الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعيصفحات 87-128
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 87-128
عن هذه الطبعة
عَلَم
مجموعة من المؤلفين
الكتاب
الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
الناشر
دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
الطبعة
الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

أسرتها، ومفاخرة على أمثالها في تجهيزها، وأثاث بيتها.
لقد غاب عن خاطر هؤلاء أن المهر لا يعني شيئاً من هذا أبداً.
وإنما هو رمز لصدق الرغبة في الزواج، وعطِيّة لتكريم المرأة والتودّد إليها في بناء الحياة الزوجية الكريمة.
كما غاب عن خاطرهم المفاسد الاجتماعية التي تنجم عن هذا الشَطط الممقوت، والضرر الذي يصيب المجتمع، والرجل والمرأة نفسها، كنتيجة لهذا الغلو البشع.
وغاب عن خاطرهم أيضاً: أنهم يخالفون سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - يسلكون غير طريق البَركَة التي يسببّها يُسْر المهر وبساطته.
ـ أما المفاسد الاجتماعية التي تنجم عن المغالاة في المهور فكثيرة نذكر بعضاً منها: إن المغالاة في المهور تصرف الشباب عن الزواج، ولاسيما الفقراء منهم، وتحول بينهم وبين الزواج، مما يجعلهم يسيرون في طريق الشيطان، ويلجؤون إلى الفاحشة، ويبحثون عن الرذيلة، فيتبدل الصلاح فساداً، والطمأنينة ثورة، فتتلوّث الأغراض، وتختلط الأنساب، وتكثر الأمراض.
ولو كان للشباب أزواج يعففنهم لحفظوا أخلاقهم، وحصّنوا دينهم، وضمنوا لمجتمعهم السلامة من الإثم والفجور.
ـ وأما المفاسد التي تصيب المرأة نفسها كنتيجة للمغالاة فيكفي أن نذكر منها: إن كثيراً من النساء سوف يبقين عوانس محرومات من أخص ما تتطلبه فطرتهنّ، وتهفوا نحوه نفوسهنّ، وسيظللن يشعر بفراغ مؤرق يقض مضاجعهنّ، ويشتقن إلى البيت الذي يقضي على وساوسهنّ، ويُشعرهنّ

بنعمة الهدوء والاستقرار، فلا يجدنه، ولا يظفرن به، لان آباءهن طلبوا مهوراً أعجز الكثير من خّطابهنّ.
هذا إذا لم يخرجن إلى الطرقات يعرضن فتنتهنّ، ويفسدن مجتمعهنّ.
أما إذا خرجن ـ كما هو الغالب على هؤلاء العوانس ـ فالضرر عليهنّ أبلغ، والكارثة أعمّ وأفدح.
ـ أما مخالفة السنّة النبوية، فلنستمع إلى ما يقوله النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهر: روى أحمد (6/ 82) عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن أعظم النكاح بركة أيسره مَؤونةً ". وروى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " خيرُ النكاح أيسَرُه " رواه أبو داود (النكاح، باب: في التزويج على العمل يعمل، رقم: 2117) والحاكم وصححه.
فلا بركة إذاً ولا خير إذا أصبح المهر تجارة يطلب من ورائها الثراء، ووسيلة للمكاثرة والمفاخرة بين الأقران.
وروى البخاري (النكاح، باب: كيف يدعى للمتزوج، رقم: 4860) ومسلم (النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك من قليل وكثير واستحباب كونه خمسمائة درهم لمن لا يجحف به، رقم: 1427) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أثر صُفوة، فقال: " ما هذا "؟ قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: " بارك الله لك، أولِمْ ولو بشاة ". [أثر صفوة: أي صبغ على ثوبه.
نواة: بزرة التمر].

لقد دعا له بالبركة كثرة الخير ـ والبركة كثرة الخير - في هذا الزواج وما كان المهر فيه إلا وزن نواة من التمر.
فما هو نصيب هؤلاء المُغالين من هذه البركة؟ وعن أبي العوجاء قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: لا تغلو صُدُقَ النساء، فإنها لو كانت مكرُمة في الدنيا، أو تقوى في الآخرة، لكان أولاكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة من نسائه، ولا أصْدِقت امرأة من بناته، أكثر من ثنتي عشرة أُوقية.
رواه الخمسة، وصححه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في مهور النساء، رقم: 1114). والخلاصة: أن المغالاة في المهور مكروهة شرعاً، وأن اليُسْر في المهور مندوب، ومن أسباب البركة والخير للرجال والنساء، والمجتمع.

عقد الزواج وما يترتب عليه

معنى الزواج: الزواج في اللغة: هو الاقتران، والاختلاط.
يقال: زوج فلان إبله: أي قرن بعضها ببعض.
ويقال: زوجه النوم: أي خالطه.
ومنه قول الله عز وجل: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصدقات: 22] أي قرناءهم.
والزواج في الشرع: عقد يتضمن إباحة استمتاع كلِّ من الزوجين بالآخر على وجه مشروع.
أنواع الزواج: الزواج نوعان: زواج باطل، وزواج صحيح.
أما الزواج الباطل: فهو الذي فقدَ ركناً من أركانه، أو شرطاً من شروط صحته.
وهذا الزواج لا حكم له إلا الحرمة، ولا يترتب عليه أيّ أثر من آثار الزواج، اللَّهمّ إلا مهر المثل في بعض صور البُطلان.
كما إذا تزوج من غير وليِّ للزوجة، ودخل بها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحُها باطل ـ ثلاثاً ـ فإن دخل بها فهلا مهر المثل بما اسحل من فرجها ".

رواه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء لا نكاح إلى بولي، رقم 1102) وأما الزواج الصحيح: فهو الذي استوفى أركانه، وشروط صحته، وهذا الزواج هو الذي تترتب عليه آثاره الآتي ذكرها.
أحكام عقد الزواج: لعقد الزواج أحكام كثيرة، وقد مرّت عند بحثنا عن النكاح وأركانه، فلتُراجع هناك.
ما يترتب على عقد الزواج الصحيح من حقوق وواجبات: إذا وقع عقد الزواج صحيحاً تترتب عليه كثر من الحقوق والواجبات المتقابلة بين الزوجين.
وهذه الحقوق والواجبات لكل واحد منها بحث خاص به يُذكر في مكانه.
ولكنّا نكتفي هنا أن نعدُّها مع ذكر الدليل لكل واحد منها، ونُحيل تفاصيلها إلى مواضعها الخاصة بها.
وهذه الحقوق والواجبات هي: أـ حلّ استمتاع كلِّ من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع، قال الله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]. ب ـ وجوب متابعة المرأة لزوجها، وطاعتها له، وتمكينها له من نفسها، ومحافظتها على بيته.
روى مسلم (النكاح، باب: تحريم امتناعها من فراش زوجها، رقم 1436)، والبخاري (النكاح باب: إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، رقم: 4879) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

قال: " إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح).
وفي رواية أخرى: (إذا دعا الرجل امرأتَه إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكةُ حتى تُصبِح).
وقال - صلى الله عليه وسلم - في خطبة حجة الوداع: " ولكم عليهنّ ألا يوطئن فُرُشكم أحداً تكرهونه ". رواه مسلم من حديث طويل (الحج، باب: حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - رقم: 1218) وغيره.
ج ـ المهر، وهو حق للزوجة على زوجها.
قال الله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4].
د ـ النفقة، وقد أجمع المسلمون على أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها.
قال الله عز جل: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 223]. وقال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنّ َ﴾ [الطلاق: 6] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبة حجة الوداع: " ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف ". رواه مسلم 1218) وغيره والنفقة تشمل الطعام والشراب، والكسوة والمسكن، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى: هـ ـ القسم بين الزوجات، إن كان للزوج أكثر من زوجة واحدة، كما سيأتي.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا كان الرجل امرأتان، فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه ساقط ". رواه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر،

رقم: 1141)، وابن ماجه (النكاح، باب: القسمة بين النساء، رقم: 1969)، وأبو داود (النكاح، باب: في القسم بين النساء، رقم: 2123)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. وروى الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر، رقم: 1140) وأبو داود (النكاح، باب: في القسم بين النساء، رقم: 2134) وغيرهما: عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم بين نسائه، فيعدل، ويقول: " اللهمّ هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ". [هذه قسمتي: أي في المبيت والنفقة.
فلا تلمني فيما تملك ولا أملك: أي في الحب والمودّة].
وـ النسب، ويثبت بالزواج بعد الدخول تسب الأولاد إلى أبيهم، إذا جاءت بهم الزوجة ضمن مدة الحمل المعروفة: وأقلها ستة أشهر، وأكثرها أربع سنين.
كما مرّ.
فولد كل زوجة في زواج صحيح ينسب إلى زوجها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر" رواه مسلم (الرضاع، باب: الولد للفراش وتوقي الشبهات، رقم: 1457). [والمراد بالفراش: حالة قيام الزوجية.
وللعاهر الحجر: أي الزاني له الخيبة، ولا حقّ له في الولد].
ز ـ التوارث بين الزوجين بشروطه المعروفة في باب الإرث، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12].

سنن عقد النكاح

: ولعقد الزواج سنن يستحبّ الإتيان بها تعظيماً لهذا العقد، وإظهاراً له.
ومن هذه السنن ما يلي: أـ الخطبة قُبيل عقد الزواج، وهذه الخطبة مستحبة من قبل الزوج أو نائبه، وذلك لما روي عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - موقوفاً ومرفوعاً قال: (إذا أراد أحدُكم أن يخطُب لحاجة من نكاح وغيره فليقل ... ) إلى آخر الحديث، وقد مرّ في بحث الخطبة، فارجع إليه هناك ب ـ الدعاء للزوجين، ويسنّ الدعاء للزوجين عند الزواج، وذلك لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفَّأ إنساناً إذا تزوج قال: " بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في الخير ". رواه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء فيما يُقال للمتزوج، رقم: 1091) وأبو داود (النكاح، باب: ما يُقال للمتزوج، رقم: 2130) وابن ماجه (النكاح، باب: تهنئة النكاح، رقم: 1905). [ومعنى رفَّأ: دعا له بالرَّفاء، أي الالتئام وجمع الشمل].
ج ـ إعلان عقد الزواج، وإظهار الفرح فيه بضرب الدف، ويستحب إعلان عقد الزواج، واجتماع الناس عليه، ويكره إسراره.
كما يستحب إظهار الفرح، وضرب الدف، والغناء الطيب الذي يتضمن المعنى الحسن الكريم.
روى ابن ماجه (النكاح، باب: إعلان النكاح، رقم: 1895) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أعلنوا هذا

النكاح، واضربوا عليه بالغُربال " أي الدف.
وروى الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في إعلان النكاح، رقم: 1088) وغيره: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " فصل ما بين الحرام والحلال الدفّ والصوت ". وقال - صلى الله عليه وسلم -: " أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف ". رواه الترمذي (الموضع السابق، رقم: 1089). وكذلك يسنّ الفرح، وإظهار البهجة، واللهو الشريف البريء.
روى البخاري (النكاح، باب: النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها، رقم: 4867) عن عائشة رضي الله عنهما: أنها زَفَّت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " يا عائشة، ما كان معكم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو ". أما الغناء الذي فيه مجون، وفجور وشرور، ووصف للمحاسن والفاتن، وإثارة للشهوات والغرائز، فإنه حرام بلا شك، في الأعراس وغيرها.
د ـ الدعاء عند الدخول على الزوجة، ويستحب عند الدخول على الزوجة، والعزم على جماعها، بأن يقول: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا.
روى البخاري (الوضوء، باب: التسمية على كل حال وعند الوقاع، رقم: 141) مسلم (النكاح، باب: ما يستحب أن يقول عند الجماع، رقم: 1434) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لو أن أحدهم إذا أراد أنْ يأتيَ أهلَه قال: بسم الله، اللَّهم جنِّبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولد في ذلك لم يضرهّ شيطان أبداً ".

هـ ـ

الوليمة

، وهي مسنونة، وسنتحدّث عنها بشيء من التفصيل.
معنى الوليمة: الوليمة مشتقة من الوَلْم، وهو الاجتماع، وسمِّيت بذلك لأن الزوجين يجتمعان فيها.
قال في القاموس: الوليمة طعام العرس، أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها، وأولم: صنع الوليمة.
حكم الوليمة: الوليمة للعرس سنّة مؤكدة، لثبوتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً.
فقد روى البخاري (النكاح، باب: من أولم بأقل من شاة، رقم: 4877) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أولم على بعض نسائه بمدين من شعير.
وروى الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في الوليمة، رقم: 1095) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أولَمَ على صفية بنت حُيي رضي الله عنها بسويق وتمر.
رواه داود (الأطعمة، باب: في استحباب الوليمة عند النكاح، رقم: 3744)، وابن ماجه (النكاح، باب: الوليمة، رقم: 1909). وروى مسلم (النكاح، باب: زواج زينب .. وإثبات وليمة العرس، رقم: 1428) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أولم على زينب رضي الله عنها بخبز ولحم.
وأنه - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: " أولم ولو بشاة "، رواه البخاري (النكاح، باب: الوليمة ولو بشاة، رقم: 4872)، ومسلم (النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تصليح قرآن ... ، رقم 1472). وقد حمل العلماء فعله - صلى الله عليه وسلم - وقوله على الندب.
مقدار الوليمة: وأقل الوليمة للموسر شاة، ولا حدّ لأكثرها، ولغيره ما قدر عليه من الطعام.

وقت الوليمة: ووقت وليمة العرس موسّع من حين العقد إلى ما بعد الدخول، وإن كان الأفضل فعلها بعد الدخول، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوِلْم على نسائه إلا بعد الدخول، فقد جاء في أحاديث زواجه - صلى الله عليه وسلم -: أصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - بها عروساً، فدعا القوم .. وهكذا.
انظر البخاري (النكاح، باب: الوليمة حق)، ومسلم (النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها).
حكمة تشريع الوليمة: وحكمة تشريع وليمة العرس شكر الله عزّ وجل على ما وُفِّق به من الزواج.
واجتماع الناس عليه، حيث إن هذا الاجتماع يدعو إلى التحابب والتآلف.
وإظهار الزواج من السرّية إلى العلنية، ليظهر الفرق بين النكاح المشروع، والسفاح الممنوع.
حكم إجابة الدعوة إلى وليمة العرس: وإجابة دعوة وليمة العرس فرض عين على مَن دعي إليها.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (النكاح، باب: حق إجابة الوليمة والدعوة ... .. ، رقم: 4878) ومسلم (النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، رقم: 1429) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ". وفي رواية عند مسلم (النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، رقم: 1432) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - (ومَن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله).
شروط وجوب إجابة دعوة وليمة العرس: لقد شرط العلماء لوجوب إجابة دعوة وليمة العرس شروطاً منها: أـ أن لا يخصّ صاحب الدعوة بها الأغنياء وحدهم، فإذا خصّهم لا تجِب إجابتها.

روى مسلم (النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، رقم: 1432) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه كان يقول: (بئس الطعام طعام الوليمة، يُدعى إليه الأغنياء، ويُترك المساكين، فمَن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله).
ومعنى الحديث الإخبار بما يقع من الناس بعده - صلى الله عليه وسلم - من مراعاة الأغنياء في الولائم، وتخصيصهم بالدعوة، وإيثارهم بطيب الطعام مما هو غالب في الولائم اليوم.
ب ـ أن يكون الداعي مسلماً، والمدعو مسلماً، فإن كان غير ذلك فلا تجب إجابة الدعوة إليها ج ـ أن يدعوه في اليوم الأول، إذا أولم في أكثر من يوم، فإذا دعاه في اليوم الثاني استحبت الإجابة، وفي اليوم الثالث تُكره إجابتها.
روى الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في الوليمة، رقم: 1079) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث سُمعة، ومن سمَّع سمَّع الله به " أي تفاخر وليسمع الناس به.
وروى أحمد (5/ 28) وغيره: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " الوليمة في اليوم الأول حق، وفي الثاني معروف، وفي الثالث رياء وسُمعة ". د ـ أن يدعوا للتودّد والتقرّب، فإن دعاه لخوف منه، أو طمع في جاهه لا تجب إجابتها.
هـ ـ أن لا يكون الداعي ظالماً أو شريراً، أو صاحب مال حرام، فإن كان كذلك لا تَجِب إجابتها.

وـ أن لا يكون هناك منكر: كخمر، واختلاط بين الرجال والنساء، أو صور إنسان، أو حيوان معلقة على الجدران.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يُدار عليها الخمر " أخرجه الحاكم وصححه.
(المستدرك: الأدب، باب: لا تجلسوا على مائدة يُدار عليها الخمر: 4/ 288). فإن كان يزول المنكر بحضوره، وجب حضوره، وإجابة الدعوة، وإزالة المنكر.
الأكل من طعام الوليمة: لا يجب على مُجيب دعوة الوليمة أن يأكل منها، بل الواجب عليه أن يحضر، ثم إن شاء أكل، وإن شاء ترك.
روى مسلم (النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، رقم: 1430) عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا دُعي أحدكم إلى طعام فلُيجب، فإن شاء طَعِم، وإن شاء ترك وقيل: يجب أن يأكل إلا إذا كان صائماً.
ودليل ذلك، ما رواه مسلم (الموضع السابق، رقم: 1431) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا دُعي أحدكم فليُجب، فإن كان صائماَ فليُصل، وإن كان مفطراً فليطعم ". ومعنى (فلْيُصل) فلْيَدْع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة.
والصلاة في اللغة: الدعاء.
قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103] أي ادع لهم.
ويستحّب لمُجيب الدعوة أن يأكل مما قُدِّم له، ولا يتصرف فيه إلا بالأكل.

وله أن يأخذ منه إن علم رضا صاحب الدعوة.
ويحل نَثْر سكر وغيره: كجوز ولوز ودنانير ودراهم على المرأة في النكاح، ويحلّ التقاطه، وتركه أولى.

القسم بين الزوجات وما يتعلق بذلك

تعريف القسم: القسم ـ في اللغة ـ مصدر قسم يقسم، والقسْم بكسر القاف: النصيب.
والقَسْم اصطلاحاً: أن مَن كان له أكثر من زوجه، وبات عند واحدة منهنّ لزمه المبيت عند باقيهنّ.
حكم القسم بين الزوجات: القسم ابتداء بين الزوجات مندوب، وليس بواجب، فمن كان له نسوة استحبّ أن يقسم لهنّ، ويبيت عندهنّ، ولا يطلهنّ، وإنما لم يجب ذلك عليه، لأن المبيت حقه، فجاز له تركه.
أما إذا بات عند واحدة منهنّ بقرعة، أو غيرها، لزمه المبيت عند الباقيات، وأصبح القسم لهّن واجباً تحقيقاً للعدل بينهنّ.
دليل وجوب العدل في القسم وغيره: ودليل وجوب العدل في القَسْم وغيره بين النساء: القرآن والسنّة.
أما القرآن: فقول الله عزّ وجل: ﴿َإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] أي إن خفتم أن لا تعدلوا في القَسْم والإنفاق فاقتصروا على تزوّجكم واحدة.
فلقد أشعرت الآية بوجوب العدل في القَسْم بينهنّ.

وأما السنة: فما رواه أبو داود (2133) والترمذي (1141) وغيرهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مَن كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما ـ وعند الترمذي: فلم يعدل بينهما ـ جاء يوم القيامة وشقّه مائل ـ وعند الترمذي: وشقّه ساقط).
وهذه عقوبة لا تكون إلا على ترك واجب.
وروى أبو داود (2134)، والترمذي (1140) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم فيعدل، ويقول: (اللِّهمّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك).
أبو داود (النكاح، باب: في القَسْم بين النساء)، والترمذي (النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر).
من يستحق القَسْم: ويختص بالقَسْم الزوجات، ولو كانت إحداهنَ مريضة، أو حائضاً أو نفساء، ما دمن من طائعات لزوجهنّ.
أما إذا كانت المرأة ناشزاً فلا تستحق القَسْم، لإسقاطها حقها بنشوزها، وسيأتي بيان النشوز وحكمه.
كيفية القَسْم بين الزوجات: ويجوز للزوج أن يجعل لكل زوجة ليلة ويوماً قبلها، أو بعدها.
والأصل الليل، والنهار تبع له، إلا إذا كان الزوج يعمل ليلاً: كحارس، فإن الأصل النهار، والليل تبع له.
ثم إذا كان الزوج يبيت في بيت وحده جاز له أن يدعوهنّ إليه، كل واحدة في ليلتها ويومها.
والأفضل أن يدور عليهنّ في بيوتهنّ.

وإن كان يبيت عند واحدة منهنّ، وجب عليه أن يدور عليهنّ في بيوتهنّ، كل واحدة في ليلتها ويومها.
ويحرم عليه أن يبيت عند واحدة منهنّ، ثم يدعوا الباقيات إليه، لأن إتيان بيت الضرائر شاق على النفس.
كما يحرم عليه أن يجمعهنّ في مسكن واحد بغير رضاهنّ، لما يسبّبه ذلك من التباغض بينهنّ.
ويجوز أن يجعل مدة القَسْم يومين، أو ثلاثة أيام.
ويحرم أكثر من ذلك، لما في طول المدة من الوحشة عليهنّ، وتجب القرعة للبدء بالمبيت عند واحدة منهن، تجنباً لترجيح إحداهنّ على الأخرى، ثم يقرع بين الباقيات.
ويجوز أن يدخل نهاراً على غير مَن لها النوبة إذا كان دخوله لحاجة، وينبغي ألاّ يطول مكثه.
روى أبو داود (النكاح، باب: في القَسْم بين النساء، رقم: ك 2135)، والحاكم (النكاح، باب: التشديد في العدل بين النساء رقم: 2/ 186) وقال صحيح الإسناد: عن عائشة رضي الله عنها قالت: وكان ـ أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً، فيدنوا من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها، فيبيت عندها.
ولا يجوز أن يدخل ليلاً إلى غير مَن لها النوبة إلا لضرورة: كمرض مخوف، أو حريق، أو نحو ذلك.
وتختصّ بكر جديدة بسبع ليال متواليات وجوباً.
كما تختص ثيِّب جديدة بثلاث ليال متواليات وجوباً أيضاً.
روى البخاري (النكاح، باب: إذا تزوج الثِّيب على البكر، رقم: 4916) ومسلم (الرضاع، باب: قدر ما تستحقه البكر والثِّيب من إقامة الزوج ... ، رقم: 1461) عن أنس - رضي الله عنه - قال: من السنّة إذا تزوج البكر على الثِّيب أقام عندها سبعاً ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم.
قال: أبو قلابة ـ أحد رواة الحديث ـ لو شئت لقلت: إن أنساً رضي الله رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وروى مسلم (الموضع السابق، رقم: 1460) عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " للبكر سبع، وللثيِّب ثلاث ". ولو وهبت إحداهنّ ليلتها لضرّتها بات عند الموهوب لها ليلتيهما، كل ليلة في وقتها الذي كان لها، فإن كانت متتابعين تابع بينهما، وإن كانتا متفرقين، فرق بينهما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما وهبت سَوْدة بنت زمعة نوبتها لعائشة رضي الله عنهما.
روى البخاري (النكاح، باب: المرأة الثيِّب تَهب يومها من زوجها لضرّتها، رقم: 4941) ومسلم (الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها، رقم: 1463) - واللفظ لمسلم - عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت امرأة أحبَّ إلىَّ أن أكون في مسْلاخِها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة، قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة، قالت: يا رسول الله: قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة.
[مسلاخها: المسلاخ: هو الجلد، ومعناه أن أكون أن هي.
فيها حدّة: أي شدة ولم ترد عائشة بذلك عيب سودة، بل وضفتها بقوة النفس، وجودة القريحة، وهي الحدّة].
وإذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، واستصحب معه من خرجت قرعتها، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك.
روى البخاري (المغازي، باب: حديث الإفك، رقم: 3910)،

ومسلم (التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، رقم: 2770) عن عائشة رضي الله عنهما أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فأتيتهنّ خرج سهمها خرج بها.

النشوز

تعريف النشوز: النشوز: العصيان، وهو مأخوذ من النِّشْز، بسكون الشين، وفتحها.
ونشوز المرأة: عصيانها زوجها، وتعاليها عمّا أوجب الله عليها من طاعته.
قال ابن فارس: نشزت المرأة: استعصت على بعلها.
قال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ .. ﴾ [النساء: 33].
أي تخافون عصيانهنّ.
حكم النشوز: ونشوز المرأة حرام، وهو كبيرة من الكبائر.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا دعا الرجل امرأتَه إلى فراشه، فلم تأتِه، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبحَ " رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. وفي رواية لمسلم: " والذي نفسي بيده ما من رجلٍ يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها ". رواه البخاري (النكاح، باب: إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها)، ومسلم (النكاح، باب: تحريم امتناعها عن فراش زوجها).

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " والذي نفسي بيده لا تؤدي المرأة حق ربّها حتى تؤديَ حقّ زوجِها ". رواه أحمد (4/ 381)، وابن ماجه (النكاح، باب: حق الزواج على المرأة، رقم: 1853). بم يكون النشوز: ويكون نشوز المرأة بخروجها عن طاعة زوجها، وعصيانها له، وذلك كأن خرجت من بيته بغير عذر من غير إذنه، أو سافرت بغير إذنه ورضاه، أو لم تفتح له الباب ليدخل، أو لم تمكِّنه من نفسها بلا عذر: كمرض، أو دعاها فاشتغلت بحاجاتها، وغير ذلك.
معالجة النشوز: إذا ظهرت من المرأة علامات النشوز: كأن وجد منها زوجها إعراضاً وعبوساً، بعد لُطف وطلاقة وجه، أو سمع منها كلاماً خشناً على خلاف عادتها استحب له أن يعظها بكتاب الله عز وجل، ويذكِّرها بما أوجب الله عليها.
ويحذرها غضب الله سبحانه وتعالى وعقوبته.
ويستحبّ أن يقول لها: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: " أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة رواه الترمذي (الرضاع، باب: ما جاء في حق الزواج على المرأة، رقم: 1161)، وابن ماجه (النكاح، باب: حق الزوج على المرأة، رقم: 1854). ويقول لها: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تُصبِح ". رواه البخاري (النكاح، باب: إذا باتت المرأة مُهاجرة فراش زوجها)،

ومسلم (النكاح، باب: تحريم امتناعها من فراش زوجها).
فإن استقامت فبها ونعمت.
وإن تحقّق نشوزها، وأصرّت على إعراضها، هجرها في المضجع، لأن في الهجر أثراً ظاهراً في تأديبها.
والمراد بالهجر: أن يهجر فراشها، فلا يضاجعها فيه.
فإن صَلُحت فذاك، وإن تكرر نشوزها، وأصرّت على عصيانها، كان له أن يضربها ضرب تأديب غير مبرح، لا يجرح لحماً، ويكسر عظماً، ولا يضرب وجهاً ولا موضع مهلكة.
وهذا الضرب إنما يُصار إليه إذا رجا صلاحها به، وغلب على ظنه أن تعود إلى رشدها.
فإن علم أن الضرب لا يصلحها، بل يزيد في نفرتها، فإنه ينبغي ألا يضربها.
ودليل هذه الأحكام التي ذكرناها قول الله عز وجل: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء: 34].
فإن استحكم الخلاف بينهما، وتعذرت إزالته بواسطة الزوجين، ورُفعَ الأمر إلى الحاكم، وجب عليه أن يوسّط للإصلاح بينهما حكمين مسلمين عدلين عارفين بطرق الإصلاح.
ويندب أن يكون أحدهما من أهل الزوج، والآخر من أهل الزوجة.
وهذان الحَكَمان وكيلان للزوجين، فيشترط رضا كل من الزوجين بوكيله.
فيشرع الحَكََمان في الصلح بين الزوجين، ويبذلان وسعهما للوصول إليه، فإن أفلحا فبها ونعمت، وإن أخفقا، وكّل الزوج حكمه بطلاقها، وقبول عوَضَ الخلع منها.

ووكّلت هي أيضاً حَكَمها ببذل العوَض، إن كانت رشيدة، وقبول الطلاق به.
ويفرّق الحكمان بينهما إن رأياه صواباً.
وإذا اختلف الحَكَمان، ولم يتوصلا إلى رأي واحد، بعث القاضي حَكَمين غيرهما حتى تجتمعا على شيء واحد.
فإن لم يرضَ الزوجان ببعث الحكمين، ولم يتفقا على شيء أدّب القاضي الظالم منهما، واستوفى للمظلوم حقه، وعمل بشهادة الحكمين , قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ [النساء: 34].
نشوز المرأة: وإذا كان الإجحاف والإعراض من قَبل الزوج: وذلك كأن منعها حقها في القسم، أو النفقة، أو أغلظ عليها بالقول، أو الفعل، وعظته وذكّرته بحقها عليه، بمثل قول الله عز وجل ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء: 19].
وذكّرته بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " خيرُكم خيركم لأهله وأنا خيرُكم لأهلي ". رواه الترمذي (المناقب، باب: في فضل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 3829) عن عائشة رضي الله عنهما.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " استوصوا بالنساء خيراً ". رواه البخاري (النكاح، باب: الوصاة بالنساء، رقم: 4890، ومسلم (الرضاع، باب: الوصية بالنساء، رقم 1468) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. وحذّرته من عواقب ظلمها، فإن صلح فذاك، وإن لم يصلح رفعت أمرها إلى القاضي ليستخلص لها حقها لأنه منصوب لردّ الحقوق إلى أصحابها، ولأنها لا يمكنها أن تأخذ حقها بنفسها.

ويجب على القاضي أن يلزمه بالقسم لها، وأداء حقوقها، وكفّ الظلم عنها.
فإن ساء خلقه، وآذاها بضربها، أو بسبها بغير سبب نهاه القاضي عن ذلك، فإن عاد إليه، وطلبت الزوجة من القاضي تعزيره، عزره بما يراه سبيلاً إلى إصلاحه.
فإن اشتد الخلاف أرسل حكمين كما سبق ليصلحا بينهما، أو يفرقا بينهما بطلقة إن عسر الإصلاح.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 127].

العيوب التي يترتب عليها فسخ النكاح

والآثار المترتبة على ذلك

أولاً: العيوب: العيوب التي يثبت فيها فسخ الزواج قسمان: القسم الأول: عيوب تمنع من الدخول: كالجب، والعنّة في الزواج.
والقرن، والرتق في الزوجة.
والجب: قطع عضو التناسل عند الرجل.
والعنّة: العجز عن الوطء في القُبُل خاصة، لعدم انتشار الذكر.
والقرن: انسداد محل الجماع لدى المرأة بعظم.
والرتق: انسداد محل الجماع لدى المرأة بلحم.
القسم الثاني: عيوب لا تمنع الدخول، ولكنها أمراض مُنفرة، أو ضارّه، بحيث لا يمكن لا مقام معها إلا بضرر: كالجذام، والبرص، والجنون.
والجذام: علّة يحمرّ منها العضو، ثم يسودّ، ثم ينقطع ويتناثر.
والبرص: بياض شديد يبقع الجلد، ويذهب بدمويته.
أقسام هذه العيوب بالنسبة للزوجين: هذه العيوب بالنسبة للزوجين على ثلاثة أقسام: 1ـ قسم مشترك بين الزوجين: وهو الجذام، والبرص، والجنون.
2ـ قسم خاص في الزوجة: كالرتق والقرن.

3ـ قسم خاص في الزواج: كالجبّ والعنّة.
العيوب المشتركة: إذا وجد أحد الزوجين في الآخر جنوناً، أو جذاماً، أو برصاً، ثبت له الخيار في فسخ الزواج.
سواء كان هو الآخر مصاباً به، أو لم يكن، لأن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه.
دليل ثبوت الخيار بهذه العيوب: ودليل ثبوت الخيار بهذه العيوب ما رواه والبيهقي (7/ 214) من رواية ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج امرأة من غفار، فلما أُدخلت عليه رأى بكشحها بياضاً، فقال: (البسي ثيابك، والحقي بأهلك).
وقال لأهلها: (دلستم علي).
[الكشح: الجنب.
والمراد بالبياض: البرص.
دلستم: أخفيتم العيب].
وروى الشافعي رحمه الله عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أنه فرّق بين الزوجين للجذام، والبرص، والجنون.
ومثل هذا لا يكون إلا عن توقيف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ثبت في الحديث الصحيح: " فِرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد ". البخاري (الطب، باب: الجذام، رقم: 5380). قال الشافعي رحمة الله تعالى في كتابه الأم: وأما الجذام والبرص، فإن كلا منهما يُعدي الزوج، ولا تكاد النفس أحد تطيب أن تجامع من هو فيه.

العيوب في الزوجة: إذا وجد الزوج زوجته رتقاء، أو قرناء، ثبت له فسخ الزواج، لأن هذه العلة مانعة من مقصود الزواج، وهو الدخول بالزوجة.

العيوب في الزوج: إذا وجدت الزوجة زوجها مجبوباً، أو عنيناً ثبت لها حق فسخ الزواج.
وقد حكى المارودي الإجماع على ثبوت الخيار بالجب والعنّة، لأنه يفوت بهما مقصود النكاح، كما قلنا بالرتق والقرن.
حدوث العيب بعد عقد النكاح: إذا حدث شيء من العيوب السابقة بعد عقد النكاح في أيَّ من الزوجين، سواء كان ذلك بعد الدخول، أو قبله، وسواء أكان العيب مانعاً من الدخول كالجبّ والعنّة في الزوج، والرتق والقرن في الزوجة، أو غير مانع، كالجذام والبرص والجنون، فإنه يثبت حق الخيار في فسخ الزواج، كما لو كان العيب قديماً.
لكن يستثنى من ذلك العنّة فقط، فإنها إذا حدثت بعد الدخول، فإنه يسقط حق الزوجة في فسخ الزواج، لحصول مقصود الزواج بالنسبة لها، وهو المهر، والوطء، وقد يتم ذلك قبل حدوث العنّة.

إزالة العيب: إذا أمكن إزالة الرتق والقرن بنحو عملية جراحية، ورضيت بها الزوجة، فلا خيار للزوج حينئذ، لعدم وجود المقتضي للفسخ.
وكذلك إذا زال الجنون والبرص والجذام بالتداوي، فإن حقّ الفسخ يسقط، لزوال ما يدعوا إليه.
حق ولي الزوجة في فسخ النكاح: ولوليِّ المرأة حق فسخ نكاحها بكل عيب وجد في الزوج قبل عقد النكاح، سواء رضيت الزوجة بهذا الفسخ أو لم ترضَ، وذلك لما يلحق الوليَّ من العار من ذلك العيب.

وليس لوليِّ الزوجة حق الفسخ بعيب حادث بعد الدخول إذ لا عار عليه في العُرْف، بخلاف ذلك في الابتداء.
وكذلك لا خيار للولي بعيب جب وعنّة حدثا مقارنين للعقد، لاختصاص الزوجة بالضرر، ورضاها به، ولا عار عليه في العُرْف.
الفسخ على الفور: والخيار في فسخ النكاح بهذه العيوب إذا ثبتت إنما يكون على الفور، لأنه خيار عيب، يجب المسارعة إلى الإعراب عن عدم الرضا به.
فتسرع الزوجة فوراً، ويسرع الزوج أيضاً , إلي الرفع إلى الحاكم، والمطالبة بفسخ النكاح.
فلو علم أحدهما العيب بصاحبه، ثم سكت عنه سقط حقه في الفسخ، إلا إذا كان جاهلاً أن له حق الفسخ، فإنه لا يسقط حقه في الفسخ.
الفسخ يحتاج إلى الرفع إلى القاضي: لا يستقل الزوج، أو الزوجة في فسخ النكاح بسبب عيب من العيوب المذكورة، بل لا بدّ من الرفع إلى القاضي، وطلب الفسخ عنده، فإذا تحقق العيب عنده حكم القاضي بفسخ الزواج.
ضرب الأجل في العنّة: وإذا ثبت عند القاضي العنة في الزوج، ضرب له القاضي سنة قمرية، لاحتمال زوال العنة باختلاف الفصول، فإذا زال عيبه فذاك، وإلا فسخ النكاح.
ودليل ذلك ما رواه والبيهقي (النكاح، باب: أجل العنين، رقم: 7/ 226) عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أنه قال في العنين: يؤجّل سنة، فإن قدر عليها، وإلا فرّق بينهما، ولها المهر، وعليها العدّة.
كيف تثبت العنّة؟ سائر العيوب تثبت بالإقرار، أو إخبار الطبيب، أما العنّة، فلا تثبت

إلا بإقرار الزوج عند الحاكم.
أو يمين الزوجة عند نكول الزوج عن اليمين، إذا طلب منه القاضي أن يحلف على عدم العنّة.

ثانيا: ما يترتب على فسخ النكاح بهذه العيوب من الآثار: إذا تم فسخ الزواج من قبل الزوج، أو من قِبَل الزوجة، بسبب عيب من العيوب السابقة فلا يخلو أن يكون الفسخ قبل الدخول، أو بعده.
ولا يخلو أن يكون العيب قد حدث قبل الدخول، أو بعده.
أـ فإن كان الفسخ قبل الدخول سقط المهر، ولا متعة للزوجة، لأنه إن كان العيب بالزوج فهي الفاسخة، وعليه فلا شيء لها.
وإن كان العيب بها فلا شيء أيضاً، لأن الفسخ إنما كان لسبب فيها، فكانت كأنها هي الفاسخة.
ب ـ وإن كان الفسخ قد حصل بعد الدخول، لكن بعيب قارن للعقد، أو بعيب حادث بين العقد والدخول جهله الواطئ، فإنه يجب لها مهر المثل.
ج ـ وإن كان الفسخ قد حصل بعد الدخول، والعيب إنما حدث أيضاً بعده، فإنه يجب للزوجة كامل المهر المسمى، لأن المهر قد استقر بالدخول قبل وجود سبب الخيار في الفسخ، فلا يغير.
عدم رجوع الزوج بالمهر على من غره: ولا يرجع الزوج بالمهر على من غرّه من وليّ أو زوجة، لاستيفاء منفعة البضع المتقوم عليه بالعقد.
وصورة التغرير: أن تسكت هي أو وليها عن بيان عيبها للزواج، ما دام العيب قد حدث قبل الدخول.
والله عز وجل أعلم

ثانياً: الطلاق وما يتعلق به وما يشبهه

الطلاق تعريف الطلاق: الطلاق في اللغة: الحلّ والانحلال.
يقال: أطلقت الأسير: إذا حلَلْتَ إساره، وخلّيت عنه، وأطلقت الناقة من عقالها: أرسلتها ترعى حيث تشاء.
ودابة طالق: مُرسلَة بلا قيد.
والطلاق شرعاً: حلّ عقدة النكاح بلفظ الطلاق ونحوه.
دليل مشروعية الطلاق: والأصل في مشروعية الطلاق: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقول الله عز وجل: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
وأما السنّة: فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق ". [أبو داود: الطلاق، باب: في كراهية الطلاق، رقم: 2178)، وابن ماجه: أول كتاب الطلاق، رقم: 2018]. روى الترمذي (في أبواب الطلاق، باب: ما جاء في الرجل يسأله أبوه أن يطلّق زوجته، رقم: 1189)، وابن ماجه (في الطلاق، باب: الرجل يأمره أبوه بطلاق امرأته، رقم: (2088)، وأبو داود (في الأدب، باب: في برّ الوالدين، رقم: 5138)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

كانت تحتي امرأة أحبّها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أبي أن أُطلقها، فأبيت، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " يا عبد الله بن عمر، طلِّق امرأتك أما الإجماع: فقد اتفقت كلمة العلماء على مشروعيته، ولم يخالف منهم أحد.
حكمة مشروعية الطلاق: الأصل في الزواج هو استمرار الحياة الزوجية بين الزوجين.
وقد شرع الله سبحانه وتعالى أحكاماً كثيرة، وآداباً جمة للزواج، لاستمرار وضمان بقائه، ونمو العلاقة الزوجية بين الزوجين.
غير أن هذه الآداب والأحكام قد لا تكون مرعيّة من قبل الزوجين أو احدهما: كأن لا يهتم الزوج بحُسْن الاختيار، أو بأن لا يلتزم الزوجان أو أحدهما آداب العشْرة حتى لا يبقى مجال لإصلاح، ولا وسيلة لتفاهم وتعايش بين الزوجين.
فكن لا بدّ ـ والحالة هذه - من تشريع قانون احتياطي، يهرع إليه في مثل هذه الحالة، لحلّ عقدة الزواج على نحو لا تُهدر فيه حقوق أحد الطرفين، ما دامت أسباب التعايش قد باتت معدومة فيما بينهما.
وقد قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً ً﴾ [النساء: 130]. فإن استعلمه الزوج وسيلة أخيرة عند مثل هذه الضرورة فذلك علاج ضروري، لا غِنى عنه، وإن جاء مُرّاً في كثير من الأحيان.
وأما إن استعمله لتحقيق رعوناته، وتنفيذ أهوائه، فهو بالنسبة له أبغض الحلال إلى الله عزّ وجلّ.
والله تعالى يعلم المُصلح من المفسد، وإليه مرجع هذا وذاك.

شرعة الطلاق من مفاخر الشريعة الإسلامية: ومن خلال ما ذكرنا يتأكد لنا أن مشروعية الطلاق على النحو الذي

نظمت الشريعة الإسلامية أحكامه ونتائجه، تُعدّ من مفاخر الشريعة الإسلامية، ويُعدّ من أكبر الأدلة على أن أحكام هذه الشريعة متسقة تمام الاتّساق مع الفطرة الإنسانية، والحاجات الطبيعية عند الإنسان.
وقد تجلّت هذه الحقيقة عندما رأينا الأمم المختلفة، وهي تتراجع عمّا كانت تلزم نفسها به من حّرمة الطلاق، واعتبار عقد الزواج سجناً أبدياً، يقرن فيه الزوجان إلى بعضهما، كرها ذلك أو رضيا، وذلك بعد أن رأت هذه الأُمم أن هذا الحظر لا يقدّم للمجتمع إلا أسوأ النتائج، وأخطر مظاهر الإجرام، وبعد أن تنبهت إلى أن اقتران اثنين ببعضهما لا يمكن أن يتم بالإكراه، إلا إذا أُريد أن يكون الإكراه ينبوع تعاسة وشقاء للأُسرة كلها، أو بركان دمار وقتل وفتك.
ولقد اهتمت الشريعة الإسلامية بإيجاد أسباب التفاهم، والوداد والتعايش المستمر بين الزوجين.
ولكنها لم تعالج ذلك بربط جسد كل ِّمنهما بالآخر، وإنما عالجته بالتنبيه والإرشاد إلى الضمانات الإيجابية المختلفة التي تغذي الوداد بينهما، وتشبع أسباب التفاهم، وتطرد من بينهما موجبات المشاكسة والتنافر، ولقد كان من أهم هذه الضمانات التي أرشد إليها توفر الدين الصحيح في الزوجين، وقيام كلّ منهما بالواجبات المنوطة به، والتزام كلّ من الزوجين بالسلوك الأخلاقي السليم، على النحو الذي نظمته شرعة الله عزّ وجلّ.
هذه الضمانات هي التي تحمي بيت الزوجية عن أن يتهدم، وهي التي تجعل من شرعة الطلاق قانوناً موضوعاً على الرف، يستنجد به عند الضرورة، أي عندما يقصر أحد الزوجين عن تحقيق الضمانات والآداب التي شرعها الله تعالى حفاظاً على الحياة الزوجية، ورعاية للمودّة والألفة بين الزوجين.
والدليل على هذا الذي نقول: أن حوادث الطلاق لا تكاد ترى لها

وجوداً في البيوت والأُسر الصالحة يتقيد أهلها بأحكام الإسلام وآدابه.
وإنما تبصر، أو تسمع بأكثر هذه الحوادث في الأُسر المتحلِّلة من قيود الإسلام، الخارجة على نُظُمه وآدابه.
أنواع الطلاق: الطلاق له ثلاث تقسيمات، باعتبارات مختلفة: فباعتبار وضوح اللفظ في الدلالة عليه، وعدم وضوحه ينقسم إلى: صريح وكناية.
وباعتبار حال الزوجة، من طُهر وحيض، وكبر وصغر، ينقسم إلى: بدْعي، وسُنّي، وإلى ما لا يوصف بسنّي، ولا بِدعي.
وباعتبار كونه على بدل من المال، وبدون بدل: ينقسم إلى خلع، وطلاق عادي.
فلنشرح كلاًُ من هذه التقسيمات الثلاثة على حدة: التقسيم الأول: (الصريح، والكناية): إذا لاحظت الألفاظ التي تستعمل للدلالة على الطلاق وجدت أن هذه الألفاظ: إما أن تكون ذات دلالة قاطعة على الطلاق، بحيث لا تحتمل غيره، فهذه الألفاظ تسمى: صريحة.
وإما أن تكون قاطعة في دلالتها، بحيث تحتمل غير الطلاق، فهذه الألفاظ تسمى: كناية.
إذاً فالطلاق ينقسم إلى القسمين التاليين: 1 - صريح.
2 - كناية.
1ـ فالطلاق الصريح: هو ما لا يحتمل ظاهر اللفظ إلا الطلاق، وألفاظه

ثلاثة: هي: الطلاق، والسراح، والفراق، وما اشتق من هذه الألفاظ.
كقوله: أنتِ طالق، أو مسرّحة، أو طلّقتك، أو فارقتك، أو سرّحتك.
وإنما كانت هذه الألفاظ صريحة في دلالتها على الطلاق لورودها في الشرع كثيراً، وتكرارها في القرآن الكريم بمعنى الطلاق.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
وقال عز وجل: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2].
ومن الصريح: ترجمة لفظ الطلاق بالعجمية ـ أي غير اللغة العربية ـ لشُهرة استعمال هذه اللغات عند أهلها، كشهوة استعمال العربية عند أهلها.
2ـ والكناية: وهي كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره.
وألفاظها كثيرة: كقوله: ـ أنت خلية: أي خالية مني.
ـ أنت بريّة: أي منفصلة عني.
ـ أنت بتّة: أي مقطوعة الوصلة عني.
ـ الحقي بأهلك.
ـ اذهبي حيث شئت.
ـ اعزُبي: أي تباعدي عني.
ـ اغرُبي: أي صيري غريبة عني.
ـ حبلك على غاربك: أي خلّيت سبيلك، كما يخلّى البعير.
والغارب: ما تقدم من الظهر، وارتفع من العنق.
ـ أنت عليَّ حرام.
فكلّ هذه الألفاظ ـ وغيرها كثير ـ تعتبر كناية في دلالتها على الطلاق، لاحتمالها الطلاق وغيره.

دليل استعمال ألفاظ الكناية في الطلاق: ودليل استعمال ألفاظ الكناية في الطلاق: ما رواه البخاري (في الطلاق، باب: من طلّق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، رقم: 4955) عن عائشة، رضي الله عنهما أن ابنه الجون، لما أُدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال: " لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك ".

حكمُ كلّ من ألفاظ الصريح والكناية: إذا عرفت ما ذكر، فاعلم أن الطلاق بالألفاظ الصريحة يقع، سواء توفرت فيه نيّه الطلاق أم لا.
لأن صراحة اللفظ، وقطعية دلالته على المعنى، يغنيان عن اشتراط النيّة، عند التلفظ به.
أما ألفاظ الكناية ـ ولو اشتهرت على ألسنة الناس في الطلاق: كعليّ الحرام، وأنت عليّ حرام، فلا يقع الطلاق بها إلا إذا قصد بها الزوج الطلاق.
فإذا قصد بها شيئاً آخر غير الطلاق، أو لم يقصد بها شيئاً، لم يقع بها شيء.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (في المغازي، باب: حديث كعب بن مالك رضي الله عنه ... رقم: 4156) ومسلم (في التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، رقم: 2769) في توبة كعب بن مالك - رضي الله عنه - حينما تخلّف عن غزوة تبوك، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يعتزل امرأته، فقال أُطلقها، أم ماذا؟ قال: بل اعتزلها، فلا تقربنّها، قال: فقلت لامرأتي: الحق بأهلك.
فلما نزلت توبته رجعت زوجته إليه، ولم يؤمر بأن يعقد عليها من جديد.
فدلّ ذلك على أن (الحقي بأهلك) لا يقع به الطلاق إلا بالنيّة

وحيث إن كعباً - رضي الله عنه - لم ينو به الطلاق، فإنه لم يقع به شيء، ورجعت زوجته إليه.
التقسيم الثاني (السنّي البدعي ,غيرهما): المرأة التي يقع عليها الطلاق لا تخلو من واحد من أحوال ثلاثة: الحالة الأولى: أن تكون المرأة طاهرة عن الحيض والنفاس، ولم يقربها زوجها في ذلك الطهر بعد.
الحالة الثانية: أن تكون متلبسة ـ بعد دخول الزوج بها ـ بحيض أو نفاس، أو تكون في طُهر جامعها فيه زوجها.
الحالة الثالثة: أن تكون صغيرة لم تَحِضْ بعد، أو آيسة تجاوزت سن المحيض، أو حاملاً ظهر حملها، أو غير مدخول بها بعد، أو طالبة للخلع.
فإن وقع الطلاق في الحالة الأولى، سمي: (طلاقاً سنّياً).
وإن وقع في الحالة الثانية سمي: (طلاقاً بدعياً).
وإن وقع في الحالة الثالثة لم يكن: (سنياً، ولا بدعياً).
فأقسام الطلاق بهذا الاعتبار إذاً ثلاثة: 1ـ طلاق سني.
2ـ طلاق بدعي.
3ـ طلاق لا يوصف بسنّي، ولا بدعي.
حكم كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة: 1ـ الطلاق السني: إن الطلاق السني جائز وواقع، وهو الشكل المطابق للتعاليم الشرعية في كيفية الطلاق، إذا كان الزواج، ولابدّ مطلقاً، سواء أوْقَع الزوج طلقة واحدة، أم أوقع ثلاث طلقات مجتمعات.
ولكن يسنّ أن يقتصر على طلقة، أو طلقتين في الطهر الواحد كي يتمكن من إرجاعها إذا ندم.

ودليل الطلاق السني: قوله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
أي في الوقت الذي يشرعن فيه في العدّة، وهو الطهر، إذ زمن الحيض لا يحسب من العدة.
2ـ الطلاق البدعي: إن الطلاق البدعي محرم، ولكنه واقع، ويلزم وقوعه الإثم، لمخالفته للصورة المشروعة للطلاق التي وردت في قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] ويسنّ له الرجعة، فقد روي البخاري (في أول كتاب الطلاق، رقم 4953)، ومسلم (في الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، رقم: 1471) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلّق امرأته، هي حائض، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " مُرْهُ فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلّق قبل يمسّ، فتلك العدّة التي أمر اله أن تطلقّ لها النساء ". أي بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] أي لاستقبال عدّتهن.
والمعنى: ليتركها بعد الرجعة حتى تطهر، وعندئذ يوقع طلقة واحدة إذا شاء، فإذا حاضت ثم طهرت أوقع طلقه أُخرى إذا شاء، فإذا طهرت للمرة الثالثة فلينظر: إن شاء أمسكها بعد الرجعة، وإن شاء أوقع طلقة ثالثة، وتكون قد بانت بذلك منه.
سبب تحريم الطلاق البدعي: وسبب تحريم الطلاق البدعي ما يستلزمه من الإضرار بالمرأة، إذ يطول بذلك أجل عدّتها، لأن حيضتها لا تحسب من العدّة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا ضرر ولا ضرار ".

أخرجه مالك في الموطأ (الأقضية، باب: القضاء في المرفق، رقم: 2/ 745)، وابن ماجه في سننه (الأحكام، باب: مَن بني في حقه ما يضرّ بجاره، رقم: 188، 2340، 2341). أما حرمة الطلاق في طهر جامع زوجته فيه: فلاحتمال الحمل فيه، وهو لا يرغب في تطليق الحامل، فيكون في ذلك الندم.
3ـ الطلاق الذي لا يوصف بسنّة ولا بدعة: إن الطلاق الذي لا يوصف بسنّة ولا بدعة جائز، وواقع، وليس حراماً، إذ لا ضرر يلحق الزوجة بسببه، إذ الصغيرة والآيسة تعتدّان بالأشهر، فلا يلحقهما ضرر إطالة العدّة، وكذلك الحامل، فإن عدّتها على كل حال بوضع الحمل، وكذلك طالبة الخلع، لأن افتدائها نفسها من الزوج بالمال دليل على حاجتها إلى الخلاص منه، ورضاها بطول التربص.
التقسيم الثالث: (الطلاق العادي والخلع).
1ـ الطلاق العادي: وهو الطلاق الذي يقع برغبة من الزوج، وهذا الطلاق ينطبق عليه الأحكام التي ذكرناها قبل.
2ـ الخلع: وهو الطلاق الذي يقع برغبة من الزوجة وإصرار منها على ذلك، وقد شرع لذلك سبيل الخلع، وهو أن تفتدي نفسها من زوجها بشئ يتفقان عليه من مهرها تعطيه إياه.
فالخلع إذا قسم من الطلاق: وهو كل فُرْقةٍ جرت على عوض تدفعه الزوجة للزوج.
دليل مشروعية الخلع: ويستدل لمشروعية الخلع: بالكتاب، والسنّة.
أما الكتاب: فقول الله عزّ وجل: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ البقرة: 229].

وأما السنّة: فما رواه البخاري (في الطلاق، باب: الخلع وكيف الطلاق، رقم: 4971) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة ثابت بن قس أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أتردّين عليه حديقته " قالت: نعم.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة ". [لا أعتب عليه: لا أعيب عليه.
أكره الكفر في الإسلام: أكره جحود حقوق الزوج وأنا مسلمة]

أحكام الخلع: للخلع أحكام نلخصها فيما يلي: 1ـ الخلع جائز، ولا يقع إلا بعوَض مالي تفرضه الزوجة للزوج.
ثم إن كان العَوَض في الخلع معلوماً مذكوراً في الخلع وجب ذلك العَوَض المعلَوم، وإن لم يكن مذكوراً على وجه التحديد صحّ الخلع، ووجب مهر المثل للزوج.
أما إن استعمل الزوج لفظ الخلع، ولم ينص علي عوَض، ولم يخطر بباله العوض أيضاَ، فهو طلاق عاديّ جرى بلفظ الخلع كناية.
أي فهو كنايات الطلاق، ويقع به الطلاق رجعياً.
2ـ لا يقع الخلع من غير الزوجة الرشيدة، لأن غير الرشيدة لا تتمتع بأهلية الالتزام، فلا تملك التصرّف، فإن خالعها الزوج وقع طلاقاً رجعياً عادياً، ولا يثبت له به شيء من مهرها.
3ـ إذا خالع الرجل امرأته، ملكت المرأة بذلك أمر نفسها، ولم يبق للزوج عليها من سلطان، فلا رجعة له عليها أثناء العدّة، كما هو الشأن ف الطلاق العادي، لأن الخلع طلاق بائن، إنما السبيل إلى ذلك عقد جديد تملك فيه المرأة كامل اختيارها، وبمهر جديد أيضاً.

فصول الكتاب · 36 فصل · 278 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي · 278 صفحة
ـ[الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى]ـ
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
البَاب الأوَّل
الباب الثانيالباب الثالثالبَاب الخَامسالباب السادسالبَاب السابعالبَاب الثَامنالبَاب التَاسِعالباب العاشرالباب الأولالباب الثانيالباب الثالثالباب الرابعالباب الخامسالباب السادسالباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرالباب الحادي عشرالباب الثاني عشر
مقدمة
الباب الثالثالباب الرابع
البَاب الخامس
الباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرمقدمة في بيان أهمية الإمامة، وقيام الحكم والمجتمع الإسلامي على سلامتها
جارٍ التحميل