المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
بخلاف الرجل فإنه يسن أن يجهر في مواضع الجهر.
ثالثاً:
إذا ناب المرأة شئ أثناء الصلاة، وأرادت أن تنبه أحداً من حولها لأمر ما، فإنها تصفق بأن تضرب يدها اليمنى على ظهر كف اليسرى.
أما الرجل، فيسن إذا نابه شئ في الصلاة أن يسبَّح بصوت مرتفع سهل بن سعد - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من رابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذ سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء".
[التصفيق هنا: ضرب ظاهر الكف اليسرى بباطن الكف اليمنى.
رابه: شك في أمر يحتاج إلى تنبيه.
ولفظ مسلم (نابه): أي أصابه شئ يحتاج فيه إلى الإعلام].
رابعاً:
جميع بدن المرأة عورة ما عدا وجهها وكفيها، كما مر بيانه.
لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: 31]
والمشهور عند الجمهور: أن المراد بالزينة مواضعها، وما ظهر منها هو الوجه والكفَّان (رواه ابن كثير: 3/ 283).
روى أبو داود (640) وغيره، عن أم سلمة رضي الله عنها، إنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: "إذا كان الدرع سابغاً، يغطي ظهور قدميها".
[الدرع: قميص المرأة الذي يغطي بدنها ورجليها.
خمار: ما تغطي المرأة به رأسها.
سابغ: طويل].
وواضح: أنه إذا غطى ظهور قدميها حال القيام والركوع، انسدل أثناء السجود، غطى باطن القدمين، لانضمام بعضها إلى بعض.
[وانظر بحث شروط الصلاة].
أما الرجل فعورته ما بين سرته وركبته، فلو صلى والمستور من جسمه ما بين السرة والركبة فقط صحت صلاته.
روى الدارقطني (1/ 231)؛ والبيهقي (2/ 229)، مرفوعاً: "ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرة من العورة".
وروى البخاري (346)، عن جابر - رضي الله عنه -: أنه صلى في ثوب واحد، وقال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد.
وفي رواية (345): صلى جابر في إزارٍ قد عقده من قبل قفاه.
[والإزار في الغالب ثوب يستر وسط الجسم، أي ما بين السرة والركبة وما قاربهما].
خامساً:
لا يسنُّ الأذان للمرأة ويسن لها الإقامة، فلو أذنت بصوت منخفض لم يكره، واعتبر لها ذلك من الذكر الذي يثاب عليه، أما إن رفعت صوتها به كره، فإن خيفت الفتنة حرم.
بخلاف الرجل فقد علمت أن الأذان سنَّة له عند القيام إلى كل مكتوبة.
مُبطلاَت الصَّلاَة
تبطل الصلاة إذا تلبَّس المصلي بواحد من الأمور التالية:
1 - الكلام العمد:
ويقصد به ما عدا القرآن والذكر والدعاء.
روى البخاري (4260)، ومسلم (539)، عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حافظوا على الصلوات الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: 238]، فأمرنا بالسكوت.
[قانتين: خاشعين].
وروى مسلم (537)، عن معاوية بن حكم السُّلَمي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له - وقد سمت عاطساً في صلاته-: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن".
وعُدَّ الكلام الذي تبطل فيه الصلاة، ما كان مؤلفاً من حرفين فصاعداً، وإن لم يفهم منه معنى، أو كان يعبّر عنه بحرف واحد إذا كان له معنى، مثل كلمة "قِ" أمراً من الوقاية، و"عِ" من الوعي، و"فِ" من الوفاء.
أما إن تكلم ناسياً أنه في الصلاة أو كان جاهلاً لتحريمه لقرب عهده بالإسلام، فيعفا عن سير الكلام، وهو ما لم يزد على ست كلمات.
2 - الفعل الكثير:
والمقصود به الفعل المخالف لأفعال الصلاة، بشرط أن يكثر ويتوالى، لأنه يتنافى مع نظام الصلاة، وضابط الكثرة ثلاث حركات فصاعداً، وضابط الموالاة أن تعدَّ الأعمال متتابعة بالعرف، فإن الصلاة تبطل.
3 - ملاقاة نجاسة لثوب أو بدن:
والمقصود بالملاقاة: أن تصيب النجاسة شيئاً منهما ثم لا يبادر المصلي إلى إلقائها فوراً، فعندئذ تبطل الصلاة، لأنه حدث ما يتنافى مع شرط من شروط الصلاة، وهو طهارة البدن والثوب من النجاسة.
فإن أصابته النجاسة بإلقاء ريح أو نحوه وتمكن من إلقائها عنه فوراً، بأن كانت يابسة؛ لم تبطل صلاته.
4 - انكشاف شيء من العورة:
وقد عرفت حد العورة بالنسبة لكل من المرأة والرجل في الصلاة أما إن انكشفت بدون قصده: فإن أسرع فسترها فوراً، لم تبطل، وإلا بطلت، لفقدان شرط من شروطها في جزء من أجزائها.
5 - الأكل أو الشرب:
لأنهما يتنافيان مع هيئة الصلاة ونظامها.
وحد المبطل من ذلك للمعتمد؛ أيُّ قَدْرٍ من الطعام أو الشرب مهما كان قليلاً.
أما بالنسبة لغير المعتمد، فيشترط أن يكون كثيراً في العرف.
وقد قدر الفقهاء الكثير بما يبلغ مجموعه قدر حُمصه، فلو كان بين أسنانه بقايا من طعان لا يبلغ هذا القرار فبلعها مع الريق دون قصد لم تبطل.
ويدخل ف يحد الطعام المبطل للصلاة: ما لو كان في فمه سكرة فذاب شئ منها في فمه، فبلع ذلك الذوب.
6 - الحدث قبل التسليمة الأولى:
لا فرق بين أن يكون ذلك عمداً أو سهواً، لفقدان شرط من شروط الصلاة - وهو الطهارة من الحدث - قبل تمام أركانها.
أما إن أحدث بعد التسليمة الأولى وقبل الثانية، فقد تمت صلاته صحيحة.
وهذا محل إجماع عند جميع المسلمين.
7 - التنحنح، والضحك، والبكاء، والأنين إن ظهر بكلٍّ من ذلك حرفان:
فضابط إبطال هذه الأمور الأربعة للصلاة: أن يظهر فيه حرفان، وأن لم يكونا مفهومين.
أما إن كان قليلاً، بحيث لم يسمع فيه إلا حرفٌ واحد، أو لم يظهر فيه أي حرف لم تبطل.
هذا إذا لم يكن مغلوباً على أمره، بأن تعمَّد ذلك، أما إذا غلب عليه، بأن فاجأه السعال أو غلب عليه الضحك، لم تبطل صلاته.
أما التبسم فلا تبطل به الصلاة.
وكذلك الذكر والدعاء إذا قصد به مخاطبة الناس، فإنها تبطل،
كما إذا قال لإنسان: يرحمك الله.
لأنه يعتبر عندئذ من كلام الناس، والصلاة لا تصلح له، كما علمت.
8 - تغير النيَّة:
ضابط ذلك: أن يعزم على الخروج من الصلاة، أو يعلِّق خروجه منها على أمر، كمجيء شخص ونحوه.
فإن صلاته تبطل بمجرد طروء هذا القصد عليه.
وعلة بطلان الصلاة بذلك: أن الصلاة لا تصلح إلا بنية جازمة، وهذا القصد أو العزم يتنافى مع النية الجازمة.
9 - استدبار القبلة:
لأن استقبالها شرط أساسي من شروط الصلاة، سواء تعمَّد ذلك أو أداره شخص غصباً، إلا أنه في حالة العمد تبطل الصلاة فوراً، وفي حالة الإِكراه لا تبطل إلا إذا استقر مدة وهو مستدبر لها.
فإن استدار إلى القبلة بسرعة لم تبطل صلاته، والاستقرار وعدمه يحددهما العرف.
سُجوُد السَّهُو
السهو لغة: نسيان الشيء والغفلة عنه.
والمقصود بالسهو هنا:
خلل يوقعه المصلي في صلاته، سواء كان عمداً أو نسياناً، ويكون السجود- ومحله في آخر الصلاة- جبراً لذلك الخلل.
حكم
سجود السهو
:
هو سنَّة عند حدوث سبب من أسبابه التي سنتحدث عنها، فإن لم يسجد لم تبطل صلاته.
ولم يكن واجباً، لأنه لم يشرع لترك واجب كما سنرى.
ودليل مشروعيته ما روه البخاري (1169)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: صلَّى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر أو العصر، فسلَّم، فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله، أنقصت؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أَحَقُّ ما يَقُولُ؟ ". قالوا: نعم، فَصلَّى ركعتين أُخْرَيَتَيْنِ، ثمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْن.
وأدلة أخرى تأتي فيما يلي:
أسباب سجود السهو:
1 - أن يترك المصلي بعضاً من أبعاض الصلاة التي مرّ ذكرها كالتشهد الأول والقنوت:
روى البخاري (1166)؛ ومسلم (570)، عن عبدالله بن بُحَيْنَة - رضي الله عنه - أنه قال: صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رَكْعَتَيْن من بعض الصلوات- وفي رواية: قام من اثنتين من الظهر - ثم قام فلم يجلس، فقان الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه، كبَّر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم.
[نظرنا: انتظرنا].
وروى ابن ماجه (1208)؛ وأبو داود (1036) وغيرهما، عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا قام أحدكم من الركعتين، فلم يَسْتَتِمَّ قائماً فليجلس، وإذا اسْتَتَمَّ قائماً فلا يجلس، ويسجد سَجْدَتَي السَهْو".
2 - الشك في عدد ما أتى به من الركعات:
فيفرض العدد الأقل، ويتمم الباقي ثم يسجد للسهو، جبراً لاحتمال أنه قد زاد في صلاته.
فلو شك هل هو صلى الظهر ثلاثاً أو أربعاً، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا تَرْغِيماً للشيطان".
[شفعن: جعلنها زوجاً كما ينبغي أن تكون.
ترغيماً: إغاظة وإذلالاً].
أما لو شك بعد الخروج من الصلاة، فإن هذه الشك لا يؤثر على صحة صلاته وتمامها إلا في النية وتكبيرة الإحرام، فتلزمه الإعادة.
وسهو المأموم حال قدوته بالإمام - وذلك كان سها عن التشهد الأول - يحمله الإمام، ولا يلزمه سجود السهو بعد سلام الإمام، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الإِمام ضامن" (رواه ابن حبان وصححه: 362).
3 - ارتكاب فعل منهي عنه سهواً، إذا كان يبطل عمده الصلاة:
كما إذا تكلم بكلمات قليلة أو أتى بركعة زائدة سهواً، ثم تنبه إلى وذلك وهو في الصلاة، فيسجد للسهو.
4 - نقل شئ من أفعال الصلاة ركناً كان أو بعضاَ، أو سورة نقلها إلى غير محلها، وهو القيام:
مثاله: قرأ الفاتحة في جلوس التشهد، أو قرأ القنوت في الركوع، أو قرأ السورة التي يسنُّ قراءتها بعد الفاتحة في الاعتدال، فيسن أن يسجد لذلك سجود سهو في آخر الصلاة.
*
كيفية السجود ومحله:
سجود السهو سجدتان كسجدات الصلاة، ينوي بهما المصلي سجود السهو، ومحله آخر صلاته قبل السلام؛ فلو سلَّم المصلي قبل السجود عامداً أو ناسياً وطال الفصل؛ فات السجود، وإلا بأن قصر الفصل فله أن يتدارك السجود بأن يسجد مرتين بنية السهو ثم يسلِّم مرة أخرى.
سَجدَاتُ التِّلاَوَة
يسنّ
سجدات التلاوة
للقارئ داخل الصلاة وخارجها، وللمستمع خارج الصلاة.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (1025)، عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته.
وروى مسلم (81) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويْلَهُ، أُمِرَ ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار".
وروى البخاري (1027) عن عمر - رضي الله عنه - قال: " يا أيها الناس إنا نَمُرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه ".
وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نَشَاء.
عدد سجدات التلاوة:
وسجدات التلاوة في القرآن أربع عشر سجدة، وهي في السور التالية: سجدة في الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، وسجدتان في الحج، وسجدة في الفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، والانشقاق، والعلق.
ومن أراد سجود التلاوة كبَّر للإحرام رافعاً يديه، ثم كبَّر للهوي بلا رفع، وسجد سجدة واحدة كسجدات الصلاة، ثم سلَّم.
وتكبيرة الإحرام والسلام شرطان فيها، ويشترط فيها أيضاً ما يشترط في الصلاة من الطهارة، واستقبال القبلة، وغير ذلك.
صَلاَة الجَمَاعَة
تاريخ إقامتها:
أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - الجماعة بعد الهجرة الشريفة، فلقد مكث - صلى الله عليه وسلم - مدة مقامه في مكة ثلاث عشرة سنة يصلي بغير جماعة، لأن الصحابة كانوا مقهورين، يصلّون في بيوتهم، فلما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أقام الجماعة وواظب عليها.
حكمها:
الصحيح أنها - فيما عدا صلاة الجمعة - فرض كفاية، لا تسقط فرضيتها عن أهل البلدة إلا حيث يظهر شعارها؛ فإن لم تُؤدَّ فيها مطلقاً أو أديت في خفاء أثم أهل البلدة كلهم، ووجب على الإِمام قتالهم.
والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ [النساء: 102]. وهذا في صلاة الخوف، وإذا ورد الأمر بإقامة الجماعة في الخوف كانت في الأمن أولى.
وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "
صلاة الجماعة
تفضل صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجة" (رواه البخاري: 618؛ ومسلم: 650). وكذلك ما رواه أبو داود (547)، وصحَّحه ابن حبان (425)
وغيرهما: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية".
[استحوذ عليهم: غلبهم واستولى عليهم وحوَّلهم إليه.
القاصية: الشاة البعيدة عن القطع].
حكمة مشروعيتها:
إنما ينهض عمود الإسلام على تعارف المسلمين وتآخيهم وتعاونهم لإحقاق الحق وإزهاق الباطل؛ ولا يتم هذا التعارف والتآخي في مجال أفضل من مجال المسجد عندما يتلاقى فيه المسلمون لأداء صلاة الجماعة كل يوم خمس مرات.
ومهما فرقت مصالح الدنيا بينهم وأورثت الأحقاد في نفوسهم، فإن في ثباتهم على التلاقي في صلوات الجماعة ما يمزق بينهم من حجب الفرقة ويذيب من قلوبهم الأحقاد والأضغان؛ إن كانوا حقاً مؤمنين بالله ولم يكونوا منافقين فيما يتظاهرون به من صلاة وعبادة وسعي إلى المساجد.
الأعذار المقبولة في التخلف عن صلاة الجماعة:
الأعذار قسمان: أعذار عامة، أعذار خاصة.
أما
الأعذار العامة:
فكمطر، وريح عاصف بليل، ووحل شديد في الطريق.
روي أن أبن عمر رضي الله عنهما: أذَّن للصلاة في ليلة ذات بردٍ وريح، (رواه البخاري: 635؛ ومسلم: 697)، ثم قال: أَلاَ صَلوا في
الرِّحَالِ، ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَأمر المُؤَذَّنَ إذَا كانَتْ لَيْلَةٌ ذات برد ومطر أن يقول: " ألا صلوا في رحالكم".
أي منازلكم ومساكنكم.
وأنت تعلن أن هذه الأعذار قلما تتحقق اليوم إلا في القرى، بل في بعض القرى.
- وأما
الأعذار الخاصة:
فكمرض وجوع وعطش شديدين، وكخوف من ظالم على نفس أو مال، ومدافعة حدث من بول أو غائط.
لما رواه البخاري (643)؛ ومسلم (559): " إذا وُضِعَ عَشَاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعِشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه"، ولخبر مسلم (560): "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".
وكملازمة غريم له إذا خرج إلى الجماعة وهو معسر، وأكل ذي ريح كريه، أو يكون مرتدياً ثياباً قذرة تؤذي بقذارتها أو ريحها.
فكل واحدة من هذه الحالات تعتبر عذراً شرعياَ يسوغ لصاحبه التخلف عن حضور الجماعة.
روى البخاري (817)؛ ومسلم (564)، عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من أكل ثوماً - وقيس غيره من الأعذار عليه- فليعتزلن، أو قال: فليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته".
شروط من يقتدى به:
لا بد فيمن يكون إماماً أن تتوفر فيه شروط معينة- أكثرها نسبية، حسب حال المأموم- ونلخصها في الأمور التالية: 1 - أن لا يعلم المقتدي بطلان صلاة إمامه أو يعتقد ذلك: مثاله: أن يجتهد اثنان في جهة القبلة فاعتقد كل منهما أن القبلة في جهة غير التي اعتقدها الآخر، فلا يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر
لأن كلاًّ منهما يعتقد أن الآخر مخطئ في اتجاهه وأن صلاته إلى تلك الجهة غير صحيحة.
2 - أن لا يكون أميّاً، والمقتدي قارئ:
والمقصود بالأمي هنا من لا يتقن قراءة الفاتحة بحيث يخل بقراءتها إخلالاً يفوّت حرفاً أو شدة أو نحو ذلك.
فإن كان المقتدي مثله جاز اقتداء كل منهما بالآخر.
3 - أن لا يكون امرأة، والمقتدي رجل:
فإن كان المقتدي أيضاً امرأة جاز اقتداء كلٍّ منهما بالآخر لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تَؤُمَّنَّ امرأة رجلاً" (رواه ابن ماجه).
من
الصفات التي يستحب أن يتحلى بها الإمام:
يجدر أن يكون إمام القوم أَفقهم، وأَقرأهم، وأصلحهم، وأَسَنََّهُم.
ومهما تحققت هذه الصفات في الإِمام كانت الصلاة خلفه أفضل وكان الثواب بذلك أرجى.
روى مسلم (613) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سناً".
واعلم أنه لا يجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم وبماسح الخف، والقائم بالقاعد، والبالغ بالصبي، والحر بالعبد، والصحيح بالمسلس، والمؤدي بالقاضي، والمفترض بالمتنفل وبالعكس.
كيفية الاقتداء:
لا يتحقق الاقتداء المشروع إلا بشروط وكيفيات ينبغي مراعاتها، وهي كثيرة نلخصها فيما يلي:
1 - أن لا يتقدم المأموم على الإمام في المكان:
فإن تقدَّم عليه بطل اقتداؤه، لقوله عليه الصلاة والسلام:
" إنما جعل الإمام ليؤتم به" (رواه البخاري: 657؛ ومسلم: 411).
والائتمام الاتباع، وهو لا يكون إلا حيث يكون التابع متأخراً، لكن لا تضر مساواته له في الموقف وإن كان ذلك مع الكراهة، وإنما يندب تخلفه عنه قليلاً، فإذا تقدم عليه بطلت صلاته، والاعتبار في التقدم والتأخر بالعقب، وهو مؤخر القدم.
فإن كان المقتدي اثنين فأكثر، اصطفوا خلف الإمام وإن كان واحداً وقف عن يمينه، فإذا جاء ثانٍ وقف عن يساره، ثم رجعا أو تقدم الإمام.
روى مسلم عن جابر - رضي الله عنه - قال: صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقمت عن يمينه، ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يساره، فأخذ بأيدينا جميعاً حتى أقامنا خلفه.
ويسن أن لا يزيد ما بين الإمام والمأموم على ثلاثة 1، وهكذا بين كل صفِّين.
وإذا صلى خلف الإِمام رجال ونساء صفَّ الرجال أولاً ثم النساء بعدهم، وإذا صلى رجل وامرأة صف الرجل عن يمين الإِمام، والمرأة خلف الرجل.
أما جماعة النساء، فتقف إمامتهن وسطهم لثبوت ذلك عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما.
(رواه البيهقي بإسناد صحيح).
ويكره وقوف المأموم منفرداً في صف وحده، بل يدخل الصف إن وجد سعة، وإن لم يجد سعة، فإنه يندب أن يجر شخصاً واحداً من الصف إليه بعد الإحرام 1، ويندب للمجرور أن يساعده ويرجع إليه لينال فضيلة المعاونة على البر.
2ـ أن يتابعه في انتقالاته وسائر أركان الصلاة الفعلية:
وذلك بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن فعل الإمام، ويتقدم على فراعه.
فإن تأخر المأموم عن الإمام قدر ركن كره ذلك، وإن تأخر عنه قدر ركنين طويلين: كأن ركع واعتدل ثم سجد ورفع ولا يزال المأموم واقفاً من دون عذر، بطلت صلاته.
وأما إذا كان لتأخره عذر بأن كان بطيئاً في القراءة، فله أن يتخلف عن الإمام بثلاثة أركان، فإن لم تكلف لمتابعته فيما بعد وجب عليه أن يقطع ما هو فيه ويتابع الإمام، ثم يتدارك الباقي بعد سلام إمامه.
3ـ العلم بانتقالات الإمام:
وذلك بأن يراه، أو يرى بعض صف، أو يسمع مبلغاً.
4ـ أن لا يكون بين الإمام والمأموم فاصل مكاني كبير:
إذا لم يكونا في المسجد، أما إذا جمعهما مسجد، فإن الاقتداء صحيح مهما بعدت المسافة بينهما، أو حالت أبنية نافذة.
أما إذا كانا في خارج المسجد أو كان الإمام في المسجد والمقتدي خارجه، فيشترط عندئذ أن لا تبتعد المسافة بين الإمام والمقتدي.
وضبط ذلك ما يلي:
أولاً: إذا كان الإمام والمقتدي في فضاء، كبيداء ونحوها، اشترط أن لا تزيد المسافة بينهما على ثلاثمائة ذراع هاشمي أي (150) متر تقريباً.
ثانياً: أن يكون كل منهما في بناء، مثل بيتين أو صحن وبيت، وجب ـ علاوة على الشرط المذكورـ اتصال صف من أحد البناءين بالآخر، إن كان بناء الإمام منحرفاً يميناً أو يساراً عن موقف المأموم أو المقتدي.
ثالثاً: أن يكون الإمام في المسجد وبعض المقتدين في خارج المسجد، فالشرط هو أن لا تزيد مسافة البعد ما بين طرف المسجد وأول مقتد يقف خارجه على ثلاثمائة ذراع هاشمي.
5ـ أن ينوي المقتدي الجماعة أو الاقتداء:
ويشترط أن تكون النية مع تكبيرة الإحرام.
فلو ترك نية الاقتداء وتابعه مع ذلك في الانتقالات والأفعال، بطلت صلاته إن اقتضت متابعته أن ينتظره انتظاراً كثيراً عرفاً، أما إن وقعت المتابعة اتفاقاً بدون قصد أو كان انتظار للإمام انتظاراً يسيراً فلا تبطل صلاته بذلك.
أما الإمام فلا يجب عليه أن ينوي الإمامة، بل يستحب له ذلك، لتحصل له فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
[رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907].
ويحصل المأموم على فضيلة الجماعة ما لم يسلم الإمام، إدراك
تكبيرة الإحرام مع الإمام فضيلة وتحصل بالاشتغال بالتحريم عقب تحريم الإمام.
ويدرك المأموم مع الإمام الركعة إذا أدركه في ركوعها، وإذا أدركه بعد الركوع فاتته الركعة، وكان عليه أن يتداركها أو يتدارك ما فاته، إن كان أكثر من ركعة بعد سلام الإمام.
صلاة المسافر
القصر والجمع:
مقدمة:
يقول الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: 78].
أي إنه سبحانه وتعالى لم يشرع من أحكام الذين ما يوقعكم في الجهد والعنت، ويجعلكم في حيرة من أمركم.
فحيثما يقع المسلم في ضيق يوسع الله له في أمر دينه، كي تظل أحكامه مقبولة متحملة.
والسفر قطعة من العذاب، يفقد فيه الإنسان استقراره وأسباب اجله، من أجل ذلك خفف الله تعالى عن المسافر كثيراً من أحكام دينه، وكيفية الاستفادة منه.
كيفية تكون صلاة المسافر:
رَخّص الله للمسافر في صلاته رخصتين: أولاهما: اختصار في كمية الركعات، ويسمى " قصراً ".
الثانية: ضم صلاتين إلى بعضهما في الأداء، ليكتسب المسافر أوسع وقت ممكن من الفراغ، ويسمى "الجمع بين الصلاتين".
أولاًـ القصر:
هو أن تؤدى الصلاة الرباعية، كالظهر والعصر والعشاء، ركعتين بدلاً من أربع، كما سنرى فيما يأتي من أدلة.
والأصل في مشروعية القصر قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: 101]. [ضربتم: سافرتم].
روى مسلم (686) وغيره، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ﴿ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يقتنكم الذين كفروا﴾ فقد أَمِنَ الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته".
وهذا يدل على أن قصر الصلاة ليس خاصاً بحالة الخوف.
ولا بد لصحة القصر من مراعاة الشروط التالية:
1ـ أن تتعلق بذمته في السفر، ويؤديها أيضاً في السفر:
فخرج بهذا الشرط الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يسافر، ثم سافر قبل أن يصليها، فلا يجوز أن يصليها قصراً، لأنه لم يكن مسافراً حين وجبت عليه وتعلقت بذمته.
وخرج أيضاً الصلاة التي دخل وقتها وهو مسافر، ولكنه لم يصلها
حتى رجع إلى بلده، فلا يجوز أن يصليها أيضاً قصراً، لأنه حين أدائها ليس بمسافر، والقصر للمسافر.
2ـ أن يتجاوز سور البلد التي يسافر منها، أو يتجاوز عمرانها إن لم يكن لها سور:
لأن من كان داخل سور البلد أو عمرانها ليس بمسافر.
أي فالسفر إنما يبدأ من لحظة هذا التجاوز، كما أنه ينتهي بالوصول رجوعاً إلى تلك المنطقة.
وإذا فهو لا يقصر من الصلاة إلا ما تعلق بذمته وفعله وضمن هذه الفترة.
روى البخاري (1039)، ومسلم (690)، عن أنس - رضي الله عنه - قال: صليت الظهر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليف ركعتين.
وذو الحليفة خارج عمران المدينة.
3ـ أن لا ينوي المسافر إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والرجوع، في المكان الذي يسافر إليه:
فإذا نوى ذلك، أصبحت البلدة التي يسافر إليها في حكم موطنه ومحل إقامته، فلم يعد يجوز له القصر فيها، ويبقى له حق القصر في الطريق فقط.
أما إذا كان ناوياً أن يقيم أقل من أربعة أيام، أو كان لا يعلم مدة بقائه فيها، لعمل يعالجه ولا يدري متى يتمه: وقصر في الحالة الثانية إلى ثمانية عشر يوماً غير يومي دخول وخروجه.
روى أبو داود (1229)، عن عمران بن حصين - رضي الله عنه -
قال: "غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشر ليلة، لا يصلي إلاّ ركعتين".
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام هذه المدة بمكة عام الفتح لحرب هوازن يقتصر الصلاة، ولم يكن يعلم المدة التي سيضطر لبقائها.
4ـ أن لا يقتدي بمقيم:
فإن اقتدى به وجب عليه أن يتابعه في الإتمام، ولم يجز له القصر.
أما العكس فلا مانع من القصر فيه، وهو أن يؤم المسافر مقيمين، فله أن يقصر.
ويسن له إذا سلم على رأس ركعتين أن يبادر المقتدين فيقول لهم: أتموا صلاتكم فإني مسافر.
دليل ذلك ما رواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك هي السنة.
وجاء في حديث عمران - رضي الله عنه - السابق، ويقول: "يا أهل البلد صلوا أربعاً، فإنَّانَا قومٌ سَفَر".
ثانياً ـ الجمع:
وقد عرفت معناه قبل قليل.
روى البخاري (1056)، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء.
[على ظهر سير: أي مسافراً].
وروى مسلم (705) عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الصلاة في سفرة سافرناها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: قلت لابن عباس - رضي الله عنه -: ما حمله على ذلك؟ قال أراد أن لا يُحْرِج أُمَّتَه.
و
ينقسم جمع الصلاة إلى قسمين:
جمع تقديم، بأن يقدم المتأخر إلى وقت الأولى، وجمع تأخير، بأن يؤخر المتقدمة إلى وقت الثانية.
روى أبو داود (1208)؛ والترمذي (553) وغيرهما، عن معاذ - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن ترتفع الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعاً.
وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار.
وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب.
الصلوات التي يجمع بينها:
علم مما سبق أن الصلوات التي يصلح أن يجمع بينها: هي الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء.
فلا يصح أن يجمع الصبح مع ما قبله أو بعده، كما لا يجمع بين العصر والمغرب.
هذا وإن لكل من جمع التقديم والتأخير شروطاً ينبغي مراعاتها.
فلنذكر شروط كل منهما.
شروط جمع التقديم:
أولاً: الترتيب منهما:
بأن يبدأ الصلاة الأولى صاحبة الوقت، ثم يتبعها بالأخرى.
ثانياً: أن ينوي جمع الثانية مع الأولى قبل فراغه من الصلاة الأولى، ولكن يسن أن تكون النية مع تكبيرة الإحرام بها.
ثالثاً: الموالاة بينهما، بأن يبادر إلى الثانية فور فراغه من الأولى وتسليمه منها، لا يفرق بينهما بشيء من ذكر أو سنة أو غير ذلك؛ فإن فرق بينهما بشيء طويل عرفاً، أو أخر الثانية بدون أن يشغل نفسه بشيء بطل الجمع، ووجب تأخيرها إلى وقتها.
اتباعاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - في كل ذلك.
روى البخاري (1040)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أعجله السير يؤخر المغرب فيصليهما ثلاثاً، ثم يسلم، ثم قلما يلبث حتى يقيم العشاء، فيصليهما ركعتين، ثم يسلم.
رابعاً: أن يدوم سفره إلى تلبسه إلى تلبسه بالثانية، أي فلا يضر أن يصل إلى بلده أثناءها.
شروط جمع التأخير:
أولاً: أن ينوي جمع الأولى تأخيراً خلال وقتها الأصلي، فلو خرج وقت الظهر وهو لم ينو جمعها مع العصر تأخيراً، أصبحت متعلقة بذمته على وجه القضاء، وأثم في التأخير.
ثانياً: أن يدوم سفره إلى أن يفرغ من الصلاتين معاً، فلو أقام قبل الفراغ النهائي منهما أصبحت المؤخرة قضاء.
ولا يرد هنا شرط الترتيب بينهما، بل يبدأ بما شاء منهما، كما أن الموالاة بينهما ـ هنا ـ سنة وليست شرطاً لصحة الجمع.
شروط السفر الذي يباح فيه القصر والجمع:
الشرط الأول: أن يكون السفر طويلاً تبلغ مسافته 81 كم فصاعداً، فلا يعتد بالسفر الذي يكون دون ذلك.
روى البخاري تعليقاً في (تقصير الصلاة، باب: في كم تقصر الصلاة): وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، وتساوي 81 كم تقريباً.
ومثلهما يفعلان توفيقاً، أي بعلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الشرط الثاني: أن يكون السفر إلى جهة معينة مقصورة بذاتها، فلا يعتد بسفر رجل هائم على وجهه ليست له وجهة معينة، ولا بسفر من يتبع قائده مثلاً وهو لا يدري أين يذهب به.
وهذا قبل بلوغه مسافة السفر الطويل، فإن قطعها قصر، لتيقن طول السفر.
الشرط الثالث: أن لا يكون الغرض من السفر الوصول إلى أي معصية، فإن كان كذلك لم يعتد بذلك السفر أيضاً، كمن يسافر ليتاجر بخمر أو ليُرَابي أو ليقطع طريقاً، لأن القصر رخصة، والرخصة إنما شرعت للأمانة، ولذلك لا تناط بالمعاصي، أي لا تتعلق بما فيه معصية.
*
الجمع بين الصلاتين في المطر:
يجوز الجمع بين صلاتين تقديماً في المطر.
روى البخاري (518)، ومسلم (705)، عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر،
والمغرب والعشاء.
زاد مسلم: من غير خوف ولا سفر.
وعند البخاري: فقال أيوب ـ أحد رواة الحديث ـ: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عَسَى.
وعند مسلم: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أراد أن لا يُحْرِج أحداً من أمته.
ولا يجوز جمعهما في وقت الثانية، لأنه ربما انقطع المطر، فيكون أخرج الصلاة عن وقتها بغير عذر.
ويشترط لهذا الجمع الشروط التالية:
1ـ أن تكون الصلاة جماعة بمسجد بعيد عرفاً، يتأذى المسلم بالمطر في طريقه إليه
2ـ استدامة المطر أول الصلاتين، وعند السلام من الأولى.
صَلاَة الخَوف
معناها والأصل في مشروعيتها:
الخوف ضد الأمن، والمقصود ب
صلاة الخوف
: الصلاة التي تؤدي في ظروف القتال مع العدو، إذ تختص برخص وتسهيلات ـ لا سيما بالنسبة للجماعة ـ لا توجد الصلوات الأخرى.
والأصل في مشروعيتها: آيات وأحاديث تأتي في بيان حالاتها وكيفيتها.
حالاتها:
لصلاة الخوف حالتان حسب حالة القتال:
الحالة الأولى:
حالة المرابطة والحراسة وعدم التحام القتال: وفي هذه الحالة تأخذ الصلاة شكلاً معيناً، ويختلف بعض الشيء عن الصلاة في صورتها العامة، بسبب حرص المسلمين على أدائها جماعة، خلف إمامهم الأعظم أو قائدهم الأعلى، أو من ينوب منابه في إدارة القتال.
وقد دلّ على مشروعيتها في هذه الحالة قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا معك فليصلوا معك
وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهيناً} [النساء: 102].
(فإذا سجدوا: أي أتم الذين معك صلاتهم، فليذهبوا وليحرسوكم.
فيميلون: فيحملون.
جناح حرج وإثم).
ولهذه الصورة التي ذكرتها الآية لصلاة الخوف كيفيتان ـ بينها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفعله ـ تختلفان بحسب اختلاف موقع العدو من المسلمين، وكونه في جهة القبلة أم في غير جهتها.
الكيفية الأولى:
وهي عندما يكون العدو رابضاً في جهة القبلة والقتال غير ملتحم: فإذا أراد الجنود أن يصلوا جماعة، ولم يرغبوا أن يجزئوا صلاتهم إلى عدة جماعات، تحقيقاً لفضيلة الجماعة الواحدة الكبرى، فليرتبهم إمامهم صفين أو أربعاً أو أكثر، ويصلي بهم، فإذا سجد فليسجد معه الصف الذي يليه فقط إن كان المصلون صفين، أو الصفان اللذان يليانه إن كانوا أربعة صفوف، وهكذا، وليقف الباقون يحرسون إخوانهم من إمامهم في قيام الركعة الثانية، فإذا سجد الإمام لركعة الثانية تبعه من تخلف في الأولى، وتخلف المتبعون له إذ ذاك، ثم يتلاحق الجميع في جلوس التشهد ويسلمون جميعاً.
وهذه الكيفية هي التي صلى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة من غزواته، وهي عزوة عسفان، فكانت سنة في كل حالة تشبهها.
روى البخاري (902) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام الناس معه، فكبر وكبّروا معه، وركع ناسٌ منهم، ثم سجد وسجدوا منه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا لإخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في صلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضاً.
الكيفية الثانية:
وهي عندما يكون العدو منتشراً في غير جهة القبلة والقتال غير ملتحم، والكيفية المندوبة للصلاة في هذه الحالة هي:
1ـ ينقسم المصلون إلى فرقتين، تقف واحدة في وجه العدو ترقبه وتحرس المسلمين، وتذهب الأخرى لتؤدي الصلاة جماعة مع الإمام.
2ـ يصلي الإمام بهذه الفرقة الثانية ركعة، فإذا قام للثانية فارقته وأتمت الركعة الثانية بانفراد، وذهبوا إلى حيث ترابط الفرقة الأولى.
3ـ تأتي الفرقة الأولى فتقتدي بالإمام ـ وينبغي أن يطيل قيامه في الركعة الثانية ريثما تلحق به هذه الفرقة ـ فيصلي بها الإمام الركعة الثانية التي هي الأولى في حقهم، فإذا جلس للتشهد قاموا فأتموا الركعة الثانية، ثم لحقوا به وهو لا يزال في التشهد، فيسلم بهم.
وهذه الكيفية في صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ذات الرقاع.
روى البخاري (3900)، مسلم (842)، وغيرهما، عن صالح بن خوَّات عمن شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة وُجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم
ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، فصفوا وجاء العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم.
وأنت ترى أن في أداء الصلاة على هاتين الكيفيتين ـ والمسلمون في مواجهة العدو ـ صورة من صور المحافظة على الصلاة بجماعة، والمحافظة على حراسة المسلمين، والتنبه للعدو والصحو إلى مكايدهم.
ومزيتها الكبرى التأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واكتساب أجر أداء الجميع صلاتهم في جماعة واحدة، مع الخليفة أو الإمام الأكبر، أو القائد في ميادين القتال.
الحالة الثانية:
وهي عندما يلتحم القتال مع العدو وتتداخل الصفوف ويشتد الخوف.
ولا توجد كيفية محددة للصلاة في هذه الحالة، بل يصلي كل منهم على النحو الذي يستطيع، راجلاً أو راكباً، ماشياً أو واقفاً، مستقبلاً القبلة أو منحرفاً عنها، ويركع ويسجد بإيماء، أي بتحريك رأسه مشيراً إلى الركوع والسجود، ويجعل إيماء السجود أبلغ من إيماءة الركوع.
وإن أمكن اقتداء بعضهم ببعض وصلاتهم جماعة فهو أفضل، وإن اختلفت جهاتهم، أو تقدم المأموم على الإمام.
قال تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ [البقرة: 238].
[الوسطى: صلاة العصر.
قانتين: خاشعين.
كما علمكم: أي أعمال الصلاة].
روى البخاري (4261)، عن ابن عمر رضي الله عنهما، في وصفه صلاة الخوف وبعد ذكره الكيفيتين السابقتين، قال: وبعد فإن كان وصفه خوف هو أشد من ذلك، صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم، أو ركباناً، مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها.
قال مالك: قال نافع: لا أرى عبدالله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وعند مسلم (839): فصلً راكباً أو قائما، تومئ إيماء.
وبعذر في هذه الحالة في كل ما يقع منه من حركات تستدعيها ظروف القتال، إلا أنه لا يعذر في الكلام والصياح، إذ لا ضرورة تستدعي ذلك، وإذا أصابته نجاسة لا يعفا عنها كدم ونحوه، صحت صلاته ووجب عليه القضاء فيما بعد:
واعلم أن هذه الصلاة يرخص فيها بهذا الشكر عند كل قتال مشروع، وفي كل حالة يكون فيها المكلف في خوف شديد، كما إذا كان فاراً من عدو، أو حيوان مفترس، ونحو ذلك.
والمنظور إليه في مشروعية هذه الكيفية هو الحفاظ على أداء الصلاة في وقتها المحدد لها، امتثالاً لأمر الشارع حيث يقول: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء 103].
حكمة مشروعية صلاة الخوف:
والحكمة من مشروعية هذه الكيفيات في الصلاة التيسر على المكلف، كي يتمكن من أداء هذه الفريضة، وهو أحوج ما يكون إلى
الصلة بالله عز وجل، يستمد منه العون والنصرة، وهو يقارع الكفرة في ميادين القتال، فيطمئن قلبه بذكر ربه جل وعلا، وتزداد ثقته بنصره وتأييده، وثبت قدمه في أرض المعركة، حتى يندحر الباطل ويكتب لأهل الحق الفوز والفلاح، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الأنفال: 45].
ومن الجدير بالذكر أن صلاة الخوف، بكيفياتها السابقة تمكن الجندي المسلم من أقامة الصلاة دون حرج، مهما اختلفت أساليب القتال وتنوعت وسائل الحرب، على اختلاف الزمان والمكان، ولا سيما المتقاتلة، كما هو الحال في كثير من المواقف القتالية الحديثة.
الصلاة لا تسقط بأي حال:
يتبين مما سبق أن الصلاة لا تسقط بحال من الأحوال مهما اشتد العذر، ما دام التكليف قائماً، والحياة مستمرة.
ولكن الله عز وجل رخص في تأخيرها كالجمع بين الصلاتين أو قصرها كصلاة المسافر، أو التسهيل في كيفية أدائها كصلاة الخوف وصلاة المريض، وذلك حسب الأسباب والظروف.
صَلاَة الجمُعَة
" مشروعيتها:
صلاة الجمعة مشروعة، وهي من الفضائل التي اختص الله تعالى بها هذه الأمة التي هديت للفوز بمكرمات هذه اليوم.
روى البخاري (836)، ومسلم (855)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلقوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غداً والنصارى بعد غد".
[الآخرون: وجوداً في الدنيا.
السابقون: في الفصل والأجر ودخول الجنة.
بيد: غير.
الكتاب: الشريعة السماوية.
هذا يوم الجمعة.
فرض عليهم: أن يتقربوا إلى الله تعالى فيه].
وقد فرضت بمكة قبيل الهجرة، إلا أنها لم تقم في مكة لضعف أسعد بن زرارة - رضي الله عنه -. روى ذلك أبو داود (1069) وغيره، من كعب بن مالك - رضي الله عنه -.
" دليل مشروعيها
دلّ على مشروعيتها الجمعة ووجوبها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي إلى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ودروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [الجمعة: 9].
وأحاديث كثيرة منها: ما رواه أبو داود (1067)، عن طارق بن شهاب - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم ... "
وما رواه مسلم (865) وغيره، عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما، أنهما سمعا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد منبره: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين".
[ودعهم: تركهم].
" الحكمة من مشروعيتها:
لمشروعية صلاة الجمعة حكم وفوائد كثيرة، لا مجال لاستقصائها في هذا المكان، ومن أهمها تلاقي المسلمين على مستوى جميع أهل البلدة، في مكان واحد ـ هو المسجد الجامع ـ مرة كل أسبوع، يلتقون على نصيحة تجمع شمالهم وتزيدهم وحدة وتضامناً، كما تزيدهم ألفة وتعارفاً وتعاوناً، وتجعلهم واعين متنبهين للأحداث التي تجد من حولهم كل أسبوع، وتشدهم إلى إمامهم الأعظم الذي ينبغي أن يكون هو الخطيب فيهم، والواعظ لهم.
فهي إذاً مؤتمر أسبوعي يتلاقى فيه المسلمون صفاً واحداً، وراء قائدهم الذي هو إمامهم وخطيبهم فيه.
ولذلك أكثر الشارع من الحث على حضورها، والتحذير من تركها
والتهاون في شانها، وقد مر بك شيء من هذا، وسيأتي بعض منها فيما يلي من كلام، وحسبنا في هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه".
شرائط وجوبها:
تجب صلاة الجمعة على من وجدت فيه الشروط السبعة التالية:
الأول ـ الإسلام:
فلا تجب وجوب مطالبة في الدنيا على الكافر، إذ هو مطالب فيها بأساس العبادات والطاعات كلها ألا وهو الإسلام، أما في الآخرة فهو مطالب بها بمعنى أنه يعاقب عليها.
الثاني ـ البلوغ:
فلا تجب على الصبي لأنه غير مكلف.
الثالث ـ العقل:
إذ المجنون غير مكلف أيضاً.
الرابع ـ الحرية الكاملة:
فلا تجب صلاة الجمعة على الرقيق، لأنه مشغول بحق سيده، فكان مانعاً عن وجوبها في حقه.
الخامس ـ الذكورة:
فلا تجب على النساء، لانشغالهن في الأولاد وشؤون البيت، وحصول المشقة لهن بوجوب الحضور في وقت مخصوص ومكان معين.
السادس ـ الصحة الجسمية:
فلا تجب على المريض الذي يتألم بحضور المسجد أو بانحباسه
فيه إلى انقضاء الصلاة، أو الذي يزداد مرضه شدة بحضوره، أو يزداد طولاً بأن يتأخر برؤه، ويلحق بالمريض الشخص الذي مرضه ويخدمه، ولا يوجد من يقوم مقامه خلال ذهابه إلى الصلاة، مع حاجة المرض إليه، سواء كان الممرض قريباً أم لا، فلا تجب عليه صلاة الجمعة.
السابع ـ الإقامة بمحل الجمعة:
فلا تجب على مسافر سفراً مباحاً ولو قصيراً، إذا كان قد بدأ سفره قبل فجر يوم الجمعة، وكان لا يسمع في المكان الذي هو فيه صوب الأذان من بلدته التي سافر منها.
وكذلك المستوطن في محل لا تصح فيه الجمعة، كقرية ليس فيها أربعون مستوطنون خالون من الأعذار، إذا لم يسمع صوت الأذان من الطرف الذي يلي القرية من بلد الجمعة إلى الطرف الذي يقابله من القرية.
ودلّ على هذه الشروط قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض" [رواه أبو داود: 1067].
وخبر الدارقطني (2/ 3) وغيره، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فعليه الجمعة إلا امرأة ومسافر وعبداً ومريضاً".
ولحديث أبي داود (1056): " الجمعة على كل من سمع النداء".
أي الأذان.
شرائط صحتها:
فإذا توفرت هذه الشروط السبعة، وجبت صلاة الجمعة، إلا أنها لا تصح إلا بشروط أربعة:
الشرط الأول:
أن تقام في خطة أبنية، سواء كانت هذه الخطة ضمن أبنية بلدة، أو قرية يستوطنها ما لا يقل عن أربعين رجلاً ممن نجب عليهم صلاة الجمعة.
والمقصود بالبلدة: ما اجتمع فيه قاضٍ وحاكم، وكان فيه أسواق للبيع والشراء.
والمقصود بالقرية: ما لم يوجد فيه ذلك.
فلا تصح صلاة الجمعة في الصحراء وبين الخيام، ولا في قرية لا يوجد فيها أربعون رجلاً تجب في حقهم صلاة الجمعة.
فإن سمعوا الأذان من البلدة المجاورة لهم، وجب عليهم الخروج إليها لصلاة الجمعة، وإلا سقطت عنهم، كما ذكرنا ذلك عند الحدوث في شروط وجوب صلاة الجمعة.
ودليل هذا الشرط: أنها لم تقم في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الشرط الثاني:
أن لا يقل العدد الذي تقام به صلاة الجمعة عن أربعين رجلاً من أهل الجمعة، أي ممن تنعقد بهم، وهم الذكور البالغون المستوطنون.
لما رواه البيهقي (1/ 177)، عن جابر عم عبدالله - رضي الله عنه - قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة.
وجاء في حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه -، وكانوا يومئذ أربعين.
الشرط الثالث:
أن تقام في وقت الظهر، فلو ضاق وقت الظهر عنها، بأن لم يبق الجمعة، فخرج وقت الظهر وهم فيها، قلوبها ظهراً وأتموها أربع ركعات.
دل على هذا فعله - صلى الله عليه وسلم - لها في هذا الوقت.
روى البخاري (862)، عن أنس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس.
أي إلى الغرب وهو الزوال.
وروى البخاري (3935)؛ ومسلم (860)، علن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال: كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل فيه.
وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: ما كنا نقبل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة.
(رواه البخاري: 897؛ ومسلم: 859).
[نقبل: من القيلولة وهي النوم عند الظهيرة للاستراحة.
نتغدى: نتناول طعام الغداء].
فالأحاديث تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان يصليها إلا في وقت الظهر، بل وفي أول الوقت.
الشرط الرابع:
أن لا تعدد الجمعة في بلد واحد طالما كان ذلك ممكناً، بل يجب أن يجتمع أهل البلدة الواحدة في مكان واحد، فإن كثر الناس، وضاق المكان الواحد عن استيعابهم جاز التعدد بقدر الحاجة فقط.
فلو تعددت الجمعات في البلدة الواحدة بدون حاجة، لم يصح منها إلا أسبقها، والعبرة بالسبق البداءة لا الانتهاء، فالجمعة التي بدأ إمامها بالصلاة قبلاً، هي الجمعة الصحيحة، ويعتبر أصحاب الجمعات الأخرى مقصرين إذا انفردوا بجمعات متعددة، ولم يلتقوا جميعاً في أول جمعة بدأت في البلدة، فتكون جمعاتهم لذلك باطلة ويصلون في مكانها ظهراً.
فإن لم تعلم الجمعة السابقة فالكل باطل، ويستأنفون جمعة جديدة في مكان واحد إن أمكن ذلك واتسع الوقت، وإلا صلى الجميع ظهراً، جبراً للخلل، بل تداركاً للبطلان.
ودليل هذا الشرط:
إن الجمعة لم تقم في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين وعصر التابعين، إلا في موضع واحد من البلدة، فقد كان في البلدة مسجد كبير يسمى المسجد الجامع، أي الذي تصلى فيه الجمعة، أما المساجد الأخرى فقد كانت مصليات للأوقات الخمسة الأخرى.
روى البخاري (860)؛ ومسلم (847)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي ...
[ينتابون: يأتون مرة بعد مرة.
العوالي: مواضع شرق المدينة.
أقربها على بعد أربعة أميال أو ثلاثة من المدينة].
وروى البخاري (852)، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبدالقيس، بجواثي من البحرين.