ألا أريكم وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً.
11ـ تقديم اليمنى على اليسرى، في اليدين والرجلين: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله قال: "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم" [رواه ابن ماجه: 402]. ودلّ على ذلك حديثه السابق في فرائض الوضوء.
12ـ الدلك ـ وهو إمرار اليد على العضو عند غسله ـ: روى أحمد في مسنده (4/ 39) عن عبدالله بن زيد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ، فجعل يقول هكذا، يدلك.
[في المصباح: دلكت الشيء ـ من باب قتل ـ مرسته بيدك، ودلكت النعل بالأرض مسحتها بها.
يقول: عبر عبدالله بالقول عن الفعل].
13ـ الموالاة: أي غسل الأعضاء بالتتابع من غير انقطاع، بحيث يغسل العضو الثاني قبل أن يجف الأول، أتباعاً للنبي - صلى الله عليه وسلم -، لما مر معك من أحاديث على ذلك.
14ـ إطالة الغرة والتحجيل: والغرة غسل جزء من مقدم الرأس والتحجيل غسل ما فوق المرفقين في اليدين، وما فوق الكعبين في الرجلين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" [رواه البخاري: 136، ومسلم: 246]. وفي رواية عند مسلم: " فليطل غرته وتحجيله".

[غرّاًً: جمع أغر، أي ذو غرة، وهي بياض في الجبهة.
محجلين: من التحجيل وهو بياض في اليدين والرجلين، وهذا تشبيه لأن الأصل في الغرة والتحجيل أن يكون في جهة الفرس وقوائمها، والمراد به هنا: النور الذي يسطع من المؤمنين يوم القيامة].
15ـ الاعتدال بالماء دون سرف أو تقتير: فقد روى البخاري (198) عن أنس - رضي الله عنه -: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بالمد.
[والمد: إناء يساوي مكعباً طول حرفه 10 سم تقريباً].
16ـ استقبال القبلة عند الوضوء، لأنها أشرف الجهات.
17ـ أن لا يتكلم أثناء الوضوء، اتباعاً للرسول - صلى الله عليه وسلم -. 18ـ التشهد عند الانتهاء من الوضوء والدعاء، يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" [رواه مسلم: 234]. "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" [رواه الترمذي: 55].
"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك".
[رواه النسائي في أعمال اليوم والليلة، كما قال الإمام النووي في الأذكار].

مكروهات الوضوء:

ويكره في الوضوء الأمور التالية: 1ـ الإسراف في الماء، والتقتير فيه: لأن ذلك خلاف السنة، ولعموم قوله تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) [سورة الأعراف: 31].
والإسراف هو التجاوز عن الاعتدال المعروف والمألوف.
روى أبو داود (96) أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنه سيكون في

هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء".
أي يفرطون فيهما، والإفراط في الدعاء: أن يسأل أشياء مخصوصة وبصفة معينة.
2ـ تقديم اليد اليسرى على اليمنى، وتقديم الرجل اليسرى على اليمنى: لأن هذا على خلاف ما مر من فعله - صلى الله عليه وسلم -. 3ـ التنشيف بمنديل إلا لعذر، كبرد شديد أو حر يؤذي معه بقاء الماء على العضو، أو خوف نجاسة أو غبارها، روى البخاري (256)، ومسلم (317): أنه - صلى الله عليه وسلم - أتي بمنديل فلم يمسه.
4ـ ضرب الوجه بالماء، لأن ذلك ينافي تكريمه.
5ـ الزيادة على ثلاث يقيناً بالغسل أو في المسح، أو النقص عنها، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما توضأ ثلاثاً ثلاثاً: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا، أو نقص فقد أساء وظلم" [رواه أبو داود: 135]، وقال النووي في المجموع: إنه صحيح.
معناه أن من اعتقد أن السنة أكثر من ثلاث أو أقل منها، فقد أساء وظلم، لأنه قد خالف السنة التي سنها النبي - صلى الله عليه وسلم -. 6ـ الاستعانة بمن يغسل له أعضاء من غير عذر، لأن فيه نوعاً من التكبر المنافي للعبودية.
7ـ المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم خشية أن يسبقه الماء إلى حلقه فيفسد صومه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" [رواه أبو داود: 142]. وتقاس المضمضة على الاستنشاق من باب أولى.

نواقص الوضوء:

وينتقص الوضوء بخمسة أشياء: 1ـ كل ما خرج من أحد السبيلين من بول أو غائط أو دم أو ريح: قال تعالى: (لو جاء أحد منكم الغائط) [النساء: 42].
أي مكان قضاء الحاجة، وقد قضى حاجته من تبرز أو تبول.
والغائط هو المكان المنخفض، وفي مثله تقضى الحاجة من تبرز أو تبول.
والغائط هو المكان المنخفض، وفي مثله نقضى الحاجة غالباً وعادة.
وروى البخاري (135) ومسلم (225) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ".
فقال رجل من أهل حضر موت ك ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال فساء أو ضراط.
وقيس على ما ذكر كل خارج من القبل أو الدبر، ولو كان طاهراً.
2ـ النوم غير المتمكن: والتمكن أن يكون جالساً ومقعدته ملتصقة بالأرض، وغير التمكن أن يكون هناك نجاف بين مقعدته والأرض، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من نام فليتوضأ" [رواه أبو داود: 203 وغيره].
وأما من نام على هيئة المتمكن فلا ينقض وضوؤه، لأنه يشعر بما يخرج منه، ودل على هذا ما رواه مسلم (376) عن أنس - رضي الله عنه - قال: أقيمت الصلاة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يناجى رجلاً، فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه، ثم جاء فصلى بهم.
[يناجي: يتحدث معه على انفراد بحيث لا يسمعهما أحداً].
وعنه أيضاً قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينامون، ثم يصلون ولا يتوضأون [أنظر البخاري: 541، 544، 545].

وواضح أنهم ناموا جالسين على هيئة التمكن، لأنهم كانوا في المسجد ينتظرون الصلاة، وعلى أمل أن يقطع حديثه - صلى الله عليه وسلم - فجأة ويصلي بهم.
3ـ زوال العقل بسكر أو إعماء أو مرض، أو جنون: لأن الإنسان إذا انتابه شيء من ذلك كان هذا مظنة أن يخرج منه شيء من غير ان يشعر، وقياساً على النوم، لأنه أبلغ منه في معناه.
4ـ لمس الرجل زوجته أو المرأة الأجنبية من غير حائل، فإنه ينتقض وضوؤه ووضوؤها.
والأجنبية هي كل امرأة يحل له الزواج بها.
قال تعالى في بيان موجبات الوضوء: (أو لامستم النساء) [النساء: 42].
أي لمستم كما في قراءة متواترة.
5ـ مس الفرج نفسه أو من غيره، قبلاً أو دبراً، بباطن الكف والأصابع من غير حائل.

الأمور التي يشترط لها الوضوء:

الأمور التي يجب الوضوء من أجلها هي: 1ـ الصلاة: قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [سورة المائدة: 6].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" [رواه البخاري: 135، ومسلم: 225]. وعند مسلم (224): "ولا تقبل صلاة بغير طهور".
2ـ الطواف حول الكعبة: لأن الطواف كالصلاة تجب فيه

الطهارة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه تلا يتكلمن إلا بخير".
[رواه الترمذي: 960، والحاكم: 1/ 459، وصححه].
3ـ من المصحف وحمله: قال تعالى: (لا يمسه إلا المطهرين) [سورة الواقعة: 79].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يمس القرآن إلا طاهر" [رواه الدارقطني: 1/ 459].

صور كاملة لوضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -

بفرائضه، وسننه المؤكدة، وبيان فضله، وفضل الصلاة بعده: روى البخاري في صحيحه (162) عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: أنه دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، [وفي رواية: ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً، ثم غسل رجله اليسرى ثلاثاً].
ثم قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه".
[بوضوء: هو الماء الذي يتوضأ به.
لا يحدث: أي بشيء من أمور الدنيا].


المسَحُ عَلَى الخٌفَّين

تعريفهما:

الخُفّان: تثنية خف، وهما الحذاءان السائران للكعبين المصنوعان من جلد.
والكعبان كما مر: هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق.

حكم المسح عليهما:

ودليل جوازه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال جرير بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه -: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بال، ثم توضأ ومسح على خفيه".
[رواه البخاري: 1478، ومسلم: 272].

شروط المسح عليهما:

ويشترط لجواز المسح عليهما خمسة شروط: 1ـ أن يُلبسا بعد وضوء كامل: عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين"، فمسح عليهما.
[رواه البخاري: 203، ومسلم: 274].

2ـ أن يكونا سائرين لجمع محل غسل الفرض من القدمين، لأنهما لا يسميان خفين إلا إذا كانا كذلك.
3ـ أن يمنعا نفوذ الماء إلى القدمين من غير محل الخرز ـ أي الخياطة.
4ـ أن يكونا قويين يمكن تتابع المشي عليهما يوماً وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهما للمسافر.
5ـ أن يكونا طاهرين، ولو كانا من جلد ميتة قد دبغ، لما مر من أن جلد الميتة يطهر بالدباغ.

مدة المسح عليهما:

مدة المسح علي الخفين: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، روى مسلم (276) وغيره، عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة رضى الله عنها أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: ائت علياً فإنه أعلم بهذا منّي، كان يسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألته فقال: جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم.
هذا ومن بدأ المسح في الحضر ثم سافر مسح يوماً وليلة، ومن بدأ المسح بالسفر ثم أقام أتم مسح مقيم، لأن الأصل الإقامة، والمسح رخصة، فيؤخذ فيه بالأحوط.

متى تبدأ المدة:

وتبدأ مدة المسح من الحدث بعد لبس الخفين، فإذا توضأ الصبح، ولبس خفيه، ثم أحدث عند طلوع الشمس، فإن المدة تحسب من طلوع الشمس.

كيفية المسح عليهما:

الفرض: مسح شيء ولو قل من أعلى الخف (1)، فلا يكفي المسح على أسفلهما.
ويسن مسح أعلاه وأسفله خطوطاً، بأن يضع أصابع يده اليمني مفرقة على مقدمة رجله لأعلى، وأصابع يده اليسرى على مؤخرة قدمه من الأسفل، ثم يذهب باليمنى إلى الخلف وباليسرى إلى الأمام.

مبطلات المسح:

ويبطل المسح ثلاثة أمور: 1ـ خلع الخفين أو خلع أحدهما، أو انخلاعهما أو أحدهما.
2ـ انقضاء مدة المسح: فإذا انقضت المدة وكان متوضئاً نزعهما وغسل رجليه هم أعادهما، وإن كان غير متوضئ توضأ، ثم لبسهما إن شاء.
3ـ حدوث ما يوجب الغسل: فإذا لزمه غسل خلعهما وغسل رجليه، لأن المسح عليهما بدل غسل الرجلين في الوضوء، لا في الغسل.
روى الترمذي (96)، والنسائي (1/ 83) ـ واللفظ له ـ عن صفوان بن عسال - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا إذا كنا مسافرين: أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام، من غائط وبول ونوم، إلا من جنابة".
وهي موجبات الغسل كما سيأتي.

*****1

الجبائر والعصائب

الجبائر: جمع جبيرة، وهي رباط يوضع على العضو المكسور ليجبر.
والعصائب: جمع عصابة، وهي رباط يوضع على الجرح ليحفظه من الأوساخ حتى يبرا.
ولما كان الإسلام دين اليسر، راعى هذه النواحي، وشرع لها الأحكام التي تضمن التوفيق بين أداء العبادة والمحافظة على سلامة الإنسان.

أحكام الجبائر والعصائب:

المريض المصاب بجرح أو كسر، قد يحتاج إلى وضع رباط ودواء على الجرح أو الكسر، وقد لا يحتاج.
فان احتاج إلى وضع رباط لزمه في هذه الحالة ثلاثة أمور: 1ـ أن يغسل الجزء السليم من العضو المصاب.
2ـ أن يمسح على نفس الرباط أي الجبيرة، أو العصابة، كلها.
3ـ أن يتيمم بدل غسل الجزء المريض عند وصوله إليه بالوضوء.

وإن لم يحتج إلى وضع رباط على العضو المكسور أو المجروح، وجب عليه أن يغسل الصحيح ويتيمم عن الجريح إذا كان لا يستطيع غسل موضع العلة.
ويجب إعادة التيمم لصلاة كل فرض وإن لم يحدث، لأن يجب عليه غسل باقي الأعضاء، إلا إذا أحدث.

دليل مشروعية المسح على الجبائر:

دلّ على مشروعية المسح على الجبائر، ما رواه أبو داود (336) عن جابر - رضي الله عنه - قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون في رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل عمات، فلما قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بذلك، فقال: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر ـ أو يعصب ـ على جرحه خرقة، قم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده".
[العي: التحير في الكلام، وقيل: هو ضد البيان].

مدة المسح على الجيرة والعصبة:

ليس للمسح على الجبيرة أو العصابة مدة معينة، بل يظل يمسح عليها ما دام العذر موجوداً، فإذا زال العذرـ بأن اندمل الجرح، وانجبر الكسر ـ بطل المسح ووجب الغسل، فإذا كان متوضئاً، وبطل مسحه، وجب عليه إصابة العضو الممسوح وما بعده من أعضاء الوضوء، مسحاً أو علا حسب الواجب.

وحكم الجبائر واحد، سواء كانت الطهارة من حدث أصغر أو حدث أكبر، إلا أنه في الحدث الأكبر، إذا بطل المسح، وجب غسل موضع العصابة أو الجبيرة فقط، ولا يجب غسل سواها من البدن.
ويجب على واضع الجبيرة القضاء في المواضع التالية: 1ـ إذا وضعها على غير طهر وتعذر نزعها.
2ـ أو كانت في أعضاء التيمم: الوجه أو اليدين.
3ـ إذا أخذت من الصحيح أكثر من قدر الاستمساك.


الغُسل وَأحْكامُه وَأنوَاعُه

معناه:

هو في اللغة: سيلان الماء على الشيء، أيا كان.
وشرعاً: جريان الماء على البدن بنية مخصوصة.

مشروعيته:

الغسل مشروع، سواء كان للنظافة، أم لرفع الحدث، سواء كان شرطاً لعبادة أم لا.
ودل على مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فآيات، منها قوله تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [سورة البقرة: الآية 222]. أي المتنزهين عن الحدث والأقدار المادية والمعنوية.
وأمَّا السنة: فأحاديث، منها: ما رواه البخاري (85)، ومسلم (849) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً، يغسل فيه رأسه وجسده ". وعند مسلم: " حق الله ". والمراد بالحق هنا: أنه مما لا يليق بالمسلم تركه،

وحمله العلماء على غسل يوم الجمعة.
وسيأتي مزيد من الأدلة في مواضعها من البحث إن شاء الله.
وأما الإجماع: فلقد أجمع الأئمة المجتهدون على أن الغسل للنظافة مستحب، والغسل لصحة العبادة واجب، ولا يغرف ف هذا مخالف.

حكمة مشروعيته:

للغسل حكم كثيرة وفوائد متعددة، ومنها: 1ـ حصول الثواب: لان الغسل بالمعنى الشرعي عبادة، إذ فيه امتثال لأمر الشرع وعمل بحكمه، وفي هذا أجر عظيم، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: " الطهور شطر الإيمان " [رواه مسلم: 222]. أي نصفه أو جزء منه، وهو يشمل الوضوء والغسل.

2ـ حصول النظافة: فإذا اغتسل المسلم تنظف جسمه مما أصابه من قذر، أو علق به من وسخ، أو أفرزه من عرق.
وفي هذه النظافة وقاية من الجراثيم التي تسبب الأمراض، وتطييب الرائحة الجسم، مما يدعو لحصول الألفة والمحبة بين الناس.
روى البخاري (861)، ومسلم (847)، واللفظ له، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الناس أهل عمل، ولم يكن لهم كفاة، فكان يكون لهم تفل، فقيل لهم: " لو اغتسلتم يوم الجمعة ". وفي رواية لهما: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا ".

[كفاة: أي من يكفونهم العمل من خدم وأجراء.
تقل: رائحة كريهة].
3ـ حصول النشاط: فإذا الجسم يكتسب بالاغتسال حيوية نشاطاً، ويذهب عنه الفتور والخمول والكسل، ولا سيما إذا كان بعد أسبابه الموجبة، كالجماع، على ما سيأتي.

أقسام الغسل:

والغسل قسمان: غسل مفروض، وغسل مندوب.

أولاً ـ الغسل المفروض:

وهو الذي لا تصح العبادة المفتقرة إلى طهر بدونه، إذا وحدت أسبابه.

أسبابه: ا

لجنابة والحيض والولادة والموت.

(1) الجنابة

معناها:

الجنابة: في الأصل معناها البعد، قال تعالى: (فبصرب به عن جنب) [سورة القصص: الآية 11].
أي: عن بعد.
وتطلق الجنابة على المني المتدفق كما تطلق على الجماع.
وعليه فالجنب هو: غير الطاهر، من إنزال أو جماع.
وسمي بذلك لأنه بالجنابة بعد عن أداء الصلاة ما دام على هذه الحالة.
والجنب لفظ يستوي فيه المذكر جنب، ويقال للمؤنث جنب، ويقال للجمع جنب.

أسبابها:

وللجنابة سببان: الأول: نزول المني من الرجل أو المرأة بأي سبب من الأسباب: سواء كان نزوله بسبب احتلام، أو ملاعبة، أو فكر.
عن أم سلمة رضي الله عنهما قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " نعم إذا رأت الماء " [رواه البخاري: 278، ومسلم 313]. [احتلمت: رأت في نومها أنها تجامع].
وروى أبو داود (236) وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً؟ فقال " يغتسل ". وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ فقال: " لا غسل عليه ". فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك، أعليها غسل؟ قال " نعم " النساء شقائق الرجال ". أي نظائرهم في الخلق والطبع، فكأنهم شققن من الرجال.
الثاني: الجماع ولو من غير نزول المني.
روى البخاري (278)، ومسلم (348)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب عليه الغسل ". وفي رواية مسلم: " وإن لم ينزل ". [شعبها: جمع شعبة، وهي القطعة من الشيء، والمراد هنا فخذا المرأة وساقاها.
جهدها: كدها بحركته].

وفي رواية عند مسلم (349)، عن عائشة رضي الله عنها: " ومس الختان الختان فقد وجب الغسل " أي على الرجل والمرأة لا شتراكهما في السبب.
والختان: موضع الختن، وهو عند الصبي: الجلدة التي تغطي رأس الذكر.
والمراد بمماسة الختانين: تحاذيهما، وهو كناية عن الجماع.

ما يحرم بها:

ويحرم بالجنابة الأمور التالية: 1ـ الصلاة فرضاً، أو نفلاً، لقوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) [سورة النساء: الآية 43].
فالمراد بالصلاة هنا مواضعها، لأن العبور لا يكون في الصلاة، وهو نهي للجنب عن الصلاة من باب أولى.
وروى مسلم (224) وغيره، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لا تقبل صلاة بغير طهور ". وهو يشمل طهارة المحدث والجنب، ويدل على حرمة الصلاة منهما.
2ـ المكث في المسجد والجلوس فيه، أما المرور فقط من غير مكث ولا تردد فلا يحرم: قال تعالى: (ولا جنباً إلا عابري سبيل).
أي لا تقربوا الصلاة موضع الصلاة ـ وهو المسجد ـ إذا كنتم جنباً إلا قرب مرور وعبور سبيل.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا أجل المسجد لحائض، ولا لجنب ". [رواه أبو داود: 232]، وهو محمول على المكث كما علمت من الآية، ولما سيأتي في

الحيض.

3ـ الطواف حول الكعبة فرضاً، أو نفلاً، لأن الطواف بمنزلة الصلاة، فيشترط له الطهارة كالصلاة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ك " الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أحل لكم فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير " [رواه الحاكم: 1/ 459، وقال: صحيح الإسناد].
4ـ قراءة القرآن: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تقرا الحائض، ولا الجنب شيئا من القرآن ". [رواه الترمذي: 131، وغيره].
ملاحظة: يجوز للجنب إمرار القرآن على قلبه من غير بلفظ به، كما يجوز له النظر في المصحف.
ويجوز له قراءة أذكار القرآن بقصد الذكر، لا يقصد القراءة، وذلك كأن يقول: (ربنا أتنا في الدنيا حسنه وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) [سورة البقرة: الآية 201]. بقصد الدعاء.
وكأن يقول إذا ركب دابة: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) [الزخرف: 13]، بقصد الذكر لا بقصد القراءة.
5ـ مس المصحف وحمله أو مس ورقه، أو جلده، أو حمله في كيس أو صندوق: قال تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) [الواقعة: 79].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: " لا يمس القرآن إلا طاهر " [رواه الدارقطني: 1/ 121، ومالك في الموطأ مرسلاً: 1/ 199]. ملاحظة: يجوز للجنب حمل المصحف إذا كان في أمتعة أو ثوب، ولم يقصد حمله بالذاب، بل كان حمله تبعاً لحمل الأمتعة من القرآن، لأن فاعل ذلك لا يسمى عرفاً حاملاً للقرآن.

(2) الحيض

معناه:

حيض في اللغة: السيلان.
يقال حاض الوادي إذا سال.
وفي الشرع: دم جبلة ـ أي خلقة وطبيعة ـ تقتضيه الطباع السليمة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة، في أوقات معلومة.

دليله:

ودليل أن الحيض يوجب الغسل: القرآن والسنة.
أما القرآن: فقوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فأعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) [سورة البقرة: الآية 222]. وأما السنة: فقوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنهما: " فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " [رواه البخاري: 226، ومسلم 333].

سن البلوغ:

يقصد بالبلوغ السن التي إذا بلغها الإنسان ـ ذكراً أو أنثى ـ أصبح أهلاً لتوجه الخطاب إليه بالتكليف الشرعية: من صلاة، وصوم، وحج، وغيرها.
ويعرف البلوغ بأمور: الأول: الاحتلام بخروج المني، بالنسبة للذكر والأنثى.

الثاني: رؤية دم الحيض بالنسبة للأنثى.
والوقت الذي يمكن أن يحصل فيه الاحتلام، أو الحيض، فيكون قد تحقق البلوغ، هو استكمال تسع سنين قمرية من العمر.
ثم التأخر عن هذا الوقت أو عدم التأخر إنما يتبع طبيعة البلاد، وظروف الحياة.
الثالث: باستكمال الخامسة عشرة من العمر، بالسنين القمرية، إذا لم يحصل الاحتلام أو الحيض.

مدة الحيض:

وللحيض مدة دنيا، ومدى قصوى، ومدة غالبة: فالمدة الدنيا ـ وهي أقل مدة الحيض ـ يوم وليلة.
والمدة القصوى ـ وهي أكثر مدة الحيض ـ خمسة عشر يوماً بلياليها.
والمدة الغالبة ـ ستة أيام أو سبعة.
وأقل طهر بين الحيضتين خمسة عشر يوماً، ولا حد لأكثر الطهر، فقد لا تحيض المرأة سنة أو سنتين أو سنين.
وهذه التقادير مبناها الاستقراء، أي تتبع الحوادث ـ والوجود، وقد وجدت وقائع أثبتتها.
فإذا رأت المرأة دماً أقل من مدة الحيض ـ أي أقل من يوم وليلة ـ أو رأت الدم بعد مدة أكثر الحيض ـ أي أكثر من خمسة عشر يوماً بلياليها ـ، اعتبر هذا الدم دم استحاضة، لا دم حيض.
وقد تميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بلونه وشدته.

والاستحاضة:

دم علة ومرض يخرج من عرق من أدنى الرحم يقال له العاذل، وهذا الدم ينقض الوضوء، ولا يوجب الغسل، ولا يوجب ترك الصلاة ولا الصوم، فالمستحاضة تغسل الدم، وتربط على موضعه، وتتوضأ لكل فرض، وتصلي.
روى أبو داود (268) وغيره عن فاطمة بنت أبي حبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو غرق".
[يعرف: يغرفه النساء عادة.
عرق: أي ينزف.
الآخر: الذي ليست صفته كذلك].
روى البخاري (236) ومسلم (333) عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالت: يا رسول الله، إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي".

ما يحرم بالحيض:

1ـ الصلاة: لأحاديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها السابقة في الاستحاضة.
2ـ قراءة القرآن ومس المصحف وحمله لما مر ايضأ فيما يحرم بالجنابة رقم (4، 5).

3 - المكث في المسجد لا العبور فيه: لما مرَّ معك فيما يحرم بالجنابة رقم (2). ومما يدل على أن مجرد العبور لا يحرم، بالإضافة لما سبق: ما رواه مسلم (298) وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " نَاولِيني الْخُمْرَة مِنَ المَسْجدِ".
فَقُلْتُ: إنَّي حَائِضٌ، فقال: " إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ".
وعن النسائي (1/ 147) عن ميمونة رضي الله عنها قالت: تَقُومُ إحْدانا بِالخُمْرَةِ إلى المَسْجدِ فَتَبْسُطُها وهِيَ حَائِضٌ.
[الخمرة: هي السجدة أو الحصير الذي يضعه المصلي ليصلي عليه أو يسجد].
4 - الطواف: ودل على ذلك ما مَّر في الجنابة، رقم (3). وما رواه البخاري (290)، ومسلم (1211)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا لا نُرى إلاَّ الحجَّ، فلمَّا كنَّا بسَرَفٍ حِضْتُ، فدخل علىَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، قال: " مَا لَكِ أَنَفِسْتِ؟ " قُلْتُ: نعم، قال: " إنَّ هَذا أَمْرُ كَتَبَهُ اللهُ عَلى بَناتِ آدمَ، فاقضِي مَا يَقْضِي الحاجُّ، غير أن لا تطوفي بالبَيْتِ".
وفي رواية " حتى تَطْهُري".
[لا نرى: لا نظن أنفسنا إلا محرمين بالحج.
بسرف: مكان قرب مكة.
أنفستِ: أحضتِ.
فاقضي: افعلي ما يفعله الحاجُّ من المناسك].
ويحرم على الحائض زيادة على ذلك أمور أخرى وهي: 1 - عبور المسجد والمرور فيه إذا خافت تلويثه، لأن الدم نجس ويحرم تلويث المسجد بالنجاسة وغيرها من الأقذار، فإذا أمنت التلويث حلَّ لها المرور كما علمت.

2 - الصوم: فلا يجوز للحائض أن تصوم فرضاً ولا نفلاً، ودليل ذلك ما رواه البخاري (298)، ومسلم (80)، عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في المرأة وقد سئل عن معنى نقصان دينها: " أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ ". وعلى ذلك الإجماع.
وتقضي الحائض ما فاتها من صوم الفرض بعد طهرها، ولا تقضي الصلاة، وإذا طهرت- أي انتهى حيضها - وجب عليها الصوم، ولو لم تغتسل.
روى البخاري (315)، ومسلم (335) واللفظ له، عن معاذة قالت: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: "كان يصيبنا ذلك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
ولعل الحكمة في ذلك أن الصلاة تكثر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم.
3 - الوطء- أي الجماع - والاستمتاع والمباشرة بما بين السرة إلى الركبة: لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. والمراد باعتزالهنَّ ترك الوطء.
وروى أبو داود (212) عن عبدالله بن سعد - رضي الله عنه -: أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائضُ؟ قال: "لَكَ مَا فّوقَ الإِزَارِ".
والإزار الثوب الذي يستر وسط الجسم وما دون، وهو ما بين السرة إلى الركبة غالباً.

(3) الولادة

الولادة، وهي وضع الحمل: قد تكون الولادة ولا يعقب خروج الولد دم، فحكمها حينئذ حكم الجنابة، لأن الولد منعقد من ماء المرأة وماء الرجل.
ولا يختلف الحكم مهما اختلف الحمل الموضوع، أو طريقة وضعه.
وإذا أعقب خروج الولد دم - وهو الغالب - سمى نفاساً، به أحكام إليك بيانها.
النَّفاس

معناه:

النفاس

لغة: الولادة.
وشرعاً: الدم الخارج عقب الولادة.
وسمي نفاساً، لأنه يخرج عقب خروج النفس، ويقال للمرأة نُفَساء.
والدم الذي يخرج أثناء الطلق، أو مع خروج الولد، لا يعتبر دم نفاس، لتقدمه على خروج الولد، بل يعتبر دم فساد، وعلى ذلك تجب الصلاة أثناء الطلق ولو رأت الدم، وإذا لم تتمكن من الصلاة، وجب قضاؤها.

مدته:

وأقل مدة النفاس لحظة، وقد يمتد أياماً، وغالبه أربعون يوماً وأكثره ستون، فما زاد عليا فهو استحاضة والأصل في هذا الاستقراء، كما علمت في مدة الحيض.

ما يحرم بالنفاس:

أجمع العلماء على أن النفاس كالحيض في جميع أحكامه.

رؤية الدم حال الحمل:

إذا رأت الحامل دماً، وبلغت مدته أقل مدة الحيض - وهي يوم وليلة - ولم يتجاوز أكثر مدة الحيض - وهي خمسة عشر يوماً بلياليها- اعتبر هذا الدم حيضاً على الأظهر، فتدع الصلاة والصوم وكل ما يحرم على الحائض.
أما إذا كان الدم الذي رأته أقل من مدة الحيض، أو أكثر من مدة أكثره، اعتبر الأقل والزائد دم استحاضة، وأخذ حكمه من حيث الصلاة وغيرها.
وقيل: الدم الذي تراه المرأة الحامل يعتبر دم استحاضة مطلقاً كيف كان، وليس دم حيض، لأن الحمل يسد مخرج الحيض، وهذا الغالب الأكثر، وحيض المرأة أثناء الحمل إن لم يكن ممتنعاً فهو نادر جداً.

مدة الحمل:

أقلُّها: وأقل مدة الحمل ستة أشهر أخذاً من الآيتين الكريمتين: قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ في عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14].
أي فطامه عن الرضاع.
فإذا كانت مدة مجموع الحمل والرضاع ثلاثين شهراً، وكانت مدة الرضاع وحده عامين، كانت مدة الحمل ستة أشهر، وهي أقل مدته، فإذا جاءت المرأة بولد بعد الزواج بأقل من ستة أشهر وهو حي، لا يثبت نسبه لأبيه.
غالبها: وغالب مدة الحمل تسعة أشهر، أخذاً من واقع الحال فإن

عامة النساء يلدن بعد بدء الحمل بتسعة أشهر، أو يزيد على ذلك أياماً قليلة، أو ينقص.
أكثرها: وأكثر مدة الحمل عند الشافعي رحمه الله أربع سنين، وهي مدة أن لم تكن ممتنعة فيهي نادرة للغاية، ولكنها تقع، وقد وقعت بالفعل، وعلى وقوعها بني الشافعي رحمه الله تعالى قوله.

(4) الموت

إذا مات المسلم وجب على المسلمين تغسيله، وهو واجب كفائي، إذا قام به البعض من أقربائه أو غيرهم سقط الطلب عن الآخرين، وإذا لم يقم به أحد أثِمَ الجميع.
وتجب نية الغسل على الغاسل.
هذا في غير الشهيد، أما الشهيد فإنه لا يغسَّل، وسيأتي تفصيل أحكام الميت في بحر الجنائز.
ودليل وجوب غسل الميت ما رواه ابن عابس رضي الله عنهما: أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في المُحْرِمِ الَّذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: " اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ " [رواه البخاري: 1208، ومسلم: 1206]. [وقصته: رمته وداست عنقه].

ثانياً - الغسل المندوب:

وبعبارة أخرى: الأغسال المسنونة، وهي التي تصح الصلاة بدونها، ولكن الشرع ندب إليها لاعتبارات كثيرة، وإليك بيانها: 1 -

غسل الجمعة:

مشروعيته: يُسنّ الغسل يوم الجمعة لمن يريد حضور الصلاة، وإن لم تجب

فصول الكتاب · 36 فصل · 278 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي · 278 صفحة
ـ[الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى]ـ
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
البَاب الأوَّل
الباب الثانيالباب الثالثالبَاب الخَامسالباب السادسالبَاب السابعالبَاب الثَامنالبَاب التَاسِعالباب العاشرالباب الأولالباب الثانيالباب الثالثالباب الرابعالباب الخامسالباب السادسالباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرالباب الحادي عشرالباب الثاني عشر
مقدمة
الباب الثالثالباب الرابع
البَاب الخامس
الباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرمقدمة في بيان أهمية الإمامة، وقيام الحكم والمجتمع الإسلامي على سلامتها
جارٍ التحميل