الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعيصفحات 205-244
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 205-244
عن هذه الطبعة
عَلَم
مجموعة من المؤلفين
الكتاب
الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
الناشر
دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
الطبعة
الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

والحكمة من هذا الشرط: أن الانتصار على مكان واحد أفضى إلى المقصود، وهو إظهار شعار الاجتماع وتوحيد الكلمة، بل التناثر في أماكن متفرقة بدون حاجة ربما هيأ أسباب الفرقة والشقاق.

فرائض الجمعة:

تتكون شعيرة الجمعة من فرضين، هما أساس هذه الركن الإسلامي العظيم.
الفريضة الأولى - خطبتان، أولهما شروط هي: 1 - أن يقوم الخطيب فيهما إن استطاع، ويفصل بينهما بجلوس: وذلك لما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب خطبتين يجلس بينهما، وكان يخطب قائماً.
وروى البخاري (878) ومسلم (861) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائماً ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون الآن.
2 - أن لا تؤخر عن الصلاة: وذلك للاتباع المعلوم من مجموع الأحاديث الواردة في الجمعة، ولإجماع المسلمين على ذلك.
3 - أن يكون الخطيب طاهراً من الحدثين الأصغر والأكبر، ومن نجاسة غير معفو عنها في ثوبه وبدنه ومكانه، وأن يكون ساتر العورة: إذ الخطبة كالصلاة، ولذلك كانت الخطبتان عوضاً عن ركعتين من فريضة الظهر، فاشترط لها ما يشترط للصلاة من الطهارة ونحوها.

4 - أن تتلى أركان الخطبة باللغة العربية: على الخطيب أن يخطب باللغة العربية وإن لم يفهمها الحاضرون فإن لم يكن ثمة من يعلم العربية، ومضى زمن أمكن خلاله تعلمها أثموا جميعاً، ولا جمعة لهم، بل يصلونها ظهراً.
أما إذا لم تمض مدة يمكن تعلم العربية خلالها، ترجم أركان الخطبة باللغة التي يشاء، وصحت بذلك الجمعة.
5 - الموالاة بين أركان الخطبة، وبين الخطبتين الأولى والثانية، وبين الثانية والصلاة: فلو وقع فاصل طويل في العرف بين الخطبة الأولى والثانية، أو بين مجموع الخطبتين والصلاة، لم تصح الخطبة، فإن أمكن تداركها وجب ذلك، وإلا انقلبت الجمعة ظهراً.
6 - أن يسمع أركان الخطبتين أربعون من تنعقد بهم الجمعة.

  • ثم إن للخطبتين أركاناً هي: 1 - حمد الله تعالى، بأي صيغة كان.
    2 - الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بأي صيغة من الصلوات.
    بشرط أن يذكر اسمه الصريح: كالنبي أو الرسول أو محمد، فلا يكفي ذكر الضمير بدلاً من الاسم الصريح.
    3 - الوصية بالتقوى، بأي الألفاظ والأساليب كانت: فهذه الأركان الثلاثة أركان لكلا الخطبتين، لا يصح كل منهما إلا بها.

4 - قراءة آية من القرآن في إحدى الخطبتين: ويشترط أن تكون الآية مفهمة وواضحة المعنى، فلا يكفي قراءة آية من الحروف المنقطة أوائل السور.
5 - الدعاء للمؤمنين في الخطبة الثانية، بما يقع عليه اسم الدعاء عرفاً.

الفريضة الثانية - صلاة ركعتين في جماعة: روى النسائي (3/ 111)، عن عمر - رضي الله عنه - قال: صلاة الجمعة ركعتان .. على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -. وجاء حديث أبي داود السابق: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة .. " وعلى ذلك انعقد الإجماع.
وإنما يشترط إدراك الجماعة بركعة واحدة منها، فإن أدركها صحت وإلا وجب تحويلها ظهراً.
ويجب أن لا يقل المقتدون عن أربعين ممن تنعقد بهم صلاة الجمعة.
وعلى ذلك، لو جاء مسبوق فاقتدى بالإمام في الركعة الثانية، أدركه بعد القيام من ركوع الركعة الثانية، لم تقع صلاة جمعة، وإنما يتم بعد سلام إمامه ظهراً.
وعلى ذلك أيضاً، لو اقتدى المصلون الإمام في الجمعة، وأتموا معه ركعة، ثم طرأ سبب اقتضى مفارقة المصلين أو بعضهم للإمام، وإتمام كل منهم صلاته لنفسه مفرداً، فإن جمعتهم صحيحة.
أما لو طرأ

هذا السبب قبل انتهاء الركعة الأولى، فإن صلاتهم لا تصح جمعة، وتنقلب في حقهم ظهراً.
ودليل ما سبق ما رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها، فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته".

آداب الجمعة وهيئاتها:

ليوم الجمعة وصلاتها آداب مسنونة، ينبغي الاهتمام بها والدأب عليها، وهي: 1 - الغسل: لخبر: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل".
(رواه البخاري: 387؛ ومسلم: 844). وإنما صرف الأمر هنا عن الوجوب إلى الاستحباب للحديث الذي رواه الترمذي: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن أغتسل فالغسل أفضل".
[فبها ونعمت: أي فبالسنة عمل، ونعمت السنة].
2 - تنظيف الجسد من الأوساخ والروائح الكريهة والأدهان والتطيب: ولذلك لئلا يتأذى به أحد من الناس، بل ليألفوه ويسروا باللقاء به.
وقد علمت أن من رخص ترك صلاة الجمعة أن يكون قد أكل ذا ريح كريه يتأذى به الناس.
روى البخاري (843)، عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال:

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى".
3 - لبس أحسن الثياب: روى أحمد (3/ 81)، وغيره، عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ثم لبس أحسن ثيابه، ومس طيباً إن كان عنده، ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة، ولم يتخط أحداً ولم يؤذه، ثم ركع ما قضي له، ثم انتظر حتى ينصرف الإمام، غفر له ما بين الجمعتين"؟ والأفضل أن تكون الثياب بيضاً، لما رواه الترمذي (994) وغيره، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم".
4 - أخذ الظفر وتهذيب الشعر: لخبر البزار في مسنده: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقلم أظافره ويقص شاربه يوم الجمعة.
5 - التبكير إلى المسجد: روى البخاري (841) ومسلم (850)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".

[غسل الجنابة: أي كغسل الجنابة من حيث الهيئة.
راح: ذهب].
قرب: تصدق بها تقرباً إلى الله تعالى.
بدنة: هي واحدة الإبل تهدي إلى بيت الله الحرام.
أقرن: له قرنان، وهو أكمل وأحسن صورة، وقد ينتفع بقرنه.
خرج الإمام: صعد المنبر للخطبة.
الذكر: الموعظة وفيها من ذكر الله عز وجل].
6 - صلاة ركعتين عند دخول المسجد: روى مسلم (875)، عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما".
أي يخففهما مع الإتيان بهما كاملة الأركان والسنن والآداب.
هذا إذا لم يبلغ الخطيب أواخر الخطبة، وإلا فلينظر قيام الصلاة المكتوبة.
وتفوت هاتان الركعتان بجلوسه، فإن جلس لم يصح منه بعد صلاة نافلة، بل يجب أن يظل جالساً ينصت إلى الخطبة حتى تقام الصلاة.
7 - الإنصات للخطبتين: روى البخاري في صحيحه (892) ومسلم (851) وغيرهما، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت".
وعند أبي داود (1051) من رواية علي - رضي الله عنه -: "ومن لغا فليس له في جمعته تلك شئ".
أي لم يحصل له الفضل المطلوب، والثواب المرجو.
واللغو: هو ما لا يحسن من الكلام.

آداب عامة ليوم الجمعة:

يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ولن سنن وآداب، ينبغي أن يكون المسلم على بينة منها، ليبق منها ما يمكنه تطبيقه، وإليك بعضاً منها: أولاً: تسن قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة وليلتها: روى النسائي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين".
ثانياً: يسن الإكثار من الدعاء يومها وليلتها: لما روى البخاري (893) ومسلم (852) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر يوم الجمعة فقال: " فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه".
وأشار بيده يقللها، أي يبين أنها فترة قصيرة من الزمن.
ثالثاً: يسن الإكثار من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في يومها وليلتها: لحديث: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي".
(رواه أبو داود: 1047؛ وغيره بأسانيد صحيحه).


صلاة النّفْل

النّفْل لغة الزيادة، واصطلاحاً: ما عدا الفرائض.
وسمِّي بذلك، لأنه زائد على ما فرضه الله تعالى.
والنفل يُرادف السنة، والمندوب، والمستحب.
صلاة النَّفْل قسمان: قسم لا يسن فيه لجماعة، وقسم يسن فيه الجماعة.

القسم الأول ـ وهو الذي لا يسن فيه الجماعة

، قسمان أيضاً: قسم يعتبر تابعاً للصلوات المكتوبة، التي مضى بيانها.
وقسم يعتبر نافلة غير تابعة للفرائض.
وسنشرح كلا منهما على حدة.

(أ) النفل التابع للفرائض:

هذا النفل قسمان مؤكد، وغير مؤكد.
أما

المؤكد

: فهو عبارة عن ركعتين قبل الصبح، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء.
روى البخاري (1126) ومسلم (729)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر،

وركعتين بعدهما، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، كانت ساعة لا يدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها.
وآكد هذه الركعات ركعتا الفجر، لما روى البخاري (1116) ومسلم (724)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر.
[النوافل: جمع نافلة، وهي ما زاد على الفرض.
أشد تعاهداً: أكثر محافظة].
وأما

غير المؤكد

: ـ فركعتان أخريان قبل الظهر، روى البخاري (1127)، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة، أي صلاة الفجر.
ولمسلم (730): كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين.
ويزيد ركعتين أيضاً بعدها، لما رواه الخمسة وصححه الترمذي (427، 428) عن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " من صلى أربع ركعات قبل الظهر، وأربعاً بعدها، حرمه الله على النار ". والجمعة كالظهر فيما مر، لأنها بدل عنها، فيسن قبلها أربع ركعات، ركعتان مؤكدتان وركعتان غير مؤكدتان، كذلك بعدها.
روى مسلم (881)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا صلى أحكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً ".

وروى الترمذي (523) أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً.
والظاهر أنه توقيف، أي علمه من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. ـ أربع ركعات قبل فريضة العصر، لما رواه الترمذي (430) وغيره، عن على - رضي الله عنه -: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم.
ـ وركعتان خفيفتان قبل صلة المغرب، لما رواه البخاري (599) ومسلم (837) واللفظ له، عن أنس - رضي الله عنه - قال: كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فيركعون ركعتين ركعتين، حتى أن الغريب ليدخل فيحسب أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما.
[ابتدروا السواري: جمع سارة وهي الدعامة التي يرفع عليها وغيرها السقف، وتسمى أسطوانة.
وابتدروها: أي تسارعوا إليها ووفق كل واحد خلف واحدا منها.
ركعتين ركعتين: أي كل واحد يصلي ركعتين لا يزيد عليهما].
ومعنى كونها خفيفتين: أنه لا يأتي زيادة على أدنى ما تتحقق به أركان الصلاة وسننها وآدابها.
ـ ويستحب ـ أيضاً ـ أن يصلي ركعتين خفيفتين قبل صلاة العشاء، لما رواه البخاري (601) ومسلم (838)، عن عبد الله بن مغفل

  • رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " بين كل أذانين صلاة، ثلاثاً لمن شاء " وفي رواية: " بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء ". [الأذانين: الأذان والإقامة].

(ب) النفل الذي لا يتبع الفرائض:

وهذا النفل ينقسم أيضاً إلى قسمين: نوافل مسماة ذات أوقات معينة، ونوافل مطلقة عن التسمية والوقت.

النوافل المسماة ذات الأوقات المعينة

هي: 1ـ تحية المسجد: وهي ركعتان قبل الجلوس لكل دخول إلى المسجد، ودليلها حديث البخاري (433) ومسلم (714): " فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ". وتحصل التحية بالفرض، أو بأي نفل آخر، لأن المقصود أن لا يبادر الإنسان الجلوس في المسجد بغير صلاة.
2ـ الوتر: وهي سنة مؤكدة، وإنما سميت بذلك، لأنها تختم بركعة واحدة، على خلاف الصلوات الأخرى.
روى الترمذي (453) وغيره، عن علي - رضي الله عنه - قال: إن الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة، ولكن سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعنده وعند أبي داود (1416) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر ".

وقت الوتر: ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، والأفضل أن يؤخرها إلى آخر صلاة الليل.
روى أبو داود (1418) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الله عز وجل أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر".
وروى البخاري (953) ومسلم (749)، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً ". هذا إن رجا الإنسان أن يقوم من آخر الليل، أما من خاف أن لا يقوم، فليوتر بعد فريضة العشاء وسنتها.
روى مسلم (755) عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل ". مشهودة: أي تحضرها الملائكة.
وروى البخاري (1880) ومسلم (721) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد.
أي أصلي الوتر قبل أن أنام.
وأقل الوتر ركعة، لكن يكره الاقتصار عليها، وأقل الكمال ثلاث ركعات: ركعتان متصلتان، ثم ركعة منفردة.
ومنتهى الكمال فيها إحدى عشر ركعة، يسلم على رأس كل ركعتين، ثم يختم بواحدة: روى مسلم (752)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الوتر ركعة من آخر الليل ". وروى البخاري (1071) ومسلم (736) وغيرهما ـ واللفظ له ـ

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة.
فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الإيمان حتى يأتيه المؤذن للإقامة.
[ركعتين خفيفتين: هما سنة الفجر].
وروى أبو داود (1422)، عن أبي أيوب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل ". [حق: مشروع ومطلوب].
3ـ قيام الليل: وهو ما يسمى بالتهجد إن فعل بعد النوم، والتهجد: ترك الهجود، والهجود: النوم، أي ترك النوم.
وقيام الليل سنة غير محددة بعدد من الركعات، تؤدى بعد الاستيقاظ من النوم، وقبل أذان الفجر.
ودليل مشروعية قيام الليل قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا﴾ (سورة الإسراء: 79) أي اترك الهجود ـ وهو النوم ـ وقم فَصلَّ واقرأ القرآن.
[نافلة لك: زيادة على الفرائض المفروضة عليك خاصة].
وروى مسلم (1163) وغيره، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:

سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: " الصلاة في جوف الليل".
[المكتوبة: المفروضة.
جوف الليل: باطنه وساعات التفرغ فيه للعبادة].
4 - صلاة الضحى: وأقلها ركعتان، وأكملها ثماني ركعات.
روى البخاري (1880)؛ ومسلم (721)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أوصاني خليلي بثلاثٍ: صيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وركعتي الضحى، وأن توتر قبل أن أرقد.
وروى البخاري (350)؛ ومسلم (336) واللفظ له، في حديث أم هاني رضي الله عنها: أنه لما كان عام الفتح، أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بأعلى مكة، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غسله، فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه والتحق به، ثم صلى ثماني ركعات سُبْحَة الضحى.
أي صلاة الضحى.
والأفضل أن يفصل بين ركعتين، لما جاء في رواية أبي داود (1290) عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثماني ركعات، ويسلم من كل ركعتين.
ووقتها من ارتفاع الشمس حتى الزوال، والأفضل فعلها عند مُضي ربع النهار.
روى مسلم (784) وغيره، عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهل قباء وهم يصلون الضحى، فقال: " صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال".

[الأوابين: جمع أواب، وهو الراجع إلى الله تعالى.
رمضت الفصال: احترقت من حر الرمضاء، أي وجدت حر الشمس، والرمضاء في الأصل الحجارة الحامية من حر الشمس، والمراد ارتفاع النهار.
والفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة].
5 - صلاة الاستخارة: وهي صلاة ركعتين في غير الأوقات المكروهة.
وتسنّ لمن أراد أمراً من الأمور المباحة، ولم يعلم وجه الخير في ذلك، ويسنّ بعد الفراغ من الصلاة أن يدعو بالدعاء المأثور، فإن شرح الله صدره بعد ذلك للأمر فعل وإلا فلا.
روى البخاري (1109) وغيره، عن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: " إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة"، ثم ليقل: " اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فأقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به، قال: ويسمي حاجته ".

النوافل المطلقة عن التسمية والوقت:

وهي أن يصلي من النوافل ما شاء في أي وقت شاء، إلا في أوقات معينة يكره فيها الصلاة، وقد بيّناها فيما مضى.

وروى ابن ماجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر - رضي الله عنه -: " الصلاة خير موضوع، استكثر أو أقل ". هذا واعلم أنه يستحب في النفل المطلق أن يسِّم من كل ركعتين ليلاً كان أو نهاراً.
ودليل ذلك حديث البخاري (946)؛ ومسلم (749): " صَلاة الليل مثنى مثنى" (أخرجه أبو داود: 1295، وغيره).
والمراد بالمثنى أن يسلم من كل ركعتين.

القسم الثاني - وهو الذي يسن فيه الجماعة:

كان ما ذكرنا كله فيما يتعلق بالنوافل التي لا تستحب فيها الجماعة، أما النوافل التي تستحب فيها الجماعة، فهي:

صلاة العيدين

، صلاة التراويح، صلاة الكسوف والخسوف، صلاة الاستسقاء.
وسنذكر كل واحدةٍ على حدة.


صَلاَة العيدَيْن

معنى العيد:

العيد مشتقِّ من العَوْد، وذلك إما لتكرره كل لعام، أو لعود السرور بعوده، أو لكثرة عوائد الله فيه على العباد.

زمن مشروعيتها والدليل عليها:

شرعت صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى في السنة الثانية للهجرة، وأول عيدٍ صلاَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - عيد الفطر من السنة الثانية للهجرة.
أما

الأصل في مشروعيتها:

فقوله عز وجل خطاباً لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: 2].
قالوا: المقصود بالصلاة صلاة عيد الأضحى.
وروى البخاري (913)؛ ومسلم (889)، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شئ يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيكون مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيءٍ أمر به، ثم ينصرف.
[يقطع بعثاً: يفرد جماعة من الناس ليبعثهم إلى الجهاد].

حكم صلاة العيد:

هي سنَّة مؤكدة، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتركها منذ شرعت حتى توفَّاه الله عز وجل، وواظب عليها أصحابه رضوان الله تعالى عليهم من بعده.
وتشرع جماعة، يدل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - السابق، وتصح فرادى.
ويخاطب بها كل مكلف رجلاً كان أو امرأة، مقيماً كان أو مسافراً، حراً كان أو رقيقاً، إلا للمرأة المتزينة، أو التي قد تثير الفتنة، فتصلي في بيتها.
ودلّ على عدم الوجوب قوله - صلى الله عليه وسلم - للسائل عن الصلاة المفروضة " خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل على غيرها؟ قال: " إلا أن تطوع " (رواه البخاري: 46؛ ومسلم: 11).
وعند أبي داود (1420): " خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن، لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد؛ إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة".
وروى البخاري (928)؛ ومسلم (890)، عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها: كنّا نؤْمرُ أن نخرُج يوم العِيد، حتى نُخرج البِكْرَ من خُدرها، حتى نخرج الحيض فَيكنَّ خَلفَ النّاس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطُهْرَتَه.
وفي رواية قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: " لتلبسها صاحبتها من جلبابها ".

[البكر: التي لم يسبق لها الزواج.
خدرها: ناحية في البيت يترك عليها ستر، كانت تجلس في البكر استحياءً.
الحُيَّض: جمع حائض.
خلف الناس: أي غير مكان الصلاة، وفي رواية: ويعتزل الحُيّض عن مصلاَّهُنَّ.
طهرته: ما فيه من تكفير الذنوب.
جلباب: ملحفة تستر البدن أعلاه أو أسفله.
لتلبسها: بأن تعيرها جلباباً من جلابيبها].
ولا يسنُّ لها أذانٌ ولا إقامة بل ينادي لها: " الصلاة جامعة ". روى البخاري (916)؛ ومسلم (886)، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع له: إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر، وإنما الخطبة بعد الصلاة.
وعند البخاري (917)؛ ومسلم (886)، عن ابن عباس وجابر بن عبدالله رضي الله عنهم قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى.

وقت صلاة العيد:

يبدأ وقتها بطلوع الشمس، ويستمر إلى زوالها، يدل على هذا ما رواه البخاري (908)، عن البراء - رضي الله عنه - قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقال: " إن أول ما نبدأ من يومنا هذا أن نصلي .. ". واليوم يبدأ بطلوع الفجر، والوقت مشغولاً بصلاة الفجر، قبل طلوع الشمس، وبصلاة الظهر بعد زوالها.
ووقتها المفضل عند ارتفاع الشمس قدر رمح، لمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على صلاتها في ذلك الوقت.

كيفيتها:

صلاة العيد ركعتان، يبدأهم بتكبيرة الإحرام، ثم يقرأ دعاء الافتتاح، ثم يكبر سبع تكبيرات يرفع عند كل منها يده إلى محاذاة كتفيه

كتكبيرة الإحرام، يفصل بين كل اثنتين بقدر آية معتدلة، ويسن أن يقول بينهما: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
ثم يتعوذ ويقرأ الفاتحة ثم يضم إليها سورة أو بعض آيات.
فإذا قام إلى الركعة الثانية كبر خمس تكبيرات، عدا تكبيرة الانتقال قبل أن يبدأ القراءة، وفصل بين كل تكبيرة وأخرى بما ذكرنا.
وهذه التكبيرات الزائدة على المعتاد سنة، فلو نسيها وشرع في القراءة فاتت وصحت صلاته.
والأصل فيما سبق: ما رواه النسائي (3/ 111) وغيره، من حديث عمر - رضي الله عنه - قال: صلاة الفطر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان .. ثم قال: على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذا الإجماع.
وروى عمرو بن عوف المزني - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبّر في العيدين، في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الآخرة خمساً قبل القراءة.
(رواه الترمذي: 536). وقال: هو أحسن شيء في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ...

الخطبة في العيد:

ويسن بعد الفراغ من صلاة العيد خطبتان، نوجز لك كيفيتهما فيما يلي: 1ـ ينبغي أن تليا صلاة العيد، أي بعكس خطبة الجمعة، وذلك تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام.
روى البخاري (920)؛ ومسلم (888)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يصلون العيدين قبل الخطبة.

وروى البخاري (932)، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فطر وأضحى، فصلى ثم خطب.
فلو قدم الخطبة على الصلاة لم تعتد بها.
2 - كل ما ذكرناه من أركان خطبتي الجمعة وسنتهما، ينطبق على خطبة العيد أيضاً.
روى الشافعي رحمه الله تعالى، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود - رضي الله عنه - قال: السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين،، يفصل بينهما بجلوس.
3 - يسن أن يبدأ الخطبة الأولى بتسع تكبيرات، والخطبة الثانية سبع تكبيرات.
روى البيهقي عن عبدالله المذكور سابقاً قال: السنة أن تفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع تكبيرات تترى.
أي متتالية.

أين تقام صلاة العيد؟

تقام صلاة العيد بالمسجد أو الصحراء، وأفضلها أكثرهما استيعاباً للمصلين، فإن تساويا كان المسجد أفضل لشرفه على غيره، إذ ينال المسلم بالصلاة فيه أجر العبادة وأجر المكث في المسجد.
وإنما صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصحراء لضيق مسجده إذ ذاك عن الاستيعاب، وقد علمت أنها تشرع جماعة للرجال والنساء وعام المكلفين.
فإذا كان المسجد متسعاً بحيث يستوعب جميع المصلين، برفق وراحة، لم يبق لأفضلية الصحراء معنى.

التكبير في العيد:

يسن التكبير- لغير الحاج- بغروب الشمس ليلتي عيد الفطر والأضحى، في المنازل والطرق والمساجد والأسواق.
بصوت مرتفع، إلى أن يحرم الإمام لصلاة العيد.
وذلك لقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ [البقرة: 185]. قالوا: هذا في تكبير عيد الفطر، وقيس به الأضحى.
ثم يسن في عيد الأَضحى لكل من الحاج وغيره أن يكبر عقب الصلوات بأنواعها المختلفة بدءاً من صبح يوم عرفة إلى ما بعد عصر آخر يوم من أيام التشريق، وهي الأيام الثلاثة التي تلي يوم عيد الأضحى.
أما في عيد الأضحى فلا يسن التكبير عقب الصلوات، بل ينقطع استحبابه عندما يحرم الإمام لصلاة العيد كما قلنا.
ودليل ذلك كله لاتباع لفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما واظب عليه أصحابه رضي الله عنهم.
فعن علي وعمار رضي الله عنهما: أم النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر يوم عرفة، صلاة الغداة، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق (رواه الحاكم: 1/ 229)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولا أعلم في رواته منسوباً إلى الجرح.
[صلاة الغداة: صلاة الفجر].
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكبر في قبته بمنى، فسمعه أهل المسجد يكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج مني تكبيراً.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه في فسطاطه ومجلسه وممشاه، تلك الأيام جميعاً.
(البخاري: كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى).

[فسطاطه: الفسطاط البيت المتخذ من شعر ونحوه].
صيغة التكبير المفضلة: " الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد ".

من آداب العيد:

1 - أن يغتسل ويتطيب ويلبس الجديد من ثيابه، لما مرَّ في الجُمعة.
2 - يسنّ أن يُبَكِّر الناس بالحضور إلى المسجد صباح العيد.
3 - يسن في عيد الفطر أن يأكل شيئاً قبل خروجه إلى الصلاة.
أمَّا في عيد الأضحى فيُسنُّ له أن يمسك عن الطعام حتى يعود من الصلاة.
4 - يسن للمصلِّي أن يذهب ماشياً إلى المصلَّى أو المسجد في طريق، وأن يعود في طريق أخرى.
روى البخاري (943)، عن جابر - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم عيد خالف الطريق.
5 - يكره للإمام أن ينتقل قبل صلاة العيد، ولا يكره لغيره ذلك بعد طلوع الشمس.
روى البخاري (945)، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما.


زَكاةُ الفِّطْر

تعريفها:

هي قدر معين من المال، يجب إخراجه عند غروب الشمس آخر يوم من أيام رمضان، بشروط معينة، عن كل مكلف ومن تلزمه نفقته.

مشروعيتها:

المشهور في السنة أنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة، في العام الذي فرض فيه صوم رمضان.
والأصل في وجوبها: ما رواه البخاري (1433)؛ ومسلم (984) واللفظ له، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض

زكاة الفطر

من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين.

شروط وجوبها:

تجب زكاة الفطر بثلاثة شروط: الأول - الإسلام: فلا تجب على الكافر الأصلي وجوب مطالبة في الدنيا، للحديث السابق ذكره عن ابن عمر رضي الله عنهما.
الثاني- غروب شمس آخر يوم من رمضان: فمن مات بعد غروب ذلك اليوم، وجبت زكاة الفطر عنه، سواء

مات بعد أن تمكن من إخراجها، أم مات قبله، بخلاف من ولد بعده.
ومن مات قبل غروب شمسه لم تجب في حقه، بخلاف من ولد قبله.
الثالث- أن يوجد لديه فضل من المال، يزيد عن قوته وقوت عياله ف يوم العيد وليلته، وعن مسكن، وخادم إن كان بحاجة إليه: فلو كان ماله لا يكفي لنفقات يوم العيد وليلته، بالنسبة له ولمن تجب عليه نفقتهم، لم تلزمه زكاة الفكر، ولو كان لديه مال يكفي يوم العيد وليلته، ولكنه لا يكفي لما بعد ذلك، تجب عليه الزكاة ولا عبرة بما بعد يوم العيد وليلته.

الذين يجب على المكلف إخراج زكاة الفطر عنهم:

يجب على من توفرت لديه هذه الشرائط الثلاثة، أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه، وعمن تلزمه نفقتهم، كأصوله وفروعه، وزوجته.
فلا يجب أن يخرجها عن ولده البالغ القادر على الاكتساب، ولا عن قريبه الذي لا يكلف بالإنفاق عليه، بل لا يصح أن يخرجها عنه إلا بأذنه وتوكيله.
فإذا أيسر بشئ لا يكفي عن جميع أقاربه الذي يكلف بنفقتهم، قدم نفسه، ثم زوجته، فولده الصغير، فأباه، فأمه، فولده الكبير العاجز عن الكسب.

زكاة الفطر جنساً وقدراً:

زكاة الفطر هي صاعً من غالب قوت البلد الذي يقيم فيه المكلف، بدليل حديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق.
وعند البخاري (1439) عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: كنَّا نخرج في عهد رسول

الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفطر صاعاً من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأَقِطُ والتمر.
والصاع الذي كان يستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو عبارة عن أربعة أمداد، أي حفنات، وهذه الحفنات الأربع مقدرة بثلاثة ألتار كيلاً، وتساوي بالوزن (2400) غراماً تقريباً.
فإذا كان غالب قوت بلدنا اليوم هو البُرُّ.
فإن زكاة الفطر عن الشخص الواحد تساوي ثلاثة ألتار من الحنطة.
ومذهب الإمام الشافعي أنه لا تجزئ القيمة، بل لا بدّ من إخراجها قوتاً من غالب أقوات ذلك البلد.
إلا أنه لا بأس باتباع مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى في هذه المسألة في هذا العصر، وهو جواز دفع القيمة، ذلك لأن القيمة أنفع للفقير اليوم من الفقير نفسه، واقرب إلى تحقيق الغاية المرجوة.

وقت إخراج زكاة الفطر:

أما وقت الوجوب، فقد قلنا إنه يبدأ بغروب شمس آخر أيام رمضان.
وأما الوقت الذي يجوز فيه إخراجها، فهو جميع شهر رمضان واليوم الأول من العيد.
يسنّ أداؤها صباح يوم العيد قبل الخروج إلى الصلاة.
فقد جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفي رواية عند البخاري (1432): " وَأَمر بها أن تؤدَّي قبل خروج الناس إلى الصلاة ". ويكره تأخيرها عن صلاة العيد إلى نهاية يوم العيد، فإن أخراها عنه أثِم ولزمه القضاء.


الأضحية

معناها والأصل في مشروعيتها:

الأضحية: هي ما يذبح من الإبل أو البقر أو الغنم أو المعز، تقرباً إلى الله تعالى يوم العيد.
والأصل في مشروعيتها قوله عز وجل: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: 2]، فإن المقصود بالنحر على أصح الأقوال نحر الضحايا.
وما رواه البخاري (5245) ومسلم (1966): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما.
[الأملح: من الضأن ما كان أبيض اللون أو كان البياض فيه هو الغالب، والأقرن: ذو القرنين العظيمين.
صفاحهما: جمع صفحة، وهي جانب العنق].

الحكمة من مشروعيتها:

ينبغي أن تعلم أن الأضحية عبادة، وأن كل ما قد يكون لها من حكمة وفائدة يأتي بعد فائدة الخضوع للمعنى التعبدي الذي فيها، شأن كل عبادة من العبادات.
ثم إن من أبرز المعاني المتعلقة بالأَضحية إحياء معنى

الضحية العظمى التي قام بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إذ ابتلاء الله تعالى بالأمر بذبح ابنه، ثم فداه الله بذبح عظيم كان كبشاَ أنزله الله إليه وأمره بذبحه، بعد أن مضى كل من إبراهيم وابنه عليهما السلام، ساعياً بصدق لتحقيق أمره عز وجل.
أضف إلى ذلك: ما فيها من المواساة للفقراء والمعوزين وإدخال الشرور عليهم وعلى الأهل والعيال يوم العيد، وما ينتج عن ذلك من تمتين روابط الأخوة بين أفراد المجتمع المسلم، وغرس روح الجماعة والود في قلوبهم.

حكم الأضحية:

هي سنة مؤكدة، ولكنها قد تجب لسببين اثنين: الأول: أن يشير إلى ما هو داخل في ملكه من الدواب الصالحة للأضحية، فيقول: هذه أضحيتي، أو سأضحي بهذه الشاة، مثلاً، فيجب حينئذ أن يضحي بها.
الثاني: أن يلتزم التقرب إلى الله بأضحيته، كأن يقول: لله تعالى علي أن أضحي، فيصبح ذلك واجباً عليه، كما لو التزم بأي عبادة من العبادات، إذ تصبح بذلك نذراً.

من هو المخاطب بالأضحية:

إنما تسن الأضحية في حق من وجدت فيه الشروط التالية: 1 - الإسلام، فلا يخاطب بها غير المسلم.
2 - البلوغ والعقل، إذ من لم يكن بالغاَ عاقلاً سقط عنه التكليف.

3 - الاستطاعة، وتتحقق: بأن يملك قيمتها زائدة عن نفقته ونفقة من هو مسؤول عنهم، طعاماً وكسوة ومسكناً، خلال يوم العيد وأيام التشريق.

ما يشرع التضحية به:

لا تصح الأَضحية إلا أن تكون من إبل، أو بقر، أو غنم ومنه الماعز.
لقوله تعالى: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: 34]، والأنعام لا ترج عن هذه الأصناف الثلاثة، ولأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولاعن أحد من الصحابة التضحية بغيرها.
وأفضلها الإبل، ثم البقر، ثم الغنم.
ويجوز أن يضحي بالبعير والبقرة الواحدة عن سبعة.
روى مسلم (1318) عن جابر - رضي الله عنه - قال: نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
[البدنة: واحدة الإبل ذكراً أم أنثى].

شروطها:

السن: وشرط الإبل أن يكون قد طعن في السادسة من العمر.
وشرط البقر والمعز أن يكون قد طعن في الثالثة.
أما شرط الضأن فهو أن يكون قد طعن في الثانية، أو أجدع - أي سقطت أسنانه الأمامية- ولو لم يبلغ سنة، لما رواه أحمد (2/ 245)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " نعمت الأضحية الجذع من الضأن ".

السلامة: ثم يشترط بالنسبة لهذه الأصناف الثلاثة كلها: أن تكون سالمة من العيوب التي من شأنها أن تسبب نقصاناً في اللحم: فلا تجزئ شاة عجفاء - وهي التي ذهب مخها من شدة هزالها- ولا ذات عرج بيِّن، أو ذات عورٍ أو مرض، ولا مقطوعة بعد الأذن.
... لما رواه الترمذي وصححه (1497) وأبو داود (2802) عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " أربع لا تجزئ في الأَضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء التي لا تنقي ". [لا تنقي: أي لا مخ لها، مأخوذة من النقي، بكسر النون وإسكان القاف، وهو المخ].
ويقاس على هذه العيوب الأربعة، كل ما يشبهها في التسبب في الهزال وإنقاص اللحم.

وقت الأَضحية:

يبتدئ وقتها بعد طلوع شمس يوم عيد الأضحى بمقدار ما يتسع لركعتين وخطبتين، ثم يستمر وقتها إلى غروب آخر أيام التشريق، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة.
والوقت المفضَّل لذبحها، بعد الفراغ من صلاة العيد، لخبر البخاري (5225) ومسلم (1961): " أول ما نبدأ به يومنا هذا تصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء ". ومعنى قوله: ومن ذبح قبل ذلك، أي قبل دخول صلاة العيد، ومضي الزمن الذي يمكن

صلاتها فيه.
وروى ابن حبان (1008)، عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " وكل أيام التشريق ذبح " أي وقت للذبح.

ماذا يصنع بالأضحية بعد ذبحها:

إن كانت الأَضحية واجبة: بأن كانت منذورة أو معينة على ما أوضحنا لم يجز للمضحي ولا لأحد من أهله الذين تجب عليه نفقتهم، الأكل منها، فإن أكل أحدهم منها شيئاً غرم بدله أو قيمته.
وإن كانت الأَضحية مسنونة: جاز له أن يأكل قليلاً منها للبركة، ويتصدق بالباقي، وله أن يأكل ثلثها، ويتصدق بثلثها، ويتصدق بثلثها على الفقراء، ويهدي ثلثها لأصحابه وجيرانه وإن كانوا أغنياء.
إلا أنّ ما يعطي للغني منها ما يكون على سبيل الهدية للأكل، فليس لهم أن يبيعوها، وما يعطي للفقير يكون على وجه التمليك، يأكلها أو يتصرف بها كما يشاء.
والأصل فيما سبق قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها واطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: 36] [البدن: جمع بدنة، وهي ما يهدي المحرم من الإبل، وقيس عليها الأضاحي.
شعائر الله: علائم دينه.
صواف: قائمة على ثلاث قوائم.
وجبت جنبوها: سقطت على الأرض.
البائس: شديد الحاجة].
هذا، وللمضحي أن يتصدق بجلد أضحيته، أو ينتفع هو به.
ولكن ليس له أن يبيعه أو أن يعطيه للجزار أجرة ذبحه، لأن ذلك نقصٌ من الأضحية يفسدها.
ولما رواه البيهقي (9/ 294) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من باع جلد أضحيته فلا أضحية له ".

سنن وآداب تتعلق بالأضحية:

أولاً: إذا دخل عشر ذي الحجة، وعزم خلاله على أن يضحي، ندب له أن لا يزيل شيئاً من شعره وأظافره إلى أن يضحين فليمسك عن شعره وأظافره.
لما رواه مسلم (1977)، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظافره ". ثانياً: يسن له أن يتولى ذبحها بنفسه، فإن لم يفعل لعذر أو غيره، فليشهد ذبحها، لما رواه الحكام (4/ 222) بإسناد صحيح: إنه - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة رضي الله عنها: " قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك" قالت: يا رسول الله، هذا لنا أهل البيت خاصة، أو لنا المسلمين عامة؟ قال: بل لنا وللمسلمين عامة ". ثالثاً: يسنّ لحاكم المسلمين أو إمامهم أن يضحي من بيت المال عن المسلمين، فقد روى مسلم (1967) أنه - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبش، وقال عند ذبحه: " باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد ". ويذبحه بالمصلى، حيث يجتمع الناس لصلاة العيد، وأن ينحر أو يذبح بنفسه، روى البخاري في صحيحه (5232) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذبح وينحر بالمصلي.


صََلاََة التّراويُح و

صلاة التراويح

إنما تشرع في رمضان خاصة، وتسن فيها الجماعة وتصح فرادى.
وسميت بهذا الإسم لأنهم كانوا يتروحون عقب كل أربع ركعات، أي يستريحون.
وتسمى قيام رمضان.
وهي عشرون ركعة في كل ليلة من ليالي رمضان، يصلي كل ركعتين بتسليمة، ووقتها بين صلاة العشاء وصلاة الفجر، وتصلى قبل الوتر.
ولو صلى أربعاً بتسليمة واحدة لم تصح، لأنه خلاف المشروع.
هذا ولا بد من النية من تعيين: ركعتين من التراويح، أو من قيام رمضان، ولا تصح بنية النفل المطلق.
والأصل في مشروعيتها على ما سبق: ما رواه البخاري (37) ومسلم (759) وغيرهما، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ". [إيماناً: تصديقاً بأنه حق.
احتساباً: إخلاصاً لله تعالى].
وروى البخاري (882) ومسلم (761) واللفظ له عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاته.

ناسٌ ثم صلّى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة- أو الرابعة - فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما أصبح قال: " رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم، إلا أني خشيت أن تفرض عليكم".
وذلك في رمضان.
[الذي صنعتم: أي اجتماعكم للصلاة وانتظاري].
وروى البخاري (906)، عن عبدالرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر ابن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاعٌ متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط.
فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ كعب - رضي الله عنه -، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون.
يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.
[أوزاع: جماعات.
الرهط: ما دون العشرة من الرجال.
نعمت البدعة هذه: حسن هذا الفعل.
والبدعة: ما استحدث على غير مثالٍ مستحسن فيه، وذميمة مرفوضة إن خالفته، أو اندرجت تحت مستقبح فيه، وإن لم تخالف الشرع ولم تندرج تحت أصل فيه كانت مباحة].
وروى البيهقي وغيره بإسناد صحيح (2/ 496): أنهم كانوا يقومون على عهد عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - شهر رمضان بعشرين ركعة.
وروى مالك في الموطأ (1/ 115): كان الناس في زمن عمر - رضي الله عنه - يقومون في رمضان بثلاثٍ وعشرين ركعة.
وجمع البيهقي بين الروايتين بأن الثلاث كانت وتراً.


صَلاَة الكسُوف وَالخسُوف

التعريف بهما وزمن مشروعيتهما:

تطلق كلمة الكسوف لغة على احتجاب ضوء الشمس احتجاباً جزئياً أو كلياً، وتطلق كلمة الخسوف على احتجاب نور القمر جزئياً أو كلياً، ويجوز إطلاق كل من الكلمتين على كل من المعنيين.
و

صلاة الكسوف والخسوف

من الصلوات المشروعة لسبب، يلتجئ فيها المسلم إلى الله عز وجل أن يكشف البلاء ويعيد الضياء.
وقد شرعت صلاة الكسوف في السنة الثانية للهجرة، أما صلاة خسوف القمر فقد شرعت في السنة الخامسة منها.

حكمها:

هي سنة مؤكدة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -، فيما رواه مسلم (904): " إن الشمس والقمر من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم " ولفعله - صلى الله عليه وسلم - لها، كما سيأتي.
وإنما لم يفسر الأمر في هذا الحديث على وجه الوجوب، لخبر: إن أعرابياً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلوات الخمس فقال: هل عليّ غيرها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: " لا، إلاّ أن تطوع".
(البخاري: 46؛ ومسلم 11

وتسن فيها الجماعة، وينادى لها: " الصلاة جامعة ".

كيفيتها:

صلاة الكسوف والخسوف ركعتان، ينوي بهما المصلي صلاة الكسوف أو الخسوف، ولها كيفيتان: أدنى ما تصح به، وأكمل الوجوه في أدائها.
" فأما الكيفية التي تتحقق بها أدنى درجات الصحة: فهي أن يكون في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، كالعادة بدون تطويل.
ويصح أن يصلها ركعتين بقيامين وركوعين، كصلاة الجمعة، ويكون تاركاً للفضيلة، لمخالفته لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. " وأما الكيفية الكاملة: فهي أن يكون في كل ركعة منهما قيامان يطيل القراءة في كل منهما، بأن يقرأ في القيام الأول من الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة البقرة أو مقدارها من السور الأخرى، وفي القيام الثاني ما يساوي مائتي آية، وفي القيام الأول من الركعة الثانية مقدار مائة وخمسين منها، وفي القيام الثاني منها ما يساوي مائة آية من سورة البقرة.
ثم إذا ركع أطال الركوع بما يساوي مائة آية تقريباً، فإذا ركع الركوع الثاني أطاله بمقدار ثمانين آية، والثالث بمقدار سبعين آية، والرابع بمقدار خمسين.
فإذا أتموا الصلاة خطب الإمام بعد خطبتين - كخطبتي الجمعة في الأركان والشروط - يحث الناس فيهما على التوبة وفعل الخير، ويحذرهم من الغفلة والاغترار.
روى الترمذي (562) وقال حسن صحيح، عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال: صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في كسوف لا نسمع له صوتاً.

وروى البخاري (1016)؛ (901)، عن عائشة رضي الله عنها: جهر النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخسوف بقراءاته.
فحمل الأول على صلاة كسوف الشمس لأنها نهارية، والثاني على خسوف القمر لأنها ليلية.
دليل ذلك ما رواه البخاري (947)؛ ومسلم (901)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خسفت الشمس في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد، فقام فكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً، ثمر رفع رأسه فقال: ... " سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد"، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعاً هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: " سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد".
ثم سجد - وفي رواية أخرى فأطال السجود - ثم فعل بالركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات ... أي أربع ركوعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف.
ثم قام فخطب الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: " إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة ". وفي رواية: " فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا ". [في حياة ... وافق هذا يوم موت ولده إبراهيم عليه السلام، وقد كانوا في الجاهلية إذا خسف القمر أو كسفت الشمس، ظنوا أن عظيماً من العظماء قد مات، فزعموا ذلك لما وافق كسوف الشمس موت إبراهيم عليه السلام، فأبطل لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الزعم بقوله: " لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ". انجلت: صفت وعاد نورها.
ينصرف: يفزع من الصلاة.
أربع ركعات: أي أربع ركوعات.

ثم إن كانت الصلاة لكسوف الشمس أسر القراءة، ويحذرهم من الغفلة والاغترار.

صلاة الكسوف والخسوف لا تقضيان:

إذا فات وقت صلاة الكسوف والخسوف، بأن انجلت الشمس أو انجلى القمر، قبل أن يصلي، لم يشرع قضاؤها، لأنها من الصلوات المقرونة بأسبابه، فإذا ذهب السبب فقد فات موجبها.

الغسل لصلاة الكسوف:

ويسن الاغتسال لصلاة الكسوف والخسوف، فيغتسل قبلهما كما يغتسل لصلاة الجمعة، لأنها في معناها من حيث الاجتماع وندب الجماعة.


صَلاَة الاسْتِسقَاء

التعريف بها:

هي صلاة تشرع عند احتباس مطر أو جفاف نبع، وهي مسنونة عند ظهور سببها، وتفوت بزوال السبب، كأن تنزل الأمطار، أو يجري النبع.

كيفيتها:

للاستسقاء المندوب ثلاث كيفيات: أدناها: مطلق الدعاء في أي الأوقات أحب.
أوسطها: الدعاء بعد ركوع الركعة الأخيرة من الصلوات المكتوبة، وخلف الصلوات.
وأكملها: - وهو ما عقد باب

صلاة الاستسقاء

لبيانه- أن تتم على الكيفية التالية: أولاً: يبدأ الإمام أو نائبه فيأمر الناس بما يلي: (أ) التوبة الصادقة.
(ب) الصدقة على الفقراء، والخروج عن المظالم، وإصلاح ذات البين.

(ج) صيام أربعة أيام متتابعة.
واستحبت هذه الأمور لما لها من أثر في استجابة الدعاء، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.
ثانياً: يخرج الإمام بهم في اليوم الرابع من أيام صيامهم، وهم صائمون في ثياب بذلة وخشوع واستكانة، على الفلاة، فيصلي بهم الإمام أو نائبه ركعتين كركعتي صلاة العيد تماماً.
روى ابن ماجه (1266) وغيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً متضرعاً فصلى ركعتين كما يصلي في العيد.
[متضرعاً: مظهراً للضراعة، وهي التذلل عند طلب الحاجة].
ثالثاً: إذا أتموا الصلاة خطب الإمام فيهم خطبتين، كخطبتي العيد، غير أن ينبغي أن يفتحهما بالاستغفار تسعاً في الأولى، وسبعاً في الثانية، بدلاً عن التكبير.
لقوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ ... [نوح: 10,11] أي كثيرة الدر، والمراد المطر الكثير.
فإذا بدأ الخطبة الثانية، ومضى نحو ثلثها، استقبل الخطيب القبلة واستدبر المصلين، وحول رداءه بأن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه،

فصول الكتاب · 36 فصل · 278 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي · 278 صفحة
ـ[الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى]ـ
المقدمة
فرائض الجمعة:آداب الجمعة وهيئاتها:آداب عامة ليوم الجمعة:صلاة النّفْلالقسم الأول ـ وهو الذي لا يسن فيه الجماعة(أ) النفل التابع للفرائض:المؤكدغير المؤكد(ب) النفل الذي لا يتبع الفرائض:النوافل المسماة ذات الأوقات المعينةالنوافل المطلقة عن التسمية والوقت:القسم الثاني - وهو الذي يسن فيه الجماعة:صلاة العيدينصَلاَة العيدَيْنمعنى العيد:زمن مشروعيتها والدليل عليها:الأصل في مشروعيتها:حكم صلاة العيد:وقت صلاة العيد:كيفيتها:الخطبة في العيد:أين تقام صلاة العيد؟التكبير في العيد:من آداب العيد:تعريفها:مشروعيتها:زكاة الفطرشروط وجوبها:الذين يجب على المكلف إخراج زكاة الفطر عنهم:زكاة الفطر جنساً وقدراً:وقت إخراج زكاة الفطر:الأضحيةمعناها والأصل في مشروعيتها:الحكمة من مشروعيتها:حكم الأضحية:من هو المخاطب بالأضحية:ما يشرع التضحية به:شروطها:وقت الأَضحية:ماذا يصنع بالأضحية بعد ذبحها:سنن وآداب تتعلق بالأضحية:صلاة التراويحالتعريف بهما وزمن مشروعيتهما:صلاة الكسوف والخسوفحكمها:كيفيتها:صلاة الكسوف والخسوف لا تقضيان:الغسل لصلاة الكسوف:التعريف بها:كيفيتها:صلاة الاستسقاء
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
البَاب الأوَّل
الباب الثانيالباب الثالثالبَاب الخَامسالباب السادسالبَاب السابعالبَاب الثَامنالبَاب التَاسِعالباب العاشرالباب الأولالباب الثانيالباب الثالثالباب الرابعالباب الخامسالباب السادسالباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرالباب الحادي عشرالباب الثاني عشر
مقدمة
الباب الثالثالباب الرابع
البَاب الخامس
الباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرمقدمة في بيان أهمية الإمامة، وقيام الحكم والمجتمع الإسلامي على سلامتها
جارٍ التحميل