الباب الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المساقاة والمزارعة والمخابرة
المسَاقَاة
تعريفها:
هي - في اللغة - مأخوذة من السَّقْي.
وشرعا: هي ان يتعاقد صاحب الشجر مع غيره، على ان يقوم بإصلاحه وتعهده وما يحتاج إليه من عمل، ويأخذ جزءا معينا مما يخرج منه من ثمر.
وسميت مساقاة: لأن هذا العمل يحتاج الى السقي بالماء ونضحه ونقله أكثر من غيره، فهو أكثر الأعمال مشقة على العامل، وأنفعها للمتعاقد من اجله وهو الشجر.
وتسمى معاملة، وتسميتها مساقاة أولى، لما ذكر.
مشروعيتها:
المساقاة مشروعة وجائزة، وقد دل على مشروعيتها:
1 - السنّة: ومن ذلك ما رواه عبدالله بن عمر رضى الله عنهما: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر او زرع، وفي رواية: عامل اهل خيبر .. (اخرجه البخاري: المزارعة، باب: المزارعة بالشطر ونحوه، رقم: 2203، ومسلم: المساقاة، باب: المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع، رقم: 1551).
2 - إجماع الصحابة رضى الله عنهم، فقد استمروا على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافة ابي بكر وعمر رضى الله عنهما، ولم ينكر ذلك احد منهم.
(انظر البخاري ومسلم الموضع المذكور قبل).
حكمة مشروعيتها:
إن الحكمة من مشروعية المساقاة هي تلبية الحاجة الداعية الى ذلك، والتيسير على الناس في تحقيق مصالحهم المشتركة من غير ضرر ولا ضرار، فقد يكون للرجل الأرض والشجر ولا قدرة له على تعهدها والانتفاع بها، ويكون غيره لا ارض له ولا شجر، ولديه القدرة البدنية والخبرة العملية لإصلاح الشجر واستثماره.
وفي استئجار من يقوم بالعمل احتمال ضرر بالغ بالمالك، فقد يهمل الأجير العمل، فلا يخرج شئ من الثمر، او يخرج قليل منه لا يقابل الأجر الذي غرمه المالك، وربما غرمه فور التعاقد على العمل.
فبهذا العقد ينشط العامل ويندفع للعمل، فربما كان الثمر كثيرا، فينتفع هو مقابل جهده، وينتفع المالك من ثمرة ملكه دون ان يقع عليه ضرر، فتتحقق مصلحة الطرفين، بل مصلحة المجتمع بالانتفاع برزق الله عز وجل، الذي يكون ثمرة الكسب والعمل والبذل، مع الصدق والأمانة والحفظ.
أركانها:
للمساقاة أركان ستة: مالك، وعامل، وصيغة، ومورد، وعمل، وثمر، ولكل منها شروط، وسنبينها مع شروطها بعون الله تعالى.
1 - المالك:
ويشترط فيه أن يكون كامل الأهلية، إن قام بالتعاقد لنفسه، فإن كان المالك غير اهل للتعاقد - كالصبي والمجنون والمحجور عليه لسفه - ودعت الحاجة والمصلحة الى هذا التعاقد، قام بالتعاقد من له ولاية على المالك، او من له ولاية على المِلْك كأن كان المالك غير معين - كمال بيت المال والوقف - قام بذلك ناظر الوقف والحاكم او نائبه.
2 - العامل:
ويشترط فيه ما يشترط في المالك من الأهلية، فلا تصح اذا كان صبيا او مجنونا.
3 - الصيغة: لابد في المساقاة من ايجاب وقبول، فالإيجاب قد يكون بلفظ صريح: كأن يقول ساقيتك على هذا النخيل - مثلا - بكذا من الثمرة، وبلفظ الكناية: كقوله
سلمت اليك هذا الشجر لتتعهده بكذا، او اعمل على هذا الشجر بكذا، ونحو ذلك من الألفاظ التي يتعارفها الناس في هذا التعاقد، فإذا قبل العامل بلفظ يدل على رضاه بما اوجبه المالك صحت المساقاة.
ولا تنعقد بلفظ الإجارة على الأصح، فلو قال: استأجرتك لتقوم بتعهدها بكذا من ثمرتها، لم تنعقد مساقاة، لأن لفظ الإجارة صريح في عقد آخر، ولم تنعقد إجارة لجهالة الأجرة في هذه الحالة.
ولا بد لصحة الانعقاد من القبول على ما ذكرنا، وان يكون لفظا متصلا بالإيجاب عرفا، وتقوم الإشارة والكتابة من الأخرس مقام اللفظ.
4 - موردها:
أي ما ترد عليه صيغة المساقاة، وما يصح ان يحصل التعاقد على اصلاحه وتعهده من الشجر، وهو شجر النخيل والعنب.
وذلك لأن النص قد ورد في النخيل صراحة، فقد جاء في رواية من حديث ابن عمر رضى الله عنهما: "دفع الى اهل خيبر نخلها وارضها .. ".
وقيس شجر العنب على النخيل لأنه في معناه، لأن ثمر كل منهما تجب فيه الزكاة باتفاق الفقهاء، ويتأتي فيه الخرص - أي تقدير ما يكون في رطبه من يابس - ولكل منهما رطب ويابس يدخر ويقتات به، فالنخيل يؤكل ثمره رُطبا ويصير تمرا، وشجر العنب يؤكل ثمره عنبا كما يصبح زبيبا.
واختار بعض أئمة المذهب ومرجحيه صحة ورودها على جميع الاشجار المثمرة، قياسا على النخيل والعنب، ولعموم قوله "من ثمر .. ".
ولعل هذا الذي اختاره هو الأرجح والأوفق لحكمة التشريع، من رعاية المصالح والتيسير على الناس، ولاسيما في هذه الأزمان التي كثر فيها تنوع الاشجار المثمرة، فصارت الحاجة ملحة لصحة المساقاة في كل شجر، ولعل سبب ورود النص على النخيل انه كان الأكثر والغالب في بلاد العرب ولاسيما الحجاز، وخصوصا خيبر، يدل على هذا اختلاف روايات الحديث، وان الأكثر منها لم يذكر فيه النخيل، والله تعالى اعلم.
وصحتها في كل الأشجار المثمرة هو قول الشافعي رحمه الله تعالى القديم، ومذهب اكثر الفقهاء غير الشافعية
5 - العمل:
وهو ما يقوم به العامل من جهد لرعاية الشجر واصلاحه.
وعلى العامل ان يقوم بكل عمل يحتاج اليه لصلاح الثمر واستزادته، مما يتكرر كل سنة:
- فعليه السقي وما يتعلق به: من اصلاح طرق الماء، وفتح رأس الساقية وسدها عند السقي، وتنقية مجرى الماء من طين وعشب ونحوه، واصلاح الحفر حول اصول الشجر ليستقر فيها الماء.
- وعليه تلقيح الأشجار ونحوه.
- وكذلك إزالة قضبان مضرّة وتنحية اعشاب وحشائش قد تؤثر على الشجر.
- وعليه - ايضا - تعريش ما جرت العادة بتعريشه من الأشجار في تلك البقاع، ووضع حشائش ونحوها على الثمار لصيانتها من الشمس، حسب العادة والحاجة.
- والأصح أن عليه حفظ الثمر وصيانته من السرّاق، وكذلك عليه حفظه من الحشرات بالرش بالمبيدات ونحو ذلك، كما ان عليه قطعه وتجفيفه إن كان مما يجفف، كثمر النخيل والعنب والتين.
فإن عجز عن بعض هذه الأعمال - لكثرة الشجر مثلا او كبر البستان - استعان عليها، وكانت نفقتها عليه.
وليس عليه ان يقوم بأي عمل يقصد به حفظ الشجر، ولا يتكرر كل سنة.
فليس عليه بناء حيطان، ولا حفر نهر جديد او بئر، ولا نصب باب، ولا ادوات حراثة، ولا ما يستخرج به الماء كمحرّك، ونحو ذلك، بل ذلك كله ونفقاته على المالك.
ولو شرط المالك على العامل القيام بما ليس عليه لم تصحّ المساقاة، وكذلك لو شرط العامل على المالك القيام بما هو من واجب العامل.
ويشترط في صحة المساقاة:
- ان ينفرد العامل بالعمل وباليد، أي في التخلية بينه وبين المعقود عليه وان يسلم اليه، ليتمكن من العمل متى شاء.
فلو شرط بقاء البستان في يد المالك، او اشتراكهما في اليد لم تصح المساقاة، ولو شرط المالك وجود اجير له، ليقوم عنه بما يترتب عليه ويخصه من اعمال، صحّ. - كما يشترط معرفة قدر العمل إجمالا، وذلك بذكر مدة تثمر فيها الأشجار المعقود عليها غالبا وتبقى صالحة للاستغلال.
فلا تصحّ مطلقة عن المدة، أو مقيدة بزمن لا تثمر فيه تلك الأشجار غالباً، لخلوّها عن العوض بالنسبة للعامل، ولا مقّيدة بزمن لا تبقي فيه الأشجار صالحة للأستغلال.
ولا يصح توقيتها بإدراك الثمر على الأصح، لجهالة المدة، لأن إدراكه قد يتقدم وقد يتأخر.
6 - الثمرة: أي ثمرة الأشجار التي ورد عقد المساقاة على تعهدها، ويشترط في هذا: 1 - أن تكون مختصّة بهما، أي المالك والعامل، فلا يجوز ان يشترط جزء منها لغيرهما، فلو شرط شئ من ذلك فسد عقد المساقاة.
2 - ان يشتركا في الثمر، فلو شرط ان كون الثمر كله لواحد منهما كانت مساقاة فاسدة.
3 - ان يكون نصيب كل منهما معلوما بالجزئية، كربع وثلث ونصف ونحو ذلك، فلو قال: على ان الثمر بيننا، كان مناصفة، فلو شرط لواحد منهما نصيب معين - كألف صاع مثلا، أو الف رطل من الثمرة - لم يصح، لأنه ربما ما أثمرت ذلك، او لم تثمر غيره، فيخلو العاقد الثاني عن العوض، ومثل هذا لو شرط لواحد منهما قدر معين من النقد.
ويثبت حق العامل في الثمرة بظهورها، فإذا اطلعت قبل انقضاء المدة - أي ظهر اول حملها ولو لم يظهر تماما - ثبت حقه فيها.
ويصح عقد المساقاة قبل ان يكون الثمر بالكلية، كما تصح بعد وجوده وظهوره - لكن قبل بدء صلاحه - على الأظهر، لبقاء اكثر العمل.
وصف عقد المساقاة
:
عقد المساقاة عقد لازم من العاقدين، فإذا وجدت اركانه بشروطها أصبح كل منهما ملزما بتنفيذه وليس له فسخه والرجوع عنه الا برضا العاقد الآخر، سواء أكان ذلك قبل العمل ام بعده، لأن العمل المعقود عليه يكون في أعيان قائمة بحالها، فيلزمه إتمام أعمالها ولو تلفت الثمرة كلها بآفة ونحوها.
ووجه لزومها مراعاة مصلحة العاقدين:
اذ لو كان للعامل فسخها قبل تمام العمل لتضرّر المالك بفوات الثمرة او بعضها، لعدم تمكن المالك من إتمامه، لكونه لا يحسنه او لا يتفرغ له.
ولو كان للمالك فسخها لتضرر العامل بفوات نصيبه من الثمرة، لأن الغالب ان يكون أكثر من اجرة مثله.
حكم المساقاة الفاسدة:
كل ما سبق من أحكام يترتب على المساقاة الصحيحة، وهي التي استوفت اركانها بكامل شروطها.
فإذا اختل ركن من الأركان او شرط من الشروط كانت المساقاة فاسدة، كما بينا ذلك في مواضعه، وذلك في كل موضع قلنا فيه: لا تصلح المساقاة: كأن شرط على احدهما ما ليس من عمله، او يكون نصيبه مجهولا او غير معلوم بالجزئية، او كان موردها شجرا غير مثمر، ونحو ذلك.
فإذا تبين فساد المساقاة: كان الثمر لصاحب الشجر، لأن نماء ملكه، وكان للعامل اجرة مثله لمثل عمله الذي قام به، لأنه بذلك منفعته على ان تقابل بعوض، ولم يكن متبرع بعمله.
يد العامل:
يد العامل يد أمانة، فإن ادعى هلاك شئ تحت يده - من شجر او ثمر او غير ذلك - بغير تقصير منه ولا تعد، كان القول قوله، فيصدق بيمينه.
وكذلك فيما اذا
ادعى المالك خيانته وانكر هو، فإنه يصدق بيمينه، لأن المالك قد ائتمنه، والقول دائما قول المؤتمن بيمينه.
انتهاء المساقاة
:
تنتهي المساقاة اذا انتهت المدة المتعاقد عليها، اذا كان الثمر قد نضج وقطف.
فإذا انتهت المدة وكان الثمر قد ظهر طله - أي بدء وجوده - فقد تعلق به حل العامل كما علمت، فتستمر المساقاة حتى ينضج ويقطف، وعلى العامل ان يستمر بالعمل حتى يتمه.
ولا تنتهي الماساقة بموت احدهما: فإذا مات المالك استمر العامل بعمله وأخذ حصته عند تمام العمل.
واذا مات العامل كان للوارث ان يتم العمل بنفسه، وعلى المالك ان يمكنه من ذلك اذا كان ثقة عارفا بالعمل، وان كان لم يكن كذلك استأجر المالك بإذن الحاكم من يقوم بالعمل من تركة العامل.
ولا يجبر الوارث على العمل، بل له ان يتمه من تركة الوارث او من ماله.
ويجبر على اتمام العمل، اذا ترك العامل تركة، لأنه حق قد وجب عليه، فيلزم أداؤه من التكرة كغيره من الحقوق.
فإذا لم يترك العامل تركة لم يجبر الوارث على اتمام العمل لا بنفسه ولا من ماله.
ولا يقترض على العامل.
بل للمالك ان يفسخ المساقاة لتعذر استيفاء المعقود عليه وهو العمل، ويستحق ورثة العامل اجرة المثل لما مضى ان لم يظهر الثمر، وان ظهرت الثمرة كان للورثة قيمة نصيب العامل على تلك الحالة، والله تعالى أعلم.
ولا تنتهي المساقاة بخيانة العامل، اذا ثبتت بإقراره او ببينة ونحو ذلك، وانما يضم اليه مشرف ليمتنع عن الخيانة، ولا ترفع يده عن العمل لأنه واجب عليه، ويمكن استيفاؤه منه بهذا.
وتكون اجرة المشرف عليه لأنها استحقت بسببه.
فإذا لم يتحفظ عن الخيانة رغم وجود المشرف ازيلت يده بالكلية، واستؤجر عليه من ماله من يقوم بالعمل ويتمه، لتعذر الاستيفاء منه مع لزومه له.
وكذلك الحال فيما لو هرب العامل - او حبس او مرض- قبل تمام العمل
والفراغ منه، فلا تنفسخ المساقاة، بل يستأجر عليه الحاكم من يقوم بالعمل ويتمه، الا اذا تبرع عنه المالك وغيره، فيبقى استحقاقه فيما اتفق عليه من نصيب من الثمر.
وفي حال عدم التمكن من الرجوع الى الحاكم - او عدم استجابته لذلك - يستأجر المالك من يقوم بالعمل، ويشهد في ذلك على ما ينفقه من اجله، وانه ينفق ليرجع على العامل، فإذا اشهد كان له الرجوع على العامل بما انفق، والا كان متبرعا.
واذا لم يجد الحاكم ولا المالك من يقوم بالعمل عن العامل - ولم يشأ المالك التبرع عنه - كان للمالك ان يفسخ المساقاة، لتعذر استيفاء المعقود عليه وهو العمل.
وكان للعامل اجرة مثل ما سبق من عمله ان لم تظهر الثمرة، وقيمة نصيبه على تلك الحالة ان كانت قد ظهرت.
اختلاف العامل والمالك
: اذا اختلف العامل وصاحب الشجر في العوض المشروط، فقال المالك: شرطت لك ثلث الثمرة، وقال العامل: شرطت لي نصفها، يحلف كل منهما على اثبات دعواه ونفي دعوى خصمه، لأن كلا منهما منكر لدعوى الآخر، فإذا تحالفا انفسخ عقد المساقاة، وكان الثمر كله للمالك، وللعامل اجرة مثله.
المزارعة والمخابرة
تعريفهما:
المزارعة - في اللغة - على وزن مفاعلة من الزرع.
وهي في الاصطلاح: ان يتعاقد مالك الأرض مع غيره ليقوم بزراعة الأرض وتعهد الزرع ويكون الخارج بينهما حسب الاتفاق، والبذر على المالك.
والمخابرة - في اللغة - من الخبار، وهو الارض اللينة، ومن قولهم خبرت الأرض اذا شققتها للزراعة، واصطلاحا: هي مثل المزارعة، وانما البذار فيها على العامل.
مشروعيتهما:
وكل من المزارعة والمخابرة باطلة اذا كانت هي المقصودة بالعقد، كأن كانت الأرض لا شجر فيها، او كان فيها شجر وجرى التعاقد على زراعة الأرض دون المساقاة على الشجر.
ودليل بطلانهما: حديث رافع بن خديج رضى الله عنه قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن امر كان لنا نافعا، وطواعية الله ورسوله انفع لنا، نهانا ان نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وامر رب الأرض ان يَزرعها اويُزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك.
(البخاري: المزارعة، باب: ما كان اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضا في الزراعة والثمرة.
مسلم: البيوع، باب: كراء الأرض بالطعام).
[نحاقل: من الحقل وهي الأرض التي لا شجر بها.
الطعام: القمح ونحوه.
المسمى: المعين والمحدّد قدره].
وروى جابر رضى الله عنه: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة (البخاري: المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر او شرب في حائط او في نخل، رقم: 2252. ومسلم في البيوع، باب: النهي عن المحاقلة والمزابنة، رقم: 1536).
جواز المزارعة تبعا للمساقاة
:
إذا كان بين الأشجار ارض لا شجر فيها صحّت المزارعة عليها مع التعاقد على مساقاة الشجر تبعا، لما جاء في حديث ابن عمر رضى الله عنهما: انه صلى الله عليه وسلم دفع ارض خيبر الى اهلها بشطر ما يخرج من ثمر او زرع.
ويشترط في هذا:
1 - اتحاد العامل، أي أن يكون من تعاقد معه المالك على مساقاة الشجر هو الذي تعاقد معه على مزارعة الأرض.
2 - ان يعسر إفراد الشجر بالسقي ونحوه عن الأرض، فإذا كان هذا ممكنا لم تصح المزارعة.
3 - أن لا تكن اصلاً مقصوداً في التعاقد، وذلك بأن يحصل التعاقد على المساقاة والمزارعة معا، فلو تعاقدا على المساقاة، ثم تعاقدا على المزارعة، لم تصح، لأن تعدد القصد ينفي التبعية.
ولذا يشترط - في الأصح - ان لا تقدّم المزارعة في العقد على المساقاة، فلو قال: زارعتك على هذه الأرض وساقيتك على هذا الشجر، لم يصح، لأن، المزارعة يجب ان تكون تبعا، والتبع لا يكون متقدما على متبوعه.
ولا فرق - في الأصح - بين ان تكون الأرض بين الأشجار قليلة او كثيرة، لأن السبب عسر إفرادها بالتعهد، فالحاجة الى جوازها تبعا لا تختلف بين القليل والكثير.
ولا يشترط ايضا ان يكون الجزء المخصص لكل منهما متساويا في المزارعة
والمساقاة، بل يمكن ان يختلف، فيكون في المساقاة - مثلاً - شطرين، وفي المزارعة اثلاثاً: لأن المزارعة - وان كانت تابعة - فهي في حكم عقد مستقل.
المخابرة باطلة مطلقا
:
هذا ولا تصح المخابرة مطلقا ولو كانت تبعا للمساقاة، لأنها لم يرد بها الشرع، بخلاف المزارعة، بالاضافة الى ان المزارعة في معنى المساقة، لأن كلا منهما ليس فيها على العامل الا العمل، بينما في المخابرة عليه البذر إلى جانب العمل.
حكم المخابرة والمزارعة الفاسدة:
علمنا ان المخابرة فاسدة مطلقا، وكذلك المزارعة اذا لم تتحقق شروط صحتها، فإذا تعاقد صاحب الأرض مع العامل مزارعة او مخابرة، وقام العامل بالعمل وسلّم الزرع:
- فإن كانت مزارعة: كان الحاصل ملكا لصاحب الأرض، لأنه نماء ملكه وهو البذار الذي بذله في ارضه.
وعليه للعامل اجرة مثل عمله ودوابه وآلاته ان كانت منه. - وان كانت مخابرة: كان الحاصل للعامل، لأن البذر منه، والغلّة تبع للبذر.
وعليه لصاحب الأرض او مستحقها اجرة مثلها.
فإن كان البذار منهما: كان الحاصل بينهما، بنسبة ما لكل منهما من البذر.
ويرجع كل منهما على الآخر بأجرة ما صرفه من المنافع على حصته فلو كان البذر مناصفة منهما: رجع صاحب الأرض بنصف اجر مثلها على العامل، ورجع العامل على صاحب الأرض بنصف اجر مثل عمله، وهكذا.
طريقة حلّ المحصول في المزارعة والمخابرة مشتركاً بين المالك والعامل: لما كان شرع الله تعالى يسراً لا عسر فيه ولا حرج، والحكمة من احكامه ضمان الحقوق وإبعاد الناس عن الضرر والمنازعة وما الى ذلك، جهد الفقهاء في ان يجدوا مخرجا للناس، حين توقعهم ظواهر النصوص في شئ من الحرج، ولا سيما عندما يؤمن الضرر وتنتفي الجهالة وتصان الحقوق، حرصاً على هيبة الشرع وإبقاء الناس تحت سلطان احكامه، مع تحقيق مصالحهم وتيسير امورهم، طالما ان ذلك ممكن ولو بوجه من الوجوه.
وتحقيقاً لهذا المعنى وجد الفقهاء طريقة لتحقيق ما في المزارعة والمخابرة من مصلحة في بعض الأحيان، إذ قد توجد الأرض لدى من لا يُحسن استخدامها او لا يستطيع الاستفادة منها، ويفقدها من لديه الخبرة على استخراج ما أودعه الله تعالى فيها من خيرات، وفي نفس الوقت ليس لديه المال ليستأجرها ويستثمرها.
وذلك: بأن يستأجر المالك العامل بجزء معلوم من البذر وشائع فيه، أي كربعه او نصفه دون تمييز له، ليزرع له النصف الآخر في الأرض، ويعيره - في نفس الوقت - جزءا شائعاً من الأرض بقدر ما استأجره به من البذر، وهكذا يقوم العامل بالعمل في الأرض، ويكون الحاصل بينهما بنسبة ما ملك كل منهما من البذر.
او يستأجره بنصف البذر شائعاً - مثلا - ونصف منفعة الأرض كذلك، ليزرع له النصف الآخر من البذر في النصف الآخر من الأرض.
وهكذا يشتركان في الغلة، ولا يكون لأحدهما أُجرة على الآخر، لأن العامل يستحق من منفعة الأرض بقدر نصيبه من الزرع، والمالك يستحق من منفعة العامل بقدر نصيبه من الزرع ايضا.
وهذا اذا كان البذر من المالك.
فإذا كان البذر من العامل: استأجر من المالك جزءا معينا شائعا من الأرض كنصفها - مثلا - بنصف شائع من البذر وبعمله في النصف الآخر منها.
او يستأجر نصفها بنصف البذر، ويتبرع له بالعمل بنصفها الآخر.
وهكذا ايضا يملك كل منهما من الغلة بنسبة ما ملك من البذر ومنفعة الأرض، ولا يكون لأحدهما اجر على الآخر.
هذا على أن كثيراً من الفقهاء غير الشافعية - رحمة الله تعالى على الجميع - قالوا بجواز المزارعة استقلالاً، بدليل معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر، واعتبروا المخابرة في معنى المزارعة، لأن كلاًّ منهما وارد على منفعة، فإذا كن البذر من صاحب الأرض فالمنفعة عمل العامل، وإن كان البذر من العامل فالمنفعة هي منفعة الأرض.